كان الليل قد بسط رداءه الثقيل فوق المدينة، وصمت مطبق يلف أرجاء المنزل إلا من صرير خفيف تصدره الرياح وهي تداعب زوايا النوافذ. في غرفته، كان بليك إيثر يجلس خلف مكتبه الخشبي، تحيط به هالة شاحبة من ضوء مصباحه المكتبي الذي كان يصارع الظلمة المحيطة. انتهى بليك للتو من مراجعة دروسه، فأغلق كتبه الدراسية بحركة آلية، زافراً زفرة طويلة تعبر عن ملل تسلل إلى روحه بعد ساعات من الجهد الذهني الروتيني. كانت عيناه، وخصوصاً تلك الجوهرة الخضراء في عينه اليمنى، تلمع ببريق غامض تحت الضوء الخافت، وكأنها ترفض هذا الركود.

مد يده ببطء نحو الدرج السري، واستخرج منه ذلك المجلد الذي يرتجف له الهواء من حوله: "شمس المعارف". لم يكن مجرد كتاب، بل كان كياناً ينبض بقوة قديمة ومرعبة. بدأ بليك يقلب صفحاته بحذر، فكانت الأوراق المصفرة ذات الرائحة العتيقة تبدو وكأنها جلود كائنات بائدة. مرر أصابعه فوق الرسوم الهندسية المعقدة، والطلاسم التي بدأت تهمس في عقله بكلمات غير مفهومة. رأى صفحات تصور أطوار القمر وتأثيرها على تدفق المانا، وصفحات أخرى تحتوي على رسومات لكيانات برؤوس حيوانية وأجساد من دخان، حتى توقفت عيناه فجأة عند صفحة بدت أنقى من غيرها، كأنها كُتبت بمداد من نور القمر.

كان عنوان التعويذة مكتوباً بخط عريض غريب: "قبل أن ترمش".

استشعر بليك وخزاً في أطرافه، فضولاً لا يمكن كبته دفعه لحمل الكتاب والنزول إلى الطابق السفلي. كان ضوء التلفاز المنبعث من غرفة المعيشة ينعكس على الجدران بظلال زرقاء متراقصة. هناك، كان بابادوك يجلس بضخامته المعهودة بجانب نيرو، بينما كانت مونو تتوسطهما، وعيونهم جميعاً معلقة ببرود على الشاشة التي كانت تعرض برنامجاً لم يعره بليك اهتماماً.

اقترب بليك منهم، ووضع الكتاب المفتوح أمام مونو، مشيراً بإصبعه إلى الكلمات الغامضة. سألها بصوت هادئ يحمل نبرة التساؤل: "مونو، هل مررتِ بهذه التعويذة من قبل؟ ما هي (قبل أن ترمش) بالضبط؟"

نظرت مونو إلى الكتاب، وانقبضت ملامح وجهها الطفولي فجأة، وحلّت جدية غريبة مكان هدوئها المعتاد. قالت بنبرة خفيضة كأنها تخشى أن تسمعها الجدران: "هذه ليست مجرد تعويذة يا بليك، إنها جسر زمن ومكان محفوف بالمخاطر. من يستعملها يمنح روحه القدرة على رؤية شريط حياته كاملاً، منذ الصرخة الأولى في المهد وحتى اللحظة التي نطق فيها بآخر حرف من التعويذة. إنها تجعلك تعيش الماضي كأنه حاضر، بكل تفاصيله التي ظننت أنك نسيتها."

أجاب بليك وهو يمعن النظر في الحروف المتداخلة: "يبدو الأمر مثيراً للاهتمام، أريد تجربتها. أشعر أن هناك فجوات في ذاكرتي أحتاج لملئها، ربما تكون هذه هي الطريقة."

قاطعت مونو حديثه بحزم، ووضعت يدها فوق الصفحة وكأنها تحاول إغلاقها: "تريث يا بليك، لقد وصفتُ لك الغاية ولم أصف لك الثمن. هذه التعويذة يُطلق عليها (المعيبة) في دوائر السحر العتيق، لسبب وجيه جداً. بمجرد أن تبدأ الرحلة وتدخل في غياهب ذكرياتك، ستفقد السيطرة على تدفق الزمن. القاعدة الوحيدة هناك هي رمشة عينك؛ في كل مرة ترمش فيها، سيندفع وعيك إلى الأمام في الجدول الزمني لذكرياتك، لن تستطيع التوقف، ولن تستطيع العودة للخلف. ستكون مسافراً مجبراً على تجاوز لحظات قد ترغب في البقاء فيها للأبد، أو الهروب من لحظات مؤلمة بسرعة أكبر مما تسمح به التعويذة."

صمتت مونو قليلاً قبل أن تضيف بنبرة أكثر تحذيراً: "والأدهى من ذلك، أن لتعويذة (قبل أن ترمش) إرادة خاصة، كأنها كائن حي يتغذى على مانا وجوهر من يستعملها. هي لا تتعامل مع الجميع بنفس الطريقة؛ فلكل شخص مدخله الخاص للجحيم أو النعيم. قد تكون معك رحيمة وتكشف لك حقائق، وقد تكون معك وحشية فتسجنك في حلقة مفرغة من المشاعر التي لا يطيقها قلبك. إنها مقامرة بهدوئك النفسي."

ابتسم بليك ابتسامة خفيفة، لكنها كانت تحمل تصميماً صلباً لا يلين. نظر إلى مونو، ثم إلى نيرو وبابادوك الذين كانوا يراقبون الحوار بصمت وتوجس، وقال: "مونو، لقد واجهت من الأهوال ما يجعل ذكرياتي الخاصة تبدو كأنها نزهة في حديقة. لست خائفاً من رؤية ماضيّ، بل أنا خائف من الجهل به. أريد أن أعرف من أنا حقاً، وكيف وصلت إلى هنا، حتى لو كان الثمن هو الارتماء في حضن هذه التعويذة المتقلبة. سأفعل ذلك."

تنهدت مونو بعمق، مدركة أن بليك اتخذ قراره ولا سبيل لردعه. قالت وهي تنسحب ببطء: "إذاً، استعد يا بليك. تذكر، لا تغلق عينيك إلا إذا كنت مستعداً لترك اللحظة التي تعيشها خلف ظهرك، لأنك لن تراها مجدداً في هذه الرحلة."

أغمض بليك عينيه لنصف ثانية، استجمع فيها كل ذرة من المانا الساكنة في عروقه، ثم بدأ يتمتم بكلمات التعويذة كما سُطرت في "شمس المعارف". كانت الحروف تخرج من فمه ثقيلة، كأنها أحجار تُلقى في بئر سحيقة، وما إن نطق الحرف الأخير حتى اضطرب الهواء من حوله بشكل عنيف. وفجأة، انبعث ضوء أبيض باهر، لم يكن مجرد ضوء، بل كان طوفاناً من البياض المطلق الذي ابتلع معالم غرفة المعيشة، وقطع صلته بالواقع المادي. شعر بليك بجسده يتبخر، وبحواسه تذوب في هذا الفراغ المتوهج، حتى انعدم لديه الشعور بالوزن أو الاتجاه.

لم يستمر هذا العمى البصري طويلاً، إذ بدأت الألوان تتشكل تدريجياً من قلب البياض، لكنها لم تكن ألوان عالمنا؛ بل كانت باهتة، مشبعة بضباب رمزي غريب. وجد بليك نفسه واقفاً على لوح خشبي يترنح ببطء، واستنشق رائحة ملح قوية ممزوجة برائحة الخشب العفن. لقد كان على متن قارب صغير، يتوسط ميناءً غارقاً في ضباب كثيف، حيث بدت المباني البعيدة كأنها أشباح حجرية تراقب بصمت. كان القارب خالياً تماماً من البشر، لا يوجد عليه سوى صناديق خشبية وحبال مهترئة، كأنها حمولة منسية من زمن غابر.

عقد بليك حاجبيه بذهول، والتفت حوله محاولاً استيعاب ما حدث. كيف انتقل من أريكة منزله الدافئة إلى هذا القارب الوحيد وسط البحر؟ وفجأة، لاحظ شيئاً يكسر منطق الواقع؛ طيوراً ضخمة ذات أجنحة ملونة كانت تحلق فوق الساحل، طيوراً لم يسبق له رؤيتها في أي كتاب جغرافيا، كانت تنعق بأصوات تشبه صليل المعدن.

"لا تبحث عن المنطق في هندسة العقل يا فتى، فالواقع هنا مجرد اقتراح."

جاء الصوت عميقاً وهادئاً من خلفه. التفت بليك بسرعة، لتتسع حدقتاه دهشةً. كان هناك رجل يجلس بوقار على صندوق خشبي، لكنه لم يكن بشراً عادياً؛ كان يمتلك جسد رجل يرتدي معطفاً طويلاً من الصوف البني، لكن رأسه كان رأس ذئب بني ضخم، ذو فراء كثيف وعيون ذهبية تفيض بحكمة باردة. لم يبدُ الذئب عدوانياً، بل كانت ملامحه توحي بنوع من الرزانة الجنائزية.

تحدث الرجل ذو رأس الذئب بلكنة رصينة: "مرحباً بك يا بليك إيثر. لا داعي للقلق، جسدك المادي لا يزال هناك، جالساً في أمان تحت أنظار مونو ورفاقك. أما هذا المكان، فهو الردهة التي صنعتها التعويذة داخل دهاليز عقلك. أنت الآن تقف في المنطقة الفاصلة بين الوعي واللاوعي، وبوابتك نحو ذكرياتك ستبدأ من هنا."

استعاد بليك رباطة جأشه، وسأل بنبرة حذرة وهو يلمس نصل ذكائه: "ومن تكون أنت؟ هل أنت كيان مستدعى من الكتاب، أم مجرد وهم صنعته مخيلتي؟"

أمال الذئب رأسه قليلاً، وارتسمت على فمه الفروي ما يشبه الابتسامة الشاحبة: "ينادونني (فيريمان). أما عن ماهيتي، فأنا شخص غير مهم على الإطلاق في هذه الرحلة. أنا موجود هنا بلا سبب جوهري، مجرد شاهد على العبور، أو ربما أنا الصوت الذي ترفض سماعه في يقظتك. لستُ من سيقودك، بل ذكرياتك هي من ستتولى المهمة."

لم يجد بليك جدوى من الإسهاب في استجواب كائن غامض كـ (فيريمان)، فأومأ برأسه علامة على القبول. وفي تلك اللحظة، بدأ القارب يتلاشى، وانفجر الواقع مرة أخرى في وميض خاطف غطى بصره.

حين فتح عينيه مجدداً، لم يكن هناك بحر ولا ضباب. وجد نفسه واقفاً في ردهة منزل لم يألفه من قبل، لكنه شعر بانقباض مألوف في صدره تجاهه. كان منزلاً متوسط الحال، تملأ جدرانه ورق حائط قديم بدأ يتقشر من الأطراف، وتفوح في أرجائه رائحة القهوة المرة ومنظفات الأرضيات. كان الأثاث بسيطاً ومرتباً بعناية فائقة، لكن جواً من الكآبة كان يغلف المكان.

وقف بليك أمام باب خشبي مغلق، وفجأة، انفتح الباب بعنف لتخرج منه امرأة. تجمد بليك في مكانه؛ كانت تلك أمه. لكنها لم تكن الأم التي يتذكرها في أيامها الأخيرة؛ كانت أصغر سناً بكثير، ربما في الثامنة والثلاثين من عمرها، بشرتها كانت نضرة رغم الشحوب، وشعرها كان منسدلاً بعفوية خلف ظهرها.

حاول بليك مد يده ليناديها، لكن يده مرت عبر جسدها كأنها هواء بارد. أدرك في تلك اللحظة حقيقة التعويذة؛ هو مجرد متفرج، شبح يشاهد شريطاً سينمائياً من لحم ودم، لا يملك القدرة على التغيير أو التفاعل. لكن ما صدمه حقاً لم يكن عدم قدرته على التواصل، بل تعبيرات وجه أمه. كانت عيناها تشتعلان بغضب مكبوت، ويداها ترتجفان وهي تمسك بلفافة من الورق، وكانت ملامحها تعكس حالة من الهستيريا والغيظ الذي لم يعهده فيها قط، كأنها تخوض حرباً داخلية مع شيطان لا يراه بليك.

كانت ماريلا تقف في وسط الغرفة، وصدرها يعلو ويهبط في نوبات تنفس متسارعة، بينما كانت ملامح وجهها تزداد تشنجاً. وقع نظر بليك على ما كانت تقبض عليه بيدها المرتجفة؛ لقد كان جهاز كشف الحمل البلاستيكي الصغير. ظهرت عليه تلك الخطوط اللعينة التي تعلن بوضوح عن وجود حياة جديدة تتشكل في أحشائها. لم تكن هناك ذرة من فرح الأمومة في عينيها، بل كان انعكاساً لمقتٍ عميق وخوف مرير. وبحركة مفاجئة تملؤها الكراهية، رفعت يدها وقذفت بالجهاز نحو الحائط بكل قوتها، لينشطر إلى قطع صغيرة تناثرت على الأرض الخشبية، وكأنها تطلق رصاصة الرحمة على قدرها القادم. أدرك بليك، والبرودة تسري في أوصاله، أن هذا المشهد هو اللحظة الصفر، لحظة علمه بوجوده في هذا العالم؛ لم تكن لحظة احتفال، بل كانت لحظة غضب وهستيريا.

