كانت شمس الصباح فوق جزيرة الجنة لا تشبه شمس الأمس؛ فقد كانت باهتة ومصحوبة برطوبة ثقيلة تلتف حول قارب الملياردير تشاندرا الذي تحول الآن إلى مسرح جريمة مسور بشرائط صفراء. وقف المحقق جاكسون فيندل خلف تلك الشرائط، مرتدياً معطفاً خفيفاً لا يتناسب مع حرارة المكان، لكنه كان يبدو وكأنه يعيش في مناخه الخاص. خلفه، كان ضجيج الصحفيين وصخب كاميراتهم يشبه طنين ذباب جائع، لكن جاكسون لم يلتفت.
تقدم المحقق نحو الجثة ببطء، لم تكن عيناه تنظران إلى الدماء بقدر ما كانت تقرأ الفراغ. جثا على ركبتيه، مخرجاً قفازات لاتكس بيضاء، وبدأ يحلل الموقف بصوت منخفض جداً يكاد يكون همساً لنفسه. نظر إلى زاوية دخول السكين في مؤخرة رقبة تشاندرا. المسافة بين الفقرة الثالثة والرابعة، النزيف الداخلي الذي تسببت به ضربة واحدة دقيقة، والزاوية المائلة التي تشير إلى أن المهاجم لم يكن فقط أطول من الضحية، بل كان يعرف تماماً أين ينتهي الحبل الشوكي.
لم تكن هناك آثار صراع. لم تكن هناك بصمات على حواف القارب. حتى دماء الضحية لم تكن متناثرة بعشوائية، بل كانت مركزة في بقعة واحدة، مما يعني أن الموت كان فورياً وصامتاً. نهض جاكسون والتفت حوله، مدققاً في آثار الأقدام الممسوحة بفعل مياه البحر، ثم نظر إلى الأرضية حيث كانت توجد بقايا ملابس صغيرة ممزقة. التقط قطعة صغيرة من القماش، فركها بين أصابعه، ثم استنشقها. رائحة عطر باهظ الثمن مخصص للأطفال، ممزوجة برائحة خوف لم تبرد بعد.
قال في نفسه إن القاتل لم يأتِ من أجل المال، فخزنة القارب لا تزال مغلقة، وساعة تشاندرا الذهبية لا تزال في معصمه. هذا اغتيال بدافع التطهير أو الصدفة القدرية. لكن الشخص الذي فعل هذا يمتلك بروداً يجعل من القتل مجرد إجراء روتيني. ثم حدق في المسار الذي سلكه القاتل للخروج من القارب؛ لقد اختار الزاوية الميتة لكاميرات المراقبة التابعة للفندق البعيد. هذا ليس مجرد خادم ثائر، هذا شبح يعرف كيف يرقص في الفراغات الأمنية.
بينما كان جاكسون يغوص في تحليلاته، كانت الأخبار في المساء تملأ شاشات الجزيرة. وفي تلك الشقة المتواضعة، جلس كايد أمام شاشة صغيرة، يراقب وجه المحقق جاكسون وهو يدلي بتصريح مقتضب للصحافة. لم تكن ملامح كايد تعبر عن شيء، لكن عينيه كانتا تدرسان جاكسون بدقة. كان يدرك أن هذا الرجل ليس من نوع المحققين الذين يرتشون أو يكتفون بالظواهر. لقد أدرك كايد من طريقة وقفة جاكسون وتدقيقه في التفاصيل الصغيرة أنه أمام خصم قد يقرأ أثره حتى في الهواء.
أغلق كايد التلفاز، وعمّ السكون الغرفة إلا من صوت أنفاسه المنتظمة. تأكد من إغلاق النوافذ والباب بثلاثة أقفال مختلفة، ثم تفقد مخزون الرصاص في مسدسه ووضعه تحت وسادته. توجه إلى سريره في الصالة ليفسح المجال لمايا في الغرفة الوحيدة. كان يعتقد أن الليلة ستمر بهدوء، وأن تعبه الجسدي سيمنحه نوماً عميقاً، لكن القدر كان يخبئ إيقاعاً آخر.
بعد منتصف الليل بساعتين، وبينما كان الصمت يطبق على الحي القديم، اخترق الغرفة صوت لم يكن غريباً على أذني كايد، لكنه كان مؤلماً بشكل غير معتاد. لم يكن صراخاً عالياً، بل كان أنيناً مخنوقاً، مزيجاً من شهقات الهواء المقطوعة وكلمات غير مفهومة بلغة لم يستطع تمييزها فوراً.
نهض كايد من فراشه كأنما لدغته أفعى. لم يشعل الضوء؛ فقد اعتادت عيناه على العتمة. اندفع نحو غرفة مايا، ووجدها تتخبط فوق السرير كأنها تصارع عدواً غير مرئي. كانت يداها الصغيرتان تقبضان على اللحاف بقوة تجعل مفاصل أصابعها تبيض، وعرق بارد يكسو جبينها الصغير. كانت عيناها مغمضتين، لكن مقلتيها تتحركان بجنون تحت الجفون، وكأنها تشاهد فظائع "جزيرة الجنة" تتكرر في مسرح عقلها الباطن.
كانت تصرخ بكلمات متقطعة: "لا.. من فضلك.. ليس مجدداً.."، ثم تتحول صرخاتها إلى نشيج مرير يمزق نياط القلب. وقف كايد عند طرف السرير، وهو الرجل الذي اعتاد رؤية الموت دون أن يرف له جفن، لكنه وجد نفسه الآن يشعر بثقل في صدره. كان يرى فيها ضحية لعالم هو نفسه جزء من آلاته الحادة.
اقترب ببطء، وجلس على حافة السرير. كان يخشى أن لمسته قد تفزعها أكثر، لكنه أدرك أنها بحاجة إلى مرساة في هذا العصف الذهني. مد يده الكبيرة، التي طالما حملت السلاح، ووضعها برفق متناهٍ فوق رأسها. كانت يده تغطي جبهتها وجزءاً كبيراً من شعرها. بدأ يربت على رأسها بحركات بطيئة ورتيبة، وكأنه يحاول ضخ الهدوء من كفه إلى عقلها المضطرب.
