[يمكنك مشاهدة هذا الفصل بعد الفصل 89 من رواية bi byond imagination [
انزلقت سفينة الركاب الفخمة، "أوريونيس"، بهدوء مهيب نحو رصيف ميناء جزيرة الجنة، تلك القطعة الماسية المعزولة قبالة سواحل أمريكا اللاتينية. لم يكن وصولها مجرد رسو، بل كان حدثاً مُعداً بأدق التفاصيل، يتناسب مع حمولتها الاستثنائية. انعكست أشعة الشمس الذهبية على الهيكل الفولاذي المصقول للسفينة بينما كانت المياه الفيروزية تتهادى حول قاعدة الرصيف الخشبي العتيق الذي تم تجديده خصيصاً لضمان سهولة حركة الوصول.
على الرصيف، اصطفت مجموعة من الخدم، يرتدون زياً أبيض ناصعاً، كل واحد منهم يمثل التجسيد الصامت للكفاءة والاحترافية. كان هناك صف خاص لموظفي الجمارك والهجرة – وهي إجراءات شكلية بالطبع – حيث تم تجهيز حواسيب محمولة وآلات تسجيل بيومترية متطورة. كانت كل التجهيزات معدة خصيصاً لتسهيل نزول الوفد الثمين.
توقفت المحركات. أُنزِل الجسر الآلي بسلاسة فائقة.
في اللحظة التي فُتِحت فيها الأبواب الزجاجية المصمتة للسفينة، ظهر المليارديرون الثمانية. كان محور المجموعة، وإن لم يكن في المقدمة، هو ليو تشنغ. لم يكن يرتدي بذلة كتان عادية، بل كان يرتدي زياً مصمماً خصيصاً يتناسب مع كرسيه المتحرك الكهربائي الحديث، وهو قطعة هندسية من ألياف الكربون تتنقل بصمت وبراعة. كانت عيناه الحادتان، رغم جلوسه، تسيطران على المشهد بالكامل، محاطاً بهالة من القوة التي لا تتأثر بالقيود الجسدية.
تم التسجيل بسرعة وبصمت، حيث تحرك الخدم بانسجام لضمان مرور سلس للمجموعة. كان التسجيل لا يتعلق بالبيانات الشخصية بقدر ما يتعلق بتسجيل الأمتعة المشفرة، والتحقق من التجهيزات الأمنية الخاصة بهم، وإثبات أن الجزيرة أصبحت الآن في حالة "عزل أمني تام".
"أهلاً بكم في جنة راموس الخاصة، أيها السادة والسيدات،" قال فيكتور راموس، مالك الجزيرة، بصوته الجهوري الذي يحاول أن يمزج بين الترحيب والرسمية. ارتدى قميصاً مفتوحاً فاخراً يلوح تلميحاً إلى الاسترخاء المزيف. "أرجو أن تكون الرحلة قد نالت إعجابكم. لقد جهزت كل شيء لتناسب جميع رغباتكم. وقد تم التأكد من أن جميع الممرات منحدرة بالمعايير العالمية، يا ليو."
أومأ ليو تشنغ برأسه إيماءة بسيطة، وهو يمسح بنظره الحاد أفق الجزيرة المغطى بأشجار النخيل. "هادئة ومناسبة. الإحاطة الأمنية ممتازة، فيكتور. لكن لنتحرك. أنا لا أحب المكوث طويلاً تحت الشمس."
"بالتأكيد، يا ليو. السيارة جاهزة لنقلنا إلى الفندق، لكنني اقترحت مسيرة قصيرة عبر شارع الملوك. إنها طريقة مثلى لبدء عطلة استرخاء كتلك."
بدأ المليارديرون الثمانية مسيرتهم. كان ليو تشنغ يتنقل ببراعة عبر المسار المخصص على الرصيف، تتبعه عن كثب المجموعة. لم تكن هذه مجرد نزهة، بل كانت استعراضاً ضمنياً للقوة في قلب مملكتهم الصغيرة. كان "شارع الملوك" في جزيرة الجنة يختلف عن أي شارع فخم في العالم. فقد كان يمتد بين أشجار البنغول الاستوائية العملاقة، مزروعاً على جانبيه بزهور الأوركيد النادرة التي تم استيرادها ورعايتها بتكلفة هائلة. كانت الأرضية مرصوفة برخام أبيض مصقول، نظيف لدرجة تكاد تعكس صورتهم. لا وجود لأي ضوضاء، باستثناء صوت حفيف أوراق الشجر وخرير نافورة فنية ضخمة منحوتة من حجر الجاد.
ساروا في مجموعات صغيرة داخل التشكيلة الكبيرة.
سيليا هارت، بعبقريتها في التكنولوجيا، كانت تتحدث بهدوء مع لوكاس بيرغ، رائد البرمجيات، حول ضرورة تحسين شبكات التشفير.
