هانغتشو – وسط المدينة

في بهو فندق فاخر، تحيطه ناطحات الزجاج والبخور الصناعي، جلس تشانغ وينهاو برباطة جأش أمام فنجان شاي ياباني، رغم أن المكان يعج بالثرثرة ووهج الأضواء.

بدا عليه أنه ينتظر أحدًا. لم يكن يرتبك، بل كأن اللحظة محسوبة بدقة.

عند الساعة الثالثة تمامًا، دخلت ليو ميانغ، بثوب رمادي رسمي، خطواتها رشيقة وثابتة كأنها لا تحمل إلا الهواء. لكنها في داخلها كانت تغلي.

اقتربت منه دون تحية، وجلسا وجهًا لوجه. نظر إليها وقال بهدوء:

– "الشبه بينك وبين جدّك مخيف... لكنك لا تحملين نظرته."

ردّت بسرعة، بعينين متّقدتين:

– "وأنت لا تشبه والدك، إلا في العناد."

ابتسم ابتسامة باهتة.

– "لست هنا لإثارة الماضي... رغم أنه يعيش فيك كما يعيش فيّ."

وضعت ميانغ حقيبة صغيرة على الطاولة، وسحبت منها نسخة من الكتاب الذي أُرسل إليها، ثم رمته أمامه.

– "أردتني أن أقرأ هذا؟ حسنًا... قرأته. كل سطر فيه يُديننا ويُبرّئكم. هذا إن صدّقنا أنه لم يُكتب على يد محاميك."

انحنى وينهاو قليلًا نحوها، وصوته صار أخفض:

– "ما يخيفني أنك قرأتِه ولم تنكري ما فيه."

صمتت، لكنها لم تُحوّل عينيها عنه.

– "أنا لا أنكر شيئًا، لأنني لا أملك الحقيقة. لكنني لست دمية في صراعك معنا، وينهاو."

نظر حوله، ثم قال:

– "أريد أن أكشف كل ما حدث. لا أمامك فقط... بل أمام العلن. لديّ وثائق وشهادات ورجال كانوا هناك. وأنت... يمكنك أن تكوني شاهدة لا عدوّة."

أجابته ببرود:

– "أو يمكنك أن تجرّنا جميعًا إلى حرب إعلامية... وجنازات أخرى."

وقف ببطء، ثم قال بصوت ناعم لكنه عميق:

– "الحرب بدأت منذ زمن، يا ميانغ. أنا فقط جئت لأخبرك أنني لن أخوضها وحدي."

وغادر.

---

نفس الليلة – قصر آل ليو

كان ليو جيانغ يجلس في قاعة التأمل، يتنشق البخور ويحدّق في صورة قديمة بالأسود والأبيض. صورة لخمسة رجال وامرأة، جميعهم يبتسمون في مصنع شاي، فوقهم لافتة كتب عليها: "التعاون شرفٌ للوطن."

دخل هو مينغ، الخادم القديم، وهمس:

– "كانت في اجتماع مع وينهاو."

لم يتفاجأ جيانغ.

– "أردتها أن تراه. وأن تشمّ الرائحة القديمة."

– "هل نتصرف؟"

– "ليس بعد. أريدها أن تكتشف الخيانة وحدها... لتعرف لماذا لا نغفر في هذه العائلة."

---

في مكان مجهول – ضواحي بكين

في قبو بارد، جلس رجل مُسنّ على كرسي معدني. وجهه مُنهك، لكن عينيه لا تزالان حادتين. أمامه شاشة تعرض صورًا بالأبيض والأسود.

الصوت من خلفه يقول:

– "الشاهد رقم 4 مستعد. كان ضمن وحدة التحقيق في 1971. مستعد للشهادة أن آل ليو دبروا الاعتقالات."

الرجل لم يتكلم، بل قال أخيرًا:

– "اجمعوا الباقين. إن لم نُخرج الحقيقة للعلن، ستموت مرتين."

كانت هذه بداية الخروج من الظل.

---

مقاطعة تشجيانغ – مصنع الشاي القديم

في أطراف التلال الملبدة بالضباب، كان مصنع آل ليو القديم ينتصب كأثر من عصر انقضى، جدرانه مشققة، وسقفه الخشبي تتدلّى منه أعشاش الطيور. المكان مهجور منذ أكثر من عشرين عامًا، لكنه الآن يعجّ بحركة رجال في الخفاء.