في البداية، استمرت مايا في التخبط لثوانٍ قليلية، لكن حرارة يد كايد وثباتها بدآ يفعلان مفعولهما. بدأت أنفاسها المتسارعة تهدأ، وارتخت قبضتها عن اللحاف تدريجياً. توقفت الكلمات المتلعثمة، وحل محلها غطيط هادئ ومنتظم. سكنت تماماً تحت يده، وكأن وجوده بجانبها كان الحصن الذي منع الوحوش من الوصول إليها في أحلامها. ظل كايد جالساً مكانه، يده لا تزال فوق رأسها، يراقب ملامحها التي استعادت بعضاً من براءة الطفولة في نومها، مدركاً أن مهمة حمايتها قد أصبحت الآن أكثر تعقيداً من مجرد الهروب من محقق ذكي.
في صباح اليوم التالي، كانت قاعة الطعام الكبرى في الفندق الملكي بـ "جزيرة الجنة" تضج بهدوء زائف، حيث اجتمع المليارديرات حول مائدة إفطار تمتد عليها أصناف الطعام الفاخرة التي جُلبت من مختلف قارات العالم. كان ضوء الشمس يتسلل عبر النوافذ الزجاجية العملاقة، ليعكس بريق أدوات المائدة الفضية، لكن الوجوه لم تكن مشرقة بقدر المكان؛ فالقلق كان يغلف الأعين، والهمسات المقتضبة بين "ليو تشنغ" و"سيليا هارت" و"فيكتور راموس" كانت تتمحور حول شيء واحد: الفضيحة التي قد تعصف بإمبراطورياتهم إذا ما تفوهت تلك الطفلة بكلمة واحدة.
قطع هذا السكون الحذر صوت وقع أقدام رزين ومنتظم. التفت الرؤوس ليروا المحقق جاكسون فيندل يخطو نحوهم ببروده المعتاد، مرتدياً سترة داكنة تمنحه هيبة طاغية. توقف عند رأس المائدة، وحياهم بإيماءة رأس خفيفة قائلاً بصوت رخيم: "صباح الخير أيها السادة. أتمنى ألا أكون قد عكرت صفو اجتماعكم الصباحي، لكن وتيرة الأحداث تتطلب مكاشفة سريعة".
وضع جاكسون ملفاً جلدياً على طرف المائدة، فبادر ليو تشنغ، وهو يحرك كرسيه المتحرك قليلاً للأمام، متسائلاً بنبرة حاول جعلها تبدو مهتمة بالعدالة لا بالخوف: "سيد جاكسون، نثمن حضورك. ما هي المستجدات في قضية زميلنا الراحل تشاندرا؟ هل اقتربت من تحديد الجاني؟".
شبك جاكسون أصابعه خلف ظهره وأخذ نفساً عميقاً قبل أن يبدأ في استعراض ما وصل إليه: "الأمر لم يعد مجرد تخمين. بناءً على مسح مسرح الجريمة وتحليل سجلات القارب، أصبح المشتبه به الرئيسي الآن هو الخادم الذي كان يرافق تشاندرا. الأدلة المادية غائبة، لكن الأدلة المنطقية تشير إليه بوضوح؛ فهو الشخص الوحيد الذي كان برفقة الضحية، وعدم العثور على جثته في الموقع أو في محيط القارب يؤكد أنه حي. والأهم من ذلك..." صمت جاكسون للحظة ليرصد ردود فعلهم، ثم أكمل: "تشير كل الدلائل إلى أنه لم يهرب وحيداً، بل أخذ الفتاة معه".
في تلك اللحظة، ساد صمت مطبق، وشعر الحاضرون وكأن الهواء سُحب من الغرفة. تبادل إيثان كروز ووزارا خان نظرات خاطفة مشحونة بالذعر؛ ففكرة أن "البضاعة" التي يعرفون سرها القذر باتت في يد شخص مجهول كانت كابوساً حقيقياً. سارع لوكاس بيرغ بالحديث محاولاً إخفاء ارتباكه: "خادم؟ مجرد خادم قام بكل هذا؟ هذا يبدو مستبعداً. ألا يمكن أن يكون هناك طرف خارجي؟".
ابتسم جاكسون ابتسامة خفيفة خالية من المرح، وأخرج جهازاً لوحياً وعرض عليه لقطة ثابتة من كاميرات المراقبة. كانت الصورة تظهر الخادم (كايد) بزيّه الرسمي وهو يسير بخطوات واثقة خلف تشاندرا أثناء خروجهم من الفندق. قال جاكسون: "لقد تحريت أكثر مما تظنون. قمت بمراجعة كافة الزوايا الميتة في نظام المراقبة، واستخدمت تقنيات تحسين الصورة للوصول إلى هذا الوجه. لقد طابقنا ملامحه مع قواعد البيانات الجنائية والمدنية الدولية، وهنا بدأ الغموض الحقيقي".
تنحنحت سيليا هارت وقالت ببرود: "وماذا وجدتم؟ هل هو مجرم هارب؟ هل لديه سجل حافل؟".
أجاب جاكسون وهو يقلب الصفحات الرقمية في جهازه: "المشكلة ليست في غياب النتائج، بل في كثرتها المربكة. عندما طابقنا صورته مع قواعد البيانات، لم يظهر فراغ... بل ظهر عدد من النتائج المتناقضة التي صُممت بدقة لتكون طريقاً مسدوداً. النتيجة الأولى تشير إلى رجل يحمل الاسم نفسه، يعمل موظف شحن بحري في مدينة ساحلية نائية، وله سجل سفر منتظم وموثق بين موانئ معروفة، وحياته تبدو رتيبة تماماً".
