عقارب الساعة كانت تشير إلى الثالثة فجرًا حين عبر كايد عتبة المنزل، جسده مثقل ببرودة الليل وبرائحة البارود التي لم تفلح الرياح في محوها عن ثيابه. أغلق الباب خلفه بهدوء مبالغ فيه، كأنه يخشى أن يوقظ أشباحًا لا يراها أحد غيره. كان الصمت داخل الشقة يضغط على أذنيه، بينما كانت صور اللحظات الأخيرة في تلك الفيلا المنعزلة تتدفق إلى ذهنه كشريط سينمائي محترق الحواف.
شعر بغثيان مرير يرتفع من جوفه، لم يكن غثيانًا جسديًا ناتجًا عن رؤية الدماء، فقد اعتادت عيناه على اللون الأحمر حتى صار جزءًا من بصره، بل كان غثيانًا روحيًا، تقززًا من ذلك العالم الذي يقتل الطفولة قبل أن يقتل الأجساد. صورة الفتاة التي احتضنت جثّة معذبها من أجل "قطعة شوكولاتة" كانت تنخر في وعيه. تلك الابتسامة المشوهة والكلمات الملوثة بالعبودية كانت أقسى من الرصاصة التي أطلقها ليريحها.
تجرّد من معطفه الأسود وألقاه بإهمال، ثم اتجه نحو سريره دون أن يضيء الأنوار، فالعتمة كانت تشبه ما بداخله تمامًا. استلقى على ظهره، يداه خلف رأسه، وعيناه مسمرتان على سقف الغرفة الذي ترتسم عليه ظلال باهتة. لم يكن يبحث عن النوم، بل كان يهرب من التفكير، لكنه فشل. انكمشت ملامحه وهو يهمس لنفسه بصوت مبحوح يكاد لا يُسمع: "هل كان ذلك ما ستؤول إليه حال مايا؟ هل كان الزمن كفيلًا بأن يحوّل تلك الصغيرة التي أنقذتها إلى حطام بشري يبحث عن الأمان في أحضان قاتليه؟".
كانت الفكرة تنهش استقراره؛ أن يرى براءة مايا وهي تتآكل حتى تصبح مجرد أداة لإرضاء نزوات المليارديرات، أن تنسى اسمها وكرامتها مقابل عطف زائف. أحس بضيق في صدره وكأن جدران الغرفة تتقارب لتخنقه. غرق في لُجّة من التساؤلات الوجودية حول جدوى ما يفعله، وهل القتل حقًا يطهر الأرض أم أنه يضيف سوادًا إلى سوادها؟
قطع حبل أفكاره المضطرب شعور مفاجئ بالدفء، وحركة طفيفة خلف ظهره. أحس بذراعين صغيرتين تلتفان حول خصره، ورأس صغير يختبئ بين لوحي كتفه. تجمّد كايد في مكانه للحظة، استرخى توتر عضلاته تدريجيًا حين أدرك أنها مايا.
استدار ببطء على جنبه ليواجهها، كانت ملامحها الصغيرة تظهر بوضوح تحت ضوء القمر الخافت المتسلل من النافذة. كانت عيناها واسعتين، تلمعان ببريق من القلق والحاجة الماسة للأمان. سألها بصوت هادئ، محاولًا إخفاء الاضطراب الذي كان يعصف بصدره منذ لحظات: "أكنتِ مستيقظة يا مايا؟".
صمتت قليلاً، وكأنها تزن كلمات الصدق في عقلها، ثم همست بصوت رقيق مشوب بالارتجاف: "نعم.. لم أستطع النوم وحدي. الغرفة هناك واسعة جدًا، والظلام فيها يشبه الصمت الذي يسبق العواصف التي كنت أسمعها في القبو.. شعرت أن الجدران تراقبني".
ساد صمت قصير بينهما، لم يقطعه سوى صوت أنفاسهما المنتظمة. فركت مايا طرف غطاء السرير بأصابعها المرتجفة، ثم رفعت عينيها لتلتقي بعيني كايد وقالت بتردد: "هل يمكنني.. هل يمكنني النوم معكِ هنا الليلة فقط؟ لا أريد أن أكون وحدي حين تأتي الكوابيس".
نظر إليها كايد بعمق. رأى في عينيها كل الانكسارات التي حاول جبر سبلها في تلك الليلة الدامية. رأى فيها الفتاة التي فقدت كل شيء ولم يتبقَّ لها سوى يد قاتلٍ محترف لتتمسك بها. تلاشى الغثيان الذي كان يشعر به، وحلّ مكانه شعور غريب بالمسؤولية، شعور لم يعهده من قبل تجاه أي كائن حي.
مد يده ببطء شديد، وكأنه يخشى أن تنكسر إذا لمسها، ووضع كفه على رأسها. بدأ يربت على شعرها بحركات هادئة ومنتظمة، ونظرة عينيه التي كانت منذ قليل تفيض بالقتل، استقرت الآن على هدوءٍ غريب، هدوءٍ يشبه السكينة التي تأتي بعد إعصار مدمر.
قال لها بنبرة دافئة، خالية من أي حدة: "بالطبع يمكنكِ ذلك.. نامي يا مايا، لن يقترب منكِ شيء طالما أنا هنا".
