كان الفجر قد انبلج فوق "جزيرة الجنة"، حاملًا معه نسمة باردة تتناقض بشدة مع حمأة ليلة الأمس. لكن هذا الصباح لم يحمل الهدوء المعتاد؛ فالتجهيزات الأمنية التي كانت تهدف لحماية النخبة تحولت إلى مسرح فوضوي لجريمة.
تحت أشعة الشمس الخجولة، كانت الأضواء الزرقاء والبيضاء لمركبات الشرطة تومض بلا توقف، تلقي بظلال متحركة على رمال الشاطئ الذهبية قرب الرصيف الخاص. تجمع عشرات السكان المحليين، الذين كانوا يعملون سابقًا كخدم في المنتجع الفاخر لفيكتور راموس، يشاهدون بهدوء مفرط المكان المحاط بشريط بلاستيكي أصفر كتب عليه بالإنجليزية: "لا تتجاوز". كانت الحادثة هي نقطة سوداء غريبة في هذه البقعة المخصصة للترف المطلق.
على حافة الماء، كان قارب السيد تشاندرا الفاخر، الذي استخدمه في رحلة هروبه المشؤومة، قد جُذب إلى الرصيف. كانت الأضواء الكاشفة تُسلط عليه، والمحققون يرتدون بزات واقية بيضاء يتحركون بخطوات حذرة داخل وخارج المقصورة الصغيرة. كانت الجريمة واضحة ومباشرة: أحد رجال الأعمال الأقوياء، الذي يُدعى تشاندرا، وُجد ميتًا، مطعونًا بسكين دقيق في نقطة مميتة بمؤخرة رقبته. لم يكن هناك صراع واضح، فقط تدفق دموي لزج يلوث خشب القارب المصقول.
تحدث أحد ضباط التحقيق بلهجة سريعة عبر جهاز اللاسلكي، يشير إلى أن الأمر لا يتعلق بسرقة، فالساعات والمجوهرات الثمينة ظلت في مكانها. الغموض الحقيقي كان يكمن في اختفاء الضحيتين اللتين كانتا برفقته: خادمه (وهو في الحقيقة حارسه الشخصي الذي اختفى) والفتاة الشابة، التي أشار إليها المحققون في تقاريرهم الأولية بـ"العاهرة المرافقة".
تزايد قلق الشرطة لعدم وجود أي أثر لهذين الشخصين. افترض المحققون أن عدم وجودهما قد يعني أنهما سقطا في البحر في أثناء عملية الاغتيال أو بعدها، أو ربما كان القاتل قد تخلص منهما لإخفاء شهود العيان. صدرت الأوامر فورًا لجلب قوارب الإنقاذ وفرق الغوص. انطلقت الزوارق السريعة في المياه الهادئة، تبدأ عملية بحث مكثفة عن أي جثة، أو أي دليل، أو أي ناجٍ قد يكشف تفاصيل هذه الجريمة النادرة في جزيرة تُدار بالكامل عبر شبكة المليارديرات.
بعيدًا عن ضوضاء التحقيق، وفي قلب المنتجع، كان المليارديرون الثمانية يستيقظون تباعًا. كان جناح الإفطار الفخم، المطل على مياه المحيط الهادئة، قد جُهز بمائدة مستديرة من خشب الماهوجني اللامع، عليها أصناف الإفطار العالمية الفاخرة التي لم يمسسها أحد.
بدأوا يتجمعون، يرتدون ملابس صباحية أنيقة، لكن ملامحهم كانت تحمل أثر ليلة الانغماس التي قضوها. كان الجو العام يوحي بالملل الفخم أكثر من الود الحقيقي.
"صباح الخير، ليليان، هل نمتِ جيدًا؟" سألت زارا خان، وهي تجلس بملابس رياضية ضيقة تكشف عن عضلاتها المشدودة.
أجابت ليليان وونغ، سيدة الأدوية، بفتور وهي تتناول كوبًا من القهوة الداكنة: "قدر كافٍ من النوم، لا أكثر. هذه الأجواء ترهقني أكثر مما تريحني، يا زارا. أشعر دائمًا أنني تحت المجهر هنا."
دخل ليو تشنغ الغرفة بهدوء، يدفعه مساعده الشخصي في كرسيه المتحرك. كانت نظرته حادة، رغم أنه بدا منهكًا. لم يكن يملك وقتًا للثرثرة الصباحية.