توقف جاكسون ليلاحظ استغرابهم، ثم تابع: "أما النتيجة الثانية، فهي لرجل آخر بعمر متقارب وملامح شديدة الشبه، يعمل في شركة لتوريد المعدات الطبية، متزوج وله طفلان، ولديه صور عائلية وسجلات ضريبية مكتملة. أما الملف الأقرب للصورة، فكان الأكثر إرباكاً؛ شخص يدعى إيلياس نوفاك، يبلغ من العمر أربعاً وثلاثين عاماً، يعمل كحارس شخصي مستقل. سجل سفره موجود، لكنه لا يتبع خطاً واضحاً، وحسابه البنكي نشط ومحدود وبلا أي مؤشرات خطر تذكر".
ضرب فيكتور راموس بيده على الطاولة متمتماً: "هذا مستحيل، لا يمكن لشخص أن يكون ثلاثة أشخاص في وقت واحد. أي ملف منهم هو الحقيقي؟".
هز جاكسون رأسه بهدوء وقال بصوت يحمل نبرة من الإعجاب المهني بخصمه: "هذا هو بيت القصيد. كل ملف بدا مكتملاً بما يكفي ليكون حقيقياً، ومختلفاً بما يكفي ليلغي الآخر. كلما حاولنا تتبع خيط، وجدنا شخصاً يعيش حياة كاملة... لكن ليس هو. الصور تتشابه، والأسماء تتكرر في سجلات مدنية مختلفة عبر القارات، والنتيجة النهائية واحدة: لا يمكن الجزم أيهم الهدف، ولا أي مسار يقود إليه فعلياً".
نظر جاكسون إلى المليارديرات الثمانية، وكانت عيناه الثاقبتان تبحثان عن شيء ما في ملامحهم، ثم ختم حديثه بعبارة جعلت الرعب يدب في قلوبهم: "هذا ليس شخصاً يختبئ في الظلال بانتظار أن نكتشفه... هذا محترف يتلاعب بالواقع نفسه. إنه يتركنا نطارد غيره عمداً، يغرقنا في بحر من الهويات المزيفة لنضيع وقتنا وجهدنا في ملاحقة أوهام. نحن لا نتعامل مع خادم متمرد، بل مع شخص يعرف كيف يمحو أثره قبل أن يتركه".
انتهى كلام المحقق، وظل الجميع في حالة من الذهول، يراقبون صورة "الخادم" على الشاشة، مدركين أن عدوهم ليس مجرد شبح، بل هو كيان قادر على أن يكون "لا أحد" و"الجميع" في آن واحد.
أضاف جاكسون فيندل نبرة أكثر حدة وصرامة إلى صوته، وهو يميل بجسده قليلاً نحو المائدة، وكأنه يلقي بحقيقة ثقيلة أمام هؤلاء الذين ظنوا أن أموالهم تشتري الأمان المطلق. قال بصوت منخفض ومحذر: "بناءً على المعطيات التي أمامنا، وبناءً على الدقة الجراحية في تنفيذ عملية الاغتيال، وبناءً على شبكة الهويات المزيفة التي أحاط بها نفسه، فإن استنتاجي الأخير والنهائي هو أن هذا الخادم ليس مجرد قاتل عشوائي، ولا لصاً اغتنم فرصة. نحن أمام مغتال محترف، وهدفه الأول والحقيقي هو أنتم يا سادة. تشاندرا كان مجرد البداية، أو ربما كان العقبة الأولى التي صادفها في طريقه إليكم".
ساد صمت جنائزي في القاعة، وانفجع بعض المليارديرات بهدوء مشوب بالرعب؛ فزارا خان شددت قبضتها على منديلها الحريري حتى ابيضت مفاصلها، بينما تراجع ديفيد أوكوي بظهره وكأنه يحاول الابتعاد عن خطر غير مرئي. تابع المحقق كلامه دون اكتراث لذعرهم: "لذا، ومن باب المهنية والأمان، أنصحكم جميعاً بمغادرة هذه الجزيرة في أقرب وقت ممكن. وجودكم هنا في مكان معزول يجعلكم أهدافاً سهلة المنال لشخص بمثل هذه القدرات. غادروا فوراً، وأنا سوف أتكفل بالباقي؛ سأتعقبه وأجده، سواء كان في هذه الجزيرة أو في أي بقعة أخرى من العالم".
لكن الرد جاء سريعاً وحازماً من سيليا هارت، التي وضعت فنجان قهوتها برنة قوية فوق الطبق الخزفي، وقالت بنبرة فولاذية: "الاقتراح مرفوض يا سيد جاكسون. لسنا هنا من أجل الاسترخاء أو قضاء عطلة صيفية فحسب. نحن ننتظر اكتمال بناء مقرنا المخفي الجديد في شنغهاي، وهو مشروع لا يمكننا الإشراف عليه إلا من مكان قريب ومؤمن كفندق فيكتور. بالإضافة إلى ذلك، لا تنسى أننا تعرضنا سابقاً لمحاولة اغتيال خطيرة جداً، ولم ننجُ منها إلا بأعجوبة وبفضل تدابير أمنية استثنائية. لذا قررنا بناء ذلك المقر المحصن، والانتظار هنا في هذه الجزيرة التي كانت تبدو هادئة حتى وقت قريب".
ثم خفضت صوتها وأشارت بيدها إشارة مبهمة نحو أروقة الفندق وتابعت: "وهناك سبب آخر لا يقل أهمية؛ لقد أحضرنا (البضاعة البشرية) إلى هنا بمخاطرة كبيرة وتكاليف باهظة. لا يمكننا إعادتها الآن أو نقلها عشوائياً، فالحكومة قد تكتشف الأمر وتفتح علينا أبواباً من التحقيقات لا نهاية لها. بقاؤنا هنا ضرورة استراتيجية، وليس مجرد عناد".
عندها تدخل ليو تشنغ،
محركاً كرسيه ببطء ليتواجه مباشرة مع جاكسون، وقال بعينين تلمعان ببرود مادي: "سيد جاكسون، نحن نعلم أنك الأفضل في مجالك. لذا، دعنا نتحدث بلغة تفهمها جيداً. إذا تمكنت من الإمساك بهذا المغتال، أو القضاء عليه وتخليصنا من هذا التهديد ومن خطر تلك الفتاة، فسوف نمنحك مكافأة مالية ضخمة، مبلغاً لن تضطر بعده للعمل يوماً واحداً في حياتك. ستكون مرتاحاً أنت وعائلتك إلى الأبد".