تسللت خيوط الشمس الأولى عبر شقوق الستائر، لترسم خطوطاً ذهبية باهتة على أرضية الغرفة. فتحت مايا عينيها ببطء، وشعرت لأول مرة منذ زمن بعيد بدفء لم تألفه، لكن سرعان ما انقبض صدرها حين تحسست الفراش بجانبها ووجدته خالياً. جلست في مكانها، وشعرها مبعثر وعيناها غارقتان في أثر النوم، تلتفت يمنة ويسرى في أرجاء الغرفة الصامتة، قبل أن تصل إلى مسامعها أصوات هادئة قادمة من المطبخ؛ طقطقة الزيت المغلي في المقلاة، ورائحة البيض المقلي التي بدأت تنتشر في أرجاء الشقة المتواضعة.
انزلقت من السرير بخفة، وسارت حافية القدمين فوق البلاط البارد، متجهة نحو مصدر الصوت. وقفت عند حافة الباب، نصف مخبوءة خلف الإطار الخشبي، تراقب ظهر كايد وهو يتحرك بخفة واتزان أمام الموقد. كان يبدو مختلفاً في ضوء الصباح، بعيداً عن رداء القاتل وغموض الليل. تنحنحت بخجل ثم قالت بصوت رقيق: "صباح الخير".
لم يلتفت كايد فوراً، بل أكمل تقليب الطعام بهدوء، ثم وضع المقلاة جانباً والتفت إليها بنظرة لم تخلُ من السكينة وقال: "صباح الخير يا مايا. لقد استيقظتِ في موعدكِ تماماً، الفطور أوشك على الانتهاء".
بقيت مايا في مكانها، متمسكة بحافة الباب، وعيناها تلاحقان حركاته وتفاصيل الغرفة بتركيز غريب. بدا كأن هناك سؤالاً يثقل كاهلها، سؤالاً يمنعها من التقدم أكثر. وبعد صمت قصير، سألت بصوت خفيض يحمل نبرة اعتذار مكتومة: "هل.. هل أزعجتكَ البارحة؟ أقصد وجودي في سريركَ.. هل ضايقكَ ذلك؟".
توقف كايد عن الحركة تماماً، وبدا عليه الاستغراب من سؤالها المفاجئ. وضع الأطباق فوق الطاولة، ثم نظر إليها مباشرة، وبدت ملامحه أكثر ليونة وهو يرد عليها بصدق: "لا على الإطلاق، بل على العكس تماماً. لقد كنتُ في حالة ذهنية سيئة بالأمس، ووجودكِ كان أحد الأسباب التي جعلتني أتمكن من إغماض عينيّ والنوم بسلام. لذا، لا تشغلي بالكِ بمثل هذه الظنون، لم يكن هناك أي إزعاج".
شعرت مايا بنوع من الراحة يسري في جسدها، وكأن ثقلاً قد انزاح عن عاتقها. أومأت برأسها علامة على الفهم، ثم اقتربت وجلست إلى الطاولة. تناولا إفطارهما في صمت لا يخلو من الألفة، صمت كان كافياً لترميم بعض ما تحطم في نفسيهما.
ما إن انتهيا من تناول الطعام، حتى اخترق هدوء الشقة طرقات متتالية على الباب؛ كانت طرقات واثقة ومألوفة. توجه كايد نحو الباب بحذر غريزي، وما إن فتحه حتى وجد أكسل يقف هناك بابتسامته العريضة المعتادة، ممسكاً بيده حقيبة صغيرة. دخل أكسل الشقة وكأنه صاحب المكان، وبدأ يتحدث بتلقائية وهو ينفض ذرات الغبار عن ثيابه: "يا لك من رجل محظوظ يا كايد! رائحة الطعام هنا أفضل بكثير من تلك الرائحة النتنة في شقتي. هل تركت لي شيئاً أم أنك أكلت كل شيء مع رفيقتك الصغيرة؟".
رد كايد بجدية وصرامة المعتادة وهو يغلق الباب: "لقد انتهينا للتو. أخبرني يا أكسل، ما الذي أتى بك في هذا الوقت المبكر؟ ظننت أن لدينا الكثير من العمل لتعقبه بخصوص جاكسون وتلك العصابة".
جلس أكسل على أحد المقاعد، واضعاً الحقيبة فوق الطاولة، ورد بنبرة تجمع بين المزاح والجد: "العمل لن يهرب يا صديقي، والتوتر الدائم سيجعل رأسك ينفجر قبل أن تنفجر القنابل. جئت لأرى مايا، أردت أن أستمتع بصحبتها قليلاً ونكسر هذا الجو الكئيب الذي تفرضه أنت على المكان".
التفت أكسل نحو مايا التي كانت تراقبهما بصمت، وفتح حقيبته ليخرج منها مجموعة من ألعاب الطاولة الملونة وقطع النرد. لمعت عيناه وهو يناديها بصوت مرح: "تعالي يا مايا! لقد أحضرتُ بعض الألعاب التي ستجعلكِ تهزمين هذا الرجل العبوس. ما رأيكِ؟ هل نلعب جولة ونرى من هو الأذكى في هذه الغرفة؟".