قالت سيليا، وهي تعدل نظارتها الشمسية ذات الإطار الفاخر: "يجب أن نعيد النظر في بروتوكولات الحماية، يا لوكاس. الأساليب القديمة لم تعد كافية لتغطية حجم عملياتنا المالية. إن مشروعنا يتطلب نظام دفاع لا يمكن اختراقه على الإطلاق."
رد لوكاس، الذي كان يرتدي ملابس غير رسمية ذات قيمة خيالية: "أنا أوافقك الرأي يا سيليا. لقد قمت بالفعل بتجهيز خوارزميات جديدة، لكنها تتطلب اختباراً على بيئة موازية. التمويل لا يمثل مشكلة، لكننا بحاجة إلى وقت. على أي حال، فلنستمتع بالهدوء قبل أن نعود لمتاهة البيانات المظلمة."
في الجهة الأخرى، كانت زارا خان، أيقونة الأزياء بملابسها الأنيقة والمحتشمة، تتناقش مع ليليان وونغ، سيدة الأدوية، حول ضغوط السوق.
قالت زارا، بصوتها الهادئ والواثق: "الصحافة لا تتوقف عن الملاحقة بشأن الشفافية في سلاسل التوريد، يا ليليان. الأمر يرهقني. أحياناً أتمنى لو أننا نبتعد تماماً عن الأنظار."
ردت ليليان وونغ، ذات المظهر القوي والعملي: "الابتعاد التام مستحيل، زارا. نحن نمثل الرأس المدبر. علينا أن نظهر أننا نعيش حياة طبيعية، بل ومرفهة. هذا يشتت الانتباه عن الحقيقة. تذكري، كلما زادت إجازتنا تباهياً، قل اهتمامهم بما نفعله في الخفاء."
إيثان كروز، رجل الطاقة، كان يسير بصمت إلى جانب ديفيد أوكوي، رجل النقل العملاق. بدا إيثان أكثر عزلة بعد أزمته العائلية.
سأل ديفيد أوكوي، الذي كان يبدو مرتاحاً في مسيرته: "ما بك يا إيثان؟ تبدو شاحباً. هل لا تزال مشاكل شبكة الشمال تلاحقك حتى هنا؟"
نظر إيثان إلى ديفيد، عيناه تحملان إرهاقاً أعمق من التعب الجسدي. "لقد خفّ الحمل، يا ديفيد، لكن الثمن كان باهظاً. لا أدري أين أنا ذاهب الآن."
"أنت ذاهب إلى المستقبل الذي اخترته بنفسك،" قاطعه صوت ليو تشنغ بهدوء من كرسيه المتحرك الذي اقترب منهما. "أنت حر الآن لتكرس طاقتك للمهمة. انظر إلى الأمر على أنه تطهير إجباري. الأقنعة سقطت، وستبقى القوة."
واصلوا مسيرتهم حتى وصلوا إلى معلم الجزيرة الأهم: الفندق الجبار.
لم يكن فندقاً بالمعنى التقليدي، بل كان تحفة معمارية بيضاء تنهض من بين الغابات الاستوائية كقصر حديث. كان المبنى يجمع بين النمط الكلاسيكي الإغريقي في الأعمدة الضخمة والألواح الرخامية، وبين البساطة العصرية في الزجاج المصقول الذي يحيط به من كل جانب، مما يتيح رؤية بانورامية للمحيط الأزرق. كانت هندسته مصممة لتوحي بالخضوع والجمال في آن واحد.
عند المدخل، وقفت تماثيل برونزية لآلهة يونانية، لكنها كانت منحوتة بلمسة عصرية مجردة. كانت الأبواب الدوارة من الزجاج الملون، وعندما ولجوا إليها، شعروا بالانتقال الفوري إلى عالم آخر.
الردهة الرئيسية:
كانت الردهة فضاءً لا نهائياً. يبلغ ارتفاع السقف ما لا يقل عن عشرين متراً، مغطى بـقبة زجاجية كاشفة تسمح لأشعة الشمس المصفاة بالمرور. الأرضية من رخام كرارا الإيطالي شديد البياض، وفي المنتصف، كانت هناك منحوتة مائية ضخمة على شكل حلزوني، تدور حول نفسها بهدوء، ترمز إلى الثراء والخلود. كانت المصاعد الزجاجية الواسعة مدمجة بشكل يخدم حركة الكرسي المتحرك بسلاسة تامة.
لم تكن الردهة مكتظة؛ فقد تم تفريغ الفندق بالكامل لضمان خصوصيتهم. كان هناك فقط مكتب استقبال واحد، خلفه امرأة ترتدي بذلة مصممة خصيصاً، تبتسم ببرود مؤدب.
واصل فيكتور راموس شرحه بينما كانوا يتوغلون في الردهة:
"لقد جهزنا لكل منكم جناحاً مستقلاً، أيها الرفاق. تم تخصيص الأجنحة الأقرب للمصعد في الطابق الثاني لليو تشنغ، وتم تزويدها بجميع التعديلات الضرورية للراحة التامة. ستجدون في كل جناح خادماً شخصياً مخصصاً متاحاً على مدار الساعة، بالإضافة إلى مكتبة شخصية مزودة بآخر إصدارات دور النشر العالمية التي تهتمون بها."