لمعت عينا جاكسون فيندل ببريق خاطف؛ فالطموح المادي كان المحرك الخفي لهذا الرجل خلف قناع المهنية الباردة. اعتدل في وقفته وسحب معطفه قليلاً، ثم قال بنبرة واثقة ومشحونة بالحماس: "إذاً، اعتبروا أن هذه القضية قد انتهت بالفعل منذ هذه اللحظة. سأحضر لكم رأسه، أو سأحضره هو نفسه إليكم". ثم استدار وخرج من القاعة بخطوات واسعة، تاركاً خلفه ثمانية من أقوى أغنياء العالم يتجرعون مرارة الخوف والانتظار.
من ناحية أخرى، وفي الشقة المتواضعة التي يفوح منها عطر الأمل الممزوج بالخطر، كان كايد قد انتهى من إعداد إفطار بسيط لمايا. جلس يراقبها وهي تأكل، وكان في ذهنه خطة للخروج واستطلاع تحركات المحقق جاكسون. عندما نهض ليرتدي معطفه ويغادر، وقفت مايا بسرعة وتمسكت بطرف سترة كايد، وقالت بنبرة توسل طفولية: "هل ستتركني هنا وحدي؟ أريد الخروج معك.. أرجوك".
حاول كايد إقناعها بالبقاء، شارحاً لها أن الخارج خطر وأن العيون تملأ الشوارع، لكن مايا أبدت إصراراً غريباً، وبدأت في إزعاجه بطلباتها المتكررة، ممسكة بيده بقوة كأنها تخشى أن يتبخر. بعد صراع طويل بين رغبته في تأمينها وبين شعوره بالأسى تجاه سجنها الاختياري، تنهد كايد بعمق واستسلم.
انحنى لمستواها وقال بصوت جاد وهادئ: "حسناً، ستخرجين معي، لكن بشروط صارمة. يجب أن تختبئي تماماً خلف ملامحك الجديدة، وإذا سألكِ أي شخص عن هويتنا، ستقولين له إنكِ ابنتي، وإنني والدكِ. هل تفهمين؟ يجب أن تدعيني بأبي أمام الغرباء".
نظرت إليه مايا بعينيها الواسعتين، وكأن الكلمة كانت غريبة على لسانها لسنوات طويلة. صمتت للحظة، ثم ارتسمت على وجهها ملامح هادئة وقالت بصوت رقيق: "بابا".
شعر كايد بوخزة غريبة في صدره، شعور لم يعهده من قبل، لكنه سرعان ما استعاد بروده المحترف. أحكم إغلاق معطفه، ووضع قبعة صغيرة على رأس مايا لتغطية جزء من وجهها، ثم أمسك بيدها الصغيرة بإحكام. فتح الأقفال الثلاثة بحذر، وخرجا معاً من المنزل نحو أزقة الجزيرة المزدحمة، حيث كانت اللعبة بين المغتال والمحقق قد بدأت تأخذ منعطفاً لا يمكن التنبؤ به.
سار كايد في أزقة الجزيرة بخطوات محسوبة، واضعاً يده في جيب معطفه حيث يقبع سلاحه، بينما كانت يده الأخرى تطوق يد مايا الصغيرة بقبضة ثابتة. لم يكن يراها كطفلة فحسب، بل كمسؤولية ثقيلة قد تكلفه رأسه في أي لحظة. كانت شمس الظهيرة تضرب الأرصفة المزدحمة بالسياح، والجو مشحوناً برائحة الملح والياسمين، لكن كايد لم يكن يرى من هذا الجمال سوى الممرات الجانبية ومخارج الطوارئ وزوايا الكاميرات التي كان يتجنبها ببراعة فطرية.
توقفا أمام محل ملابس قديم، واجهته الزجاجية مغطاة بطبقة خفيفة من الغبار، وهو نوع المحلات التي لا يرتادها النخبة، مما يجعله مثالياً للاختفاء. دخل كايد الصبي وتبعته مايا بصمت يشبه ظله. كانت الرفوف مكدسة بملابس قطنية بسيطة وألوان باهتة. اختار كايد سترة صوفية داكنة وفستاناً بسيطاً، ثم التفت إلى مايا وقال بنبرة خافتة: "قيسي هذه، يجب أن نتخلص من ثيابك القديمة تماماً، كل خيط ترتدينه الآن هو أثر قد يقود إلينا".
نظرت مايا إلى الملابس، ثم إلى كايد، ودلفت إلى غرفة التبديل الصغيرة. ظل كايد واقفاً بجانب الباب، ظهره إلى الجدار وعيناه تراقب معصم يده حيث الساعات تمر ببطء قاتل. عندما خرجت مايا، كانت تبدو مختلفة؛ الطفلة التي كانت تُباع كـ"بضاعة" فاخرة في القصور، أصبحت الآن مجرد طفلة عادية من الطبقة المتوسطة، ضائعة في زحام مدينة ساحلية. دفع كايد الثمن نقداً، دون أن ينظر في وجه البائع، وخرجا مجدداً إلى صخب الشارع.
بدأت معدة مايا تصدر أصواتاً خفيفة، فتوقف كايد أمام مطعم بيتزا صغير يفوح منه عبق العجين المحمص والجبن الذائب. جلسنا في زاوية معتمة بعيدة عن النوافذ. وضعت النادلة البيتزا أمامهما، وقالت بابتسامة ودودة وهي تنظر إلى مايا: "يا لها من فتاة لطيفة، إنها تشبهك كثيراً أيها السيد". لم يرد كايد، اكتفى بإيماءة باردة جعلت النادلة تنسحب بارتباك.