جلس الثلاثة حول الطاولة الخشبية المتواضعة، بينما نشر أكسل رقعة لعبة "المونوبولي" القديمة، شارحاً القواعد بتبسيط مفرط وحماس لا يهدأ، وكأنه يلقي خطاباً عسكرياً. كانت مايا تستمع بتركيز حاد، وعيناها تنتقلان بين بطاقات الملكية وقطع النرد بذكاء هادئ، بينما جلس كايد على مضض، واضعاً يده تحت ذقنه بنظرة توحي بأنه يراقب الموقف أكثر مما يشارك فيه. بدأت الجولات الأولى بحذر، لكن سرعان ما بدأت مايا في السيطرة على مجريات اللعب؛ كانت تشتري الأراضي الاستراتيجية ببرود عجيب، وتدير "أموالها" الورقية بدقة لم يتوقعها أكسل.
كلما ألقى أكسل النرد، وجد نفسه يقع في فخاخ مايا، ليدفع لها "إيجارات" أفرغت خزينته تماماً. كان كايد يراقب بذهول صامت كيف أن هذه الطفلة، التي كانت منذ ساعات تعاني من الكوابيس، تدير اللعبة بذكاء فطري يبدو وكأنه غريزة بقاء تحولت إلى استراتيجية. لم يكن الأمر مجرد حظ، بل كانت تختار التوقيت المناسب للمخاطرة، مما جعل أكسل يضرب الطاولة بيده تارة، ويمسح عرق جبهته تارة أخرى، وهو يرى إمبراطوريته الورقية تنهار أمام طفلة لم تتجاوز العاشرة.
ارتسمت على شفتي مايا ابتسامة خافتة جداً، وهي تشاهد أكسل يتلوى في مقعده بعدما أفلست تماماً في الجولة الرابعة على التوالي. تنفس أكسل الصعداء، ورمى بالنرد بعيداً وهو يضحك بيأس قائلاً: "هذا مستحيل! يا فتاة، هل أنتِ متأكدة أنكِ لم تلعبي هذه اللعبة من قبل في حياة سابقة؟ لقد سحقتِ كبريائي تماماً. كايد، انظر إليها! إنها لا ترحم. فالنغير إلى شيء آخر، لنلعب أي شيء لا يتضمن خسارة أموالي الافتراضية، وإلا فإن ثقتي بنفسي وبذكائي كرجل ناضج سوف تُدمر للأبد أمام هذه الصغيرة".
بعد وقت قصير من الضحك المكتوم والمحاولات الفاشلة لاستعادة الهيبة، شعرت مايا بالاكتفاء من الألعاب، فاتجهت نحو التلفاز الصغير في زاوية الغرفة لتشاهد بعض الرسوم المتحركة، باحثة عن عالم من الألوان ينسيها رمادية الواقع. بقي كايد وأكسل جالسين على الأريكة، وبمجرد أن انخرطت مايا في المشاهدة، تلاشى المزاح من وجه أكسل تماماً، وحل مكانه الجمود الذي يسبق العواصف.
اتكأ أكسل إلى الخلف وهمس بصوت لا يصل إلا لمسامع كايد: "لقد تم تأكيد كل شيء يا صديقي. المهمة القادمة أصبحت جاهزة على الطاولة".
قطب كايد حاجبيه ونظر إلى أكسل بعينين تملؤهما الريبة والدهشة: "بهذه السرعة؟ لم يمر يوم واحد على مقتل فوسكر. الجزيرة الآن أشبه بخلية نحل هائجة، الشرطة تحيط بكل حي، والحراس الشخصيون للمليارديرات قد حولوا الفيلات إلى ثكنات عسكرية لا تخترقها الرصاصة. هل أنت جاد في اقتحام هذا الجحيم الآن؟".
أمال أكسل رأسه وأجاب بصوت واثق مشوب بالحذر: "هذا هو المنطق الذي يتوقعونه، وهذا تحديداً هو السبب الذي يجعل الآن الوقت الوحيد المناسب للهجوم. إنهم يشعرون بالخطر، لكنهم يحاولون إثبات قوتهم وتماسكهم أمام بعضهم البعض. يحضرون لعشاء فخم بعد غد، سيكون تجمعاً كبيراً في القلعة العلوية. المليارديرات الثمانية وحلفاؤهم سيجتمعون تحت سقف واحد ليحتفلوا بنجاحاتهم الملوثة بالدماء رغم كل ما حدث".
صمت أكسل قليلاً ثم أضاف، وعيناه تلمعان بجدية حادة: "إذا لم نسرع ونضرب ضربتنا الآن، فسوف يغادرون الجزيرة فور انتهاء العشاء. بمجرد أن يصعدوا إلى طائراتهم الخاصة ويختفوا في عواصم العالم، سيصبح الوصول إليهم مستحيلاً لسنوات. إنها فرصتنا الأخيرة لنقطع رؤوس الأفاعي وهي مجتمعة في جحر واحد، قبل أن يتبددوا كالدخان في الهواء".
نظر كايد نحو مايا التي كانت تضحك ببراءة أمام التلفاز، ثم أعاد نظره إلى أكسل، وشعر بثقل المسؤولية يزداد، مدركاً أن الهدوء الذي عاشوه في هذا الصباح كان مجرد استراحة قصيرة قبل الانغماس في أكثر المهام دموية وتعقيداً في حياته.