التفت إلى هيلينا روسو، سيدة الفنون والمجوهرات، التي كانت تتأمل المنحوتات الجدارية. "أتمنى أن تنال الأثاثات واللوحات المعلقة في جناحك إعجابك يا هيلينا. لقد استقدمنا أعمالاً نادرة لتناسب ذوقك الرفيع."
أجابت هيلينا روسو بصوتها الرخيم، وهي ترتدي قلادة من الألماس الوردي الباهظة: "بالتأكيد يا فيكتور. التفاصيل هي ما يميزنا عن العامة، حتى في الاستراحة. أنا أقدر هذا الاهتمام."
وصلوا إلى نقطة التوزيع حيث كانت المصاعد الزجاجية الواسعة تنتظر.
"حسنًا، أيها الرفاق،" قال فيكتور بحماس، يصفق بيديه بهدوء. "أتمنى لكم إقامة مريحة. لنتقابل جميعاً في قاعة الاجتماعات الخاصة بالطابق السادس في تمام الثامنة مساءً لتناول العشاء وتبادل الإحاطات الأساسية. تذكروا، هنا، أنتم في أمان تام."
بدأ المليارديرون يتفرقون، يتجهون نحو مصاعدهم الخاصة ليصعد كل واحد منهم إلى جناحه الفخم والمنعزل. كان ليو تشنغ أول من صعد، يتبعه إيثان كروز في صمت. كانت هذه هي بداية عطلتهم.
...
في جناح هيلينا روسو ولوكاس بيرغ:
كان جناح هيلينا ولوكاس يفوح برائحة الياسمين والعطور الفرنسية الفاخرة. لم يكن لوكاس في جناحه المنفصل، بل كان مع هيلينا. كانت الأضواء في الجناح خافتة، وعلب الشامبانيا الفاخرة المبردة "بولينجر في 1996" مفتوحة، ونصفها قد استُهلِك.
كان لوكاس بيرغ يجلس على حافة السرير الكبير، يتحدث مع هيلينا روسو التي كانت تخرج من غرفة الملابس مرتدية روباً حريرياً أسود مكشوفاً.
قال لوكاس، وهو يحتسي رشفة من الشمبانيا: "مشروع البرمجيات لا يحتمل أي تأخير آخر، يا هيلينا. يجب أن نقنع ليو تشنغ بزيادة مخصصات الموارد البشرية. أنا أُفرغ أفضل عقليتي هنا في خدمة هذا الأمر، لكنني أحتاج إلى مساعدة."
اقتربت هيلينا منه بخطوات بطيئة، تحمل هالة من القوة الجاذبة. "المال ليس مشكلة، يا لوكاس، وأنت تعرف ذلك. لكن ليو تشنغ رجل يقدّر الولاء قبل السرعة. دعنا لا نتحدث عن العمل الآن."
وضعت هيلينا الكأس على منضدة خشب الأبنوس، ثم جلست قربه، واضعة يدها بنعومة على رقبته. "لقد مررنا بأسبوع مرهق. ألا تعتقد أننا نستحق بعض المكافأة على إجهادنا الذهني؟ أنا أُقدّر حماسك للعمل، لكن علينا أن نحافظ على توازننا."
رد لوكاس بنظرة تفهم عميقة، ووضع كأسه أيضاً. "أنتِ دائماً محقة، هيلينا. التوازن هو مفتاح الاستدامة."
ثم بدأ لوكاس يزيح الروب الحريري عن كتفيها ببطء شديد، وهو يتحدث بصوت منخفض: "كم هو غريب أن نناقش مصير العالم وقضايا مليارات الدولارات ثم نعود إلى هنا وكأننا لم نغادر غرفة نومنا في ميلانو أو نيويورك. هذه هي ازدواجية حياة النخبة، أليس كذلك؟"
قالت هيلينا بهمس، وهي تميل برأسها وتغمض عينيها: "إنها الضرورة، يا لوكاس. الضغط يولد انفجاراً. وهذا الانفجار هو ما يجعل الحياة محتملة ومثيرة. لا تفكر في شيء الآن سوى إزالة هذا الضغط."
في جناح زارا خان:
كانت زارا خان قد انتهت لتوها من مكالمة هاتفية مع مصممها الرئيسي في باريس لمراجعة المجموعة الجديدة. كانت تجلس على كرسي تصفيف الشعر عندما وصلتها رسالة مشفرة على هاتفها الخاص. كانت الرسالة من فيكتور راموس، تؤكد أن الجميع مدعوون إلى قاعة "أركاديا" في الطابق السادس، وأن الحفل سيكون بمثابة عشاء عمل مغلف بالترفيه.
ابتسمت زارا ابتسامة خفيفة. هذا هو دورها. هي الواجهة اللامعة والمثيرة التي تبهر الأنظار وتخفي وراءها شبكات إنتاج وعمليات مالية هائلة.