"أين فيكتور؟ وهل رأى أحد تشاندرا؟" سأل ليو بصوت خفيض ولكنه آمر.
قالت هيلينا روسو، وهي تعدل نظارتها الشمسية الضخمة: "تشاندرا؟ غادر مبكرًا جدًا. ألم يكن ينوي المغادرة بقاربه؟ رأيته الليلة الماضية يغادر القاعة مع تلك الفتاة، وغادر المنتجع قبل أن تبدأ ألعابنا."
في تلك اللحظة، دخل فيكتور راموس، مالك الجزيرة، وقد كانت ملامحه مشدودة. كان يحمل جهازاً لوحياً (تابلت)، ووضعه على المائدة بقوة، ليوقف الجميع عن الحديث. كان الجهاز يعرض قناة إخبارية إقليمية، تُظهر لقطات جوية للرصيف المزدحم بقوارب الشرطة.
أشار فيكتور بأصابع مشدودة نحو الشاشة: "انظروا بأنفسكم، أيها السادة. لن نحتاج إلى التكهن."
الصمت خيم على القاعة. ارتفعت الأصوات من التلفاز، والمذيع يتحدث عن "جريمة قتل غامضة لرجل أعمال آسيوي بارز، السيد تشاندرا، طعناً في قاربه الخاص".
أغمض ليو تشنغ عينيه للحظة. هذه هي الكارثة التي لم يكن ليسمح بحدوثها في منطقته الآمنة.
صرخ إيثان كروز، وهو يقف فجأة من كرسيه: "ماذا؟ تشاندرا؟ على قاربه الخاص؟ هذا مستحيل! كيف يمكن لقاتل أن يخترق نظام الحماية المشدد لجزيرة فيكتور؟"
نظر فيكتور راموس بحدة إلى إيثان: "القاتل لم يخترق نظام الحماية يا إيثان. القاتل كان بالتأكيد على متن القارب. السؤال هو: من كان معه؟"
قال ليو تشنغ بصوت مكتوم بدا وكأنه صادر من بئر عميق: "ماذا عن 'البضاعة'؟ هل وجدوا الفتاة؟ والخادم؟"
هز فيكتور رأسه ببطء: "الشرطة تبحث الآن. تقاريرهم الأولية تقول إنهم لم يجدوا أي أثر للخادم أو الفتاة. يفترضون أنهما قد يكونان غرقا في البحر، أو أنه القاتل قام بإخفائهما."
هنا انفجر ليو تشنغ غضبًا، وارتفع صوته بشكل غير معهود، وكاد أن يطيح بكوب القهوة الذي أمامه: "يفترضون! ليس لدينا وقت للافتراضات يا فيكتور! إذا عثرت الشرطة على تلك الفتاة وهي حية، فستكون كارثة حقيقية! تلك الحمقاء رأت كل شيء، والأهم... الأهم أنها جزء من 'البضاعة' التي كنا نجهزها لمشروع 'النميسيس'! وجودها حيَّة سيكشف تجارة البشر وسيكشف المشروع بالكامل!"
كان غضب ليو حقيقياً ومُعدياً، لكن لوكاس بيرغ، عبقري البرمجيات الذي بدا هادئًا دائمًا، مد يده على الطاولة وأشار بهدوء إلى الشاشة الإخبارية.
قال لوكاس بصوت منخفض، متكئًا بظهره على الكرسي ببرود: "اهدأ يا ليو. لم يجدوا أي شيء بعد. لقد ذكر فيكتور أنهم يفترضون أنها غارقة. نحن نتحدث عن جزيرة في وسط المحيط، يظنونها مسرح جريمة عادية حدثت في عرض البحر. تفاءل خيرًا."
تدخلت سيليا هارت، سيدة التكنولوجيا، بلهجة عملية أكثر: "الأمر ليس مسألة تفاؤل يا لوكاس، بل مسألة سيطرة. حتى إن وجدوها، فنحن نتحكم بشبكة الشرطة في هذه المدينة بأكملها، وفي الحقيقة، في معظم هذه الجزيرة. سنستخدم القصة الجاهزة: القاتل اغتال تشاندرا ثم تخلص من الخادم والفتاة كشهود عيان."
تنهد ليو تشنغ بعمق، استعاد جزءًا من رباطة جأشه. نظر إلى سيليا ولوكاس، ثم إلى الجميع. كانت هذه هي الحقيقة: أموالهم كانت أقوى من أي قانون.