رمش بليك بعينيه لا إرادياً، وفي جزء من الثانية، انطوى الواقع من حوله كنسيج متهالك، لينسحب الضوء ويعود في زاوية أخرى من نفس المنزل. كان الوقت قد تقدم قليلاً، وضوء الشمس الخريفي المتسلل عبر النوافذ يعطي للمكان طابعاً مخادعاً من الدفء. "إذاً، هذا ما كانت تقصده مونو تماماً.. الرمشة هي تذكرة عبور قسرية نحو الأمام"، همس بليك لنفسه وهو يراقب الغرفة الجديدة.

نظر من خلال زجاج النافذة المتسخ، فرأى طفلاً صغيراً يركض بمرح في الحديقة الأمامية مع رفاقه؛ كان ذلك جوليان، شقيقه الأكبر، في سنوات براءته الأولى، يضحك بملء فيه غير مدرك للعاصفة التي تدور خلف جدران المنزل. لكن في الداخل، كان ضجيج الشجار اللفظي يمزق سكون المكان. التفت بليك ليجد والدته ماريلا، وقد بدأت علامات الحمل تظهر عليها بشكل طفيف، وهي تواجه رجلاً كان بليك يراه لأول مرة بهذا الوضوح في ذكرياته؛ إنه والده، نوكوتا بانزر. كان نوكوتا يقف ببرود جليدي، مرتدياً ثياباً توحي بخشونة حياته، وعيناه ضيقتان كأنهما تبحثان عن ثغرة للهجوم.

صرخت ماريلا وهي تشير بسبابتها نحو بطنها، وصوتها يتهدج بالبكاء والغيظ: "عليك أن تتحمل مسؤوليتك يا نوكوتا! أنا بحاجة إلى المزيد من المال، المصاريف تزداد يوماً بعد يوم، وهذا العبء الجديد الذي أحمله ليس خطئي وحدي! لقد كان اندفاعك وتحمسك المبالغ فيه في تلك الليلة هو السبب في كل هذا الدمار! نحن الآن بصدد استقبال طفل ثانٍ، وأنا لا أملك حتى ما يكفي لسد احتياجات جوليان، فكيف سأفعل مع هذا القادم؟"

رد نوكوتا بصوت خفيض ومرعب، خالٍ من أي عاطفة إنسانية، وهو يخطو خطوة نحوها: "كفي عن الصراخ، فصوتكِ يثير صداعي. لن أعطيكِ فلساً واحداً إضافياً، ولا تحاولي إلقاء اللوم عليّ. لو كنتِ حقاً تكرهين هذا الجنين كما تدعين الآن، لكان عليكِ إسقاطه والتخلص منه منذ اللحظة الأولى التي علمتِ فيها بأمره. لكنكِ اخترتِ الاحتفاظ به، ربما لتمارسي دور الضحية أمامي، أو ظناً منكِ أنكِ ستبتزينني عاطفياً."

اندفعت ماريلا نحوه وهي تصرخ: "أسقطه؟ كيف تجرؤ على قول ذلك؟ أنت تعلم أنني لم أمتلك الجرأة ولا المال للقيام بذلك في ذلك الوقت! إنه خطؤك، أنت من جلبت هذا البلاء إلى حياتي!"

ضحك نوكوتا ضحكة صفراء قصيرة، ونظر إليها باحتقار: "إذاً تحملي نتيجة جبنكِ وضعفكِ. لقد أخبرتكِ سابقاً، ميزانيتي لا تتسع لغلطة أخرى، وهذا الطفل ليس سوى عبء لا أرغب في تمويله. لن ترى مني سنتاً واحداً لهذا الغرض، فدبري أمركِ كما تشائين، أو دعيه يواجه مصيره منذ الآن."

كان بليك يقف في زاوية الغرفة، يشاهد جزيئات الهواء وهي تنقل كلمات والده القاسية وصرخات والدته اليائسة. شعر بطعنة في كرامته وهو يرى كيف كان يُناقش وجوده كأنه مجرد صفقة خاسرة أو خطأ تقني في حياة شخصين لا يريدانه. الآن، وفقط الآن، فهم بليك السر الدفين خلف نظرات أمه التي كانت دائماً تنعته بـ "الغلطة"؛ لم تكن كلمة تقال في لحظة غضب عابرة، بل كانت حقيقة راسخة في وجدانها منذ أن كان مجرد نطفة، كانت وصمة عار حملتها في أحشائها رغماً عنها، وجعلت من حياته لاحقاً ثمناً لليلة لم تكن تريد عواقبها.

تفاقمت حدة الصراع اللفظي حتى استحال إلى جحيم من الكلمات المسمومة التي ملأت ردهات المنزل الضيق، وبدأ نوكوتا، الذي ضاق ذرعاً بتوسلات ماريلا واتهاماتها، في التحرك نحو السلالم الخشبية بخطوات ثقيلة عازماً على مغادرة المنزل والهروب من تلك المواجهة. إلا أن ماريلا، التي فقدت كل ذرة من رباطة جأشها، اندفعت خلفه كالمجنونة، وأمسكت بطرف معطفه وهي تصرخ في وجهه بصوت مبحوح شقه الألم والحقد: "إلى أين تهرب يا جبان؟ أنظر إليّ حين أحدثك! لقد كنتَ أنتَ، ولا تزال، أكبر غلطة ارتكبتها في حياتي البائسة! ليتني لم أعرفك، وليت الأرض انشقت وابتلعت تلك الليلة قبل أن ترتبط حياتي برجل مثلك!"

توقف نوكوتا فجأة، وساد صمت جنائزي لثانية واحدة، كان كفيلاً بأن يشعر بليك، الشاهد الشبح، ببرودة الموت تتسلل إلى المكان. التفت نوكوتا ببطء، وكانت عيناه قد تحولتا إلى جمرتين من الغضب الصافي المتجرد من أي رحمة. وبحركة خاطفة، لم تترك لماريلا فرصة للتراجع أو الدفاع عن نفسها، استجمع نوكوتا كل قوته في قبضة يده وسدد لكمة وحشية ومباشرة نحو بطن ماريلا المنتفخ قليلاً، حيث يقبع بليك في ظلمات الرحم.

ارتطم جسد ماريلا بالهواء من شدة الضربة، وفقدت توازنها لتتدهور من أعلى الدرج، متدحرجةً فوق العتبات الخشبية القاسية التي كانت تصدر صوتاً مفزعاً مع كل ارتطام. سقطت في نهاية السلم ككومة من اللحم المهان، غائبة عن الوعي والدموع لا تزال عالقة على جفونها. كان نوكوتا يراقب السقوط ببرود مرعب، ثم استدار وخرج من الباب دون أن يلتفت خلفه، تاركاً خلفه حطام امرأة وجنيناً كان من المفترض منطقياً وطبياً أن ينتهي أمره في تلك اللحظة.

تلاشى المشهد في وميض رمادي، ليستيقظ وعي بليك داخل أروقة مستشفى كئيب، تفوح منه رائحة المعقمات الممزوجة برائحة الموت والانتظار. رأى ماريلا ممددة على سرير أبيض، تحيط بها أجهزة مراقبة نبضات القلب، وكان الأطباء يتهامسون حولها بوجوه يكسوها الذهول المطلق. وقف طبيب مسن يراجع الصور الإشعاعية ويهز رأسه غير مصدق، قائلاً لزميله: "هذا يتجاوز حدود التفسير الطبي المعروف. لقد تعرضت لصدمة مباشرة وسقوط من ارتفاع شاهق، كان يجب أن ينفصل المشيمة أو يموت الجنين فوراً. لكن النبض مستقر، والجنين يبدو وكأنه في حصن حصين لم تمسه الضربة. إنه معجزة.. أو لعنة، لا أدري كيف نجا هذا الكائن الصغير."

كان بليك يقف بجانب السرير، يراقب وجه أمه الشاحب وعيناه تتسعان بصدمة لا تقل عن صدمة الأطباء. كان يسأل نفسه بصمت مرير: "كيف نجوت؟ كيف لم تقتلك تلك اللكمة يا بليك؟ هل بدأت مأساة حياتي قبل أن أولد حتى؟". وفي تلك اللحظة، فتحت ماريلا عينيها ببطء، ولم يكن فيهما ندم أو خوف على طفلها، بل كان يسكنهما تصميم فولاذي مشوب بالانكسار. نظرت إلى سقف الغرفة، وقالت بصوت خافت لكنه حاد كالشفرة للممرضة التي كانت تقف بجانبها: "أريد الورق.. أريد إجراءات الطلاق فوراً. لن يعود هذا الرجل إلى حياتي ثانية. سأقطع كل صلة تربطني به، سأرتاح من جحيم نوكوتا، حتى لو كان الثمن أن أعيش بقية عمري مع هذه الغلطة التي ترفض الموت في أحشائي."

أغمض بليك عينيه في محاولة عبثية لاستيعاب وحشية ما رآه، لكن جفنيه لم يلبثا أن التقيا حتى اندفعت الرمشة القسرية لتعصف بوعيه عبر أنفاق الزمن. تلاشى بياض المستشفى ليعقبه ظلام شتوي دامس، وبرودة قاسية تسللت إلى عظام روحه الشبحية. كان التاريخ المحفور في نسيج الذكرى هو الأول من ديسمبر لعام ألف وتسعمائة وتسعة وتسعين، ليلة ولادة بليك بانزر. وجد نفسه في غرفة معيشة مزدحمة بالوجوه التي يراها لأول مرة بهذا القرب، هواء الغرفة كان محملاً برائحة التبغ والقهوة الباردة، وجو مشحون بتوقعات لم تكن في صالحه أبداً.

كانت ماريلا تجلس فوق أريكة متهالكة، شاحبة الوجه، وقد لفت الرضيع الصغير بقطعة قماش باهتة اللون. كانت خالات بليك يحدقن بفضول بارد، بينما وقف الجد ثيودور وزوجته في زاوية الغرفة بملامح يكسوها نوع من الحنان الفطري المشوب بالأسى. خيم صمت ثقيل حين رفعت ماريلا الرضيع لتتفرس في وجهه تحت ضوء المصباح الأصفر الباهت. لم تكن في عينيها لمعة الفخر، بل تنهدت تنهيدة عميقة حملت خيبة أمل مريرة لم تستطع مداراتها.

قالت ماريلا بنبرة جافة وهي تقلب الرضيع بين يديها: "توقعتُ على الأقل أن يرث جمال أخيه جوليان.. لكن ملامحه عادية، بل تبدو منطفئة. كأنه لم يأخذ من وسامة عائلتي شيئاً."

تعالت همسات الخالات اللواتي بدأن في إبداء ملاحظاتهن اللاذعة ببرود تام؛ إحداهن قالت إن أنفه ليس متناسقاً، والأخرى علقت على لون بشرته الشاحب الذي لا يوحي بالحيوية. كان الجميع ينظر إليه كقطعة أثاث غير متقنة الصنع، إلا الجد ثيودور الذي اقترب ومسح على رأس الرضيع بيده الخشنة، وهمس لزوجته: "إنه طفل جميل يا ماريلا، لا تظلميه منذ ساعته الأولى."

في تلك اللحظة، اقترب نوكوتا بانزر. كان لا يزال يحمل ذلك الجمود في ملامحه، لكنه لسبب غامض انحنى والتقط بليك الصغير من يد ماريلا. في مشهد أثار دهشة بليك الشاهد، رأى والده الذي ضرب أمه وهو في أحشائها، يحضن الرضيع الآن ويداعبه بأصابعه الغليظة، محاولاً انتزاع ابتسامة من وجهه الصغير. كانت هذه اللحظة هي المرة الأولى والأخيرة التي يرى فيها بليك نوعاً من الدفء الإنساني في عيني والده، دفءٌ لم يدم طويلاً بما يكفي ليغير مسار القدر.

رمش بليك مرة أخرى، فقفزت المشاهد بسرعة جنونية، وكأن الحياة كانت مستعجلة لتمزيق هذا الشمل الهش. مرت تسعة أشهر بلمح البصر، وجد بليك نفسه فيها يراقب ماريلا وهي تقف في مكتب حكومي كئيب، تمسك بأوراق رسمية جف حبرها للتو. كان الطلاق قد وقع رسمياً كفأس قطعت الروابط الأخيرة بين "بانزر" و "إيثر". كانت ماريلا تتحدث مع الموظف بلهجة قاطعة لا تقبل الجدل، قائلة: "لا أريد لأطفالي أن يحملوا اسماً يذكرني بذلك الرجل. منذ هذه اللحظة، جوليان وبليك سينتميان لعائلتي أنا."