ليو ميانغ دخلت مرتدية معطفًا طويلاً، ترافقها شياو لين، حارستها الشخصية التي لا تفارق ظلها منذ صغرها. وقفتا وسط القاعة القديمة حيث كانت ذات يوم تُجفف أوراق الشاي، وكان الهواء يحمل رائحة رماد باهت.

قالت شياو لين وهي تتفقد الزوايا:

– "من الغريب أن نعود إلى هنا."

ردت ميانغ ببطء:

– "هنا بدأ كل شيء. وهنا ربما... يمكن أن أنهيه."

رفعت عينيها نحو العوارض العتيقة، كأنها تبحث عن أثرٍ في الخشب.

ثم سحبت من حقيبتها نسخة من وثيقة حصلت عليها سرًّا: شهادة مزوّرة تعود لعام 1971، بتوقيع شرطي محلي يفيد بأن تشانغ يونلين كان يتآمر على الدولة.

قالت ببطء:

– "الوثيقة التي سُجِن بسببها والد وينهاو... مزيّفة."

سألت شياو لين بقلق:

– "هل ستخبرين جدك؟"

– "لا."

– "ولمَ لا؟"

نظرت إليها ميانغ بنظرة كانت أقرب إلى الحزن منها إلى الغضب:

– "لأنني لا أعرف بعد... إن كنتُ أقف بجانب الحقيقة، أم بجانب العائلة."

---

ليو جيانغ – قصر العائلة

في غرفة مظلمة لا تنيرها سوى شموع البخور، كان ليو جيانغ يقرأ رسالة كتبت بخطّ مهتز:

"إن حفيدتك تقترب من الجدار الذي لا يجب تجاوزه. إن لم تُوقفها... فالعائلة ستنزف من الداخل."

كان التوقيع: تشانغ آنلين.

تمتم جيانغ:

– "أنت لا تزال تلعب في الظلال، يا آنلين... حتى بعد أن أحرقناك في الضوء."

ثم أشار إلى مساعده، وقال:

– "استدعِ 'الظل الأسود'. أخبره أن المهمة تغيّرت. الهدف لم يعد وينهاو فقط..."

نظر إليه بثقل:

– "...بل كل من يفتح فمه باسمٍ قديم."

---

بكين – حيّ قديم في المدينة المحرّمة

تحت أحد المقاهي القديمة، في قبو ضيّق يضيئه مصباح واحد، كان تشانغ وينهاو يراجع ملفات بالأبيض والأسود: صور، شهادات وفاة، وثائق رسمية، ورسائل مشفّرة.

بجانبه، كان يقف العجوز الشاهد، الذي بالكاد يتنفس من أثر الزمن.

قال وينهاو:

– "ما قلته كافٍ لنسف صورة آل ليو بالكامل."

أجاب العجوز وهو يحدق فيه بنظرة غريبة:

– "كلمة واحدة في المكان الخطأ، ستجعل رقبتك تنام في الظلام."

– "أنا لا أخشى الظلام... أنا وُلدت فيه."

ثم تناول صورة تظهر فتاة صغيرة بجانب رجل بزيّ رسمي، كانت الصورة مختومة بختم حكومي قديم.

قال العجوز:

– "الفتاة هي ميانغ. كانت هناك... في يوم الاعتقال."

سكت وينهاو.

لم يكن يعرف أن ميانغ رأت، يومها، كل شيء.

---

ليلاً – أحد شوارع هانغتشو القديمة

كانت ليو ميانغ عائدة في سيارتها من المصنع، حين اعترض طريقها رجل يرتدي سترة داكنة وخوذة سوداء.

بسرعة أخرج سكينًا طويلًا، وانقض على السيارة قبل أن تبدأ في التحرك.

لكن شياو لين تصدت له، وقاتلته في الظلام بهجوم مفاجئ يشبه الظلال.

لم يكن سارقًا... كان قاتلًا محترفًا، يضرب دون صوت، ويتراجع كالدخان.

في النهاية، هرب... لكن ليس قبل أن يهمس لشياو لين:

– "أخبريها... أن الدم بدأ يسيل."

2025/08/01 · 10 مشاهدة · 877 كلمة
نادي الروايات - 2026