في زاوية مظلمة من مكتبه الذي تفوح منه رائحة الورق القديم والتبغ، كان المحقق جاكسون فيندل يجلس بهدوء مخيف، جسده الضخم مسترخٍ على مقعده الجلدي وعيناه مثبتتان على لوحة المعلومات التي تغطي الجدار. دخل أحد الضباط الشبان بخطوات مضطربة، يحمل في يده تقريراً عاجلاً، وقال بنبرة يملؤها القلق: "سيدي المحقق، لقد وردتنا التأكيدات النهائية.. المليارديرات الثمانية سيقيمون مأدبة عشاء فاخرة في القاعة الكبرى بعد يومين. الحشود العسكرية والأمنية بدأت بالانتشار، لكن.. ألن نفعل شيئاً؟ أليس من الخطر تركهم جميعاً في مكان واحد بينما القاتل لا يزال طليقاً؟".
لم يحرك جاكسون ساكناً، بل ظل يحدق في الفراغ وكأنه يرى خيوطاً لا يراها غيره، ثم نطق بصوت رخيم وهادئ: "سأفعل ما يجب فعله حين يقرر هو الهجوم. هذا العشاء يا بني ليس مجرد احتفال، إنه طعم.. إنه مثل العسل المسكوب الذي يجذب الدببة الجائعة من أعماق الغابة. المغتالون لا يستطيعون مقاومة مشهد كهذا، والقاتل الذي نتعقبه ذكي بما يكفي ليعرف أنها فرصته الأخيرة، وأنا ذكي بما يكفي لأنتظره هناك".
بعد مرور يومين، كانت القاعة الكبرى في "جزيرة الجنة" قد تحولت إلى تجسيد حي للبذخ المفرط. جدران مذهبة، ونجفات من الكريستال تعكس أضواء الشموع، وطاولة عملاقة امتدت في المنتصف تحمل وليمة تفوق الوصف؛ أطباق من كل ما تشتهيه الأنفس، من ثمار البحر النادرة إلى أرقى أنواع اللحوم. جلس المليارديرات في مقاعدهم المخملية، تزدان صدورهم بالمجوهرات، بينما كان الحرس المدججون بالسلاح يقفون كالتماثيل عند المداخل، والموسيقيون يعزفون ألحاناً كلاسيكية هادئة تضفي جواً من الزيف على المشهد. وفي الزوايا البعيدة، كانت "البضائع البشرية" من الفتيات والفتيان يقفون بأعين منكسرة، ينتظرون انتهاء الوليمة لتبدأ مراسم إفساد أجسادهم مرة أخرى.
تعالت ضحكات خافتة بين رنين الكؤوس، وفتح أحدهم ملف مقتل "فوسكر" قائلاً بنبرة ساخرة: "لقد كان موته صدمة، لكن علينا الاعتراف بأن هذا المحقق جاكسون يقوم بعمل عظيم، لقد جعلنا نشعر بالأمان وسط هذا الجنون". هنا، اعتدل ليو تشنغ في كرسيه المتحرك، وارتسمت على وجهه ابتامة باردة وهو يقول: "أعرف جاكسون منذ زمن بعيد.. إنه ليس مجرد شرطي، إنه صياد محترف. هو الأفضل في هذه الجزيرة، وإذا كان هناك من يستطيع وضع حد لهذا الشبح الذي يطاردنا، فهو بلا شك جاكسون".
على الجانب الآخر من الجزيرة، في الشقة الصامتة، كان كايد يبدأ طقوسه المعتادة ببرود تام. وضع مسدسه المكتوم على الطاولة، وبدأ بتفقد الذخيرة بقطع معدنية تخرج منها أصوات نقر منتظمة. ارتدى لباسه الأسود المخصص للمهام، وشدّ حزامه الذي يحوي خناجر وسكاكين مخفية. كان يظن أن مايا غارقة في نومها أو مشغولة بألعابها، لكنه حين استدار ليأخذ معطفه، وجدها تقف خلفه مباشرة عند عتبة الغرفة.
توقفت يد كايد في الهواء، ونظر إليها بصمت. سألته بصوت مرتعش وعينين واسعتين تملؤهما الريبة: "إلى أين أنت ذاهب؟". حاول كايد أن يرسم ابتسامة طمأنينة مصطنعة، وقال بنبرة هادئة: "لا تقلقي، إنه مجرد عمل.. يجب أن أخرج لإنهاء بعض الأمور وسأعود سريعاً".
لكن ما إن وقعت عينا مايا على الأسلحة المشحونة والسكاكين اللامعة المثبتة على خصره، حتى شحب وجهها تماماً. بدت وكأنها رأت شيطاناً من ماضيها، انكمش جسدها الصغير وتراجعت خطوة إلى الوراء، وكأن مشهد السلاح قد أيقظ في ذاكرتها صرخات قديمة أو ذكريات ليلة اختطافها. ارتجفت شفتها وهي تنظر إلى كتل المعدن الباردة، وشعر كايد بمدى الرعب الذي يسببه وجوده في هذه الهيئة لتلك الطفلة. اقترب منها ببطء، محاولاً تهدئتها دون أن يلمس أسلحته، وهمس بصوت صادق: "مايا.. انظري إليّ. هذا العمل هو ما يضمن ألا يقترب منكِ أحد مجدداً. سأعود إليكِ، أعدكِ بذلك. فقط ابقي هنا مع أكسل الذي ينتظر في الأسفل، ولن يحدث لكِ أي مكروه".