وقفت زارا وتوجهت إلى خزانة ملابسها التي كانت أشبه بغرفة عرض متحف. اختارت فستان سهرة، قطعة فنية من تصميمها الخاص، لونه أسود حالك. كان الفستان مكشوفاً بشكل لافت عند الصدر والظهر، بفتحة جانبية عميقة تكشف عن ساقها بالكامل. تميز بقماشه المتدفق الذي يعكس الضوء بشكل درامي، مؤكداً على قوامها المثالي الذي يتطلب نظاماً رياضياً وغذائياً صارماً للحفاظ عليه. ارتدت معه مجوهرات ماسية جريئة لا يمكن لأحد في الجزيرة أن يضاهيها.
أمضت زارا وقتاً طويلاً في تجهيز نفسها، معتمدة مكياجاً قوياً يركز على عينيها الحادتين، وشعرها الداكن المنسدل.
عندما نظرت في المرآة، رأت نفسها: أيقونة الإغراء والقوة، جاهزة تماماً لدخول قاعة الاجتماع. أخذت حقيبتها الصغيرة، ثم اتجهت نحو المصعد.
جميع المليارديرات الثمانية كانوا الآن مستعدين للاجتماع.
صعد المليارديرون الثمانية إلى قاعة "أركاديا" في الطابق السادس، قاعة الاجتماعات الخاصة التي تحولت إلى مسرح لعشاء عمل فاخر. كانت القاعة مضاءة بأضواء خافتة، تعكس بريق الكريستال والزجاج، وتفوح منها رائحة بخور فاخر ممزوجة بنكهات المأكولات العالمية المقدمة.
لم يكن الحفل يقتصر عليهم فحسب، بل ضم خمسة من كبار رجال الأعمال الدوليين الذين يشكلون شبكة الدعم السرية لـ"النميسيس". كان هناك السيد ماركوس، المستثمر اللاتيني في التعدين، والسيدة تاميلا، المحامية الدولية المتخصصة في التهرب الضريبي، وثلاثة آخرون يمثلون واجهات مالية في أوروبا وآسيا.
كانت الأجواء هادئة ظاهرياً، يسودها مزيج من اللباقة والتحفظ. تدور الحوارات حول أسعار الأسهم، والمناخ الاقتصادي، والمعارض الفنية، بينما كانت الأيدي تتناول كؤوس النبيذ الأحمر الفاخر والشمبانيا الباردة.
على طاولة طويلة من خشب الماهوجني، احتسى ديفيد أوكوي كأسه، وتحدث إلى ماركوس، المستثمر في التعدين: "أعتقد أن سوق المعادن النادرة يتجه نحو انحدار حاد في الربع القادم، يا ماركوس. هل قمت بتأمين استثماراتك؟"
رد ماركوس بابتسامة متكلفة: "الاستثمار في الأساس، يا ديفيد، لا يتبع الانحدار. نحن نشتري المستقبل، وليس المضاربة. لكننا نُقدّر التنبيه. على أي حال، هل جزيرة راموس مجهزة بالقدر الكافي لتهدئة توتراتكم؟"
تدخل فيكتور راموس ضاحكاً: "جزيرة الجنة هي ملاذنا. هنا، لا توجد قضايا، لا صحافة، لا قيود. هنا، نحن نستطيع أن نكون على طبيعتنا المطلقة."
كانت زارا خان تبدو مذهلة في فستانها الأسود، تتحدث مع هيلينا روسو عن مجموعة مجوهرات جديدة. بدت زارا وكأنها تجسد الرقي الأوروبي الساخر.
قالت زارا بهمس، وهي تميل نحو هيلينا: "الرجل الذي يملك ثروة ولا يملك ذوقاً رفيعاً في شراء الفن هو مجرد مصرفي ممل. أنا أُقدّر العمل الذي تقومين به، هيلينا. أنتِ تمنحين المال قيمة جمالية."
أجابت هيلينا بابتسامة فاترة، وهي تضع يدها على كتف لوكاس بيرغ الجالس بجوارها: "نحن هنا نمزج القوة بالجمال، يا زارا. فما قيمة السيطرة على العالم إذا لم نتمكن من جعله يبدو فاتناً؟"
وبينما كانت الحوارات تدور حول العمل والترف، كان ليو تشنغ يراقب الجميع من كرسيه المتحرك في طرف القاعة. كان هادئاً، لم يحتسِ شيئاً، وعيناه لا تضيعهما أي تفصيلة. وعندما شعر أن الجميع وصلوا إلى مرحلة كافية من الاسترخاء، نقر بملعقته برفق على كأسه الزجاجي.
ساد الصمت فوراً.
قال ليو تشنغ، بصوته الهادئ الذي يحمل سلطة لا تقبل الجدال: "أيها السادة والسيدات. شكراً لكم جميعاً على قدومكم. لقد ناقشنا الميزانيات، وتناقشنا في الإحاطات الأمنية. وقد حان وقت المكافأة. لقد عملنا بجد، ويجب أن ننعم بالنتائج."