شاهد بليك القلم وهو يتحرك فوق السجلات الرسمية، ليشطب اسم "بليك بانزر" ويستبدله بـ "بليك إيثر". رأى جوليان الصغير وهو يُجر من يده بعيداً عن عالم والده، وأدرك بليك في تلك اللحظة الرمزية الثقيلة لهذا التغيير. لم يكن مجرد تغيير في اللقب، بل كان استئصالاً كاملاً لهوية والده من حياتهما بقرار من الأم التي أرادت الهروب من ماضيها، حتى لو كان ذلك يعني حرمان ابنيها من نسب والدهما.

وقف بليك الشبح في وسط الغرفة الحكومية الصامتة، ينظر إلى الرضيع في العربة الذي أصبح الآن يحمل اسم عائلة ماريلا. الآن، انقشع الضباب عن أحد أكبر تساؤلات حياته؛ لقد فهم أخيراً لماذا يحمل لقب "إيثر" ولماذا غاب اسم "بانزر" عن شهادة ميلاده الروحية. لقد كان ضحية حرب تصفية حسابات، حيث استُخدم اسمه كسلاح للانتقام من رجل لم ترغب أمه في تذكره، لتسكنه في كنف عائلة لم تحب ملامحه يوماً، تاركةً إياه معلقاً بين أبٍ طرده قبل ولادته، وأمٍ غيرت اسمه لتمحو ذنب ليلة لم تغفرها لنفسها.

انطبقت أجفان بليك في رمشة قسرية جديدة، وكأن الزمان قد ملّ من مكوثه في قاعات المحاكم والبيوت الباردة، فقرر قذفه سنة كاملة نحو الأمام. وجد نفسه هذه المرة داخل غرفته الصغيرة، كان بليك الرضيع ممدداً في مهده، جسده الضئيل لا يزال عاجزاً حتى عن الوقوف أو الزحف، مجرد كتلة من البراءة المستسلمة للنوم. ساد في المنزل ضجيج مكتوم لخطوات متسارعة وضحكات خافتة؛ كانت ماريلا تقف عند عتبة الباب الخارجي مع خالات بليك، يتأنقن ويتبادلن أحاديث حماسية عن نزهة ليلية مرتقبة، نزهة قررن فيها خلع عبء الأمومة وتركه خلف تلك الجدران.

ألقت ماريلا نظرة سريعة نحو الغرفة المظلمة، وبنبرة خالية من أي قلق، قالت وهي تطفئ مفتاح الضوء: "إنه نائم بعمق، لن يستيقظ قبل عودتنا. دعونا نخرج قبل أن يضيع الوقت." وبضغطة زر، غرق المكان في عتمة دامسة، وأوصد الباب الخارجي ليعلن عن رحيل الجميع. توقع بليك الشاهد أن تكون هذه مجرد ذكرى عابرة توثق إهمال والدته، لكن مع حلول لحظات الغروب وتسلل الظلال الطويلة عبر النوافذ، استيقظ الرضيع.

بدأ الأمر بتململ خفيف، ثم صرخة بكاء فطرية تطلب الأمان، لكن الصمت كان الرد الوحيد. بكى الرضيع بمرارة، صوته الصغير يتردد في أرجاء المنزل الخالي، ويداه الصغيرتان تتحركان في الفراغ تبحثان عن لمسة دافئة لم تكن موجودة. وقف بليك الشبح يراقب المشهد بقلب معتصر، ينتظر بلهفة أن يفتح أحد الباب، أن تعود ماريلا، أن يظهر جوليان.. لكن لا حياة لمن تنادي. وفجأة، وسط تلك العتمة التي بدأت تكتسب ثقلاً غير طبيعي، حدث ما لم تدركه عينه من قبل ولم يسجله وعيه الواعي.

انبثق من زوايا الغرفة المظلمة أربعة كائنات صغيرة، طارت ببطء واستدارت حول مهد الرضيع. لم يكونوا بشراً، بل أطفالاً بأجساد تبدو وكأنها نُحتت من صخور بركانية باردة، جلودهم رمادية باهتة وخشنة الملمس كتماثيل حجرية دبت فيها حياة شيطانية. كانت لهم أجنحة صغيرة، ريشها ليس ناعماً بل يشبه حواف السكاكين الصدئة، تنقبض وتنبسط بصوت يشبه حفيف الحجر فوق الحجر. بدأت هذه الكائنات الأربعة في الاقتراب من الرضيع، وحركاتها كانت توحي في البداية بنوع من المداعبة الغريبة، وكأنهم يحاولون تهدئته أو اللعب معه. استكان الرضيع قليلاً، وتوقفت صرخاته وهو يراقب بفضول تلك الوجوه الصخرية التي كانت تتراقص أمام عينيه، حتى ظن بليك الشاهد أنهم نوع من الأرواح الحامية.

لكن الأمان لم يدم سوى نبضة قلب واحدة. فجأة، وبحركة متزامنة مرعبة، تحولت ملامح هؤلاء الأطفال الصخريين؛ انفتحت أفواههم عن فجوات سوداء لا قاع لها، واتسعت عيونهم لتظهر بؤبؤات حمراء كالجمر المشتعل، وتجعدت جلودهم الحجرية لتكشف عن وجوه يقطر منها الرعب الخالص والشر القديم. صرخ الرضيع صرخة لم يسمع بليك مثلها قط، صرخة هزت أركان الذكرى، بينما كان بليك الشاهد يشعر بشلل يصيب أطرافه من هول المنظر. لم يفهم كيف لهذه الكائنات أن تظهر في منزل عادي، ولماذا استهدفت براءته في ذلك الوقت المبكر.

وبينما كان بليك يغرق في تساؤلاته المحمومة، حدث ما جعله يتجمد تماماً؛ توقفت الكائنات الأربعة عن ترهيب الرضيع، والتفتت جميعاً نحو الزاوية التي يقف فيها بليك الشبح. صُعق بليك.. كيف استطاعوا رؤيته؟ هو مجرد وعي عابر في ذكريات الماضي، لا جسد له ولا حضور مادي. طار الأطفال المجنحون ببراعة مقززة وصاروا يحلقون حول رأسه مباشرة، وأصواتهم خرجت كحشرجة معدنية غاضبة قائلين بصوت واحد: "نحن الأولاد ذوو أسماء الآلهة.. أيها اللعين!"

وقبل أن يستوعب معنى كلماتهم، انقضت الكائنات الأربعة بمخالبها الحجرية ووجوهها المشوهة نحو وجهه مباشرة، وكأنهم يحاولون تمزيق وعيه ذاته. وفي اللحظة التي كانت مخالبهم ستلامس عينيه، رمش بليك برعب، ليندلع الضوء من جديد وينهار المكان محولاً إياه نحو ذكرى أخرى.

كانت الأسئلة تنهش عقل بليك كالنيران المستعرة؛ من هؤلاء الأطفال الصخريون؟ وما معنى أنهم يحملون أسماء الآلهة؟ وكيف لكيانات في ذكرى قديمة أن تخترق حاجز الزمن لترصد وجوده كشبح زائر؟ عقد العزم في سره على أن مونو ستكون وجهته الأولى حالما يخرج من هذا الدهليز النفسي، فهي الوحيدة التي قد تملك مفتاحاً لهذه الألغاز المظلمة. لكن التعويذة لم تمهله فرصة للتدبر، إذ اندفع وعيه مجدداً عبر فجوة زمنية، ليقذفه في مكان مفتوح يلفه هواء غريب الكثافة، هواء لا يشبه نسيم المدن ولا عبق الغابات.

وجد بليك نفسه يقف أمام بوابة شاهقة العلو، بوابة حديدية سوداء مزينة بنقوش حلزونية توحي بالقدم والعظمة. كانت ماريلا تقف هناك، تحمل بين ذراعيها بليك الرضيع الذي كان يصرخ بصوت مبحوح، صراخ هستيري وكأن روحه الصغيرة تحاول الهروب من جسدها. لم يتعرف بليك الشاهد على هذا المبنى، لكنه استشعر هالة تتدفق من خلف تلك الجدران؛ هالة مهيبة، مقدسة، ومخيفة في آن واحد، كأنها مكان لا يدخله البشر إلا لغرض يتجاوز حدود الطبيعة. تقدمت ماريلا بخطوات متعثرة، وعيناها تلمعان ببريق من التوسل والخوف، ثم اجتازت عتبة البوابة الكبيرة واختفت في الظلام الدامس للممر الداخلي.

اندفع بليك الشبح خلفها، محاولاً اختراق ذلك السكون لمعرفة ما الذي دفع أمه لجلب رضيعها إلى هذا المكان الغامض، وهل كان للأمر علاقة بأولئك الأطفال المجنحين؟ كان يركز بصره بشدة، محاولاً منع جفنيه من الخضوع لجاذبية الرمش، لكن ذرة من الغبار الوهمي أو ربما هزة من الاضطراب السحري جعلت عينه تطرف لجزء من الثانية. صرخ بليك بحسرة مكتومة: "تباً! ليس الآن!"، لكن الأوان كان قد فات؛ فقد انطوى المكان كما تنطوي الصفحة، واقتُلعت جذور وجوده من أمام تلك البوابة لتُغرس في مشهد جديد.

كان بليك الآن داخل غرفته القديمة في المنزل، لكن الجو كان ثقيلاً برائحة الأدوية والكمادات المبللة. وجد العائلة كلها محتشدة حول سرير صغير؛ ماريلا بوجه شاحب وعينين غائرتين من السهر، والخالات يتبادلن الهمسات بقلق، حتى الجد ثيودور كان هناك يراقب بصمت وحزن. كان الرضيع بليك ممدداً، ووجهه يميل إلى الحمرة القانية من شدة الحرارة، وجسده الصغير ينتفض بارتعاشات لا إرادية. كانوا يضعون قطع القماش المبللة بالماء البارد فوق جبهته ووجهه في محاولة يائسة لخفض تلك الحمى التي بدت وكأنها نار داخلية تحرق كيانه.

أدرك بليك الشاهد من نظرات الأطباء والمحيطين أن هذه لم تكن وعكة عابرة، بل كانت حمى سوداء تفتك بالأطفال وتتركهم جثثاً هامد، وكان نجاة الرضيع منها في تلك الليلة بمثابة إعجاز طبي لم يجدوا له تفسيراً. راقب بليك المشهد بذهول، متسائلاً إن كانت تلك الحمى هي الأثر المادي لتلك الكائنات الصخرية، أم أنها الثمن الذي دفعه الرضيع بعد دخوله لتلك البوابة المقدسة. وقف هناك يراقب أنفاسه الصغيرة وهي تصارع الموت وتنتصر عليه ببطء شديد، حتى استقر النبض قليلاً وهدأت سورة الألم. لم يدم المكوث في هذه اللحظة طويلاً، إذ استشعر بليك تلك القوة الجاذبة التي تنبئ بانتقال جديد، فرمش بعينيه مستسلماً لتيار الزمن الذي جرفه بعيداً نحو المرحلة التالية من حياته.

اندفعت الرمشة القسرية بوعي بليك لتستقر هذه المرة في مشهد يملؤه صخب عائلي دافئ، حيث وجد نفسه في صالة الجلوس والضياء يغمر المكان. كان بليك الطفل في الخامسة من عمره، يرتدي ثياباً ملونة وشعره مبعثر بطفولية، يقف خلف أريكة ضخمة محاولاً التواري عن الأنظار. في وسط الغرفة، كان يقف رجل غريب ذو ملامح هادئة وابتسامة رصينة توحي بالطيبة والوقار، إنه "تسويوشي"، زوج خالته الذي يراه بليك لأول مرة. كان بليك الصغير يختلس النظر من خلف الأريكة، وعيناه تتسعان بخجل فطري، بينما كان تسويوشي ينحني قليلاً ليكون بمستوى نظره، ماداً يده ببطء كأنه يحاول كسب ثقة طائر بري خائف.

تحدث تسويوشي بصوت رخيم وهادئ: "أهذا هو بليك الصغير الذي حدثوني عنه كثيراً؟ لا داعي للاختباء يا بطل، لقد أحضرت لك شيئاً قد يعجبك."

احمرّت وجنتا بليك الصغير، وتشبث بطرف الأريكة بقوة أكبر، ثم همس بصوت لا يكاد يُسمع وهو يشيح بنظره بعيداً: "أهلاً بك.. سيدي." ضحك تسويوشي ضحكة خفيفة ومطمئنة، وظل بليك يراقبه بحذر ممزوج بفضول الأطفال، مستشعراً لأول مرة وجود شخص غريب في العائلة لا يحمل تلك النبرة الحادة أو النظرة الساخرة التي اعتاد عليها في منزله. وقف بليك الشاهد يراقب تلك اللحظة ببشر، متذكراً كيف كان خجله طوقاً يحميه، وكيف كانت بداية معرفته بتسويوشي نقطة ضوء نادرة في طفولته.