قال ليو، وهو يضع يديه على ذراعي كرسيه المتحرك: "حسناً. ربما تكونين على حق يا سيليا، ولكن يجب ألا نترك شيئًا للصدفة. هذا الخطر يجب أن يُدفن في مهده."
سحب ليو هاتفه المشفر، وانتظر لحظة قصيرة، ثم اتصل برقم يبدو أنه مهم للغاية. كانت عيناه مثبتتين على الشاشة الإخبارية.
تحدث ليو تشنغ بنبرة لم تترك مجالًا للجدال، صوته ينضح بالتهديد: "السيد العمدة؟ أنا ليو تشنغ. لديّ تعليمات واضحة بخصوص هذه الجريمة. إياك ثم إياك أن تجد الشرطة هذه الفتاة... إذا تم العثور عليها حية، فمهمتك هي اقتناصها على الفور قبل أن تفتح فمها بكلمة واحدة. ليس لدينا أي تسامح مع الشهود هنا. هل الأمر واضح؟"
أغلق ليو الهاتف قبل أن يتلقى أي رد، ثم نظر إلى المجموعة ببرود قاتل. لقد انتهى الإفطار الهادئ، وبدأ الصراع الحقيقي.
في أحد المباني السكنية المتواضعة والبعيدة عن وهج الفنادق الفاخرة على الجانب الآخر من الجزيرة، حيث تقطن الطبقة العاملة والخدم، كانت الحياة تسير بإيقاع بطيء ومُتعب. داخل شقة صغيرة في الطابق الثاني، ذات أثاث بسيط وباهت، كانت الطفلة تجلس على أرضية المطبخ، منهمكة في تناول طبق من الأرز مع بعض الخضار المطبوخة. كان المنظر مؤثراً؛ كانت تأكل بشراهة مفرطة، تقريباً تلتهم الطعام، كما لو أنها لم تتذوق وجبة حقيقية أو مشبعة منذ فترة طويلة جدًا. كانت عيناها واسعتين وثابتتين على الطبق، لا ترفعهما إلا لتمسح فمها بكم قميصها.
في الغرفة المجاورة، التي كانت بمثابة صالة استقبال ضيقة، كان الرجل الغامض جالساً على أريكة قديمة وممزقة. كان يتابع التلفاز الصغير الذي يبث نشرة الأخبار العاجلة عن جريمة القتل.
كان الرجل شاباً، في أواخر العشرينيات أو أوائل الثلاثينيات من عمره، ذو بنية نحيلة لكنه يمتلك قوة جسدية واضحة في كتفيه وذراعيه. كان يرتدي قميصاً أسود بسيطاً وسروالاً داكناً، وشعره الداكن القصير كان مصففاً بعناية، لكنه الآن بدا خشناً قليلاً ومبللاً بفعل عرق الليل. أبرز ما فيه كان عينيه، كانتا رماديتين حادتين، تمنحان وجهه ملامح الصرامة واليقظة المستمرة. كانت هناك ندبة خفيفة بالكاد تُرى تمتد من حاجبه الأيمن، تمنحه مسحة من القسوة الهادئة. كان يحمل في يده كوباً من الماء، يرتشف منه أحيانًا، لكن اهتمامه كله كان مُنصَبًّا على شاشة التلفاز، خاصة عندما كانت الكاميرا تركز على رصيف المنتجع ومركبات الشرطة.
أنهت الطفلة طعامها بالكامل، تنهدت براحة عميقة، ثم اقتربت من الرجل بخطوات مترددة.
قالت بصوت رقيق، وقد عادت البراءة إلى عينيها بعد زوال الجوع: "شكراً لك يا سيد... من أنت؟"
أخفض الرجل صوته، دون أن يرفع نظره عن التلفاز، وقال بهدوء رسمي: "ناديني باسم كايد."
جلست الطفلة على الأرض بقربه وسألته بفضول حذر: "يا كايد، لماذا أنقذتني؟ لماذا طعنت ذلك الرجل؟"
ابتسم كايد ابتسامة خفيفة لم تصل إلى عينيه، ثم أخفض صوت التلفاز. تطلع إليها أخيراً، وكانت عيناه الرماديتان تخترقانها بحثاً عن أي شيء.
"الأمر أبسط مما تتخيلين، أيتها الصغيرة. أنا لم آتِ لإنقاذك تحديداً. لقد كنت هناك لسبب آخر، وهو اغتيال السيد تشاندرا. كنت متنكراً في هيئة خادمه الشخصي وحارسه، ووجودك في القارب كان مجرد صدفة لم تكن في الحسبان."