بدأت مايا تأكل ببطء شديد، كانت تقطع البيتزا إلى قطع صغيرة جداً وكأنها تخشى أن تنتهي اللحظة. نظر إليها كايد، الذي لم يلمس طعامه، وقال: "كلي بسرعة، ليس لدينا متسع من الوقت للرفاهية". رفعت مايا رأسها، وقالت بصوت بالكاد يُسمع: "هل سنعود إلى ذلك القبو مجدداً؟". قبض كايد على سكين الطاولة بقوة ثم أرخى يده وقال: "طالما أنتِ معي، فلن يلمسكِ أحد منهم. تذكري ما اتفقنا عليه، أنتِ ابنتي الآن، والآباء لا يتركون أبناءهم للذئاب". في تلك اللحظة، ولأول مرة منذ لقائهما، ارتشفت مايا ابتسامة باهتة جداً، لم تكن ابتسامة فرح بقدر ما كانت ابتسامة ارتياح لم تدم سوى ثانية واحدة، قبل أن تعود لملامحها الجامدة.
بعد الغداء، توجها إلى "سوبر ماركت" كبير لشراء بعض المستلزمات الضرورية للاختباء الطويل. كان المكان مزدحماً بالأمهات والأطفال الصاخبين. بينما كان كايد يختار بعض المعلبات والماء، كانت النسوة يمررن بجانبهما ويهمسن لبعضهن البعض: "انظري إلى ذلك الرجل، يبدو حازماً لكنه حنون جداً على ابنته، لا يترك يدها لحظة واحدة". لم يكن هؤلاء المارة يدركون أن تلك القبضة ليست حناناً فحسب، بل هي حزام أمان في عالم يريد سحقهما.
كان كايد يسير بملامح صخرية، وعيناه تمسحان الممرات بحثاً عن أي وجه مألوف أو مراقب تابع للمحقق جاكسون. وسط ممر الألعاب، توقفت مايا فجأة أمام دمية صغيرة من القماش، لم تطلبها، ولم تمد يدها نحوها، بل اكتفت بالنظر إليها بحزن عميق. توقف كايد خلفها، أحس بتمزق داخلي لم يعتد عليه في مهنته كقاتل. مد يده، التقط الدمية ووضعها في عربة التسوق دون كلمة واحدة. في تلك اللحظة،
نظر كايد إلى انعكاس صورته في مرآة الممر؛ رأى رجلاً مجهداً بملامح قاسية، ورأى طفلة مكسورة، وللمرة الأولى، ارتسمت على شفتيه نصف ابتسامة مريرة، كانت أشبه باعتراف بالهزيمة أمام مشاعره الإنسانية التي حاول دفنها طويلاً.
خرجا من المتجر، والناس يرمقونهما بنظرات الإعجاب لهذا "الأب الحنون" و"ابنته اللطيفة". لم يبتسما طوال الرحلة إلا تلك المرة الوحيدة اليتيمة، ولم يتحدثا بكلمات الحب، بل كانت لغتهما هي الصمت المشحون بالترقب. كان العالم يراهما كعائلة عادية تقضي يوماً جميلاً، بينما كانا في الحقيقة يسيران فوق حبل مشدود، وتحتهما هاوية سحيقة من المؤامرات والدماء، يتبعهما ظل محقق لا يرحم، وتطاردهما لعنة المليارديرات التي لا تغفر لمن يسرق أسرارها. وقف كايد عند زاوية الشارع، شد على يد مايا وقال: "الآن، سيبدأ الجزء الصعب، يجب أن نختفي تماماً عن الأنظار".
بينما كان الظلام يزحف ليغطي معالم "جزيرة الجنة"، كان الصراع في غرف العمليات الأمنية لا يقل حدة عن صراع البقاء في الشوارع. وقف رئيس الشرطة في مكتبه الواسع المطل على الميناء، ممسكاً بقدح من القهوة الباردة، وعيناه مسمرتان على المحقق جاكسون فيندل الذي كان يدرس خريطة حرارية للجزيرة بهدوء مريب. سأل رئيس الشرطة بنبرة قلقة: "سيد جاكسون، المليارديرات يتصلون بي كل ساعة. إنهم يرتعدون خلف جدران الفندق. ما هي خطواتك التالية؟ هل سنقوم بمداهمة الأحياء الفقيرة؟ هل سننشر القوات في المداخل والمخارج؟".
لم يلتفت جاكسون، بل ظل يحدق في الخريطة قائلاً بصوت رزين: "لن نفعل شيئاً من ذلك. الخطوة التالية هي الانتظار. سنبقى في حالة سكون تام حتى يقوم هو بخطوته التالية. المغتال المحترف يشبه الصياد، إذا شعر بوجود فريسة مضطربة فإنه يهاجم، لكن إذا شعر بوجود فخ منصوب، فإنه يختفي في العدم".
قاطعه رئيس الشرطة بذهول: "الانتظار؟ أليس ذلك مخاطرة كبرى برؤوس المليارديرات؟ إذا سقط رأس آخر منهم، فستنتهي حياتي المهنية وحياتك أيضاً". استدار جاكسون ببطء، ونظر إلى رئيس الشرطة بعينين تشبهان عيني الصقر وقال: "عليك أن تفهم سيكولوجية هؤلاء الأغنياء. المليارديرات خائفون من الموت، نعم، لكنهم خائفون أكثر من فضيحة تجارة البشر التي ستنفجر إذا ما تدخلت القوات الرسمية بشكل فج. إذا قمنا بجلبة كبيرة، فقد يدفع ذلك المغتال لتسريب معلوماته كخطة بديلة. يجب أن نتهاون في التحركات الظاهرة لكي يشعر بالأمان، لكي يظن أننا ضللنا الطريق، وحينها فقط سيخرج من جحره ويتحرك داخل الجزيرة بدلاً من الفرار منها، وعندها سأكون في انتظاره".
في تلك الأثناء، وفي الجانب المظلم من المدينة، كان الصمت يطبق على الشقة المتواضعة. نامت مايا بعمق بعد يوم طويل وشاق، بينما كان كايد قد استيقظ تماماً، وكأن جسده مبرمج على العمل في الساعات التي يموت فيها الضوء. ارتدى ملابسه السوداء بالكامل، وتفقد أسلحته بدقة آلية؛ المسدس الكاتم للصوت، السكاكين التكتيكية، وأجهزة التشويش الصغيرة. خرج من الشقة كأنه طيف، تاركاً خلفه طفلة هي نقطة ضعفه الوحيدة وقوته الكبرى في آن واحد.