لم يدم هذا الصفو، إذ غلبه الرمش مجدداً، لينقشع الضوء عن صباح باكر في مطبخ المنزل، لكن الأجواء كانت مشحونة بالتوتر كأنها ساحة حرب. كانت ماريلا تقف أمام الموقد، والتفتت نحو بليك الصغير الذي كان يجلس على الكرسي بملامح عابسة، وبدأت تسخر من محاولاته الفاشلة في ارتداء ملابسه المدرسية بشكل صحيح. قالت ماريلا بلهجة لاذعة وهي تضحك باستهزاء: "انظروا إلى هذا الفاشل الصغير، حتى ربط حذائه يبدو مهمة مستحيلة بالنسبة له. كيف تتوقع أن يتعامل معك المعلمون وأنت لا تستطيع حتى ترتيب قميصك؟ سيبدو شكلك مضحكاً أمام زملائك كالعادة."

انفجر بليك الصغير غضباً، وضرب الطاولة بقبضته الصغيرة والدموع تترقرق في عينيه من شدة الإهانة، وصرخ بصوت يرتجف: "توقفي عن السخرية مني! أنا أكره هذه المدرسة، وأكره الطريقة التي تتحدثين بها إلي! لن أذهب اليوم، لن أبرح هذا المكان أبداً، اذهبي أنتِ إن كنتِ تحبينها!"

استدارت ماريلا ببرود، واقتربت منه بملامح قاسية خالية من أي تعاطف، وقالت بحزم: "أنت ستذهب غصباً عن أنفك الصغير هذا. لست هنا لأخذ رأيك، بل لتنفيذ ما أقوله. ارتعد كما تشاء واصرخ كما تحب، لكنك ستحمل حقيبتك وتخرج من هذا الباب الآن، وإلا سأجعلك تندم على هذا التمرد."

استمر الجدال لدقائق، بليك الصغير يتشبث بالكرسي ويرفض التحرك، وماريلا تنهال عليه بكلمات تقلل من شأنه وتنعته بالضعف، حتى انتهى الأمر بجرّه من يده بقوة نحو الباب. وقف بليك الشاهد يراقب نسخة طفولته وهي تُسحب نحو الخارج والدموع تبلل وجنتيه، شاعراً بالمرارة نفسها التي شعر بها ذلك الطفل وهو يُجبر على مواجهة العالم الخارجي بقلب مكسور وروح مهانة. أدرك بليك أن مدرسته لم تكن مكاناً للعلم فحسب، بل كانت مهرباً قسرياً من جحيم منزله، وساحة أخرى يواجه فيها ضعف ملامحه التي كانت أمه لا تكف عن تذكيره بها.

انتهى المشهد بصورة بليك الصغير وهو يسير مبتعداً عن المنزل، يجر قدميه ببطء وحقيبته تبدو أثقل من جسده النحيل، بينما كانت ماريلا تراقب رحيله من النافذة بنظرة باردة منتصرة، ليرمش بليك الشاهد مرة أخرى مستعداً لما سيأتي به تيار الذكريات التالي.

انجلت غيوم التوتر فجأة لتفسح المجال لتيار من الذكريات التي انسابت إلى وجدان بليك كبلسم بارد على جرح نازف؛ كانت هذه هي الواحة التي طالما اختبأ فيها من هجير حياته اليومية. وجد بليك الشبح نفسه واقفاً في فناء منزل جده ثيودور وجدته سيليست، حيث كانت الشمس تميل للغروب وتنشر خيوطها الذهبية فوق الحديقة الصغيرة المرتبة بعناية. رأى نفسه، بليك الطفل، وهو يركض نحو جده ثيودور الذي كان يجلس على مقعده الخشبي المعتاد؛ وما إن رآه الجد حتى انفرجت أساريره عن ابتسامة عريضة ملأت وجهه المتغضن بالسكينة، فاحتضنه بقوة ورفعه عالياً وهو يضحك، ثم دسّ في جيبه الصغير بعض النقود المعدنية سراً وهو يغمز له قائلاً: "هذا سر بيننا يا بطل، اشترِ بها ما تشاء ولا تخبر أحداً."

ابتسم بليك الشبح وهو يراقب بليك الصغير يركض بعد ذلك نحو المطبخ، حيث كانت الجدة سيليست تقف بوقارها المعهود ووشاحها الأبيض، تفوح منها رائحة الدقيق والريحان. كانت سيليست تطهو له المعكرونة الشهيرة التي لطالما كانت وجبته المفضلة، تلك التي لا يستطيع أحد محاكاة مذاقها مهما حاول. جلس بليك الصغير على الطاولة، وبدأ يتحدث مع جدته بطلاقة لم يعهدها بليك الشبح في نفسه؛ كان يحكي لها عن أحلامه الصغيرة، وعن العصافير التي رآها، وكانت هي تستمع إليه بإنصات تام، وتمسح على رأسه بحنان يفتقده في منزله. كان هذا المكان هو الوحيد الذي يشعر فيه بليك أنه "مرئي" ومحبوب لذاته، وليس مجرد "غلطة" أو عبء إضافي.

لكن دوام الحال من المحال في عالم الذكريات المعيبة؛ رمش بليك بأسى، لينهار ذلك النعيم الدافئ ويحل محله ضجيج السوق الصاخب ورائحة الخضروات الممزوجة بعرق المارة وصراخ الباعة. كان بليك الآن مع أمه ماريلا في وسط السوق الشعبي المزدحم، وكانت ماريلا تحمل أكياساً ثقيلة وتبدو على عجل من أمرها. توقفت أمام بسطة كبيرة للطماطم، والتفتت نحو بليك الصغير الذي كان يحاول الاختباء خلف ثوبها خوفاً من الزحام، وقالت له بنبرة آمرة: "اذهب يا بليك، اسأل ذلك البائع بكم يبيع كيلوغرام الطماطم، أريد أن أرى إن كنت قد أصبحت رجلاً يعتمد عليه."

تراجع بليك الصغير خطوة للخلف، واهتزت نبرة صوته وهو يتوسل إليها: "أرجوكِ يا أمي، لا أريد.. سيظن أنني مجرد طفل عابث ولن يجيبني، اذهبي أنتِ." لكن ماريلا دفعته برفق مصطنع وهي تشجعه بكلمات بدت في ظاهرها محفزة وفي باطنها تحدياً لضعفه، فتقدم بليك بخطوات مرتعشة حتى وقف أمام البائع، وهو رجل ضخم ذو صوت جهوري وشارب عريض. سأل بليك بصوت خفيض يكاد يُسمع: "سيدي.. بكم.. بكم الطماطم اليوم؟"

التفت البائع ببطء، ونظر إلى الطفل الصغير الواقف أمامه بملامحه المرتبكة، وبدلاً من أن يعطيه السعر، قرر أن يمزح معه أمام بقية الزبائن بأسلوبه الفظ. أطلق البائع نكتة ساخرة، كانت موجهة للكبار لكنها تتمحور حول "لطافة" الأطفال وعجزهم عن الشراء، نكتة جعلت كل من في السوق، من باعة وزبائن، ينفجرون بالضحك العالي. لم تكن النكتة مؤذية في جوهرها، لكنها بالنسبة لنفسية بليك الهشة كانت بمثابة هدم شامل لثقته بنفسه. شعر بليك بالدوار، وبدت له ضحكاتهم كأنها مطارق تضرب رأسه، ورأى وجوههم تتشوه تحت وطأة السخرية.

انكمش بليك الصغير على نفسه، ولم يجد مهرباً سوى الركض نحو أمه والالتصاق بظهرها، محاولاً التواري عن الأنظار تماماً، بينما كانت ماريلا تضحك هي الأخرى معهم ببرود. كانت تلك اللحظة هي النقطة المفصلية التي انكسر فيها شيء ما داخل بليك؛ اللحظة التي قرر فيها أن العالم الخارجي مكان موحش يسخر من الضعفاء، وأن الصمت والاختباء هما الوسيلتان الوحيدتان للنجاة. راقب بليك الشبح هذا المشهد بمرارة، مدركاً أن تلك "النكتة العابرة" كانت هي الحجر الأساس الذي بُنيت عليه شخصيته الخجولة والمنطوية، والتي رافقته لسنوات طويلة كظل لا يغادر صاحبه.

انتهى المشهد بصورة بليك الصغير وهو يدفن وجهه في ثياب أمه، رافضاً النظر إلى أي شخص، بينما استمرت أصداء الضحكات تتردد في أرجاء السوق، ليتهيأ بليك الشبح للرمشة القادمة التي ستحمله إلى فصل جديد من فصول تشكّل روحه.

اندفعت الرمشة القسرية بوعي بليك لتستقر في مشهد بدا في ظاهره اعتيادياً، لكن ثقله النفسي كان يضاهي الجبال. كان الوقت عصراً، والسماء مصبوغة بلون برتقالي هادئ، حيث كان بليك الصغير يسير بجانب أمه ماريلا متمسكاً بطرف يدها. كانت ملامحه تشع ببهجة نادرة، وعيناه تلمعان بحماس طفولي لم يره بليك الشبح منذ زمن. كان الصغير يثرثر بلا توقف، وصوته يعلو وينخفض وهو يصف بدقة متناهية وثائقياً عن النمور شاهده في التلفاز قبل قليل؛ كان يتحدث عن مخططات فرائها، وعن كبريائها وهي تجوب الغابات، وعن قوتها التي سلبت لبه.

كان بليك الصغير يظن أن أمه تشاركه هذا الشغف، فكان يرفع رأسه نحوها بين الفينة والأخرى ليرى رد فعلها، مستمراً في سرد التفاصيل: "أتعلمين يا أمي؟ النمر لا يختبئ لأنه خائف، بل لأنه ينتظر اللحظة المناسبة! وخطوطه ليست مجرد ألوان، بل هي وسيلة ليختفي بين الأشجار!" كانت الكلمات تتدفق منه كالنهر، رغبةً منه في أن يُسمع، في أن يشعر بأن صوته له قيمة عند الشخص الذي يحبه.

كانت ماريلا تسير بملل واضح، تجيبه بهمهمات مقتضبة في البداية، لكن مع استمرار ثرثرة الصغير، بدأت ملامحها تضيق، وزفرت زفرة حادة قطعت حبل أفكاره. توقفت فجأة، ونظرت إليه بنظرة باردة وقالت بنبرة حادة وجافة: "هل يمكنك السكوت قليلاً؟ لقد صدّعت رأسي بحديثك الذي لا ينتهي عن هذه الحيوانات.. اصمت!"

سقطت الكلمات كالصاعقة على قلب بليك الصغير. تلاشت الابتسابة من وجهه فوراً، وانطفأ البريق في عينيه، وشعر بغصة مريرة في حلقه. لم يبكِ، بل ابتلع خيبته ونكس رأسه نحو الأرض، مرخياً قبضة يده عن يدها. قال بصوت خافت، منكسر، وبالكاد يُسمع: "حسناً.."

راقب بليك الشبح هذا المشهد بمرارة خانقة؛ لقد رأى في تلك اللحظة ولادة "بليك الصامت". لقد فهم الآن لماذا صار يزن كل كلمة قبل نطقها، ولماذا يفضل كتمان آلاف القصص في صدره؛ فمنذ ذلك اليوم، تعلم أن كلامه قد يكون "صداعاً" للآخرين، فقرر أن يدفن ثرثرته في أعماق روحه، مكتفياً بالصمت الذي لا يؤذي أحداً.

لم يلبث بليك أن رمش مجدداً حتى تلاشت الطرقات وحلت محلها رائحة العرق والجلد وصوت الصرخات الرياضية. وجد نفسه يقف مع أمه وشقيقه الأكبر جوليان أمام صالة "التايكوندو" المخصصة للأطفال. كان جوليان، بجرأته المعهودة، يتطلع للداخل بعينين ملتهبتين بالشجاعة، وما إن فتح المدرب الباب حتى دخل دون تردد، منخرطاً وسط الأطفال الذين كانوا يرتدون ملابسهم البيضاء ويطلقون صرخات القتال وهم يتبادلون الركلات.

أما بليك الصغير، فقد تسمّر في مكانه. كان يراقب الضربات العنيفة، ويسمع دوي الأقدام على البساط، فشعر برعب يتسلل إلى أطرافه. بالنسبة له، لم يكن هذا رياضة، بل كان عنفاً محظاً لا يقوى عليه جسده النحيل. حاولت ماريلا دفعه من كتفه نحو الداخل، قائلة بحدة: "هيا يا بليك، لا تكن جباناً! انظر إلى أخيك، لقد دخل كبطل. اذهب وتعلم كيف تدافع عن نفسك."

تراجع بليك للخلف، وهز رأسه برعب والدموع بدأت تشق طريقها على وجنتيه: "لا أريد.. أرجوكِ يا أمي، إنهم يضربون بعضهم! سأتأذى، أنا خائف!" استمرت ماريلا في محاولة جره وإقناعه بالشدة، لكنه انهار تماماً، وانفجر في بكاء هستيري وهو يتشبث بقميصها، رافضاً تجاوز عتبة الصالة. رآه بعض الأطفال وبدأوا يتهامسون، مما زاد من شعوره بالخزي. في النهاية، زفرت ماريلا بغضب واحتقار، وقالت وهي تتركه: "تباً لك، ابقَ هكذا كما أنت.. جباناً وضعيفاً. لن تدخل، استرح!"