ارتسمت علامات الخوف والارتباك على وجه الطفلة.
تابع كايد بجدية: "بما أننا تبادلنا الأسئلة، فهل تخبرينني باسمك؟"
أجابت الطفلة ببراءة محزنة: "اسمي؟ أنا لا أعرف... لا أتذكره. قالوا لي أنني يجب ألا أذكر اسمي الحقيقي بعد الآن. لقد خطفوني منذ زمن طويل جداً... وبعد فترة، نسيت اسمي الأصلي، حتى أنني لا أتذكر أنني كنت أحاول تذكره."
شعر كايد بنبضة حزن لم تكن متوقعة، لكنه أخفاها بسرعة. هذه نتيجة طبيعية لعمليات الغسل والتجهيز التي تقوم بها شبكات التجارة بالبشر لتفكيك الضحايا من ماضيهم.
سألها كايد: "ماذا تتذكرين إذاً؟ أي شيء قبل أن يخطفوك؟"
أخذت الطفلة نفساً عميقاً وبدأت تستجمع ذكرياتها المتناثرة والضبابية.
"أتذكر أنني كنت في إسبانيا. كنت ألعب بعيداً عن المنزل قليلاً، في حديقة، مع أصدقائي. كنّا نلعب لعبة قديمة، ثم وصلنا إلى مكان فارغ، خالي من الناس. فجأة، وجدنا مجموعة من الرجال ينتظروننا. لم يكن عددهم كبيراً، لكنهم كانوا يرتدون ملابس غريبة. أمسكوا بنا، ولم أستطع الصراخ، ووضعونا بسرعة في شاحنة كبيرة ومغلقة. ثم أخذونا بعيداً، عبر طرق طويلة، حتى وصلنا إلى مكان مليء بالأطفال الآخرين."
توقفت لتلتقط أنفاسها، وكايد يستمع إليها بتركيز قاتل.
"في ذلك المكان، بدأوا بتعليمنا أشياء غريبة. طلبوا منا جميعاً نسيان أسمائنا الأصلية. كانوا يغيرون طريقة كلامنا، لغتنا... وكأنهم يجهزوننا لشيء ما. كانوا يأخذون بعض الأطفال بين فترة وأخرى، وكنت أراهم يخرجون منهم وقد تغير شكلهم، تغير لون عيونهم وشعرهم تماماً. لم أكن أعرف ماذا يجري بالتحديد، كنت صغيرة جداً، لكنني كنت أعرف أن شيئاً سيئاً يحدث لهم."
أشارت الطفلة إلى شعرها وعينيها، التي كانت ملامحهما أوروبية لكن بعينين خضراوين لامعتين بشكل غير مألوف.
"أخذوني أيضاً. لا أتذكر متى أو كيف، لكني أتذكر أن لون عينيّ وشعري أصبح مختلفاً هكذا. استمر التجهيز، حتى وصلت إلى هنا مع أولئك الأشرار."
أومأ كايد برأسه ببطء. لقد تأكد الآن أن هذه الطفلة هي إحدى ضحايا شبكات التجارة بالبشر عالية التنظيم، والتي تعمل على مسح هوية الضحية وتغيير مظهرها ومهاراتها لتناسب متطلبات المشتري أو استخدامها في أغراض أخرى. اختفاؤها الآن يعني أن شبكة ليو تشنغ الإجرامية باتت معرضة لخطر الانكشاف.
توقف كايد عن التفكير وتحدث بنبرة حاسمة: "اسمعي جيداً. نحن في مأزق الآن. الشرطة تبحث عنك باعتباركِ شاهدة مفقودة، وهؤلاء المليارديرون يبحثون عنكِ للقضاء عليكِ وإخفاء الأدلة عن تجارة البشر. تسليمك للشرطة أمر خطير، لأنهم مسيطرون عليها بالكامل، وسوف يسلمونك لهم طواعية."
نظر إلى عينيها الواسعتين. "لديّ مهمة أخرى يجب أن أكملها هنا في الجزيرة، ولن أستطيع الاعتناء بكِ أثناء تنفيذها. لكن بعد أن أنتهي منها، سأغادر الجزيرة. وسأصطحبك معي."
شعرت الطفلة ببعض الأمل، لكنها لم تفهم خطته بالكامل.