أشار ليو بيده نحو الباب الجانبي للقاعة. دخل من الباب مجموعة كبيرة من الرجال والنساء، يسيرون بهدوء ونظام مثير للقلق. كان عددهم يقارب العشرين شخصاً.
كانوا جميعاً يرتدون ملابس بسيطة ومهندمة بشكل مبالغ فيه، ربما من أجل إخفاء أي علامات للإجهاد أو المعاناة. بدوا في مقتبل العمر، يتمتعون بقدر كبير من الجاذبية الجسدية، وقد تم تصفيف شعرهم والعناية بمظهرهم. لكن الشيء الوحيد الذي اخترق هذا المظهر الخارجي اللامع كان أعينهم الفارغة. كانت نظراتهم بلا هدف، بلا روح، كأنما تم انتزاع الإرادة منهم، وكأنهم دمى حية، مجرد هياكل جميلة تم تنظيفها وتهيئتها للعرض.
كان هؤلاء هم البضائع. البشر الذين تم شحنهم في القبو (ب) من قبل ليو تشنغ، ضحايا تجارة لا إنسانية أصبحت جزءاً لا يتجزأ من ترف المليارديرات الثمانية وحلفائهم.
واصل ليو تشنغ حديثه ببرود تام، وكأنه يتحدث عن اختيار نوع من الشمبانيا: "هؤلاء هم هديتي لكم. مجموعة مختارة من أفضل ما يمكن أن يقدمه العالم. لقد تم جلبهم وتجهيزهم بضوابط صارمة لضمان سلامتكم وراحتكم. يمكنكم اختيار ما يحلو لكم، واستخدامهم بأي طريقة ترونها مناسبة خلال إقامتكم."
كان السكون ثقيلاً في القاعة، لا بسبب الصدمة، بل بسبب الترقب. كانت وجوه رجال الأعمال الآخرين تضيء بابتسامات خفية، فهذه ليست مفاجأة، بل خدمة متوقعة.
كان إيثان كروز هو الوحيد الذي بدا عليه انقباض واضح في ملامحه، فقد كان المشهد يعيد إليه قسوة ما فعله بزوجته وأبنائه.
لم يتأخر أحد في الاختيار.
أولاً، نهضت سيليا هارت. اقتربت بخطوات واثقة من المجموعة، وعيناها تبحثان عن القوة الجسدية. اختارت رجلين من المجموعة، كلاهما طويل القامة وعريض المنكبين. أشارت إليهما بملامح جامدة، ثم التفتت إلى الخدم.
"هذان يتبعانني. وجهوهما إلى جناحي فوراً."
نهضت زارا خان بجاذبيتها الساحرة، لكن نظراتها كانت جشعة. اختارت أربعة رجال، جميعهم بمواصفات مختلفة، وكأنها تشتري مجموعة متنوعة من الألعاب الجديدة. كانت هي الأكثر جرأة في طلبها.
"أريد هؤلاء الأربعة. لا تفصلوهم عن بعضهم. جهزوا الغرفة الإضافية في جناحي." أمرت زارا، ولم تنتظر رداً، بل غادرت القاعة بفستانها المكشوف، يتبعها رجالها الأربعة الذين لا حول لهم ولا قوة.
ليليان وونغ وديفيد أوكوي نهضا معاً. كان بينهما نوع من التفاهم الصامت. اختارت ليليان رجلاً وامرأة، واختار ديفيد رجلاً وامرأة أيضاً، ليكونا أربعة أشخاص.
قالت ليليان ببرود: "سنتوجه إلى الجناح المخصص لي. نحن بحاجة إلى بعض المساعدة في 'التنظيم' قبل البدء في مناقشات الطاقة الحيوية غداً."
سار ديفيد أوكوي مع ليليان، يتبعهم الأربعة الضحايا بوجوههم الخالية.
هيلينا روسو اختارت ثلاثة رجال يبدو عليهم الذكاء والجمال الفني، بينما اختار شريكها لوكاس بيرغ فتاتين ذات مظهر بريء. ودعا لوكاس هيلينا إلى جناحه.
أما فيكتور راموس، المضيف، فلم يختر أحداً. اكتفى بالابتسامة العريضة وهو يرى ضيوفه سعداء، ثم توجه إلى جناحه، ربما لمتابعة التجهيزات الأمنية أو الاستمتاع بعزلته.
انشغل رجال الأعمال الآخرون بالاختيار أيضاً. كان المشهد يتحول إلى سوق صامتة داخل قاعة الحفلات.
أحد رجال الأعمال، السيد تشاندرا، وهو رجل كبير في السن، طلب طفلة. لم يطلب فتاة شابة، بل أشار إلى طفلة لا يتجاوز عمرها العاشرة كانت تقف في مؤخرة المجموعة، محاولة إخفاء نفسها. تم تقديمها له دون سؤال. غادر تشاندرا القاعة بصمت مخيف مع الطفلة، متجهاً مباشرة نحو إحدى قوارب الجزيرة الصغيرة، ليغادر بها الفندق والجزيرة في نفس الليلة.