كان كايد قد وضع يده على مقبض الباب، مستعداً للمغادرة والانغماس في ليل الجزيرة الموحش، إلا أن جذبة خفيفة ومترددة لثوبه من الخلف جعلته يتصلب في مكانه. التفت ببطء ليجد مايا تقف هناك، أصابعها الصغيرة متشبثة بطرف معطفه الأسود بقوة تنم عن تصميم لم يعهده فيها من قبل. نظرت إليه بعينين لا أثر فيهما للنعاس، وقالت بنبرة قاطعة: "أريد الذهاب معك.. لا تتركني هنا".
ارتسمت علامات الذهول على وجه كايد، وقطب حاجبيه محاولاً استيعاب طلبها المنافي للمنطق، ورد بصوت خفيض وحازم: "مايا، هذا ليس مكاناً للأطفال. أنا ذاهب إلى قلب الخطر، إلى مكان تسيل فيه الدماء وتتطاير فيه الرصاصات. ابقي هنا، هذا أكثر أماناً لكِ".
لكن مايا لم ترخِ قبضتها، بل زادت من تشبثها وهي ترفع رأسها لتواجهه بنظرة مليئة بالمرارة والوعي. قالت بصوت مشحون بالعاطفة: "أنت ذاهب للقضاء على الأشرار، أليس كذلك؟ أولئك الذين يشبهون الرجل الذي كان في القارب.. أولئك الذين يحولوننا إلى مجرد أشياء". صمتت لبرهة، وابتلعت غصة مريرة قبل أن تكمل: "لقد كنتُ خائفة جداً في تلك الليلة، كنتُ مغطاة بالرعب وظننتُ يقيناً أنها النهاية، وأن أحداً لن يسمع صراخي الصامت.. إلا أن ظهرتَ أنت وأنقذتني".
توقفت للحظة، وبدا وكأن ذكريات القبو المظلم تمر أمام عينيها كشريط مؤلم، ثم تابعت: "لكنني فكرت في الأمر.. هناك آخرون يا كايد. هناك أطفال وأشخاص غير محظوظين مثلي، ما زالوا يرتجفون في الزوايا المظلمة، ينتظرون يداً تمتد إليهم ولم تأتِ بعد. لقد أنقذتني أنا، لكن من سينقذ الذين بقوا هناك؟ أريد الذهاب معك لأنقذ من لم يتم إنقاذهم بعد".
حاول كايد كبح جماح انفعالاته، ورد بنبرة حاول أن يجعلها عقلانية: "الأمر ليس بهذه البساطة يا صغيرة. أنا سأتكفل بهم، سأقضي على من يحتجزهم وسأخرجهم. لا أحتاج لمساعدتكِ في مكان قد تفقدين فيه حياتكِ في لحظة".
لم تتراجع مايا، بل تقدمت خطوة للأمام وقالت بإصرار هزّ كيانه: "أنت لا تعرف المكان كما أعرفه أنا. أنت محارب، لكنك لا تعرف السراديب الضيقة التي يخبئوننا فيها، ولا تعرف الأماكن التي نوضع فيها بانتظار إخراجنا لبيعهنا كالبضائع. أنا أعرف تلك الزوايا، أعرف رائحة الخوف في ذلك المكان، وأعرف كيف نختبئ وأين نُحتجز. أريد إنقاذ من كانوا معي هناك، من تقاسمتُ معهم الصمت والبكاء.. أرجوك، دعني أذهب".
ساد صمت ثقيل في الغرفة، لم يقطعه سوى طنين خافت في رأس كايد. نظر إلى هذه الطفلة التي نضجت قبل الأوان بفعل الألم، وأدرك أن روحها لن تهدأ إلا إذا واجهت ذلك الجحيم مرة أخرى لتطهر جراحها. تنهد بعمق، وهو يشعر بمزيج من القلق والإعجاب بهذا الإصرار الانتحاري. كان يعلم أن خروجها معه هو جنون محض بمقاييس العقل، لكنه أدرك أيضاً أنها لن تستسلم، وأن إبقاءها وهي بهذا الحال قد يكون أخطر عليها من أخذها تحت جناحه.
تحرك كايد نحو خزانته المعدنية، وأخرج مسدساً صغيراً أسود اللون، صُمم خصيصاً ليكون خفيف الوزن وسهل الاستخدام، مع آلية أمان مبسطة وتدفق ارتدادي ضعيف. انحنى لمستواها، ومد يده بالمسدس نحوها بحذر شديد، وقال بنبرة غلبت عليها الجدية المطلقة: "خذي هذا.. لكن استمعي إليّ جيداً يا مايا؛ هذا ليس لعبة، ولن تلمسي الزناد إلا إذا شعرتِ بخطر محدق يهدد حياتكِ ولا يوجد مفر غيره. هل تفهمين ما أقوله؟".
أخذت مايا المسدس بيدين مرتجفتين في البداية، لكن قبضتها سرعان ما استقرت عليه وكأنه قطعة مكملة لإرادتها. نظرت إلى السلاح ببرود غريب، ثم رفعت عينيها إلى كايد وقالت بكلمة واحدة اختصرت كل شيء: "حسناً".