أوضح كايد: "سأغادر الجزيرة، وسأضعك في مكان آمن، بعيداً عن هؤلاء الأوغاد، في مكان يدعى دار الأيتام. هناك، سيعتنون بكِ ويحمونكِ حتى يكبر سنك."
هزت الطفلة رأسها، لم تكن تعرف ما هو دار الأيتام، لكنها شعرت أن أي مكان أفضل من العودة إلى أولئك الذين غيروا لون عينيها.
قال كايد بابتسامة طفيفة هذه المرة: "جيد. بما أنكِ فقدت اسمك القديم، سأطلق عليكِ اسماً جديداً الآن. اسماً يليق بشجاعتكِ. من الآن فصاعدًا، اسمك هو مايا."
نظرت مايا إلى كايد، ثم إلى انعكاس وجهها في شاشة التلفاز المغلقة، وقد ارتسمت على وجهها لأول مرة منذ زمن ملامح القبول لاسمها الجديد.
ساد الصمت الغرفة، وكايد يعود بتركيزه إلى التلفاز، حيث كانت فرق البحث والغوص لا تزال تجوب المياه، تبحث عن جثة لم تعد موجودة، وعن طفلة أصبحت الآن تُدعى مايا.
بينما كانت الطفلة مايا تنظر إلى صورتها المنعكسة في شاشة التلفاز المطمورة بالسواد، متأملة اسمها الجديد الذي يبدو وكأنه وعد بالحياة، كان كايد غارقاً في صمت داخلي عميق. كانت نشرة الأخبار قد تحولت إلى تقرير مطول عن الفوضى التي اجتاحت الرصيف، وكان صوت المذيع المرتفع يملأ الغرفة بتحذيرات من أن القاتل ما زال طليقاً.
أدرك كايد أن ضربة الاغتيال كانت قوية وفعالة، لكن توابعها كانت مزعجة. خطته بالكامل مبنية على الدقة والتوقيت، وهو الآن يواجه ضغطاً غير محسوب من ليو تشنغ وعمدة الجزيرة والشرطة، الذين باتوا جميعاً في حالة استنفار قصوى. أخذ نفساً عميقاً، وشعر بضغط الغضب يتراكم في صدره.
حدث نفسه بصرامة، مستخدماً لهجة عسكرية خشنة كانت جزءاً من طبيعته: "يجب أن تهدأ الأمور. لا يمكنني المخاطرة بعملية أخرى في الأيام القادمة. يجب أن أترك موجة البحث والتمشيط الحالية تنحسر، ثم أضرب ضربتي التالية عندما يعتقدون أن الخطر قد زال. يجب أن نعود إلى الظل."
حوّل كايد انتباهه إلى مايا، التي كانت قد انتقلت من حالة الإنصات إلى حالة الانبهار المطلق ببرنامج كرتوني ملون ومتحرك. كانت تبتسم بذهول، تشاهد رسوماً لأشخاص يتحدثون مع حيوانات ناطقة في عالم مبهج ومجنون. كان يبدو أن العرض قد استولى على انتباهها بالكامل، ناسياً جوعها وخوفها وتاريخها المظلم للحظات.
في المقابل، كانت صورة مايا المبتلة والخائفة، التي تبحث عن ملجأ في عقر شقته الصغيرة، تتجسد في ذهن كايد كعامل خطر غير متوقع. استمرت الأفكار تتقاذف في عقله، كطلقات متلاحقة في غرفة ضيقة: "يجب أن تبقى هذه الفتاة داخل هذه الشقة مهما كلف الأمر. وجودها يمثل ثغرة أمنية كبيرة. قد ينتبه إليها الجيران، قد تلاحظ الشرطة مظهرها الغريب، قد تنهار خطتي بالكامل بسبب هذا الإزعاج غير الضروري. يا للضجر."
عندما انتهى عرض الكرتون فجأة، وعادت الشاشة لعرض لوحة ثابتة، عادت مايا إلى الواقع. نظر إليها كايد بجدية، مشيراً بيده نحو الحمام.
قال لها: "الآن، حان وقت الاستحمام. أنتِ متسخة للغاية، ويجب أن تتخلصي من هذه الرائحة فوراً."
خفضت مايا رأسها قليلاً، ثم رفعت عينيها نحوه بتردد صادق. "لا أعرف كيف أستحم بمفردي."