بقي بليك الصغير واقفاً في الخارج، يمسح دموعه بكم قميصه، يراقب من وراء الزجاج أخاه وهو يقاتل ببراعة، بينما كان هو يشعر بضآلة حجمه وبأنه خذل أمه مجدداً. وقف بليك الشبح يراقب نسخته الصغيرة وهي تغرق في شعور الدونية، مدركاً أن تلك اللحظة رسخت في عقله فكرة أنه ليس "محارباً"، وأنه خُلق ليهرب من الصراعات لا ليواجهها، ليعيش طفولته وهو يحمل وصمة الجبن التي وصمته بها أمه في ذلك اليوم المشؤوم.

اندفعت الرمشة التالية لتسحب بليك من حزنه المنزوي إلى صخبٍ من نوع آخر؛ حيث الأضواء الساطعة، والموسيقى الصاخبة، ورائحة العطور الثقيلة التي تملأ قاعة الاحتفالات. كان حفل زفاف خالته، والمكان يعج بالمدعوين والأطفال الذين كانوا يركضون بمرح بين الطاولات، يطاردون بعضهم البعض بضحكات بريئة. وقف بليك الصغير في زاوية القاعة، يراقبهم بعيون يملؤها الشوق، لكن حاجز الخوف كان أقوى من رغبته في اللعب. ظل ساكناً في مكانه، ثم استسلم لضعفه وجلس وحيداً على أحد الكراسي الجانبية، مكتفياً بدور المشاهد كعادته.

وفجأة، ظهر خاله "إيدوين" في المشهد. كان إيدوين رجلاً تسبقه صرامته، ويمتلك هالة من الجدية تجعل بليك يشعر بالانكماش كلما وجد في حضوره. لطالما كانت علاقتهما متحجرة، محكومة ببروتوكولات الاحترام المفروضة قسراً، حيث لم يجد بليك من خاله يوماً لمسة حنان أو كلمة تشجيع، بل كان دائماً تحت مجهر النقد والمطالبة بالوقار الذي لا يناسب سنه. كان إيدوين يطوف بين المدعوين حاملاً طبقاً من الحلوى الفاخرة، يوزعها بابتسامة مصطنعة على الجميع، صغاراً وكباراً.

اقترب إيدوين من الطاولة التي يجلس عليها بليك، وبينما كان قلب الصغير يخفق بتوق لتذوق تلك الحلوى، حدث ما لم يتوقعه؛ تخطاه خاله ببرود تام، وكأنه مجرد مقعد فارغ، وتابع توزيعه للبقية. شعر بليك بطعنة في كرامته الصغيرة، فذهب إلى أمه ماريلا وسألها بنبرة مخنوقة: "لماذا لم يعطني الخال إيدوين من الحلوى؟"، فأجابت ماريلا دون أن تنظر إليه، وبلهجة غير مبالية: "لقد انتهت الحلوى الآن، لا تكن طفلاً لحوحاً."

لكن بليك الصغير رأى بأم عينه أن الطبق لم يكن فارغاً تماماً. اشتعل الغضب في صدره، وشعر بأن هذا التجاهل المتعمد ليس سوى امتداد لسلسلة من الاحتقار التي يواجهها يومياً. انتهى الزفاف، وخرجت العائلات إلى الباحة الخارجية في انتظار السيارات، وكان إيدوين يسير بجانب ماريلا، وبدلاً من الصمت، بدأ يذم بليك الصغير بصوت مسموع، واصفاً إياه بأنه كان طفلاً مزعجاً طوال الحفل، وبأنه يفتقر لآداب السلوك الاجتماعي.

في تلك اللحظة، انكسر القيد الأخير داخل بليك. لم يعد ذلك الطفل الخجول الذي يبتلع الإهانات، بل انفجر بركان من الغضب المكبوت لسنوات. صرخ بليك صرخة هزت أركان المكان، صرخة لم تكن تشبه صوت الأطفال، ثم اندفع كالسهم نحو خاله إيدوين محاولاً مهاجمته وضربه بكل ما أوتي من قوة. تملكه جنون مفاجئ، وكانت عيناه تشتعلان برغبة عارمة في تحطيم ذلك الكبرياء الزائف الذي يمثله خاله.

ارتبك الحضور، وسارع الرجال والنساء للإمساك بجسده الصغير الذي كان ينتفض بقوة وحشية، وهو يحاول الإفلات من قبضتهم للوصول إلى إيدوين. وقف الخال متسمراً في مكانه، ينظر بصدمة وذهول إلى هذا المخلوق الصغير الذي تحول فجأة إلى كتلة من النيران، بينما كان بليك يصرخ بكلمات غير مفهومة، ووجهه محتقن بالدماء.

خيمت الفضيحة على الأجواء، وبدأ المدعوون يتبادلون النظرات والهمسات القاسية: "انظروا إلى هذا الطفل.. إنه يعاني من نوبات عصبية مرعبة"، "كيف لطفل في سنه أن يحمل كل هذا الغل؟". وقف بليك الشبح يراقب المشهد بذهول؛ لقد رأى في تلك اللحظة الجانب المظلم من روحه، الجانب الذي وُلد من رحم التجاهل والظلم، وأدرك أن تلك الحادثة كانت الختم الذي وُضع على جبينه أمام العائلة بأنه "الطفل العاصف" الذي لا يُؤمن جانبه، مما زاد من عزلته ونفور الآخرين منه.

اندفعت الرمشة التالية بوعي بليك لتلقي به في أزقة الحي القديم، حيث كانت شمس الظهيرة ترسم ظلالاً باهتة على الجدران المتسخة. وجد بليك الشبح نفسه يراقب نسخة صغيرة منه، ربما في السادسة أو السابعة من عمره، وهو يقف بجانب فتى ذو ملامح جريئة وشعر أشعث يُدعى "مالك". غابت عن بليك تفاصيل اللقاء الأول، وكأن التعويذة قررت أن تقفز فوق البدايات لتعرض له شظايا مشوشة من تلك الصداقة الأولى؛ رآهما وهما يجمعان الأخشاب وقطع الكرتون في زاوية الحديقة الخلفية، يحاولان بجسديهما الهزيلين بناء "منزل حقيقي" يحتميان فيه من عالم الكبار، ورآهما يركضان في ألعاب الغميضة خلف الأشجار والسيارات المركونة.

لكن سرعان ما بدأت الصور تكتسي بلون من الغرابة والنفور، فكلما تعمق بليك في المشاهد، أدرك أن مالك لم يكن صديقاً بالمعنى النقي للكلمة. كانت تصرفات مالك تحمل طابعاً شاذاً يسبق سنه، طابعاً ينم عن فضول منحرف ومبكر. تراءت لبليك ذكريات مقززة، حيث كان مالك يصر على إدخال بليك معه إلى الحمام، ليقفا هناك في صمت غريب يراقبان بعضهما البعض في أوضاع خاصة لا تناسب براءة الأطفال، وكأن مالك يحاول كسر حواجز الخصوصية بطريقة مشوهة. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل كانت هناك لحظات همس فيها مالك بطلبات غريبة ومريبة، طالباً من بليك أن يتلامسا في أماكن حساسة بداعي الاستكشاف، وهو أمر كان يشعر بليك الصغير تجاهه بارتباك شديد وعدم ارتياح، لكنه لم يكن يملك الشجاعة الكافية لقول "لا" بشكل حازم في البداية.

أدرك بليك الشبح، وهو يراقب هذه المشاهد بتقزز، أن مالك لم يكن سوى نتاج لبيئة ملوثة، متأثراً بجيرانه وبصديق ثالث يدعى "أدمانت". ظهر أدمانت في الذكرى كشبح يلقي بظلاله على مالك؛ كان أكبر منهما بسنة واحدة، لكن تلك السنة كانت كفيلة بجعله "المعلم" الذي يلقن مالك كل تلك السلوكيات المنحرفة والأفكار السيئة. كان أدمانت هو المحرك الخفي خلف انحراف مالك، يهمس في أذنيه بأمور قذرة ويعلمه كيف يتجاوز حدود البراءة.

استمرت هذه العلاقة المسمومة لفترة، حتى جاء اليوم الذي انفجر فيه كل شيء. في ساحة رملية صغيرة، نشب شجار مفاجئ بين بليك ومالك؛ لم تكن الكلمات كافية هذه المرة، فتحول الأمر إلى قتال طفولي عنيف، حيث تشابكت الأيادي وتدحرج الجسدان فوق التراب. صرخ بليك بكل غضبه المكبوت، ودافع عن نفسه بشراسة لم يعهدها في نفسه، وكأن تلك اللكمة التي وجهها لمالك كانت رداً على كل تلك اللحظات المقرفة والطلبات الغريبة التي أثقلت كاهله. انتهى الشجار بدموع وبدماء خفيفة على الركب، وانصرف كل منهما في طريق، لتنقطع تلك الصلة الملوثة إلى الأبد. وقف بليك الشبح يراقب جسده الصغير وهو ينفض التراب عن ثيابه، يشعر بنوع من التحرر رغم الألم، مدركاً أن هذه كانت أول مرة يقطع فيها خيطاً يربطه بالشر قبل أن يتمكن من خنقه تماماً.

انجلت غشاوة الذكرى السابقة لتفسح المجال لمشهد جديد داخل ردهات منزله القديم، حيث كانت أصوات الركض والضحكات المكتومة تملأ المكان. رأى بليك الشبح نفسه صغيراً جداً وهو يحاول مجاراة شقيقه الأكبر جوليان في لعبة بدت أقرب للمصارعة منها للعب الأطفال. كان جوليان، الذي يكبره بسبع سنوات كاملة، يمتلك بنية أقوى واندفاعاً لم يكن يحسب له حساباً؛ فكان يلقي ببليك على الأرائك بقسوة، ويضغط على ذراعيه بقوة جعلت الصغير يئن أحياناً، لكن بليك الصغير كان يتجرع الألم بابتسامة، متمسكاً بتلك اللحظات النادرة التي يمنحه فيها شقيقه اهتماماً. كان جوليان يلعب وكأنه يواجه خصماً في مثل سنه، متناسياً ضآلة حجم أخيه، بينما كان بليك مستمتعاً بهذا الصخب الذي يكسر عزته.

لكن تلك السعادة كانت هشة كبيت من ورق؛ فما إن ارتفع صوت طرقات أصدقاء جوليان على الباب، أو تعالت نداءاتهم من الخارج، حتى كان جوليان ينفض يده من أخيه فوراً، ويتركه ببرود في وسط الغرفة ليركض نحو عالم الكبار الذي ينتمي إليه. وقف بليك الصغير وحيداً، يراقب الباب وهو يُغلق خلف شقيقه، ليعود الصمت الموحش يلفه من جديد، بينما وقف بليك الشبح يشعر بغصة ذلك الطفل الذي لم يكن سوى "بديل مؤقت" لسد فراغ الوقت لدى أخيه.

لم يلبث بليك أن رمش، حتى تبدلت الجدران الخانقة بساحة خارجية واسعة، وشعر بهواء منعش يلف جسده الشبحي. كان المشهد نادراً؛ لقد أتى نوكوتا بانزر، والده، في إحدى زياراته السنوية القليلة. رآه بليك وهو يقف أمام ماريلا ببروده المعتاد، يتبادلان كلمات مقتضبة وجافة كالأرض المحروقة، قبل أن يأخذ ولديه في نزهة طويلة.

كان التناقض في ذلك المشهد يثير دهشة بليك الشبح؛ فقد كان جوليان، الشجاع عادةً، يسير بخطى مترددة، مطأطأ الرأس بخجل وارتباك أمام سطوة أبيه التي لا يعرفها جيداً. أما بليك الصغير، فقد كان على النقيض تماماً؛ كان منفتحاً، ثرثاراً، يمسك يد والده ويضحك بملء فيه، وكأن هذا الرجل الغريب هو أعز أصدقائه. ضحك بليك الشبح بسخرية مريرة من نفسه الصغيرة، متمتماً في سره: "يا لك من طفل غريب يا بليك.. تخجل وتنزوي أمام خالك الذي يشاركك السقف ذاته، وتلقي بنفسك في أحضان رجل لا تراه إلا مرة في العام!"

استمرت الرحلة، وكان بليك الصغير يشعر بزهو عظيم وهو يسير بجانب نوكوتا، يشرح له أشياء صغيرة ويشعر لأول مرة بنوع من الحماية الذكورية التي يفتقدها. انتهت الجولة عندما توقفت السيارة أمام منزل الجد ثيودور. ترجل نوكوتا، وطلب من الصغيرين البقاء بعيداً قليلاً بينما توجه هو نحو الجد الذي كان ينتظره بملامح جدية للغاية.