ساعدها كايد في ارتداء ملابس داكنة تساعدها على التواري في الظلال، وأحكم ربط سترتها. ثم وقف، وتفقد أسلحته للمرة الأخيرة قبل أن يفتح الباب. خرجا معاً من الشقة، يخطوان نحو المجهول، بينما كان الليل في الخارج يزداد سواداً، وكأن الجزيرة بأكملها تحبس أنفاسها استعداداً للمجزرة القادمة.
فتح كايد باب الشاحنة الجانبي بقوة واندفع إلى الداخل، متبعاً بخطوات مايا الصغيرة التي تسلقت المقعد بجانبه بهدوء مريب. تجمدت يدا أكسل فوق المقود، واتسعت عيناه تحت نظاراته وهو ينظر من خلال المرآة الخلفية بذهول لا يوصف. صرخ بصوت مخنوق: "كايد! هل فقدت عقلك تماماً؟ ما الذي تفعله هذه الطفلة هنا؟ نحن ذاهبون إلى وكر للذئاب، وليس في نزهة عائلية بائس! هل تنوي حقاً إقحامها في هذه المجزرة؟".
لم يلتفت كايد إليه، بل انشغل بتفقد مخازن الرصاص بآلية باردة، ورد بصوت أجوف: "انطلق يا أكسل، ليس لدينا وقت للجدال العققيم. لقد اتخذتُ قراري، وهي لن تغادر هذه الشاحنة بمجرد وصولنا. ستبقى هنا تحت حمايتك وبداخل هذا الحصن المعدني حتى أتمم المهمة وأعود. وجودها هنا ضرورة لسلامتها ولأسباب أخرى ستعرفها لاحقاً، فلا تضع وقتنا في الأسئلة التي لا تملك ترف إجاباتها الآن".
تمتم أكسل بكلمات غير مفهومة وهو يدير المحرك بعنف، لتنطلق الشاحنة عبر الطرقات الملتوية المؤدية إلى القلعة العلوية. ساد صمت ثقيل داخل المقصورة، لم يقطعه سوى أنين المحرك وصوت المطر الخفيف الذي بدأ ينقر الزجاج. كانت مايا تحتضن المسدس الصغير بين يديها وتنظر إلى أضواء الجزيرة البعيدة بنظرة خاوية، بينما كان كايد يغرق في سكونه الخاص، مستجمعاً كل ذرة من بروده القاتل.
عندما توقفت الشاحنة في منطقة مظلمة ومستترة بالأشجار الكثيفة على بُعد مئات الأمتار من مقر العشاء، التفت كايد نحو مايا وأمسك بكتفها ضاغطاً برفق: "ستبقين هنا، لا تفتحي الباب لأي سبب كان، وأنت يا أكسل، عينك على الكاميرات والأنظمة، إذا حدث أي خطأ، أريد إشارة فورية". أومأت مايا بصمت، بينما فتح أكسل حاسوبه المحمول وبدأت أصابعه تتطاير فوق لوحة المفاتيح ببراعة فائقة.
همس أكسل وهو يراقب الشاشة: "الآن.. أنظمة الإنذار في القطاع الغربي تعطلت، والكاميرات في الممر الجانبي تعرض تسجيلاً مكرراً لمدة عشر دقائق. اذهب الآن، فالثغرة لن تبقى مفتوحة للأبد". ترجل كايد من الشاحنة كظلام ينسل من ظلام، متسللاً بين الشجيرات حتى وصل إلى السور الخلفي حيث كان أحد الحراس يقف بملل يدخن سيجارته. بلمح البصر، انقض عليه كايد من الخلف، غرس نصلاً دقيقاً في قاعدة جمجمته ليمنعه حتى من الصراخ، وسحب الجثة إلى الظلال.
دقائق معدودة، وكان كايد قد ارتدى زي الحارس الرسمي، وعدّل وضعيته ليحاكي مشيتهم العسكرية. دخل من البوابة الجانبية بخطوات واثقة، ممرراً هويته المزيفة فوق الماسح الضوئي الذي استجاب باللون الأخضر بفضل تلاعب أكسل بالبيانات. بمجرد دخوله، صدمته كمية البذخ الفاحش؛ السجاد القرمزي الذي يمتص صوت الأقدام، الثريات التي تكاد تسقط من ثقل الكريستال، والضحكات المتعالية للمليارديرات التي كانت تصل إلى مسامعه من القاعة الكبرى.
كان كل مشهد ترف يراه يذكره بتلك الفتاة المسكينة التي قتلت نفسها روحياً قبل أن يقتلها هو، يذكره بآلام مايا وبكل "البضائع" القابعة في القبو.
شعر بغضب يغلي في عروقه كالحمم، لكنه حافظ على قناع الجمود فوق وجهه. تسلل عبر الممرات الخدمية حتى وصل إلى منطقة المطبخ العملاق، حيث كانت الحركة محمومة والطهات يركضون لإعداد اللمسات الأخيرة للوليمة.