بقي إيثان كروز وحيداً مع ليو تشنغ في القاعة شبه الفارغة، والضحايا المتبقون ينتظرون في حالة سكون مرعب.
كان إيثان متوتراً، يديه معقودتان بقوة.
"إيثان، لماذا أنت جالس؟" سأل ليو تشنغ بهدوء، يقطع صمت القاعة. "اختر. هذه هي مكافأتك. هذه هي الحرية التي وعدتك بها. الآن بعد أن فقدت عائلتك، يجب أن تستغل هذا الإحساس باللا مسؤولية المطلقة."
هز إيثان رأسه بسرعة. "لا يا ليو. أنا لا أستطيع. أنا لست... أنا لست مثلك، أو مثلهم. أنا لم أعتد على هذا النوع من الانحلال."
"يا له من نفاق مثير للشفقة، إيثان،" قال ليو تشنغ بحدة خفيفة. "لقد خنت عائلتك لتجنب المحاكمة الجنائية، وها أنت تجلس هنا وسط شبكة تجارة بشر عملاقة لتمويل النميسيس. هل تظن أن عائلتك ستعود إليك إذا لم تلمس هؤلاء؟ هذا مجرد شكل آخر من أشكال التضحية، إيثان. لا تكن جباناً."
بقي إيثان صامتاً، ينظر إلى الأرض.
أدرك ليو تشنغ أن الضغط المباشر لن يجدي. أشار إلى إحدى النساء اللاتي بقين. كانت ذات شعر أسود طويل وملامح أوروبية بارزة.
قال ليو تشنغ بأسلوب مغرٍ: "انظري إليه. إنه إيثان كروز. اذهبي إليه وأقنعيه بأن الوحدة ليست مكاناً لملياردير مثله."
تقدمت المرأة بخطوات محسوبة وهادئة نحو إيثان، تتوقف أمامه. كانت عيناها فارغتين، لكن حركتها كانت مدربة. انحنت قليلاً أمامه وبدأت تتحدث بصوت ناعم، خالٍ من أي عاطفة حقيقية، لكنه مصمم على الإغواء.
"سيدي، أنت تبدو مرهقاً. الحياة القاسية تتطلب عزاءً ناعماً. لا تدع التوتر يسيطر عليك. أنا هنا لأجلك. خذني معك إلى جناحك. سأنسيك العالم والقوانين والقواعد."
كان إيثان يرتعش تحت تأثير صوتها القريب والبارد. شعر بالاشمئزاز، لكنه في نفس الوقت شعر بالحاجة الماسة لنسيان وحدته وعزلته. إنها امرأة جميلة، تبرر له أن يستسلم.
في لحظة ضعف، استسلم إيثان. تنهد بعمق، هزيمة تامة في عينيه.
"حسناً..." قال إيثان بمرارة، بالكاد ينطق الكلمة. "لتتبعينا إلى الجناح."
ابتسم ليو تشنغ ابتسامة نصر باردة. "هكذا تكون الأمور يا إيثان. لا تدع الماضي يتحكم بك. لا تضيع حريتك الجديدة."
غادر إيثان كروز القاعة، يتبعه ضحيته الجديدة، ليدخل عزلته مجدداً، لكن هذه المرة مع شاهد صامت على تحلله الأخلاقي. كانت القاعة الآن فارغة تماماً، ولم يبق فيها سوى ليو تشنغ وكرسيه المتحرك.
في الطابق الثامن عشر، أغلقت سيليا هارت باب جناحها بهدوء تام، ثم أشارت إلى الرجلين بإصبع واحدة فقط. لم تقل شيئاً. لم يكن هناك حاجة للكلام. أطفأت الأضواء الرئيسية، وتركت ضوء المسبح الداخلي الأزرق يرقصّص الجدران بظلال متماوجة. خلعت نظاراتها الشمسية ببطء، وضعتها على الطاولة الزجاجية، ثم مشت نحو الماء. توقف الرجلان عند الحافة، انتظرا لحظة، ثم تبعاها دون صوت.