بعيداً عن أضواء المدينة الحالمة، وفي طريق فرعي يحيط به الشجر الكثيف، كانت هناك شاحنة سوداء متهالكة تنتظر بمحرك هادئ. عندما اقترب كايد، انفتح الباب الجانبي وظهر وجه أكسل بشعره المنفوش وابتسامته التي لا تفارقه حتى في أحلك الظروف. حياه أكسل قائلاً: "توقيت مثالي كالعادة يا صديقي. ادخل، الشاي بارد لكن المحرك ساخن".
صعد كايد إلى الشاحنة التي كان يقودها أكسل، وانطلقا في ظلام الليل الحالك. بدأ أكسل بمراجعة الخطة بصوت منخفض: "الهدف هو أحد رجال الأعمال المتحالفين الذين كانوا في الحفلة. إنه يقيم في فيلا منعزلة في الطرف الشمالي. المليارديرات الثمانية شددوا الحراسة على موقعهم في الفندق لدرجة تجعل اختراقهم الآن انتحاراً، لذا سنبدأ بالأطراف. سنغتاله لنرسل رسالة مفادها أن لا أحد في مأمن".
نظر أكسل إلى كايد عبر المرآة وسأل: "أخبرني، هل أنت خائف من هذا المحقق؟ جاكسون فيندل ليس رجلاً سهلاً، لقد بدأ يجمع قطع الأحجية". رد كايد ببرود وهو يلقم مخزن الرصاص: "لا، لست خائفاً. لقد تعاملت مع عشرات المحققين طوال حياتي، كلهم يتبعون نفس القواعد والمنطق. الفرق بيني وبينهم هو أنني مستعد لكسر كل القواعد".
أوضح أكسل وهو يشير إلى شاشة صغيرة بجانبه: "لقد رسمت لك مساراً يتجنب كافة كاميرات المراقبة، وحتى لو رصدتنا كاميرا عشوائية، فالشاحنة مكتوب عليها (بيتزا التموييه). لقد طلبت من شخص مأجور أن يتصل الآن ويطلب بيتزا إلى عنوان قريب كحجة رسمية في حال أوقفنا أي دورية. لن يشك أحد في عربة توصيل طعام في هذا الوقت".
سكت أكسل قليلاً ثم قال بنبرة جادة: "لكن هناك خطر يا كايد. لقد كشف المحقق صورتك من كاميرات الفندق بصفقتك حارساً شخصياً. نشر هذه الصور قد يحولك إلى أسطورة، وهذا ما يخشاه النظام". رد كايد بنبرة فلسفية مظلمة: "لست خائفاً من ذلك، لأنهم يعرفون أن خطر تحولي إلى أسطورة أكبر من خطر بقائي مجهولاً. نشر صورتي قد يمنحني شهرة لا يريدونها، وقد يخلق خوفاً جماعياً يهز ثقة الناس في أمن الجزيرة، أو الأسوأ من ذلك، قد يلهم مقلدين آخرين للتمرد على هؤلاء المليارديرات. بعض الجهات الأمنية تتجنب (صناعة وحش إعلامي) لأنه يخرج عن السيطرة".
أكمل أكسل فكرته: "بالضبط، ولأننا في جزيرة صغيرة، فإن أي خبر سينتشر عالمياً بسرعة البرق، مما سيجذب مغتالين وصحفيين أكثر، وهذا آخر ما يريده ليو تشنغ وعصابته، لأنه سيكشف مقرهم الحالي ويسلط الضوء على مشروع النميسيس. هم يريدون قتلي في صمت، وأنا سأقتلهم في صخب". استمرت الشاحنة في شق طريقها عبر الغابات المظلمة، متجهة نحو الهدف الجديد، بينما كانت خيوط المؤامرة تلتف حول الجميع في انتظار الفجر الذي قد لا يأتي لبعضهم.
توقفت الشاحنة السوداء على مسافة آمنة من الفيلا التي كانت تتربع فوق تلة صغيرة، محاطة بأسوار حجرية وأشجار صنوبر كثيفة تحجب الرؤية. كان الضوء المنبعث من الطابق العلوي ومن ردهة الاستقبال يشير بوضوح إلى أن القصر لم ينم بعد، مما جعل الأجواء مشحونة بتوتر غير مرئي. أخرج أكسل حاسوبه المحمول، وبدأت أصابعه تتحرك بسرعة خاطفة فوق لوحة المفاتيح؛ كانت واجهة الشاشة تعكس أرقاماً ورموزاً خضراء تتداخل مع خرائط النظام الأمني للفيلا.
همس أكسل وهو يضع سماعاته: "لقد اخترقت نظام الترددات. سأقوم بتشويش الكاميرات بنظام الحلقة المفرغة؛ سأجعلها تعرض تسجيلاً ثابتاً للدقائق الخمس الماضية، لذا أمامك نافذة زمنية محدودة قبل أن يلاحظوا أي تكرار في الظلال. كل شيء جاهز، انطلق يا كايد".
فتح كايد باب الشاحنة بهدوء، وانزلق خارجاً كأنه جزء من الظلام. لم يتجه نحو البوابة الرئيسية المزودة بحراس وأجهزة استشعار، بل تسلل نحو السور الجانبي حيث تغطي أغصان الأشجار زوايا الرؤية. استخدم قفازات تكتيكية ذات تماسك عالٍ، وتسلق السور بمرونة مذهلة، ثم قفز للداخل بخفة قط، مستنداً على أطراف أصابعه لامتصاص صوت الارتطام بالنجيلة الخضراء.