انتحى كايد جانباً خلف أحد الرفوف المعدنية الضخمة، وانتظر لحظة خروج أحد المساعدين لإحضار مؤن إضافية. انقض عليه في الممر المظلم، وبذات البرود القاتل، أنهى حياته وجره بعيداً. نزع عنه سترة الطهاة البيضاء وارتداها، واضعاً قبعة الطبخ فوق رأسه لإخفاء ملامحه. دخل المطبخ بهدوء مريب، منخرطاً وسط الزحام كأنه جزء من المكان. اقترب من القدور الضخمة التي كانت تفوح منها روائح التوابل الباهظة، وفي لحظة انشغال الجميع، أخرج زجاجة صغيرة من جيبه، وسكب سائلاً عديم اللون والرائحة في الطعام المخصص للطاولة الرئيسية. كان السم يسري في المرق الذهبي ببطء، تماماً كما كان الغضب يسري في قلب كايد، بانتظار اللحظة التي سيبدأ فيها هؤلاء الحثالات بدفع الثمن.
بينما كان المليارديرات في القاعة الكبرى يرتشفون النبيذ الفاخر بتبجُّد، ويتبادلون الضحكات حول كيفية سحقهم للأبرياء لتحقيق مطامعهم في "النميسيس"، كانت الأجواء في المطبخ قد بلغت ذروة توترها الخفي. وقف كايد في زاوية الغرفة، متدثراً بزي الطهاة الأبيض، يراقب بعينين صقريتين انطلاق الأطباق الفضية نحو المائدة الرئيسية.
حمل النادلون أطباق "الشوربة" التي كانت تفوح منها رائحة التوابل العطرية التي امتزجت بالسم عديم اللون والرائحة الذي وضعه كايد. سُكبت السوائل الذهبية في أطباق المليارديرات الثمانية، ورفع ليو تشنغ ملعقته الفضية برقيّ زائف، متمتماً بكلمات عن "النصر القادم"، بينما تحفزت عضلات كايد وهو ينتظر تلك اللحظة؛ اللحظة التي سيسقط فيها هؤلاء الجبابرة صرعى بجرعة واحدة.
لكن، في تلك اللحظة الحرجة، شعر أحد كبار الطهاة بريبة تجاه هذا "المساعد" الذي يقف متجمداً يراقب القاعة بحدة لا تشبه تراخي العمال. اقترب الطباخ من كايد، وضيق عينيه متفحصاً ملامحه الغريبة عن طاقمه، ثم سأل بنبرة خشنة: "مهلاً.. من أنت؟ لقد راقبت الجميع منذ الصباح، وأنت لست أحد الطهاة المسجلين في كشفي!".
تلاقت أعينهم لثانية واحدة، أدرك فيها كايد أن التستر قد انتهى. صرخ الطباخ بأعلى صوته، صرخة هزت أركان المطبخ ووصلت أصداؤها إلى القاعة الكبرى: "دخيل! هناك دخيل في المطبخ!".
انفجع الجميع؛ تجمدت الملاعق في الهواء قبل أن تلامس الشفاه، وسادت حالة من الفوضى العارمة. انتفض الحراس الشخصيون من أماكنهم كالبرق، وأحاطوا بالمليارديرات في سياج بشري مدجج بالسلاح. صرخ رئيس الحرس محذراً: "توقفوا عن الأكل فوراً! هناك من تنكر في هيئة طباخ، الطعام قد يكون مسموماً!".
وبالفعل، لم يلمس أي من المليارديرات قطرة واحدة من السم. انقبض قلب كايد غضباً، فقد ضاعت فرصته الذهبية في تصفيتهم بهدوء. لم يعد هناك مجال للتخفي؛ نزع قبعة الطبخ وألقى بسترته البيضاء ليكشف عن لباسه الأسود وأسلحته التي استلّها في لمح البصر. اندفع الحراس المسلحون نحوه بوابل من الرصاص، لكن كايد تحرك بخفة لا بشرية، متفادياً الطلقات ببراعة ومنقضاً عليهم كالشبح؛ قتل الحراس الثلاثة الأوائل بطلقات دقيقة في الرأس وسدد طعنات قاتلة للبقية، محولاً المطبخ إلى ساحة إعدام في ثوانٍ معدودة.
اندفع كايد من المطبخ نحو القاعة الكبرى، مصمماً على إنهاء حياة المليارديرات بيده ما دام السم قد فشل. كانت عيناه مثبتتين على ليو تشنغ وسيليا هارت، لكن قبل أن يصل إليهم، انطلقت خيوط خضراء متوهجة من العدم، التفت حول معصمه وسلاحه بقوة هائلة.
توقف كايد مذهولاً وهو يرى سلاحه يُقطع إلى أشلاء بواسطة تلك الخيوط الغريبة. ومن خلف ليو تشنغ، ظهر الشاب ذو الشعر الأحمر، كاكيوين، وبجانبه كائن أخضر ميكانيكي يفيض بقوة روحية مرعبة. كان كاكيوين ينظر إلى كايد ببرود، بينما كان "هيروفانت جرين" يتأهب لإطلاق هجومه.
توقف كايد، أنفاسه متلاحقة، وعقله يحاول استيعاب ما يراه. لم يكن يؤمن بالخوارق، لكن هذا الكيان الأخضر والخيوط التي تتحرك بإرادة مستقلة كانت خارج حدود المنطق. لم يضيع وقتاً في التساؤل؛ فالحياة علمته أن الفعل أسرع من الفهم. استل سلاحه الآخر، وبدلاً من توجيهه نحو كاكيوين، صوبه نحو النجفة الكريستالية العملاقة (الثريا) التي تتدلى فوق المائدة الرئيسية.