بعد دقائق، انطفأت آخر مصابيح الحوض، ولم يبقَ سوى صوت الماء يتحرك بإيقاع منتظم، وأحياناً صوت أنفاس ثقيلة تتكسر على السيراميك. لم يخرج أحد من الجناح طوال الليل.في الطابق العلوي، أغلقت زارا خان أبواب غرفتها الزجاجية بيد واحدة، ثم وقفت في منتصف الضوء الذهبي الخافت. الأربعة اصطفوا أمامها كأنهم تماثيل حية. رفعت ذراعيها ببساطة، كأنها تطلب منهم أن يبدأوا عرضاً خاصاً بها وحدها. تحركوا معاً، ببطء، بصمت، كأنما يقومون بطقس قديم. نزعوا عنها الفستان الأسود كأنه قشرة ثمينة، طبقة تلو الأخرى، حتى لم يبقَ سوى العقد الماسي يتأرجح بين صدرها. ثم أشار إليهم أن يركعوا. ركوعاً واحداً. أُغلقت الستائر الكهربائية بضغطة زر واحدة، وانطفأ الضوء الذهبي. من الخارج، لم يسمع إلا صوت خافت لأقدام حافية تتحرك على السجاد، وأحياناً ضحكة قصيرة، باردة، كأنها تخرج من حنجرة لا تعرف الرحمة.في الجناح المقابل، كانت ليليان وونغ وديفيد أوكوي قد أطفآ كل الأضواء إلا مصباحاً أحمراً خافتاً يلون الجدران بلون الدم الجاف. أغلقا الباب، وأدارا المفتاح مرتين. بعد لحظات، بدأ صوت السرير الخشبي يئن بانتظام، ثم توقف فجأة، ثم عاد أعنف، وكأن أربعة أجساد تتصارع في رقصة واحدة. لم يخرج صوت كلام، فقط أنفاس ثقيلة، وأحياناً صوت صفعة خفيفة على لحم. استمر الصوت حتى اقترب الفجر، ثم سكت كل شيء، وكأن الغرفة ابتلعت كل صوت وكل روح.في الجناح الملكي، جلست هيلينا روسو على كرسي مخملي أحمر، مرتدية قناع نوم حريرياً أسود. أمامها الثلاثة، صامتين، عيونهم فارغة. رفعت يدها، أشارت إلى الأرض. ركعوا. ثم بدأت، ببطء، بأناقة، باهتة، تلعب بهم كأنهم آلات موسيقية ثمينة. كل بضع دقائق، كانت تختار واحداً، تميل نحوه، ثم تعود إلى كرسيها. لم يصدر منهم صوت، فقط صوت أنفاسها الهادئة، وصوت حرير القناع يحتك ببشرتها. عندما انتهت، أطفأت المصباح الأخير، وتركتهم واقفين في الظلام، لا يتحركون.أما فيكتور راموس، فكان في جناحه السفلي، قد طلب من ثلاث من الخدم الشابات أن يبقين معه بعد انتهاء عملهن. ابتسمن ابتسامة مدربة، أغلقن الباب،
وأطفأن الأضواء. بعد قليل، سُمع صوت ضحكة خافتة من فيكتور، ثم صمت طويل، ثم صوت خطوات حافية تتحرك على الأرضية الرخامية، وكأن شخصاً ما يُعاد ترتيبه في مكان جديد.وإيثان كروز، في جناحه، جلس على حافة السرير طويلاً، يحدق في الفتاة الشعر الأسود الطويل. كانت تقف أمامه، صامتة، تنتظر. حاول أن يقول لا. حاول أن يتذكر وجه كلارا، وصوت أطفاله. لكن الصمت كان أثقل من الذكرى.رفع يده ببطء، ووضعها على كتفها. لم تتحرك. ثم جذبها نحوه، وأغلق الباب بقدمه. أُطفئ النور. لم يخرج صوت من الجناح طوال الليل، إلا صوت تنهيدة واحدة طويلة، عميقة، كأنها آخر نفس يخرج من رجل مات وهو لا يزال حياً.وفي القاعة الكبرى، بقي ليو تشنغ وحده. دار كرسيه المتحرك ببطء، مرّ على الكراسي الفارغة، على الكؤوس النصف ممتلئة، على بقاية عطر امرأة، على رائحة عرق رجل. توقف أمام النافذة الضخمة التي تطل على المحيط الأسود.ابتسم ابتسامة لا يراها أحد.ثم قال بهمس لا يسمعه أحد:«الليلة… انتهى كل شيء قديم، وبدأ كل شيء جديد.»ثم أطفأ آخر مصباح في القاعة.وأصبحت الجزيرة صامتة تماماً، كأنها تنتظر الفجر لتبدأ دورة جديدة من الظلام.
بعد أن خلت قاعة "أركاديا" من المليارديرات وحلفائهم، وتحرك الجميع نحو أجنحتهم الخاصة، بقيت المشاهد المظلمة تتكشف في أطراف الجزيرة. كان أحد هذه المشاهد يقع على متن قارب سريع فاخر، رسا بعيداً عن أضواء الفندق البراقة.
كان السيد تشاندرا، رجل الأعمال المسن ذو النظرة الجشعة، قد غادر الفندق مسرعاً فور حصوله على ما طلب. الطفلة، التي لا يتجاوز عمرها العاشرة، كانت تجلس في زاوية القارب الضيقة، ترتجف في صمت مطبق. كان القارب يتحرك بهدوء على الأمواج، يحمل صمت الفريسة والصياد.
كان تشاندرا يرتدي ملابسه الفاخرة التي لم تتغير منذ الحفلة. لم يتحدث بكلمة، بل كان يتحرك ببطء نحوها، وعيناه تحملان تركيزاً قاسياً خالياً من أي إنسانية. كانت الطفلة تنظر إليه، وعيناها الفارغتان تتسعان قليلاً مع كل خطوة يخطوها. لم تكن تبكي، ربما لأنها استنزفت كل دموعها، أو لأن الصدمة حولتها إلى جماد.
