أطبقت عتمة الليل الدامي على أزقة جزيرة الجنة، محيلةً معالمها المترفة إلى متاهة من الظلال المتداخلة التي ابتلعت كايد ومايا في جوفها. كان الركض فوق الأرصفة المبللة بطل الندى المتساقط كوقع طبولٍ مكتومة، يتناغم مع خفقات قلبيهما المتسارعة. التف كلاهما بعباءات سوداء صقلت خصيصاً لامتصاص الضوء، فبدوا كأشباحٍ عابرة لا تدركها العيون، يتوارون خلف حاويات النفايات الضخمة كلما اخترق شعاعٌ خاطف من كشافات سيارات الشرطة جدار الظلام. كانت صفارات الإنذار تعوي في الأفق البعيد، تنذر بأن الجزيرة قد استيقظت على وقع الفوضى،

لكن كايد بحدسه المدرب كان يختار المسالك المهجورة، تلك التي لا تطأها أقدام السياح ولا عجلات الدوريات، حتى وصلا أخيراً إلى عمارة متهالكة في أطراف الحي الشعبي.

بمجرد أن أُوصد باب الشقة خلفهما، انهار كايد فوق الأرضية الخشبية الباردة، تاركاً جسده لجاذبية التعب التي لم يعد يقوى على مقاومتها. كان تنفسه حشرجةً مسموعة، وعرقه يتصبب بارداً ليمتزج بغبار الشوارع الذي علق بملابسه. في تلك اللحظة، لم يكن يفكر في جراحه أو في فشل الخطة السامة، بل كان عقله ساحةً للصراع بين دعوات الأمل وقسوة الواقع؛ يدعو في سره ألا يكون أحدٌ من المارة قد لمح طيفهما، وألا تكون كاميرات المراقبة الحرارية قد التقطت أثرهما. لكن الغصة الأكبر في حلقه كانت "أكسل"؛ الصديق الذي اختار أن يكون الطعم في فك المفترس. سقطت مايا فوق حضنه، مرتميةً كعصفورٍ كسرت العاصفة جناحيه، كانت تلهث بعنف، وصدرها الصغير يعلو ويهبط في حركةٍ هستيرية، بينما تشبثت يداها المرتجفتان بقميصه وكأنها تخشى أن يبتلعها الفراغ إذا ما أفلتته. لم تنطق بكلمة، فصمتها كان أبلغ تعبيرٍ عن رعبٍ تجاوز قدرة طفلة في عمرها على الاستيعاب.

على الجانب الآخر من المدينة، كانت شوارع الجزيرة السريعة تشهد فصلاً من الجحيم. كان أكسل يقبض على عجلة قيادة الشاحنة بكلتا يديه حتى ابيضت مفاصله، وعيناه مسمرتان على مرآة الرؤية الخلفية التي امتلأت بأضواء الوميض الأحمر والأزرق. خلفه، كانت خمس سيارات دفع رباعي تابعة للشرطة تطارده كقطيع ذئابٍ جائعة، تطلق صرخات محركاتها في سكون الليل. دوى صوت ارتطامٍ معدني عنيف حين صدمت مقدمة إحدى السيارات مؤخرة الشاحنة محاولةً إخراجها عن مسارها، فترنحت الشاحنة بعنف، لكن أكسل استطاع بمهارةٍ يائسة كبح جماحها، وضغط على دواسة الوقود حتى كاد المحرك ينفجر.

قال أكسل بصوتٍ مبحوح وهو يحدث نفسه وسط ضجيج الرياح والمحركات: لستُ سوى تقني حواسيب، يا إلهي، كيف انتهى بي المطاف في سباق الموت هذا؟ صمد يا أكسل، صمد لثوانٍ أخرى فقط، امنحهما الوقت الكافي للابتعاد.

انطلقت رصاصات الشرطة لتخترق الزجاج الخلفي للشاحنة، متطايرةً كشظايا من الكريستال القاتل. انحنى أكسل برأسه، محاولاً تفادي الموت الذي يصفر فوق أذنيه، ثم قام بمناورةٍ انتحارية، حيث انحرف بالشاحنة فجأة نحو منعطفٍ حاد يؤدي إلى جسرٍ قيد الإنشاء. كانت الإطارات تصرخ وهي تحتك بالأسفلت، مخلفةً وراءها سحباً من الدخان والرائحة النفاذة للمطاط المحترق. اقتربت إحدى سيارات الشرطة بمحاذاته، وحاول الضابط بداخلها إطلاق النار على الإطارات الأمامية. في تلك اللحظة، اتخذ أكسل قراره؛ صدم جانح السيارة بكل قوته، مما أدى لارتطامها بالحاجز الإسمنتي، لكن هذا الاصطدام كلفه توازن شاحنته.