أطلق رصاصتين متتاليتين، أصابت السلاسل الحاملة للثريا بدقة متناهية. سقطت الثريا الضخمة بوزنها الهائل وصوت تحطم الكريستال المروع فوق المائدة، مسببة دماراً شاملاً وتصاعداً كثيفاً للغبار والشظايا، مما أدى إلى حجب الرؤية تماماً عن كاكيوين وحرسه.
استغل كايد هذه الثواني من الفوضى العارمة، وركض بأقصى سرعته نحو النافذة الزجاجية الكبيرة المطلة على الحديقة الأمامية. قفز بكل قوته، محطماً الزجاج بجسده في مشهد انتحاري، ليسقط في الهواء الطلق باتجاه العشب في الأسفل، هارباً من جحيم القاعة ومن ذلك الخصم الغامض الذي لم يسبق له مثيل.
ارتطم جسد كايد بالأرض العشبية المبللة بوقع ثقيل، وتدحرج عدة مرات قبل أن يستعيد توازنه وسط شظايا الزجاج المتناثرة التي لمعت كالألماس تحت أضواء الكشافات. لم يكد يلتقط أنفاسه حتى انشقت عتمة الحديقة عن سيل من الحراس الذين تدفقوا من كل جانب، كانت صرخاتهم تتداخل مع أجهزة اللاسلكي التي لم تتوقف عن النداء بـ "تصفية الدخيل".
لم يجد كايد وقتاً للتفكير في الخصم الغامض الذي واجهه بالداخل؛ فقد استحال جسده إلى آلة قتل غريزية. اندفع نحو الكتلة الأولى من الحراس، متفادياً رصاصاتهم بحركات بهلوانية قريبة من الأرض، وردّ بوابل من النيران الدقيقة التي لم تخطئ أهدافها. كانت المواجهة شرسة ودموية؛ تعرض كايد لإصابات متفرقة، شظية رصاصة خدشت كتفه، وجرح غائر في فخذه الأيسر نزف بغزارة، لكن الأدرينالين كان يتدفق في عروقه كالسم، مانعاً الألم من شل حركته. استخدم خناجره في القتال القريب ببراعة جراح حاقد، يشق الحناجر ويمزق الشرايين، حتى تهاوت الجثث حوله كأوراق الشجر الخريفية، ليخرج من وسط تلك المذبحة منتصراً، وإن كان مثقلاً بجراحه.
ركض كايد باتجاه نقطة اللقاء، يجر ساقه المصابة بعزيمة فولاذية، حتى لاحت له ظلال الشاحنة الرابضة في الظلام. كانت مايا قد فقدت صبرها وتحملها خلف الزجاج، فاندفعت خارج الباب الجانبي بمجرد رؤيته يقترب، لكنها تسمرت في مكانها حين رأته مغطى بالدماء من رأسه حتى أخمص قدميه، وملامحه متصلبة من أثر المعركة. صرخ بها كايد بصوت مبحوح يملؤه الاستعجال: "هيا يا مايا! اركبي بسرعة! لنذهب من هنا قبل أن يطبقوا الحصار!".
ارتقى كايد مقعد الركاب وهو يلهث، وبينما كان أكسل يهمُّ بتبديل ناقل الحركة للانطلاق، مزق هدوء الليل دوي رصاصة ثقيلة من بندقية قنص بعيدة. اهتزت الشاحنة بعنف، وسمعوا صوت تمزق المطاط وارتطام المعدن بالأرض؛ لقد أصابت الرصاصة العجلة الأمامية بدقة قاتلة، جاعلة من الشاحنة الضخمة كتلة حديدية غير قابلة للحركة.
ساد صمت مميت لثانية واحدة، قطعته أنفاسهم المتسارعة. نظر أكسل إلى شاشة المراقبة ورأى أضواء سيارات الحراس تقترب بسرعة من الخلف، ثم التفت إلى كايد بنظرة تفيض بالتضحية واليقين، وقال بصوت حازم: "انتهى الأمر بالنسبة للشاحنة يا كايد، سأكون هدفاً سهلاً هنا. خذ مايا واهربا فوراً عبر الغابة الكثيفة خلفنا، سأبقى أنا وأحاول تشغيل المحرك والقيادة بالعجلات الممزقة لأجذبهم خلفي.. سأجعلهم يظنون أنكما لا تزالان معي في الداخل".
تردد كايد للحظة، وعيناه تلتقيان بعيني صديقه الذي شاركه الموت لسنوات، لكنه أدرك أن بقاءه يعني مقتل مايا يقيناً. أمسك بكتف أكسل وضغط عليه بقوة وقال: "شكراً لك يا أكسل.. ابقَ حياً، لا تتركهم ينالون منك". أومأ أكسل برأسه وهو يبتسم ابتسامة شاحبة، بينما سحب كايد مايا من يدها وقفز بها من الجهة الأخرى للشاحنة.
انطلق أكسل بالشاحنة التي كانت تصدر صريراً معدنياً مرعباً وهي تكشط الأرض، ليلفت انظار الملاحقين، وبالفعل انطلقت وراءه مجموعة من السيارات بسرعة جنونية وهي تطلق النار. في تلك الأثناء، انسل كايد ومايا داخل الأدغال المظلمة، يبتلعهما السواد وهما يتحركان كخيالين هاربين في الظلال، بعيداً
عن أضواء القلعة الملعونة.