هذا الاعتراف لم يكن مفاجئاً لكايد؛ ففي أماكن مثل تلك التي اختُطفت فيها، تُزال أبسط مظاهر الاستقلالية الشخصية. تنهد بيأس صامت، شعر بعبء الأبوة القسرية يثقل كتفيه، وهو الشخص الذي اعتاد على الوحدة المطلقة.
دلف كايد إلى الحمام الضيق، ثم عاد إليها وأمسك يدها بلطف لكن بحزم. "حسناً، سأريكِ كيف تفعلين ذلك. لن يكرر هذا."
بدأ كايد بملء حوض الاستحمام، وهو يفكر بطريقة براغماتية بحتة. لم يكن الأمر يتعلق بالشفقة، بل بالمنطق. "عليّ أن أفعل هذا. يجب أن تكون نظيفة لكي لا يلاحظها أحد الجيران في المبنى، أو يستغرب من مظهر طفلة شوارع في شقتي. هذا جزء من الحفاظ على التستر."
كانت مايا في البداية خائفة ومترددة، لكن دفء الماء ووجود فقاعات الصابون أعاد إليها بعضاً من براءة الطفولة التي كادت أن تُسرق منها. بدأت تلعب بالماء بفرح مكتوم، سرعان ما تحول إلى حماس طفولي مفرط. طاشت رذاذ الماء على وجه كايد، الذي كان يقف بملابسه، يتابع عملية التنظيف بصمت قاتم. كان يتحمل الطرطشة بصبر غريب، يمسح وجهه دون أن يعلق بكلمة واحدة، وعقله مشغول بالمهام المتبقية.
بعد الانتهاء من الاستحمام، كانت المشكلة التالية واضحة: الملابس. ارتدت مايا قميص كايد الأسود القديم، الذي تدلت أكمامه وغطى ركبتيها بالكامل، وبدت كفأرة صغيرة في رداء عملاق.
قال كايد لنفسه: "لا يمكن أن تستمر هكذا. يجب أن أشتري لها ملابس مناسبة."
التفت إلى مايا: "سأذهب إلى المتجر القريب. لا تتحركي من هنا. سأعود سريعاً."
لكن مايا تشبثت بقميصه، وعيناها تنظران إليه برعب من فكرة العزلة. "لا! أرجوك، لا تتركني وحدي. أخشى البقاء في هذا المكان بمفردي."
حاول كايد أن يكون منطقياً: "لا أستطيع اصطحابك. ليس لديكِ ملابس مناسبة. سيلاحظكِ الجميع بسهولة بهذا المظهر. يجب أن تبقي هنا. لن أتأخر."
لكن إصرارها كان أقوى من منطقه. بدأت ترتعش، وبدا عليها أنها على وشك الانهيار العصبي، مما يهدد بإحداث فوضى كان كايد يسعى لتجنبها. استسلم كايد في النهاية، مدركًا أن إصرارها على عدم البقاء وحدها هو جزء من الصدمة التي مرت بها.
سحب كايد هاتفه المشفر، جلس على الأريكة، واتصل برقم ما. بعد رنينين قصيرين، رد صوت مبحوح.
"أكسل، هل أنت متفرغ؟ أحتاج خدمة سريعة وغريبة."
صمت كايد للحظة، ثم تابع بلهجة لا تقبل الرفض: "أحتاج منك أن تحضر لي ملابس لطفلة في العاشرة من عمرها، بأسرع ما يمكن. نعم، فتاة في العاشرة. لا تطرح أسئلة، فقط افعلها."
أنهى كايد المكالمة ببرود، وجلس في انتظار رفيقه، بينما كانت مايا تجلس بقربه، مطمئنة لوجوده. بعد حوالي نصف ساعة، سُمع صوت طرق متقطع على الباب.
فتح كايد الباب، وإذا بـ أكسل يقف أمامه. كان أكسل عكس كايد تماماً، ليس وسيماً، بل يمتلك وجهاً عادياً لكن بنظرة ذكية وحيوية. شعره الأشقر كان منفوشاً وكأنه لم يمشطه منذ ثلاثة أيام، وعيناه الزرقاوان تنضحان بالغرابة الفضولية. كان يحمل كيساً بلاستيكياً ضخماً مليئاً بالملابس.
نظر أكسل إلى كايد، ثم تجاوز رأسه بنظره ليرى مايا الصغيرة التي تختبئ خلف كايد وهي ترتدي قميصه الضخم. اتسعت عينا أكسل في صدمة كوميدية، ثم نظر إلى كايد بذهول.