اقترب تشاندرا منها. مد يده السمينة نحوها. في تلك اللحظة، تحركت الطفلة بغريزة البقاء النقية التي لا تموت. دفعت يده بكل ما أوتيت من قوة.
لم يتوقع تشاندرا هذه المقاومة. اندفع غضبه فوراً.
"أيتها الوضيعة!" زمجر تشاندرا بصوت خشن، وهو يحاول السيطرة عليها. "أنسيتِ وضعكِ؟ أنتِ مجرد بضاعة هنا! لا تقاومي!"
حاولت الطفلة الابتعاد والزحف نحو مؤخرة القارب، لكن القارب كان صغيراً جداً. كان تشاندرا أضخم وأقوى. أمسك بها بعنف من كتفها. بدأ في تمزيق ملابسها، قطعة تلو الأخرى، في حركة سريعة هدفها تجريدها من أي غطاء أو حماية. كانت تصرخ بصوت مكتوم، صوت ضعيف لم يكن ليخترق عزلتهما على سطح الماء.
قاومت الطفلة بضعف بالغ، ترفس وتدفع، لكن جسدها النحيل لم يكن نداً لقوته الضخمة ووزنه الثقيل. تمزقت معظم ملابسها، ولم يبق منها إلا خيوط متفرقة، وبدأت الكارثة تستعد للحلول.
وفي اللحظة التي كاد فيها تشاندرا أن يتمكن منها بالكامل، وتوقف كل مقاومة، حدث ما لم يكن في الحسبان.
اخترق الصمت صوت طعنة رطبة وقصيرة.
تصلب جسد تشاندرا فجأة. توقفت حركته العنيفة. تجمدت يده في الهواء فوق الطفلة. اتسعت عيناه في ذهول بارد، وارتسمت على وجهه علامة استفهام لم يجد لها جواباً. لم يكن الألم هو ما ملأ ملامحه، بل المفاجأة المطلقة.
كانت سكينة طويلة ورفيعة قد اخترقت رقبته من الخلف، تحديداً في المنطقة الحساسة أسفل الجمجمة، قاطعة الأوردة الرئيسية والنخاع الشوكي بشكل شبه كامل. كانت الضربة نظيفة وقاتلة وفورية.
تراخى جسد تشاندرا وسقط بثقل ميت على أرضية القارب، متدحرجاً جزئياً فوق الطفلة. غادرت الحياة جسده فوراً، تاركةً دماءه الداكنة تسيل في صمت على الألواح الخشبية.
دُفِعت الطفلة جانباً بفعل سقوط الجثة. نظرت إلى الرجل الذي كان قد كاد أن يلتهمها، وهو الآن مجرد كتلة باردة هامدة. كانت ترتجف بشدة، وعيناها شاخصتان نحو المشهد.
رفعت الطفلة نظرها نحو الرجل الذي يقف الآن أمامها.
كان رجلاً شاباً نسبياً، يرتدي ملابس داكنة وبسيطة، ويحمل حقيبة ظهر صغيرة. كانت ملامحه حادة وباردة، لكن عينيه لم تكونا فارغتين مثل عيون رفاقها في القاعة. لقد كانتا تحملان يقظة حذرة وتركيزاً حاسماً.
لم يقل الرجل كلمة واحدة. مد يده إلى حقيبته، وأخرج منها قطعة قماش جديدة ونظيفة وقميصاً قطنياً بحجم صغير. ألقاهما نحوها.
"ارتدي هذا." قال الرجل بصوت هادئ ومنخفض، خالٍ من أي عاطفة ظاهرة، وكأنه يصدر أمراً عملياً في عملية إنقاذ مبرمجة.
تراجعت الطفلة خائفة من الرجل الجديد بقدر خوفها من الرجل الميت. لم تكن تفهم ما يحدث، لكنها أطاعت. التقطت الملابس الجديدة وبدأت تحاول ارتداء ما تبقى من ملابسها الممزقة.
انحنى الرجل قليلاً، وتفحص السكين في عنق تشاندرا ببرود، ثم سحبها ونظفها بقطعة قماش ووضعها في جيبه الداخلي. ثم مد يده نحو الطفلة.
"تعالي. لنغادر هذا القارب."
ترددت الطفلة للحظة، ثم نظرت إلى الجثة الممددة. ربما كان هذا الرجل هو أقل سوءاً من الموت. وضعت يدها الصغيرة المرتعشة في كف الرجل، الذي لم يعصر يدها بل أمسكها بثبات وثقة.
قادها الرجل خارج القارب. لم يلتفت إلى الخلف نحو جثة تشاندرا ولا نحو القارب الذي سيواصل الإبحار تلقائياً في عرض البحر لساعات قبل أن يعثروا عليه.
وخطا الرجل خطوات سريعة وحاسمة على رمال الشاطئ المظلمة، ممسكاً بيد الطفلة، مبتعداً عن أضواء الفندق الفخمة وعن هذا العالم المظلم للثراء والفساد. واختفى الاثنان في عتمة الجزيرة التي تحمل اسم "الجنة".
التي تحمل اسم "الجنة".