هانغتشو، الصين – الشتاء

كان الصباح باردًا على غير عادته في تلك المدينة الجنوبية، كأن الجبال تسربت إلى الأزقة، والضباب نزل ليغطي كل شيء بلونٍ رماديّ يشبه النسيان.

في التلة الغربية، وسط الحقول المزهرة بالشاي الأخضر، وقف قصر عائلة ليو شامخًا، كأنما الزمن لم يجرؤ أن يمر عليه. أعمدة خشبية مطعّمة بالتنين الذهبي، أسقف منحنية تنتهي بأفواه وحوش حجرية، وبوابة أمامية تتدلّى منها فوانيس حمراء خافتة.

داخل غرفة الاجتماعات الكبرى، جلس ليو جيانغ، كبير العائلة، رجل جاوز السبعين بعينين ضيقتين لا تعرف الرحمة، يرتشف الشاي من فنجان خزفي بنقوش زرقاء قديمة.

– "إن طعمه مرّ هذه المرة"، قالها بهدوء كأنما يحدّث نفسه.

ردّ عليه مساعده المخلص هو مينغ بصوتٍ خفيض:

– "إنها أوراق الربيع، سيدي. أول قطفة من الموسم الجديد."

وضع جيانغ الفنجان، وعيناه تترصّدان المدى خلف النافذة، كأنما يرى شيئًا في الضباب.

– "الربيع يجلب الحياة... لكنه يجلب الأعداء أيضًا."

دخلت ليو ميانغ بخطى ثابتة. كانت ترتدي سترة سوداء أنيقة، وشعرها مربوط بدقة. في عينيها لمعة ذكاء، وفي وجهها حذر من وُلدت في عائلة لا تغفر الأخطاء.

قالت:

– "وصلتني أخبار من شنغهاي. تم الاستحواذ على فرعنا هناك من خلال سلسلة صفقات خفية... كلها تقود إلى شركة تدعى 'لونغ تاي'."

زمّ جيانغ شفتيه.

– "تشانغ... لا بد أن الاسم عاد."

ساد صمت، قُطع فقط برنين الخزف حين وضعت ميانغ ملفًا على الطاولة.

– "المدير التنفيذي للشركة شخص يدعى تشانغ وينهاو. سجله نظيف... لكنه ظهر فجأة قبل عام فقط. لا أحد يعرف من أين جاء. كل ما لدينا أنه عاش في فانكوفر، وعاد للصين قبل ثمانية أشهر."

أغلق جيانغ عينيه لحظة، وكأن الاسم لسع ذاكرته.

– "تشانغ... كان يجب أن ينقرض هذا الاسم مع أبيه."

رفعت ميانغ حاجبًا، لكنها لم تسأل. فالأسرار في هذه العائلة لا تُسأل، بل تُكتشف أو تُدفن.

قال جيانغ بصوتٍ حاد:

– "راقبيه. لا تتحركي قبل أن أعطي الإذن. إن كان من نسلهم فعلًا، فسنعامله كما عاملناهم من قبل."

---

في الجهة الأخرى من المدينة، كان تشانغ وينهاو يقف على سطح أحد مباني شركته، يراقب هانغتشو من الأعلى. المدينة بدت كلوحة حبرٍ صينيٍّ قديم. في يده كوب قهوة، وفي عينيه نظرة غريبة... مزيج من الغربة والانتماء.

خلفه دخل رجل مسنّ، كان يحمل وشمًا باهتًا على عنقه: تنين ملتف حول زهرة.

قال بنبرة متوجسة:

– "السيد وينهاو، مراقبو آل ليو بدأوا يتحركون."

أومأ وينهاو دون أن يلتفت:

– "دعهم يراقبون... هم قتلوا اسمي منذ ثلاثين عامًا. والآن، سأعيده للحياة."

سكت لحظة، ثم أضاف:

– "لكن قبل أن يكتشفوا ما أنوي فعله، دعهم يعرفون شيئًا بسيطًا..."

التفت أخيرًا، وعيناه تحملان بردًا غريبًا:

– "أن التنين لا يعود لينام. بل ليُحرق كل من خانه."