توقفت أنفاس بليك الشبح، وشعر بفضول يحرق روحه؛ ماذا يمكن أن يدور بين والده القاسي وجده الحكيم؟ هل كان النقاش حول مستقبله؟ أم عن ماريلا؟ أم عن سر تلك اللكمة القديمة؟ اقترب بليك الشبح بجهد محاولاً التنصت على حوارهما الخفي، ومد أذنه نحو شفاه نوكوتا التي بدأت تتحرك.. لكن، في تلك اللحظة الحرجة، خانته عيناه. التقت أجفانه في رمشة قسرية عنيفة، ليمزق الضوء المشهد تماماً ويقذفه بعيداً عن ذلك السر الذي كاد يلامسه، منتقلاً به إلى تيار جديد من الذكريات المجهولة.

رمش بليك الشبح، فاهتز الفراغ من حوله وتلاشت صورة منزل جده البعيد، ليعود وعيه ويستقر في شوارع بلدته التي نشأ فيها. كان الجو عادياً، نهاراً باهتاً يميل إلى الرتابة، حيث الأزقة الضيقة والبيوت المتراصّة التي تآلفت عيناه مع تفاصيلها منذ الصغر.

رأى نفسه هناك، بليك الصغير، طفلاً في السادسة أو السابعة من عمره، يخرج من باب منزلهم بخطوات مترددة ليقضي بعض الوقت في اللعب بمفرده. لم يكن هناك صخب، فقط هدوء الشارع الذي يخترقه أحياناً صوت محرك سيارة بعيدة أو زقزقة عصافير دورية. كان بليك الصغير يمسك بيده لعبة بسيطة، ويحاول إشغال نفسه في زاوية من زوايا الحي، بعيداً عن ضجيج الأطفال الآخرين الذين قد يزعجونه.

لكن، وعلى الرغم من أنه خرج ليلعب، لم تكن الراحة رفيقته. كانت هناك تلك الفتاة الصغيرة.

كانت تظهر دائماً من بعيد، تقف في زاوية الزقاق المقابل أو عند ناصية الطريق. كانت في مثل سنه تقريباً، ترتدي ملابس عادية جداً، قميصاً وبنطالاً لا يميزانها عن أي طفل آخر في هذا الحي، لكن شيئاً ما في حضورها كان يجعله يتجمد في مكانه. لم تكن تركض، ولم تكن تصرخ، ولم تحاول قط الاقتراب منه أو الحديث معه. كانت فقط تقف هناك، وتحدق.

كان وجهها أبيض بشكل لافت، بياضاً يجعله يشعر بالانقباض كلما وقعت عينه عليه. لم تكن هناك أي تعابير واضحة على محياها، كانت ملامحها ساكنة تماماً كأنها تراقب شيئاً لا يراه أحد غيره. كان بليك الصغير يشعر بنظراتها تلاحقه حتى وهو يحاول التظاهر بالانشغال بلعبه؛ كان يحس بتقل في صدره، وخوف فطري يجعله يود العودة إلى الداخل فوراً.

وقف بليك الشبح مراقباً نفسه الصغيرة. كان يرى بوضوح كيف يتجنب بليك الصغير النظر مباشرة نحو الجهة التي تقف فيها الفتاة. كان يحني رأسه، ويركز بصره على الأرض، لكنه بين الحين والآخر، وبدافع من الفضول الممزوج بالرعب، كان يرفع عينيه ليجدها لا تزال في مكانها، بنفس النظرة وبنفس الوجه الأبيض الذي لا يتغير.

لم يكن هناك أي حوار، ولم تكن هناك أي حركة عنيفة. كان الصمت هو سيد الموقف. بليك الصغير يشعر بالتهديد دون أن يصدر عنها أي فعل مادي. كان يرى وجهها الغريب يخيفه بشدة، ويجعل فكرة اللعب في الخارج عبئاً ثقيلاً على قلبه الصغير. كانت نظراتها تخترق براءته، وتزرع في نفسه تساؤلات لا يملك لها إجابة، وتجعل المكان الذي يفترض أن يكون مألوفاً، مكاناً غريباً وموحشاً في عينيه.

استمر هذا المشهد طويلاً، حيث يقف بليك الصغير في جهة، وتلك الفتاة الغريبة في جهة أخرى، يفصل بينهما شارع صامت ونظرات باردة كانت تحفر في ذاكرة بليك أثراً لا يمحى، حتى رمش بليك الشبح مرة أخرى لينتقل إلى ذكرى جديدة.

رمش بليك الشبح مرة أخرى، فتمزق سكون الشارع وانحلت صورة الفتاة ذات الوجه الأبيض، ليعاد تشكيل المحيط من حوله بجدران مدرسة ابتدائية صاخبة. استقرت الرؤية في ساحة المدرسة المتربة، حيث كانت أصوات الأطفال تعلو وتتداخل في فوضى عارمة. رأى نفسه هناك، بليك الصغير في سنواته الدراسية الأولى، ولم يكن يشبه بليك البالغ في شيء؛ كان يمتلك ذلك النوع من "غباء الأطفال" الفطري، براءة ساذجة تجعله يتحرك باندفاع ودون ذلك الخجل الثقيل الذي سيقيد روحه لاحقاً. كان يحاول بجد، وبطريقته الطفولية البسيطة، أن ينسج روابط ويصنع صداقات في هذا العالم الصغير المزدحم.

في زاوية بعيدة من الساحة، لفت نظر بليك الشبح طفل هادئ يجلس بمفرده. كان ذلك الطفل يسكن في مكانه كأنه جزء من الجدار، وهدوؤه كان غريباً لدرجة أن بليك الشبح، برغم وعيه البالغ، لم يستطع تمييز طبيعة هذا السكون؛ هل كان هدوءاً نابعاً من خجل مفرط وانطواء، أم أنه كان هدوءاً مبكراً ينم عن نضج لا يتناسب مع عمره الصغير. ظل ذلك الطفل لغزاً صامتاً في خلفية المشهد، بينما كان بليك الصغير منشغلاً بصديقه الأقرب في ذلك الوقت، ريان.

لم تكن الصداقة بين بليك وريان نابعة من توافق روحي عميق، بل كانت مجرد نتيجة لتقاطع طرق العائلتين؛ فأخو ريان الأكبر كان صديقاً لجوليان، أخو بليك، وهذا الرابط العائلي الهش هو ما دفعهما ليكونوا معاً في المدرسة. كانت علاقتهما تفتقر للقوة؛ فغالباً ما كان ريان ينسحب من جانب بليك، يبتعد عنه ليشارك أطفالاً آخرين أحاديثهم وألعابهم، تاركاً بليك وحيداً في كثير من الأحيان. لكن بليك الصغير، بذكائه المحدود آنذاك وطبيعته كطفل، لم يكن يبدي أي اهتمام أو انزعاج من هذا التجاهل؛ كان يتقبل الأمر ببساطة ودون أن يشعر بجرح في كبريائه.

في إحدى الفترات بين الدروس، اقترب ريان من بليك وقال له بنبرة مستعجلة: اسمع يا بليك، سأذهب الآن للعب مع خالد ومجموعته في الجهة الأخرى من الساحة، هل تمانع؟

رد بليك الصغير وهو ينظر إلى ريان ببراءة تامة: لا بأس، اذهب، سأبقى هنا قليلاً.

تحرك ريان مبتعداً دون التفات، بينما ظل بليك يراقبه للحظة قبل أن يعود لاهتماماته الخاصة. برغم محاولاته لتكوين صداقات، كان بليك طفلاً صعب الإرضاء؛ لم يكن يطيق الكثير من الأطفال الذين يحاولون التقرب منه. كان هناك ولد سمين في الفصل، يحاول دائماً الجلوس بجانب بليك أو الحديث معه، لكن بليك كان يصدّه ويشعر بنفور شديد منه لسبب بسيط وواقعي جداً: رائحته الكريهة التي لم يكن بليك يحتملها. كان يبتعد عنه كلما اقترب، مبرراً نفوره بصراحة طفولية فجة.

ولم يكن هذا هو السبب الوحيد لعزلته النسبية، فبليك كان سريع الانزعاج؛ أي حركة طفولية مستفزة أو مضايقة بسيطة من زملائه كانت تدفعه للغضب والتوجه فوراً إلى المعلمين لتقديم شكوى. كان يرى في القواعد وسيلة لحمايته، لكن كثرة تذمره وتفاهة أسباب شكواه في نظر الكبار جعلت المعلمين يضيقون به ذرعاً.

في إحدى المرات، دخل بليك الصغير إلى غرفة المعلمين بوجه محتقن، ووقف أمام معلمته قائلاً بصوت عالٍ

: معلمتي، إن إياد لا يتوقف عن تحريك طاقتي، إنه يزعجني بشدة ولا أستطيع التركيز.

نظرت إليه المعلمة بنفاد صبر واضح، وقالت وهي تنهد: ثانية يا بليك؟ لقد جئت قبل قليل لتشكو من شيء آخر. اذهب إلى مقعدك وحاول أن تحل مشاكلك مع زملائك بنفسك، توقف عن الشكوى من كل صغيرة وكبيرة.

خرج بليك من الغرفة وهو يشعر بالظلم، فالمعلمون باتوا يكرهون رؤيته مقبلاً نحوهم، وصار يُعرف بينهم بلقب "شديد الشكوى". عاد إلى فصله، ليرى الطفل الهادئ لا يزال في زاويته، والولد السمين يحاول الاقتراب منه مجدداً، وريان يضحك مع أصدقائه الآخرين بعيداً عنه. وقف بليك الشبح يراقب هذا التخبط الطفولي، مدركاً أن بليك الصغير كان يعيش صراعاً بين رغبته في الانتماء وبين طبيعته التي لا تتحمل الإزعاج، وهو ما رسم ملامح طفولته المدرسية المضطربة قبل أن يرمش بليك الشبح مرة أخرى.

رمش بليك الشبح مرة أخرى، فتشوهت ألوان الساحة الدراسية وذابت الجدران القديمة لتعاد هيكلتها في مشهد جديد؛ إنه عامه الثاني في المرحلة الابتدائية. في هذه المرحلة، بدأ ذلك الوعي الطفولي الخام يتشكل ببطء، ومعه بدأ يتسلل الخجل إلى أعماق بليك الصغير، ملقياً بظلاله على اندفاعه السابق. لم يعد ذلك الطفل الذي يتحرك بلا اكتراث، بل بدأت نظرات الآخرين وحضورهم يشكلان ثقلاً على صدره. في ذلك الفصل الدراسي، قرر المعلمون التدخل في ترتيب المقاعد، وكان القدر قد وضع بليك في اختبار عسير حين تم اختياره للجلوس بجانب فتاة تدعى أومينيكو.

كانت أومينيكو طفلة تتمتع بروح عدائية غير مفهومة؛ متنمرة بالفطرة، وعلى الرغم من صغر سنها الذي يوحي بأن أفعالها قد لا تحمل ضغينة ناضجة، إلا أن طريقتها في استهداف بليك كانت مؤذية ومركزة. كانت تستلذ بمضايقته، تارة بجذب أغراضه وتارة بكلمات ساخرة أمام الآخرين، مستغلة بدابة الخجل التي ظهرت عليه. وفي إحدى الاستراحات، تأزم الموقف خلف مبنى الفصول بعيداً عن أعين المعلمين. وقفت أومينيكو أمام بليك، وكانت نظراتها تتسم بجرأة لا تتناسب مع عمرها.

قالت أومينيكو بنبرة ساخرة وهي تدفعه بكتفها: انظروا إليه، بليك الكبير لا يستطيع حتى الرد بكلمة واحدة. لماذا أنت صامت هكذا دائماً؟ هل أنت خائف مني؟

حاول بليك الصغير التراجع، كان أطول منها وكان جسده يوحي بأنه الأقوى كونه ذكراً، لكن الرعب كان قد شل حركته تماماً. تلاشت قدرته على الدفاع عن نفسه أمام اندفاعها الغريب. وفجأة، وبحركة مباغتة، أمسكت أومينيكو بملابسه وجذبته بقوة ثم دفعته أرضاً، فسقط بليك على التراب وسط ضحكات أصدقائها الذين التفوا حوله. لم تكتفِ بذلك، بل بدأت هي ومجموعتها برفسه بأقدامهم الصغيرة، رفسات كانت تحمل قسوة طفولية غير مبررة، بينما كان بليك يكمش جسده على الأرض محاولاً حماية وجهه بيديه، والدموع تحتبس في عينيه من المهانة والخوف.

في زاوية قريبة، كان ريان واقفاً. صديقه الذي كان من المفترض أن يسانده، اكتفى بدور المشاهد الصامت. لم يحرك ساكناً ولم يحاول التدخل لإيقاف أومينيكو أو حتى الصراخ طلباً للمساعدة. كان ينظر إلى بليك وهو يُركل على الأرض بنظرة خالية من أي تعاطف، وكأن ما يحدث أمامه لا يعنيه، أو ربما كان هو الآخر يخشى أن ينال نصيبه من تنمر أومينيكو.

صرخت أومينيكو وهي تضحك: انظروا، إنه يبكي! بليك الضعيف يبكي على الأرض!