فقدت الشاحنة تلامسها مع الأرض لثوانٍ معدودة، وبدأ أكسل يشعر بالثقل يتلاشى. انقلبت الشاحنة الضخمة في الهواء مرة، مرتين، ثم ارتطمت بالأرض بقوةٍ زلزالية جعلت المعدن يلتوي كأنه ورقٌ هش. كان صوت تهشم الزجاج وتحطم الهيكل هو آخر ما سمعه أكسل قبل أن يطبق عليه السكون. استقرت الشاحنة على سقفها، وعجلاتها لا تزال تدور في الفراغ ببطء، بينما كان الدخان يتصاعد من المحرك المهشم. في الداخل، كان أكسل يتدلى من مقعده بفضل حزام الأمان، والدماء تسيل من جبهته لتغطي وجهه، وعيناه غائبتان عن الوعي، محاطاً بحطامٍ لا يرحم وسكونٍ مفاجئ لم يقطعه إلا اقتراب أحذية رجال الشرطة الثقيلة من موقع الحطام.

انقشع ضباب الغيبوبة عن عيني أكسل دفعة واحدة، فاستحال السواد الذي كان يغرق فيه إلى بقع ضوئية شاحبة تتراقص أمام بصره المجهد. حاول تحريك أطرافه، فاصطدم بواقع القيود الصلبة التي كانت تنهش رسغيه وكاحليه؛ لقد كان مكبلاً بإحكام إلى كرسي خشبي صلب في وسط غرفة قاحلة تفوح منها رائحة العطن والرطوبة الخانقة. كان جسده عبارة عن خارطة من الألم المستعر؛ فكل شهيق يطلبه كان يوقد ناراً في أضلاعه التي كُدمت جراء انقلاب الشاحنة، والجرح الغائر في جبهته لا يزال ينبض بحرارة، مرسلاً خيوطاً من الدم الدافئ لتسيل فوق حاجبه وتغشي رؤيته في عينه اليسرى. أدرك أكسل في تلك اللحظة، بمرارةٍ لم يذقها من قبل، أن اللعبة قد انتهت، وأن جدران السجن قد أطبقت عليه أخيراً.

دوى صرير الباب الحديدي الثقيل ليقطع سكون المكان، ليدخل من خلاله المحقق جاكسون فيندل بخطوات رتيبة وهادئة تثير الرعب في النفوس، يتبعه شرطيان جهمان وقفا عند الزاوية بملامح تخلو من أي أثر للرحمة. وقف جاكسون أمام أكسل، واضعاً يديه في جيبي معطفه، وظل يحدق فيه بصمت طويل وكأنه يقرأ كتاباً مفتوحاً، قبل أن يكسر الصمت بصوته الرخيم الهادئ قائلاً: استمع إليّ يا أكسل، سأكون صريحاً معك إلى أقصى حد، فالوقت يمر ونحن لسنا في حاجة إلى إهدار المزيد منه في هذه الغرفة الموحشة. أريدك أن تخبرني بكل هدوء عن مكان اختباء ذلك المغتال، وعن الفتاة التي برفقته، والأهم من ذلك، من هي الجهة التي جندتكم وأرسلتكم إلى هذه الجزيرة لتعيثوا فيها فساداً؟

رفع أكسل رأسه بجهد جهيد، ورغم الضعف والوهن الذي كان يكتسح كيانه،

إلا أن شرارة التمرد لم تخمد في عينيه. رسم على شفتيه الداميتين ابتسامة ساخرة، ونظر إلى جاكسون بنظرة استهزاء قائلاً: يا لك من رجل لطيف وودود حقاً! هل تظن حقاً أنني سأبيع صديقي وأسلمه لك على طبق من ذهب بمجرد أن طلبت ذلك بأدب؟ يبدو أنك لا تزال لا تدرك مع من تتعامل.

وفي حركة مفاجئة وسريعة، جمع أكسل ما تبقى في فمه من لعاب ممزوج بالدم وبصق في وجه جاكسون. ساد صمت مطبق في الغرفة، وتجمد الشرطيان في مكانيهما بانتظار الانفجار. مسح جاكسون البصقة عن وجهه ببطء شديد مستخدماً منديلاً أبيض ناصعاً، ولم يتغير تعبير وجهه، بل زاد بروداً مخيفاً. قال جاكسون بصوت هامس: حسناً، يبدو أن أسلوب المحقق اللطيف لم يؤتِ ثماره معك، ولم تقدر قيمة الحوار المتمدن الذي عرضته عليك. فلنجرب إذاً تقنية أخرى تتناسب مع لغتك التي تفهمها.