---

شنغهاي، قبل 27 عامًا

كانت الغرفة صغيرة ومظلمة، لا ينفذ إليها النور إلا من شقوق خشبية مرتجفة.

على الأرض، امرأة بثياب رثة تضغط طفلًا رضيعًا إلى صدرها، تحاول أن تهدّئ أنفاسه التي ترتجف من البكاء. من خلف الجدار، تتعالى صيحات وركلات وشتائم باللغة الرسمية.

– "أين هو؟ قيل لنا إن الوريث ما زال على قيد الحياة!"

كان الصوت غليظًا، يحمله غضب لا يرحم. لكن المرأة لم تجب، فقط نظرت إلى طفلها، وهمست بصوتٍ مرتجف:

– "اسمك هو وينهاو... لا تنسَ أبدًا. حتى لو أخفوك، حتى لو كذبوا عليك... اسمك الحقيقي سيناديك يومًا."

ثم جاء الصمت.

حالياً – بكين، الصين

في صالة زجاجية تطل على نهر اليانغتسي، اجتمع ثلاثة رجال حول طاولة بيضاء مستديرة. وجوههم محايدة، بدلاتهم داكنة، وأصابعهم ترتعش من فرط الجشع لا الخوف.

قال أحدهم:

– "إن تحرّكات وينهاو تثير القلق. هو لا يتصرّف كرجل أعمال، بل كمَن يخطط لشيء أكبر."

ردّ الآخر بضحكة باردة:

– "دعه يحرق نفسه. آل ليو سيبتلعونه قريبًا. نحن نربح من كليهما."

لكن الثالث لم يضحك، بل تناول جهازًا لوحيًا وعرض صورة ليو ميانغ، وعيناه تضيقان:

– "الفتاة ليست كسواها. إن قررت دخول اللعبة... فلن تكون كقطعة شطرنج."

---

هانغتشو – قصر آل ليو

كانت ليو ميانغ تجلس في غرفة التدريب، تمارس فنون السيف الخشبي كما اعتادت منذ الطفولة. لكنها هذه المرة كانت تضرب الهواء بحدة أكبر، كأنما تحاول طعن أشباح الماضي.

دخلت عليها الخادمة شياو لين، وقالت بتردد:

– "آنستي... وصل صندوق من بكين.

لا يحمل اسم المُرسل، لكنه مختوم بشعار تنين مزدوج."

توقفت ميانغ، قلبها يخفق بشيء لم تفهمه، لكنها أخفته كعادتها. فتحت الصندوق... بداخله كتاب قديم، مغلف بجلد رمادي، عنوانه مكتوب بالفرشاة:

"سجلات تشانغ، 1966 – 1976"

تحت العنوان، ورقة بيضاء كتب عليها بخط دقيق:

"تبدأ العدالة حين تُكسر الرواية الواحدة."

---

منزل تشانغ وينهاو – ليلاً

جلس وينهاو في مكتب مغطى بأرفف الكتب، أمامه صورة قديمة بالأبيض والأسود: رجل بوجه صارم، يرفع راية مصنع الشاي وسط حشد من العمال. خلف الصورة، كانت ملاحظات متفرقة:

– "أين اختفى بعد عام 1971؟"

– "من قتل تشانغ يونلين؟ هل كانت خيانة من الداخل؟"

– "اسم ليو جيانغ يظهر في تقرير الشرطة السرّي."

دخل عليه مساعده، وقال بنبرة حذرة:

– "ليو ميانغ استلمت الكتاب. يبدو أنها بدأت تفهم."

لم يبتسم وينهاو، بل قال:

– "جيد. أردتها أن تعرف. الآن... حان وقت الخطوة التالية."

في الظل، كان التنينان يستعدان للانقضاض من جديد. لكن هذه المرة، الدم لن يسيل فقط بين الكبار.

بل بين من وُلدوا في نار لم يختاروها.

2025/08/01 · 28 مشاهدة · 811 كلمة
نادي الروايات - 2026