صرخ أكسل هامساً: "كايد! هل هذه... هل هذه هي 'البضاعة' التي لم يجدوها؟ هل أنت الآن بواب دار أيتام سري؟"
تنهد كايد بعمق، ممسكاً رأسه بيده. "ادخل يا أكسل. لا تفسد لي اليوم بأسئلتك الغبية."
دخل أكسل وهو يضحك بخبث، ووجه إلى مايا ضحكة خفيفة. بدأ كايد في شرح مقتضب للظروف، موضحاً أنه كان متنكراً في دور خادم تشاندرا، وكيف أنقذ مايا بالصدفة بعد أن اغتال رجل الأعمال. خلال الشرح، كان أكسل يُطلق النكت الساخرة على طريقة عمل كايد.
سألت مايا، التي لم تفهم الكثير من المصطلحات المعقدة، وهي تشير إلى أكسل وشعره المنفوش: "من هذا الرجل ذو الشعر المنفوش، يا كايد؟"
ابتسم أكسل بفخر لهذه التسمية. أجاب كايد بجدية، وهو يسند ظهره إلى الحائط: "هذا هو أكسل. إنه صديق لي، ومخبري في هذه المهمة. هو الذي يمدني بالمعلومات الضرورية لأجل ضرباتي."
أخرج أكسل الملابس من الكيس، وقام بمساعدة مايا لتبديل ملابسها. كانت الملابس، رغم أنها مصممة لطفلة في العاشرة، لا تزال واسعة قليلاً على مايا النحيلة، لكنها كانت بالتأكيد أفضل بكثير من قميص كايد العملاق. لقد أصبحت أكثر شبهاً بالأطفال العاديين.
جلس أكسل وكايد أخيراً على الأريكة، بينما كانت مايا تجلس على الأرض، منشغلة بملابسها الجديدة.
سأل أكسل كايد، وقد خفتت نبرته المرحة وتحولت إلى جدية حقيقية: "حسناً يا كايد، ما الذي ستفعله بشأنها؟ هل هي الآن جزء من 'المهمة'؟"
أجاب كايد وهو ينظر إلى مايا بنظرة قلقة: "سوف تبقى معي هنا حتى أكمل مهمتي. لا يمكنني تركها، لا أحد سيحميها في هذه الجزيرة، وهي شاهدة خطيرة. بعد الانتهاء، سأغادر بها إلى البر الرئيسي وأضعها في دار أيتام محايد."
هز أكسل رأسه بحزن، ثم تطلع إلى مايا طويلاً. "يا للطفلة المسكينة. لا بد أنها عانت الأمرين في هذا السن الصغير. يبدو هذا واضحاً من وجهها، ومن عينيها اللتين تبدوان شبه بلا حياة. لحسن الحظ، يبدو أنها لم تستوعب بعد كل العذاب الذي مرّ بها، أو ربما يكون عقلها قد اختار النسيان كآلية دفاعية."
وقف أكسل، وأشار إلى كايد بضرورة المغادرة. "سأذهب الآن. لا تترك 'مايا' تشاهد الأخبار. سأعود إليك بمعلومات جديدة قريباً."
أومأ كايد برأسه بصمت، وودع صديقه عند الباب. عاد كايد وجلس على الأريكة، ينظر إلى مايا، محاولاً أن يفهم كيف سيتعايش هذا العبء الجديد مع مهمته القاتلة.
عاد كايد وجلس على الأريكة، محاولاً ترتيب أفكاره المبعثرة بين خطته الأصلية لحرب الظل، وبين المسؤولية الجديدة المتمثلة في مايا. في تلك اللحظة الحرجة من الصمت والتخطيط الداخلي، انطلق رنين حاد ومفاجئ من هاتفه المشفر. كان الرنين بحد ذاته نغمة خاصة تشير إلى أهمية المتصل.
أمسك كايد الهاتف بسرعة، وقبل أن يجيب، نظر إلى مايا التي التفتت إليه بتساؤل. أشار إليها بيده بهدوء تأمرها بالبقاء في مكانها، ثم قام من مقعده وتوجه نحو غرفة النوم الضيقة، أغلق الباب خلفه بإحكام لضمان الخصوصية التامة.
رفع كايد سماعة الهاتف، وتحدث بنبرة مختلفة تماماً عن تلك التي استخدمها مع مايا أو أكسل؛ كانت نبرة رسمية، حادة، ومليئة بالاحترام العملي الذي يُمنح فقط للقيادات العليا.