كان بليك الصغير يسمع ضجيج الضحكات ويشعر بضربات أحذيتهم على جنبيه، بينما كان بصره معلقاً بريان الذي لم يبدِ أي رد فعل. كانت تلك اللحظة تجسيداً لخذلان الصديق وضعف النفس أمام التنمر. شعر بليك الشبح بمرارة هذه الذكرى تعتصر روحه، بمرارة العجز التي شعر بها بليك الصغير وهو يُهان من فتاة تصغره حجماً أمام أعين الجميع. لم يحتمل بليك الشبح البقاء في هذا المشهد المهين لثانية إضافية، فامتلكته رغبة عارمة في الهروب من هذا الذل القديم، فرمش بسرعة فائقة محاولاً تمزيق هذه الصورة والقفز بعيداً عن رفسات أومينيكو ونظرات ريان الجامدة.

رمش بليك الشبح مرة أخرى، فتبددت رفسات أومينيكو وتلاشت ملامح ريان الجامدة، ليعاد تشكيل المحيط في مشهد منزلي هادئ تارة، ومدرسي صاخب تارة أخرى. كانت الذكرى هذه المرة مغلفة بنوع مختلف من الألم، ألم العاطفة البكر التي تفتحت قبل أوانها لتصطدم بصخرة الواقع الباردة. رأى بليك الشبح نفسه في تلك المرحلة المبكرة، حيث فرضت الصداقة الوثيقة بين والدته ووالدة فتاة تدعى "آلاء" نوعاً من الرفقة القسرية بينهما. لم يكونوا أصدقاء بالمعنى الحقيقي، بل مجرد طفلين تجمعهما لقاءات العائلات، ومع ذلك، استقرت آلاء في مخيلة بليك الصغير كحلم بعيد، وكأنها حبه الأول الذي لم يجرؤ يوماً على البوح به.

كان خجل بليك من آلاء خجلاً مرضياً، يمنعه حتى من إلقاء التحية أو النظر في عينيها. كان يصاب بالخرس التام في حضرها، بينما كانت آلاء، بطبيعتها الطفولية المتقلبة، لا تكن له أي ود. لم تكن تراه جديراً باهتمامها، ففي مخيلتها الصغيرة كان بليك طفلاً يفتقر للجمال والجاذبية، وكانت عيناها دائماً معلقتين بـ "وسيم الفصل"، ذلك الطفل الذي يمتلك ملامح لافتة وحضوراً يسرق الأضواء. نظر بليك الشبح إلى آلاء في تلك الذكرى، وشعر باستغراب شديد يطغى على مشاعره؛ فقد وجدها عادية الملامح، لا تمتلك ذلك السحر الذي كان يتخيله، وأدرك يقيناً أن ما كان يشعر به لم يكن حباً حقيقياً، بل مجرد انجذاب طفولي ساذج تضخم في عقله بسبب عزلته وخجله.

وفي يوم دراسي مشهود، وصلت آلاء إلى الفصل وهي تبدو مضطربة، فقد نسيت وجبتها المدرسية في المنزل. راقبها بليك الصغير من بعيد، ورأى حاجتها، فشعر أن هذه هي اللحظة المناسبة لكسر حاجز الصمت الطويل. استجمع كل ذرة شجاعة في كيانه الصغير، وتقدم نحو مقعدها بخطوات ثقيلة، وقلبه يقرع صدره بعنف كطبل حرب. كان يمسك بوجبته بيد ترتجف، وتوقف أمامها لثوانٍ قبل أن يستطيع إخراج الكلمات من حنجرته الجافة.

قال بليك الصغير بصوت خفيض ومتهدج: آلاء، لقد سمعتُ أنكِ نسيتِ وجبتكِ اليوم.. هل.. هل تقبلين أن تشاركيني وجبتي؟ لقد أحضرتُ طعاماً يكفينا نحن الاثنين.

رفعت آلاء رأسها ونظرت إليه بنظرة ملؤها الازدراء والنفور، ولم تتردد لحظة في إحراجه أمام من حولها. ردت بفضاضة جارحة وقالت: ابتعد عني يا بليك، لا أريد مشاركة أي شيء معك. اذهب وتناول طعامك وحدك، أنا لستُ جائعة لدرجة أن آكل من وجبتك.

ساد صمت خانق في تلك الزاوية من الفصل. شعر بليك الصغير وكأن الأرض تميد به، وتحطم قلبه الصغير إلى أشلاء أمام برودها وقسوتها غير المبررة. لم ينطق بكلمة أخرى، بل تراجع ببطء والدموع تحرق مآقيه، ثم استدار وخرج من الفصل مسرعاً، يجر خلفه ذيول الخيبة والحزن العميق. أما آلاء، فقد عادت لحديثها مع صديقاتها كأن شيئاً لم يكن، لم تشعر بأي ذنب ولم تبالِ بتلك المشاعر التي سحقتها بكلماتها الجافة، كانت مجرد طفلة عادية غير مهتمة بمدى الأذى الذي خلفته وراءها. وقف بليك الشبح مراقباً نفسه وهو يبتعد في الممر الخالي، مدركاً أن تلك اللحظة كانت مسماراً آخر في نعش ثقته بنفسه، وقبل أن يتفاقم شعوره بالمرارة، استعد للرمش مرة أخرى لينجو من وطأة هذه الذكرى الحزينة.

رمش بليك الشبح مرة أخرى، فتمزقت صورة آلاء الباردة، وتداخلت ألوان الفصل الدراسي ليعاد تشكيل مشهد منزلي مألوف في السنة الثانية من المرحلة الابتدائية. رأى بليك الشبح نفسه صغيراً، يجلس عند طرف سريره بملامح يكسوها نوع من المكر الطفولي الساذج، وهو ينسج خيوط كذبة لم يكن يدرك عواقبها. كان بليك الصغير في تلك الفترة يمر بحالة من النفور الشديد تجاه المدرسة، رغبة عارمة في البقاء داخل حدود المنزل الآمنة بعيداً عن صخب الفصول الدراسية وتلك الوجوه التي ترهقه.

تسلل بليك الصغير نحو المطبخ حيث كانت والدته ماريلا منشغلة ببعض الأعمال المنزلية، ووقف خلفها مطأطئ الرأس، مصطنعاً نبرة من الهدوء الزائف. قال بليك الصغير بصوت خافت: أمي، لقد أخبرونا في المدرسة أننا لن ندرس اليوم.. المعلمة لم تأتِ، والمدرسة ستبقى مغلقة لبعض الوقت بسبب عطل طارئ، لذا لا فائدة من ذهابي.

التفتت إليه ماريلا ونظرت في عينيه طويلاً، وسألته بنبرة حازمة: هل أنت متأكد يا بليك؟ لقد رأيتُ الحافلة المدرسية تمر قبل قليل، ولم يخبرني أحد من الجيران بأي عطل.

أجاب بليك وهو يحاول تثبيت نظراته: نعم يا أمي، أنا متأكد.. لقد أخبرونا بالأمس أن المعلمة مريضة ولن تحضر اليوم، لا داعي للقلق، سأبقى هنا لأرتاح قليلاً.

انطلت الكذبة في البداية، لكن الحقيقة في ذلك العالم الصغير لا تلبث أن تظهر. بمكالمة هاتفية عارضة أو بمرور إحدى الأمهات، اكتشفت ماريلا أن المعلمة موجودة في فصلها، وأن بليك هو الوحيد الذي تغيب دون عذر. لم تمضِ ساعات حتى عادت ماريلا إلى المنزل والغضب يتطاير من عينيها. لم تكن هناك مساحة للنقاش أو التبرير؛ فبمجرد أن رأت بليك جالساً ببرود، انهالت عليه بالضرب كعقاب على تلك الأكاذيب الغبية التي لم تجلب له سوى الألم الجسدي والمهانة. وقف بليك الشبح مراقباً هذا المشهد، مدركاً مدى تفاهة تلك المحاولات الفاشلة للهروب من الواقع.

رمش بليك الشبح مجدداً، فانطوت صفحة الأكاذيب المنزلي لتفتح فصلاً جديداً من الألم الجسدي الحقيقي؛ إنه اليوم الذي كُسرت فيه يده لأول مرة. انتقل المشهد إلى ساحة التربية البدنية، حيث الركض العشوائي وصراخ الأطفال يملأ المكان. كان بليك الصغير يحاول الاندماج في اللعب، لكن طفلاً مشاغباً يدعى "ويستي" كان يتربص به. وفي لحظة اندفاع وتدافع، قام ويستي بدفع بليك بقوة مبالغ فيها، فسقط بليك على الأرض بكل ثقله، وارتطمت يده بالأسمنت بقوة أحدثت صوتاً مكتوماً تبعه صراخ مكتوم من بليك.

كان الألم حاداً ولا يطاق، وانتهى الأمر ببليك في المستشفى ليخرج بجبيرة بيضاء ضخمة ومزعجة، ثقيلة على جسده الصغير وتقيد حركته تماماً. ورغم كل ذلك الألم، ورغم سؤال المعلمين المتكرر عمن فعل ذلك، التزم بليك الصمت التام. لم يرد الوشاية بويستي، لم تكن لديه رغبة في الانتقام أو تقديم شكوى، رغم أن الحق كان معه تماماً. كان صمته غريباً وغير مبرر حتى لنفسه في تلك اللحظة.

لكن الأمور لم تنتهِ عند هذا الصمت؛ فماريلا لم تكن لتترك حق ابنها يضيع ببرود. من خلال تتبع خيوط الحديث مع الطلاب الآخرين، عرفت ماريلا أن ويستي هو الفاعل. توجهت إلى المدرسة كالعاصفة، ولم تكتفِ بالحديث مع الإدارة، بل واجهت ويستي نفسه. وفي لحظة غضب جامحة، قامت ماريلا بضرب ويستي ضرباً مبرحاً أمام الجميع، مفرغةً غضبها مما أصاب ابنها في ذلك الطفل المشاغب.

كان بليك الصغير يقف بجبيرته المزعجة، يراقب والدته وهي تضرب ويستي، ويشعر بمزيج من الارتباك والدهشة. كان ويستي يصرخ ويتوسل، بينما كانت ماريلا لا تتوقف، منتقمة ليد بليك المكسورة بطريقتها الخاصة والعنيفة. وقف بليك الشبح يشاهد هذا الانفجار السلوكي، وكيف تحول الصمت إلى معركة علنية، وشعر بتقل الجبيرة يزداد على روحه كما كان على يده، قبل أن يستعد للرمش مرة أخرى للهروب من رائحة المستشفيات وصوت صراخ ويستي.