وقبل أن ينهي جملته، اندفعت قبضة جاكسون بقوة هائلة لتستقر فوق فك أكسل. كان وقع اللكمة مدوياً، فترنح رأس أكسل بعنف وسال الدم بغزارة من فمه، محولاً صمته إلى أنين مكتوم. تنفس جاكسون بعمق وهو ينظر إلى يده، ثم قال بنبرة تخلو من المشاعر: أنت قوي أيها اللعين، تحملت صدمة لم يكن لغيرك أن يصمد أمامها. لتعلم أنني أقضي ساعات طوال في الصالات الرياضية لأحافظ على لياقتي، لكنني في الحقيقة لا أحبذ أبداً تلطيخ يدي بدماء الآخرين، فالعنف وسيلة بدائية لا ألجأ إليها إلا حين تغلق كل الأبواب.

انحنى جاكسون ليتناول عصاً خشبية غليظة كانت موضوعة جانباً، وأخذ يمررها بين يديه باحترافية بينما يقترب من أكسل مرة أخرى. ارتجفت حدقتا أكسل وهو يرى الأداة التي ستكون مصدر عذابه القادم، وصاح بصوت مرتجف: مهلاً.. انتظر لحظة! ألا تدرك ما تفعله؟ إن التعذيب جريمة يعاقب عليها القانون الدولي، وأنت رجل شرطة يفترض بك حمايته. أتظن حقاً أنك ستنجو بفعلتك هذه؟ ستتم محاسبتك عاجلاً أم آجلاً!

انفجر جاكسون بضحكة ساخرة ترددت أصداؤها في الغرفة كالرعد، ثم انحنى نحو أذن أكسل وقال بهمس مرعب: قوانين دولية؟ عن أي قوانين تتحدث في مكان كهذا؟ هذه الجزيرة يا أكسل لا تحكمها مواثيق الأمم، بل تحكمها قوانين المليارديرات الذين تخدمهم، والذين منحوني صكاً مفتوحاً لأفعل بك وبأمثالك ما أشاء لضمان أمنهم. أنت هنا نكرة، لا وجود لك في أي سجلات رسمية، ولا أحد سيسأل عنك إذا اختفيت خلف هذه الجدران.

ومع نهاية كلماته، هوى جاكسون بالعصا بكل قوته فوق يد أكسل المربوطة. انطلق صراخ أكسل ليمزق سكون الليل، صراخ نابع من أعماق ألم لا يطاق. تنفس جاكسون بصعوبة وهو يرى أكسل يرتجف، ثم تابع تهديده بنبرة أكثر قسوة: نحن نعرف عنك كل شيء يا أكسل، لا تظن أننا نتخبط في الظلام. نعرف تفاصيل حياتك، ونعرف أين تقطن عائلتك، ونعرف الأشخاص الذين تحبهم وتقدرهم. حياتهم جميعاً أصبحت بين يدي الآن، وسأقوم بتدمير عالمك بالكامل، حجراً فوق حجر، إذا لم تفتح فمك الآن وتخبرني بمكان المغتال.

شحن أكسل رئتيه بالهواء رغم الألم، ورفع صوته بشجاعة انتحارية قائلاً: تباً لك ولأسيادك! افعل ما بدا لك، لكنني أعلم يقيناً أن المغتال لن يتركني. سوف يأتي إليك كالظل، وسيقتلك في عقر دارك وينقذني من بين مخالبك. أنا أثق به أكثر مما أثق بهواء رئتيّ، فهو لا يترك أصدقاءه خلفه.

هز جاكسون رأسه بأسى مصطنع، وعلت وجهه ابتسامة باردة وهو يتراجع خطوة إلى الخلف قائلاً: سنرى يا أكسل، سنرى إذا كان هذا المغتال الذي تتغنى ببطولته صديقاً حقيقياً يضحي بحياته من أجلك، أم أنه مجرد شبح آخر سيتخلى عنك في أول مفترق طرق لينجو بجلده. الوقت كفيل بكشف الحقائق، ونحن لدينا كل الوقت في العالم.

تسللت خيوط شمس الصباح الباهتة عبر شقوق الستائر في الشقة الموحشة، لتلقي بظلالٍ طولية على وجه كايد الذي لم يذق طعم النوم طوال الليل. كان يجلس قبالة النافذة، يراقب بصمتٍ مطبق تحركات الشارع في الأسفل، بينما كان هاتفه المحمول موضوعاً أمامه على الطاولة الخشبية كقنبلة موقوتة يخشى لمسها. راودته رغبة جامحة في الاتصال بأكسل، ليسمع صوته أو حتى ليتأكد من أنه لا يزال يتنفس، لكن غريزة البقاء المهنية كانت تصرخ في عقله محذرة؛ فالمكالمة في هذا التوقيت ليست مجرد مخاطرة، بل هي خيط حريري قد يقود المحقق جاكسون وفريقه إلى عتبة هذا المنزل في دقائق معدودة إذا ما وقع أكسل في قبضة العدالة.