"مرحباً أيها الرئيس نوكوتا. كيف يمكنني أن أخدمك؟"
كان صوت نوكوتا، القادم عبر الهاتف، جافاً ومقتضباً، خالياً من العواطف، لكنه يحمل ثقل السلطة. بدأ نوكوتا يسرد التفاصيل التي وصلت إليهم من داخل شبكة المليارديرات وتوابعها الأمنية.
"الوضع متوتر للغاية في 'جزيرة الجنة'. الشرطة تعمل تحت ضغط هائل من العمدة الذي يتلقى أوامره المباشرة من ليو تشنغ. لكن حتى الآن، وبعد مرور اثنتين وسبعين ساعة بالضبط على وقوع الحادثة، لم يتم العثور على أي دليل قاطع."
أجاب كايد بهدوء: "أفهم. لم يعثروا على الخادم أو الفتاة، ولا أي جثة تؤكد فرضية الغرق."
"بالضبط. هذا هو مربط الفرس. ليو تشنغ أصدر أوامره منذ الصباح بتكثيف البحث، لكن الفشل المتكرر في العثور على الجثث يرجح لديه ولدى مستشاريه الأمنيين فرضية أن الشاهدة حية، وأن الخادم—الذي تظاهر به القاتل—تم إخفاؤه ببراعة."
أومأ كايد ببطء، رغم أن أحداً لا يراه، متفهماً رد فعل العدو. القاتل الذي يختفي بجثة أو بشاهد حي، هو تهديد مضاعف.
تابع نوكوتا: "لقد تسبب هذا الاستنتاج في غضب جامح لدى ليو تشنغ، خاصة بعد ما أطلق عليه 'فشل رجال الشرطة المحليين'. لذا، أصدر أمراً فورياً بتكليف محقق خارجي خاص، ذي سمعة مخيفة في حل أصعب القضايا وإخفاء الأدلة."
سأل كايد بهدوء مميت: "من هو؟"
"إنه المحقق جاكسون فيندل."
شعر كايد بضغط خفيف في رأسه. لم يكن اسم جاكسون فيندل مألوفاً في الأوساط الرسمية للتحقيق، بل في أوساط المافيا والتغطية الأمنية الخاصة بالشركات الكبرى.
تابع نوكوتا وصف المحقق الجديد ببرود: "جاكسون فيندل هو رجل أفريقي الأصل، ذو بشرة داكنة جداً، يكاد يكون لونه فحمياً. يشتهر بملابسه الرسمية التي لا تتغير، وقبعته الغامضة التي لا يخلعها أبداً. يمتلك جاكسون ذكاءً استنتاجياً خارقاً، ونهجاً لا يعرف الرحمة في عمله. هو يعمل في الأصل كـ'منظف قضايا' للنخبة الفاسدة، وهو متخصص في إزالة الضحايا والأدلة المعقدة بطرق يصعب كشفها قانونياً. وصوله يعني أن ليو تشنغ قد تخلى عن العمليات السطحية وبدأ في استخدام العقول المدربة في القضاء على التهديدات."
أكمل نوكوتا تحذيره: "سيصل فيندل إلى الجزيرة خلال أقل من أربع وعشرين ساعة. ستبدأ عمليات التمشيط والاستجواب بطريقة أكثر منهجية ووحشية. كن حذراً يا كايد، مهمتك أصبحت الآن أصعب بوجود هذا المحترف على الأرض."
رد كايد بهدوء حاسم: "أفهم. أشكرك على التحذير أيها الرئيس. سأضع هذا العامل الجديد في حساباتي."
بعد إنهاء المكالمة، ظل كايد واقفاً في الغرفة المغلقة لعدة دقائق، يستوعب خطورة التطور الجديد. وجود محقق مثل جاكسون فيندل، يعني أن أي خطأ صغير في التخفي أو أي دليل غير متوقع قد يؤدي إلى اكتشاف مكان اختبائه واكتشاف مايا. لقد ارتفع مستوى اللعبة الآن من مجرد عملية اغتيال إلى مطاردة عقلانية مع خصم ذكي.
خرج كايد من الغرفة وعاد إلى مايا، التي كانت لا تزال مستغرقة في مشاهدة شاشتها الملونة. لقد كانت الشقة الصغيرة تتحول فجأة إلى قلعة تحت الحصار
.