بليك يرمش.الظلام ينقشع قليلاً، والضوء يتسلل من جديد، لكنه ليس ضوء النهار هذه المرة. إنه ضوء خافت ينبعث من مصابيح معلقة في سقف خشبي قديم، وصوت أمواج خفيفة يتردد من بعيد، كأن البحر يتنفس على مهل قرب المنزل.إنه منزل جده.بليك الصغير — ست سنوات — يدخل الباب الخشبي الثقيل بخطوات مترددة. يحمل في يده كيساً صغيراً من الحلوى اشتراها والدته له قبل أن تتركه عند الجد وتمضي. رائحة الخشب المبلل والملح تملأ أنفه. يسمع صوت خطوات ثقيلة تنزل من الدرج الداخلي.ثيودور يظهر. لحيته البيضاء الكثيفة، عيناه الزرقاوان الحادتين، قميصه الأبيض المكوى بعناية رغم أنه يعيش وحيداً. ينظر إلى حفيده لحظة طويلة دون كلام، ثم يبتسم ابتسامة خفيفة، من تلك الابتسامات التي لا تصل إلى العينين تماماً.— تعالَ يا ولد. اليوم ليس يوم دروس. اليوم نصطاد.بليك يركض نحوه ويعانقه. رائحة التبغ القديم والخشب تحيط به. ثيودور يرفعه بيد واحدة كأنه لا يزن شيئاً، ثم يضعه على كتفه ويخرجان إلى الشرفة المطلة على البحر.كان ذلك أجمل ما في زياراته للجد: البحر، والصيد، والحرية التي لا يجدها في بيته. يجلسان على الرصيف الخشبي المتآكل، يضعان السنارات، يتحدثان عن أسماك لا يراها أحد سوى في خيالهما. ثيودور يعلمه كيف يربط الخيط، كيف يقرأ حركة الماء، كيف يصبر حتى تأتي اللقمة. يضحكان عندما يسحب بليك خيطه بقوة فتسقط السمكة على رأسه.لكن لم تكن كل اللحظات كذلك.في إحدى المرات — كان بليك قد تجاوز السابعة بقليل — أعطاه ثيودور عصا صيد جديدة، طويلة، لامعة، من الخيزران المستورد. قال له:— هذه لك. لكن تذكر: الأداة لا تصنع الصياد. الصبر والانتباه هما اللذان يصنعانه. لا تلمسها إلا إذا كنتَ مستعداً لاحترامها.بليك أخذها بحماس طفولي. في اليوم التالي، بينما كان الجد نائماً بعد الظهر، خرج بليك وحده إلى الرصيف. أراد أن يصطاد سمكة كبيرة لوحده، أن يُثبت لجده أنه قادر. رمى الخيط بقوة زائدة، فانحنى الخيزران أكثر مما ينبغي، ثم انكسر فجأة بصوت حاد.بليك تجمد. نظر إلى العصا المكسورة في يده، ثم إلى البحر الهادئ كأنه يتهمه.عندما استيقظ ثيودور ورأى ما حدث، لم يصرخ. وقف لحظة طويلة ينظر إلى الحطام. ثم قال بهدوء مخيف:— تعالَ.أخذ بليك من يده، أدخله إلى غرفة الجلوس، أجلسه على الكرسي الخشبي القديم. جلس أمامه على ركبتيه حتى يصبح وجهاهما في مستوى واحد.— أنا لم أعطكِ العصا لتكسرها. أعطيتك إياها لتتعلم. والآن، ماذا تعلمت؟بليك، بعينين دامعتين:— أن... ألا أعبث بها لوحدي.ثيودور هز رأسه ببطء.— لا. تعلمتَ أن الحرية بدون مسؤولية تؤذي. أعطيتك حرية اللمس، فأسأتَ استخدامها. والآن ستدفع الثمن.أخذ حزاماً جلدياً قديماً من على الحائط. لم يكن يستخدمه كثيراً، لكنه كان موجوداً دائماً كتهديد صامت. ضرب بليك ثلاث ضربات خفيفة على راحتي يديه. لم تكن مؤلمة جسدياً بقدر ما كانت مؤلمة معنوياً. بليك بكى بصمت، ليس من الألم، بل من خيبة أمل جده فيه.بعد ذلك، أجبره ثيودور على الجلوس في الغرفة طوال اليوم دون أن يتحدث إليه. لم يكن عقاباً جسدياً فقط، بل عقاب الصمت. كان ثيودور يعرف أن الصمت يؤذي بليك أكثر من أي ضربة.في المساء، عندما سمح له بالخروج، قال له بهدوء:— غداً سنصنع عصا جديدة معاً. لكن هذه المرة، ستتعلم كيف تحافظ عليها قبل أن تلمسها.بليك لم ينسَ تلك الليلة أبداً. كان يشعر أن الضرب لم يكن العقاب الحقيقي. العقاب الحقيقي كان نظرة الجد التي تقول: "أنا كنت أثق بك، والآن أشك فيك".بليك يرمش.الضوء يتغير مرة أخرى. صوت موسيقى خافتة، رائحة عطر ثقيل، ضحكات مكتومة، أضواء ملونة خافتة.إنه ليلة زفاف خالته.بليك في الثامنة تقريباً. يرتدي بدلة صغيرة سوداء، ربطة عنق حمراء تضايقه. يتجول بين الطاولات، يأكل قطعاً من الكعكة، يشاهد الراقصين. أمه مشغولة بالحديث مع الضيوف، أبوه غائب كالعادة، جده جالس في الزاوية يراقب الجميع بعينين لا تفوتهما شاردة.ثم رآها.فتاة صغيرة، ربما في العاشرة، شعرها أسود طويل مربوط بشريط أبيض، ترتدي فستاناً أزرق فاتحاً. كانت تقف وحدها قرب نافذة تطل على الحديقة. عندما رأت بليك تنظر إليها، ابتسمت ابتسامة خجولة، ثم أشارت إليه بيدها أن يقترب.اقترب.— هل تريد أن نلعب؟سألته بصوت هادئ.بليك، الذي نادراً ما يجد من يريد اللعب معه، هز رأسه بحماس.— نعم! لكن... أي لعبة؟— الغميضة. أنا أختبئ، وأنت تبحث عني.وافقت. بدأت اللعبة. كانت الفتاة سريعة وذكية. تختبئ في أماكن يصعب تخيلها: خلف الستائر الثقيلة، تحت طاولة الطعام، داخل خزانة المدخل. بليك يبحث، يضحك، يشعر لأول مرة أن هناك من يريد أن يراه حقاً.في إحدى الجولات، قالت له:— هذه المرة سأختبئ في مكان لن تجدني فيه أبداً إلا إذا كنت شجاعاً.ثم ركضت.تبعها بليك. صعد الدرج الخلفي، مر من ممر ضيق، وصل إلى غرفة في الطابق العلوي كانت مغلقة عادةً. الباب موارب. دفع الباب ببطء.الغرفة مظلمة، مضاءة بضوء خافت من شمعة على الطاولة.ثم رأى.عدة أشخاص — رجال ونساء — عراة أو شبه عراة، متشابكين على السرير الكبير وفوق السجادة. أصوات أنين مكتومة، ضحكات خافتة، حركات متسارعة. رائحة العرق والعطر الثقيل تملأ المكان.بليك تجمد.لم يفهم تماماً ما يراه، لكنه شعر بشيء خاطئ، شيء مقزز، شيء لا ينتمي إلى عالمه. واحد من الرجال رفع رأسه، رآه، وضحك ضحكة خافتة وقال:— يا للطفل المحظوظ... هل تريد أن تنضم؟بليك استدار وركض. قلبه يدق بقوة، وجهه يحترق من الخجل والرعب. لم يتوقف حتى خرج إلى الحديقة الخلفية، جلس خلف شجرة وأخفى وجهه بين يديه.بكى بصمت.لم يخبر أحداً. لم يعرف حتى اسم الفتاة التي لعب معها. لم يرها مجدداً في تلك الليلة، ولا في أي ليلة أخرى.لكنه لم ينسَ.بليك يرمش.الضوء يتلاشى مرة أخرى.

بليك يرمش.الضوء يتسلل ببطء، كأنما يتردد في الدخول. رائحة مستشفى قديمة، مطهرات رخيصة، أنين خافت من غرفة مجاورة، صوت أقدام ممرضات تتحرك بسرعة على أرضية مبللة. إنه مستشفى الولادة في المدينة القديمة، قبل أن يغلقوا الجناح القديم ويحولوا المبنى إلى مركز إداري.بليك الصغير — لم يتجاوز الثامنة — يجلس على كرسي بلاستيكي أصفر في الممر الطويل. أمه ماريلا واقفة على بعد خطوات، تتحدث بصوت منخفض مع أخته الكبرى، أم ليلي الجديدة. الطفلة وُلدت قبل ساعات قليلة. بليك يسمع كلمات متقطعة: «الحمد لله... سليمة... تشبه أمها».يدخل والد خالته — زوج خالته — حاملاً باقة ورد بيضاء صغيرة. يمر بجانب بليك دون أن ينظر إليه، يدخل الغرفة، يسمع ضحكة خفيفة من الداخل. بعد لحظات، تخرج الخالة على كرسي متحرك، الطفلة ملفوفة بقماش أبيض في حضنها. تنظر إلى بليك لثانية واحدة فقط، ثم تعود بنظرها إلى ابنتها.ماريلا تقترب من أختها، تمد يدها لتمسك أصابع الطفلة الصغيرة. تقول بصوت رقيق لم يعتده بليك منها من قبل:— اسمها ليلي... جميل، أليس كذلك؟الخالة تبتسم بتعب.— نعم. ليلي... مثل الزهرة.بليك يقف. يريد أن يرى الطفلة عن قرب. يتقدم خطوة، لكن ماريلا تمد يدها دون أن تنظر إليه، تضعها على كتفه وتدفعه برفق إلى الخلف.— انتظر هنا يا بليك. لا تزعجها الآن. إنها متعبة.لم يقل أحد شيئاً آخر. بقي واقفاً في الممر، ينظر إلى الطفلة من بعيد. كانت صغيرة جداً، وردية، عيناها مغمضتان. لم يشعر بالغيرة، لكنه شعر بشيء غريب: أن هناك مكاناً في العالم أصبح مخصصاً لشخص آخر، وأنه ليس جزءاً منه.في تلك اللحظة بالذات، رفع والد الخالة الطفلة قليلاً وقال بصوت مرتفع:— انظروا... عيونها مثل عيون أمها تماماً.ضحك الجميع بخفة. بليك نظر إلى عينيه في انعكاس زجاج النافذة القريبة. عيناه بنيتان عاديتان. لم يقل أحد أن عينيه تشبه عين أحد.بليك يرمش.الضوء يتغير مرة أخرى. صوت أقلام على الخشب، رائحة كتب مدرسية قديمة، ضحكات أطفال مكتومة. إنه الفصل الدراسي الثالث ابتدائي.بليك يجلس في المقعد الأخير قرب النافذة. خلفه مباشرة تجلس فتاة اسمها مايل. شعرها بني طويل مربوط بشريط أزرق، عيناها خضراوان كبيرتان، وابتسامتها هادئة دائماً. كانت جميلة الصف بلا منازع، لكنها لم تكن متعجرفة. كانت تتحدث مع الجميع بنفس اللطف، لكن بليك — لسبب ما — كان الوحيد الذي تتحدث معه طويلاً.في البداية كان الحديث بسيطاً:— بليك... هل درست الدرس؟— نعم... شوية.— أنا ما فهمت مسألة الكسور. ممكن تشرحلي؟فيشرح لها بصوت منخفض، وهي تستمع بانتباه حقيقي، تسأل أسئلة ذكية، تضحك عندما يخطئ في الشرح ثم يصحح نفسه بخجل. مع الوقت، بدأ الحديث يتسع: عن الأفلام، عن الألعاب، عن الحيوانات، عن أحلامهما. مايل تحب القطط، بليك يحب الكلاب. مايل تريد أن تصبح طبيبة، بليك لا يعرف بعد ماذا يريد لكنه يقول إنه يريد أن يكون «شخصاً قوياً».كانت مايل تتحدث إليه كصديق، لا كـ«فتاة يعجب بها». وهذا بالضبط ما جعل الأمر مريحاً. لم يشعر بليك أبداً أنه يجب أن يثبت شيئاً لها. كان يشعر أنها تراه كما هو، لا كما يريد أن يراه الآخرون.في أحد الأيام، بعد الحصة، بقيت مايل تجلس في مكانها. اقترب بليك وسألها:— ليش ما طلعتي مع البنات؟نظرت إليه وقالت بهدوء:— ما بحب الضجة كثير. أحب أحكي معك أنت. أنت ما بتضايقني.شعر بليك بشيء دافئ في صدره لم يعتده. لم يكن حباً رومانسياً بعد — كان صغيراً جداً — لكنه كان شعوراً بالأمان. شعور أن هناك شخصاً يريده موجوداً.لكن الاقدار — كما دائماً — لا ترحم.كان في الفصل ولد اسمه ياسين. وسيم، طويل، شعره أسود مائل للأزرق، عيناه خضراوان لامعتان، دائماً محاط بمجموعة من الأولاد والفتيات. كان ياسين من النوع الذي يعرف كيف يجذب الانتباه دون جهد. يضحك بصوت عالٍ، يوزع النكات، يتحدث بثقة مفرطة.بليك كان يكرهه. نصف الكره حسد — لأن ياسين يملك ما لا يملكه: الثقة، الشكل، الشعبية. والنصف الآخر كره حقيقي — لأن ياسين كان يعامل الآخرين كأدوات: يضحك عليهم، يقلدهم، يستخدمهم ثم يرميهم.في أحد الأيام، رأى بليك ياسين يقترب من مايل في الفسحة. جلس بجانبها على الدرج، بدأ يتحدث إليها بصوت منخفض، يبتسم تلك الابتسامة التي تجعل الفتيات يحمرن خجلاً. مايل ضحكت ضحكة خفيفة. بليك وقف بعيداً، ينظر إليهما، وشعر بشيء يتمزق داخل صدره.في الأيام التالية، تغيرت مايل. لم تعد تجلس معه بعد الحصة. لم تعد تسأله عن الدروس. عندما يحاول التحدث إليها، ترد بكلمات قصيرة، ثم تنظر إلى ياسين الذي يقف على بعد خطوات ويبتسم لها.في يوم ممطر، بعد انتهاء الدوام، انتظر بليك مايل عند البوابة كعادته. اقتربت، لكنها لم تنظر إليه مباشرة. وقفت لحظة، ثم قالت بصوت منخفض:— بليك... أنا... ما رح أقدر أحكي معك كثير بعد اليوم.سألها بصوت مرتجف:— ليش؟نظرت إلى الأرض.— ياسين... ما بحب لما أكون مع غيره كثير. بيقول إني إذا كنت صديقتك... يعني... ما رح يحكي معي.بليك شعر أن الأرض تتحرك تحته.— بس... إحنا أصحاب.نظرت إليه بعينين دامعتين قليلاً.— أنا آسفة. أنا... ما بدي أخسره.استدارت ومشت تحت المطر. بليك بقي واقفاً، ينظر إلى ظهرها حتى اختفت. لم يبكِ. لم يتحرك. فقط وقف هناك، يشعر أن شيئاً داخل صدره قد توقف عن النبض.في اليوم التالي، جلس في مكانه، لم ينظر خلفه. لم يتحدث إليها مجدداً. وهي لم تحاول التحدث إليه.بليك يرمش

نهاية المجلد الاول

2026/03/02 · 11 مشاهدة · 10986 كلمة
نادي الروايات - 2026