1 - النادل ذو العينين البنفسجيتين

لم تتوقف السماء عن البكاء ذلك المساء. كانت مدينة فيسنيا غارقة تحت ستارٍ من المطر الرمادي، الشوارع الحجرية تلمع كأنها مرايا مكسورة، والمصابيح المعلقة تهتز مع الرياح الباردة التي تعبر الأزقة الضيقة كأشباح تبحث عن مأوى. في طرف الشارع الرئيسي، وقف مبنى قديم من ثلاثة طوابق، لافتته الخشبية تتأرجح بصريرٍ خافت: "بار القمر الفضي — غرف للمسافرين." الطابق الأول بار صاخب عادةً، لكن المطر جعل الزبائن قليلين. أما الطابق الثاني فكان فندقًا بسيطًا، يستقبل العابرين الذين لا يسألون كثيرًا ولا يُسألون. فتح الباب بعنف. دخل رجل ضخم. ارتطم حذاؤه المعدني بالأرض، وصوت خطواته بدا أثقل من المطر نفسه. كان يرتدي درعًا كاملاً، أسود اللون، مغطى بخدوش عميقة وكأنه خرج لتوه من معركة طويلة. عباءة داكنة تقطر ماءً خلفه، وسيفٌ عريض معلق على ظهره. ساد الصمت للحظة. رفع النادل نظره. كان شابًا في منتصف العشرينات، شعره الأسود الطويل مربوط بخيط بسيط خلف رأسه، وعيناه البنفسجيتان هادئتان بشكل غير طبيعي. ملابسه مرتبة بدقة، وحركاته بطيئة كأن العالم لا يستطيع استعجاله. قال الفارس بصوتٍ خشن: "أريد غرفة." لم يسأل النادل عن الاسم. لم يسأل عن الوجهة. فقط انحنى قليلًا، وأخرج مفتاحًا نحاسيًا من خلف المنضدة. "الغرفة رقم اثني عشر." تناول الفارس المفتاح بصمت، وحدق للحظة في عيني النادل، وكأنه يحاول تذكر شيءٍ ما… أو التأكد من أمرٍ غامض. ثم استدار وصعد الدرج. اختفت خطواته تدريجيًا. عاد الصمت. تنهد النادل بهدوء وهو يمسح كأسًا زجاجيًا بقطعة قماش بيضاء. وفجأة— "إليــــــــان!" قفزت فتاة فوق المنضدة تقريبًا. كادت الكؤوس تسقط لولا أن النادل أمسكها دون أن ينظر حتى. كانت فتاة في السادسة عشرة، شعرها الفضي القصير يتحرك بحيوية، وعيناها تلمعان بالحماس الدائم. ترتدي ملابس تدريب خفيفة، وعلى خصرها سيف خشبي للتدريب. عبست قائلة: "تجاهلتني مجددًا!" أجاب إليان بهدوء دون أن يرفع رأسه: "دخلتِ من النافذة مجددًا." ابتسمت بفخر. "الأبطال لا يستخدمون الأبواب." تنهد. "اللصوص أيضًا." ضربته بخفة على كتفه. "أنا سيرينا! ابنة صاحب المكان! هذا حقي!" سيرينا… الفتاة التي يعرفها كل من في الحي. عاشقة السيوف، مهووسة بالسحر، وحلمها الوحيد دخول الأكاديمية الملكية** — المكان الذي يُصنع فيه فرسان المملكة وسحرتها. لكن اليوم… لم تكن تبتسم بالكامل. جلست أمامه، وأخفضت صوتها. "إليان…" توقف عن تنظيف الكأس. "أريد التقديم للأكاديمية هذا العام." صمتت لحظة. "...لكنني خائفة." كانت الكلمات ثقيلة عليها. "الجميع يقول إن الاختبار مستحيل… وأن أبناء النبلاء فقط ينجحون… ماذا لو فشلت؟" اهتز صوتها قليلًا. لأول مرة، بدت سيرينا… مجرد فتاة صغيرة. رفع إليان نظره أخيرًا. عيناه البنفسجيتان كانتا هادئتين بشكل غريب، كبحيرة لا تعكس السماء بل تخفي عمقًا لا يُقاس. ظل يحدق بها لثوانٍ. ثم انحنى أسفل الطاولة وأخرج ظرفًا أبيض مختومًا بشمعٍ أسود. وضعه أمامها. "أعطيه لمدير الأكاديمية عندما تصلين." رمشت بدهشة. "ما هذا؟" "رسالة توصية." اتسعت عيناها. "توصية؟! منك؟!" لم يجب. أمسكت الظرف بسرعة وكأنه كنز. قفزت واقفة وهي تضحك: "أنا الأفضل! كنت أعلم أنك تؤمن بي يا قطعة الثلج بلا مشاعر!" لم يتغير تعبير إليان. لكن عندما استدارت لتغادر… قال بهدوء: "سيرينا." توقفت. "لا تثقي بأحد داخل الأكاديمية بسرعة." التفتت باستغراب. "لماذا؟" صمت لحظة. "...فقط تذكري ذلك." هزت كتفيها بابتسامة. "أنا قوية! لا أحد يستطيع خداعي!" وغادرت راكضة. عاد الهدوء إلى البار. لكن ابتسامة إليان اختفت فورًا. نظر نحو السقف… تحديدًا باتجاه الغرفة رقم 12. وفي الأعلى… كان الفارس جالسًا على حافة السرير، ممسكًا خوذته بين يديه. وجهه شاحب، وعيناه مليئتان بالإرهاق. همس: "إذن… أنت هنا فعلًا." ثم أخرج قطعة معدنية صغيرة محفور عليها رمز قديم — نفس الرمز المختوم على الظرف الذي أعطاه إليان لسيرينا. في تلك اللحظة… اهتز الهواء. شعور ثقيل مرّ في المكان، كأن شيئًا استيقظ. في الأسفل، توقف إليان عن الحركة. أغلق عينيه ببطء. وهمس: "بدأتِ بالتحرك… أسرع مما توقعت." خارج البار، تحت المطر، وقف رجلان يرتديان عباءات سوداء يراقبان المبنى. قال أحدهما: "تم التأكد. الهدف داخل فيسنيا." أجاب الآخر: "وماذا عن حارس الظل؟" صمت الأول قليلًا. ثم قال بقلق واضح: "...إذا كان هو فعلًا… فهذه المهمة تحولت إلى انتحار." وفي الطابق الثاني… انطفأت شمعة الغرفة رقم 12 وحدها. رغم أن النوافذ كانت مغلقة. وكأن الظلام نفسه… دخل الغرفة

2026/03/28 · 14 مشاهدة · 631 كلمة
بافوميت
نادي الروايات - 2026