---
الفصل التاسع: قوة الظلال
بعد كلمات نيرا، بدأ الظلام ينهار. لم يكن سقوطًا مفاجئًا، بل أشبه بضباب يتلاشى ببطء، تاركًا خلفه عالمًا جديدًا. شعرت بالارتباك… كنت معتادًا على العتمة، على البرد الصامت الذي يرافقها، لكن الآن؟ الآن كان هناك شيء مختلف.
تغير الجو.
الظلام انقشع كما لو أنه لم يكن موجودًا، كأن أحدهم أزاله بحركة يد غير مرئية. رمشت ببطء، محاولًا استيعاب التغيير.
"غريب."
كانت تلك أول كلمة نطقت بها بعد ذهاب الظلام. نظرت حولي، مشاعر مختلطة تملأ صدري. هذا المكان… مألوف بطريقة ما، لكنني لا أستطيع تذكر السبب. هل كنت هنا من قبل؟ أم أن ذاكرتي تلعب معي؟
الغابة التي تحيط بي لم تكن عادية. الأشجار شاهقة، لكن ألوانها… كانت مختلفة. زهرية، حمراء، صفراء، تتداخل مع بعضها وكأن الطبيعة قررت أن تتحدى القواعد التي أعرفها. كان الهواء مشبعًا برائحة لم أستطع تحديدها، شيء بين رائحة الخريف والربيع، كأن الزمن نفسه عالق بين فصلين.
في تلك اللحظة، بدأت الأشجار تتمايل ببطء، وكأن شيئًا غير مرئي يتحرك بينها. شعرت بوخز بارد يزحف على عمودي الفقري… لم نكن وحدنا هنا.
ثم سمعت الصوت.
"غغغرااااه!"
من بين الأشجار الملونة، خرجت مخلوقات قصيرة القامة، مشوهة الملامح، بجلد أخضر مغطى بالبثور، وأنياب بارزة من أفواهها التي تقطر بلعاب كريه. الغوبلن. كانوا خمسة، يتحركون كحيوانات جائعة، أعينهم الصغيرة تتوهج في الظلام الذي لا يزال ينسحب من حولي.
لكن قبل أن أستعد للهجوم، حدث شيء غريب.
الظل تحرك.
لم أكن أعلم أنني أستطيع فعل ذلك بهذه السهولة، لكن ما إن رفعت يدي حتى رأيت الظلام الذي كان قد تلاشى يعود إليّ… لم يكن مجرد ظلام، بل كان حيًا.
خرجت خيوط سوداء من تحت قدمي، تنزلق على الأرض بسرعة مذهلة، وكأنها زئبق حي. الغوبلن لم يدركوا ما يحدث إلا بعد فوات الأوان.
أول من اقترب مني توقف فجأة، ثم صرخ بألم. الظلال كانت قد أمسكت به.
"ما… ما هذا؟!"
كان جسده يُسحب إلى الأسفل كما لو أن الأرض نفسها كانت تبتلعه. الظلال التفت حول قدميه أولًا، ثم زحفت ببطء صعودًا، كالأفاعي السوداء، تشدّه نحو العدم.
أدركت ما يحدث… كنت أفكّك جسده.
الجلد تحلل أولًا، ثم اللحم بدأ يختفي، يتلاشى كما لو أنه يُمتص إلى داخل الظلام. خلال لحظات، لم يتبقَ سوى العظام، التي سقطت على الأرض بصوت جاف.
بقية الغوبلن تراجعوا خطوة، عيونهم اتسعت برعب. أحدهم حاول الهروب، لكن الظلال كانت أسرع منه. امتدت مثل يد ضخمة، وقبضت عليه من رأسه، ثم سحبته بسرعة لدرجة أنه لم يتمكن حتى من الصراخ. عندما اختفى داخل الظلام، لم يعد هناك شيء… لا عظام، لا دماء، فقط العدم.
ظهور الوحوش الأخرى
لكن الغوبلن لم يكونوا الوحيدين في الغابة.
من بين الأشجار، ظهر مخلوق آخر. كان طويلاً، جلده رماديًا متشققًا، وله أربعة أذرع، كل منها تحمل مخالب حادة. عينيه كانتا مثل جمرتين مشتعليتن، وفمه يمتلئ بأسنان تشبه الإبر.
"مذهل…" تمتم بصوت خشن، وكأنه لم يكن خائفًا، بل مهتمًا.
كان هذا أول وحش لا يتراجع أمام الظلال.
تقدّم نحوي ببطء، ثم اختفى فجأة من أمامي.
قبل أن أشعر بوجوده خلفي مباشرة.
استدرت بسرعة، لكن الوقت لم يكن كافيًا. ضربني بمخالبه، دفعتني قوته إلى الوراء، وانزلقت على الأرض وسط العشب الغريب.
لكن الظل لم يكن مجرد سلاح…
كان درعًا.
قبل أن تصل مخالبه إليّ مجددًا، تحرك الظلام حولي كجدار حي، صد الهجوم بقوة، وكأن يدي غير مرئية أمسكت بالوحش وأوقفته.
الآن، حان دوري.
رفعت يدي، والظلال استجابت.
الظلام يلتهم النور
تحركت خيوط الظلام بسرعة، تحيط بجسد الوحش بالكامل. حاول المقاومة، لكن الظلام كان أقوى.
بدأ جسده يتلاشى ببطء، ليس كما حدث مع الغوبلن… بل وكأن وجوده ذاته يُمحى. كانت مخالبه تتحول إلى رماد، ووجهه الذي كان مليئًا بالثقة قبل لحظات أصبح الآن مليئًا بالرعب.
"مستحيل… هذا ليس سحرًا عاديًا…" كانت آخر كلماته قبل أن يختفي بالكامل.
عندما انتهى كل شيء، نظرت حولي.
الغابة كانت صامتة. الظلال عادت إل
يّ، كأنها لم تفعل شيئًا. لكنني كنت أعرف… كنت أزداد قوة.
وكان هذا… مخيفًا.
---