---
الفصل الأول: الظلال الأولى
لطالما كنت محاطًا بالعتمة، حتى قبل أن أتعلم كيف أسمّيها. في البداية، كنت أظنها جزءًا من الظلام الطبيعي، كأني كنت أعيش في مكان بعيد عن أي ضوء، لا تشرق فيه الشمس أبدًا. لكن مع مرور الوقت، بدأت ألاحظ شيئًا غريبًا في تلك الظلال. كانت تتحرك بطريقة لا يمكنني فهمها، تنبض وكأنها كائنات حية، تلتف حولي، تراقبني.
كنت طفلًا حين اكتشفت تلك القوة، تلك القدرة التي سمحت لي بالتحكم في الظلام كما لو كان جزءًا من جسدي. لكنني لم أفهمها بعد. كنت أظن أن الجميع يستطيعون فعل ذلك، ولكن سرعان ما أدركت أنني الوحيد الذي يمكنه أن يختفي في الظلال أو يغير شكلها كما يشاء.
كلما مررت عبر الزمن، مع كل حقبة جديدة أعيشها، كانت تلك الظلال ترافقني. ترافقني بكل مكان، في كل زمن، ولكنهم كانوا دائمًا يختفون في اللحظة التي يبدأ فيها الضوء في الظهور. والضوء... كان دائمًا يتسارع ليحطم كل شيء حولي. كان يقترب ليغمر الظلال، ثم يختفي من جديد.
أتذكر أول مرة فقدت فيها شخصًا أحببته. كان ذلك في إحدى الحقب التي مررت بها، في تلك القرية القديمة حيث كانت الناس تحيا حياتها بشكل بطيء وهادئ. قابلتُ شخصًا كان يشبهني في شعور الغربة، في عدم القدرة على فهم العالم من حولنا. كانت عيناه مليئة بالأسئلة، مثلما كانت عينيّ. لكنه رحل، كما رحل آخرون قبله، والآخرون بعده. كانت اللحظة التي أدركت فيها أنني لا أستطيع أن أحتفظ بأي شيء. كانت تلك اللحظة التي فهمت فيها أنني محكوم بالظل، محكوم بالفقد.
ما إن يتلاشى شخصٌ من حياتي، حتى أعود إلى الظلال التي تُحيط بي، لتعود إليّ العتمة كما كانت دائمًا. لا أحد يعرفني حقًا، لا أحد يعلم أنني أعيش لأمدٍ لا يُقاس بالسنوات أو الأيام. وأنني، مثل الظلال، أظلُّ موجودًا في كل مكان، ولكن بلا وجود حقيقي.
هل يمكن للظل أن يتذكر؟ أم أننا نعيش فقط لكي نختفي في النهاية؟
نه
اية الفصل الأول.