تحرك كايد بمحاذاة الجدران الخارجية، مستفيداً من تباين الضوء والظل. دخل من فتحة تهوية صغيرة تؤدي إلى المطبخ الخلفي، ومن هناك بدأ يتسلل عبر الممرات الرخامية الطويلة للفيلا. كانت الأنفاس محبوسة، وكل حاسة في جسده تعمل بأقصى طاقتها. فجأة، عند زاوية الممر المؤدي إلى جناح الخدم، خرجت خادمة شابة تحمل صينية من الفضة. تجمدت مكانها، واتسعت عيناها برعب وهي تلمح ذلك الطيف الأسود الملثم أمامها.
لم يمهلها كايد فرصة للشهيق أو إطلاق صرخة واحدة. في لمح البصر، اندفع نحوها وطوق عنقها بذراعه القوية، ضاغطاً على القصبة الهوائية بأسلوب احترافي يقطع تدفق الأكسجين والدم إلى الدماغ في ثوانٍ. تخبطت الخادمة لثوانٍ معدودة قبل أن يرتخي جسدها تماماً. سحب كايد الجثة بهدوء ووضعها في زاوية مظلمة خلف خزانة خشبية كبيرة، ثم أكمل طريقه وكأن شيئاً لم يكن.
وصل إلى الطابق العلوي حيث يقع جناح الملياردير "جوليان فوسكر"، رجل الأعمال الألماني الذي عُرف بقسوته وميوله المنحرفة. توقف كايد أمام الباب الضخم المصنوع من خشب الأبنوس المدعم بالفولاذ. جرب مقبض الباب، فوجده مغلقاً بآلية إلكترونية متينة؛ كان يعلم أن محاولة كسر هذا الباب أو تفجيره ستطلق صفارات الإنذار في أرجاء الجزيرة وتدمر عنصر المفاجأة.
في تلك اللحظة، لمحت عيناه خادمة أخرى كانت تمر بالممر المقابل وهي تحمل مناشف نظيفة، تبدو عليها علامات الإعياء والذل. انقض عليها كايد، وسحبها من خلف عنقها ووضع فوهة المسدس الكاتم للصوت خلف أذنها، هامساً بصوت بارد كالثلج: "كلمة واحدة وسينتهي أمرك. ماذا يفعل (فوسكر) بالداخل؟".
ارتجفت الفتاة، وسقطت المناشف من يدها، وقالت بصوت متقطع ومنهار: "إنه.. إنه بالداخل مع إحدى الفتيات.. إنه يمارس الجنس مع إحدى العاهرات الجدد". أدرك كايد على الفور أن الضحية بالداخل هي إحدى الفتيات المختطفات ضمن تجارة ليو تشنغ القذرة. لمعت فكرة في عقله؛ فكرة تستغل غريزة فوسكر الحيوانية ضده.
ضغط كايد بالمسدس على رأس الخادمة أكثر وقال بآمر: "اسمعي جيداً، حياتكِ تعتمد على الدقيقتين القادمتين. ستدقين الباب، وستقولين له بنبرة مغوية إنكِ تريدين الانضمام إليهما، وإنكِ تملكين شيئاً يثير حماسه. افعليها بإتقان وإلا سأفرغ هذا المخزن في رأسكِ الآن".
كانت الخادمة تبكي بصمت، والدموع تبلل وجنتيها الشاحبتين، لكن غريزة البقاء كانت أقوى من الخوف. اقتربت من الباب بخطوات ترتعش، بينما اختبأ كايد في زاوية ميتة بجانب الإطار، مصوباً سلاحه نحو فتحة الباب. دقت الخادمة الباب ثلاث دقات خفيفة، ثم قالت بصوت حاولت جاهدة أن تجعله يبدو ناعماً ومثيراً: "سيدي.. السيد فوسكر.. هل تسمح لي بالدخول؟ لقد جئت لأعرض عليك شيئاً مختلفاً.. ظننت أنك قد ترحب بصحبة إضافية هذه الليلة".
توقف الضجيج في الداخل للحظة. ساد صمت ثقيل، ثم سُمع صوت ضحكة غليظة ومقززة لفوسكر وهو يقول: "أوه، أيتها الصغيرة اللعينة، لم أكن أعرف أنكِ تملكين هذا القدر من الجرأة. حسناً، ادخلي، يبدو أن الليلة ستصبح أكثر إثارة".
سُمع صوت تكة القفل الإلكتروني وهو يفتح. تحرك مقبض الباب ببطء، وبدأ الباب يفتح تدريجياً ليكشف عن جزء من الغرفة المضاءة بأنوار خافتة حمراء. وما إن ظهر طرف جسد فوسكر وهو يقف بملابسه الداخلية مرتدياً رداءً حريرياً وبابتسامة مقرفة على وجهه، حتى دفع كايد الخادمة جانباً واندفع كالبرق نحو الفتحة.
اندفع كايد بسرعة خاطفة داخل الظلام الذي يغلف الفيلا المنعزلة، خطواته صامتة كأنها لا تلمس الأرض، يده اليمنى مشدودة على مقبض المسدس الكاتم للصوت، واليسرى تحسس جيب معطفه بحثاً عن أي إشارة طارئة من أكسل. كان الهواء ثقيلاً برائحة الرطوبة والخشب القديم المصقول، وصوت أنفاسه المنتظمة الوحيد الذي يقطع السكون. توقف لحظة أمام باب الغرفة الرئيسية في الطابق العلوي، أذناه تلتقطان همسات خافتة من الداخل، همسات امرأة خائفة وصوت رجل ثقيل يأمر بلهجة آمرة.دفع الباب برفق، لكنه لم ينتظر. في لحظة واحدة، رفع المسدس وأطلق طلقة مكتومة واحدة، صوتها لا يتجاوز همهمة خافتة. أصابت الطلقة جبهة فوسكر بدقة متناهية، فتجمد الرجل في مكانه، عيناه مفتوحتان على وسعهما في دهشة لم تكتمل، ثم سقط إلى الوراء على الأرض بثقل جسده الضخم، دون صرخة أو مقاومة. كانت الخادمة تقف بجانب الباب الداخلي، تحمل صينية فضية عليها مناشف بيضاء مطوية بعناية، وجهها شاحب كالموت، لكنها لم تصرخ. لم تحاول حتى الصراخ. كانت عيناها مثبتتين على الجثة، ويداها ترتجفان بشدة حتى اهتزت الصينية وسقطت إحدى المناشف على الأرض، تمتص ببطء دماء فوسكر الذي بدأ يتدفق من الجرح.أغلق كايد الباب خلفه بهدوء، صوت القفل يصدر نقرة خفيفة في الصمت المطبق. دار حول الغرفة بعينين حادتين، يتفحص كل زاوية، ثم وقعت نظرته على السرير الكبير في وسط الغرفة.
كانت هناك فتاة، لا يتجاوز عمرها الثلاثة عشر عاماً، مستلقية عارية تماماً، جسدها النحيل يرتجف برداً وصدمة. كانت تنزف ببطء من بين ساقيها، دماء حمراء داكنة تتساقط على الملاءة البيضاء، واضحاً أن جسدها الطفولي لم يحتمل ما فعله به ذلك الوحش. على صدرها الصغير علامات عض واضحة، حمراء ومنتفخة، وحول حلماتها آثار أظافر وكدمات زرقاء، كأنها رسمت لوحة من العذاب على بشرتها البريئة.وقف كايد لحظة، يحدق فيها دون أن يتحرك، صدره يعلو ويهبط ببطء. ثم التفت إلى الخادمة التي كانت لا تزال واقفة كالتمثال، وجهها أصفر كالورق، عيناها تتجنبان النظر إليه مباشرة. سألها بصوت منخفض، بارد كالحديد: «هل كنتِ تعلمين أن هذه الفتاة في هذا السن؟»هزت الخادمة رأسها بسرعة، صوتها مرتجف: «لا... لا، سيدي، أقسمت ما كنت أعلم. جاؤوا بها البارحة فقط، وقالوا إنها... إنها أكبر مما تبدو. أقسمت لك، لم أكن أعرف!»كانت تكذب. كان واضحاً من نظراتها المتجنبة، من يديها المرتعشتين التي تحملان الصينية كأنها درع، ومن الطريقة التي كانت على وشك الدخول بها إلى الغرفة لتقديم المناشف. كانت تعرف. ربما لم تكن تشارك، لكنها كانت تعرف، وكانت ستدخل لتخدمهم كأن شيئاً لم يكن.أقسمت مرة أخرى، صوتها يعلو قليلاً في محاولة يائسة للإقناع: «أرجوك، صدقني... أنا مجرد خادمة، لا أسأل، لا أتدخل... أقسمت ما كنت أعلم!»لم يصدقها كايد. رفع المسدس بهدوء، وأطلق طلقة واحدة مكتومة أخرى. أصابت الخادمة في صدرها مباشرة، فسقطت إلى الوراء دون صوت، الصينية تتحطم على الأرض، والمناشف تتناثر حولها،
تمتص دماءها.التفت كايد إلى الفتاة على السرير. كانت لا تزال مستلقية، تنظر إلى جثة فوسكر بنظرة فارغة تماماً، عيناها مفتوحتان على وسعهما لكن لا حياة فيهما، كأنها دمية مكسورة. كانت هذه النظرة تذكره بمايا في أول لقاء بها، لكن أسوأ، أعمق، كأن الروح قد غادرت الجسد وتركت القشرة فقط.تقدم كايد نحوها ببطء، يرفع يديه مفتوحتين ليظهر أنه لا يحمل سلاحاً: «لا تخافي... لن أؤذيكِ. سأنقذكِ من هنا، سأخرجكِ من هذا المكان اللعين.»لكن الفتاة، في حركة غريبة ومفاجئة، قامت من السرير بصعوبة، جسدها يرتجف، واندفعت نحو جثة فوسكر. احتضنت الجثة بذراعيها الصغيرتين، تضمها إلى صدرها العاري، وبدأت تبكي بهدوء، دموعها تسيل على وجه الرجل الميت.لم يفهم كايد. وقف مذهولاً، يحدق فيها: «ماذا تفعلين؟ هذا الرجل... هو الذي عذبكِ، هو الذي فعل بكِ كل هذا! لا تبكي عليه، لا تحزني على وحش مثل هذا!»لم ترد الفتاة، ظلت تحتضن الجثة، تبكي بصمت، وجهها خالٍ من أي تعبير، كأن البكاء يخرج من مكان عميق لا يصل إليه العقل.صرخت عليها كايد، صوته يعلو لأول مرة: «دعيه! هو السبب في ألمكِ، في دمكِ هذا كله! لا يستحق دمعة واحدة منكِ!»لكن الفتاة لم تتركه. همست بصوت ضعيف، مكسور، وهي لا تزال تضم الجثة: «لقد أعطاني الشوكولاتة...»عندها فهم كايد. كان متلازمة ستوكهولم، لكن أعمق، أكثر تشوهاً. كان الرجل يعاملها كطفلة أحياناً،
يعطيها حلوى ليخفف من وحشيته، فيربط عقلها الضعيف بين الألم والمكافأة، بين العذاب والحنان المزيف. بدأت الفتاة تقبل الجثة على خدها، ثم على شفتيه، كأنها تحاول إحياءه، كأنها تؤدي طقساً تعلمته في هذا الجحيم.نظرت إليه فجأة، صدرها العاري يعلو ويهبط بسرعة، وقالت بصوت طفولي مشوش: «لطالما أحب الجميع صدري... كلما كبر أكثر، كلما أعطوني مكافآت أكثر...»ثم نظرت إلى مسدسه، وبدأت تقترب منه ببطء، تحرك جسدها بطريقة مغوية غير طبيعية لطفلة في سنها، كأنها تكرر ما تعلمته لتنجو في ذلك العالم القاسي.كانت مشوشة تماماً، عقلها محطم، جسدها مستغل، روحها مفقودة.أمسك كايد مسدسه بيد مرتجفة قليلاً، وجهه إلى صدرها، مباشرة فوق قلبها. همس بصوت خافت: «ارتاحي الآن... لن يؤذيكِ أحد بعد اليوم.»وأطلق الطلقة.