أغمض كايد عينيه بقوة، محاولاً طرد هواجس الفشل من رأسه، وهمس لنفسه بصوتٍ غير مسموع: "أكسل ليس هاوياً، إنه يعرف كيف يختفي كالدخان حين تشتد الأزمة. لا بد أنه الآن يقبع في أحد المخابئ التي أعددناها مسبقاً، ينتظر سكون العاصفة كما أفعل أنا. من المستحيل أن يسمح لأولئك الأوغاد بتدنيس حريته." كان كايد يحاول إقناع نفسه بيقينٍ يفتقده، متشبثاً بصداقتهما كمرساة أخيرة في بحر الشكوك الذي يحيط به.

قطع حبل أفكاره صوت حفيف خفيف؛ كانت مايا قد استيقظت وجلست على طاولة المطبخ الصغيرة، تتناول ما تبقى من خبز وعلبة مربى في صمتٍ يشوبه الانكسار. كانت نظراتها شاردة، وكأنها لا تزال عالقة في دهاليز القصر الذي اقتحموه بالأمس. اقترب كايد منها، وجلس في الجهة المقابلة، ثم قال بنبرة هادئة جادة: "مايا، استمعي إليّ جيداً. نحن نحتاج إلى العثور على البقية، أولئك الأطفال الذين وصفتِهم بالبضائع البشرية. عندما كنا نقترب من القصر بالأمس، هل استطعتِ تمييز مكان احتجازهم؟ هل لمحتِ أي مبنى جانبي أو قبوٍ كانت تفوح منه رائحة الخوف التي تعرفينها؟"

توقفت مايا عن الأكل، ووضعت ملعقتها ببطء، ثم أخذت تدلك جبينها بأصابعها الصغيرة وهي تحاول استحضار الصور المشوشة من ذاكرتها المتعبة. قالت بصوتٍ خفيض: "أتذكر أسوار القصر العالية، وأتذكر الزينة البراقة التي كانت تغطي كل شيء، لكن المكان الذي وضعونا فيه كان مظلماً وخالياً من النوافذ. لا أستطيع تحديد موقعه على الخارطة الآن يا كايد، لكنني واثقة من أمر واحد؛ إذا وقفتُ هناك مجدداً، إذا شممتُ رائحة الرطوبة والمطهرات التي يضعونها لنا، سيعرف جسدي الطريق. ذاكرتي ليست في رأسي فقط، بل في هذا الرعب الذي يسري في عروقي كلما اقتربتُ من ذلك الجحيم."

ساد الصمت للحظات، قبل أن ترفع مايا عينيها نحو كايد، وكانت فيهما نظرة غريبة، مزيج من الإصرار والقسوة المبكرة التي لا تليق بطفولة. قالت فجأة: "كايد، أريدك أن تعلمني شيئاً واحداً.. أريد أن أعرف كيف أستخدم ذلك السلاح الذي تحمله. لا أريد أن أكون عبئاً عليك بعد الآن، ولا أريد أن أقف متفرجة بينما يقتلنا الآخرون."

تصلبت ملامح كايد، ونظر إليها بحدة ممزوجة بالذهول، ورد برفضٍ قاطع جفف الهواء في الغرفة: "لا، هذا غير وارد على الإطلاق. أنتِ طفلة يا مايا، ومكاني بالنسبة لكِ هو أن أحميكِ، لا أن أحولكِ إلى آلة قتل. السلاح ليس لعبة، إنه يغير النفس من الداخل قبل أن يقتل العدو، ولن أسمح لكِ بولوج هذا الطريق المظلم ما دام فيّ عرق ينبض."

لم تتراجع مايا، بل تقدمت بجسدها الصغير نحو الطاولة وقالت بحرارة: "لقد قتلوا طفولتي منذ زمن بعيد، فبأي حق تتحدث عن حمايتها الآن؟ أولئك الرجال الذين رأيتهم في القصر لن يسألونني عن عمري قبل أن يطلقوا النار عليّ. إذا وقعتُ في قبضتهم مجدداً، سأقتل نفسي قبل أن يلمسوني، أليس من الأفضل أن أقتلهم هم أولاً؟"

استمر الجدل بينهما طويلاً؛ كايد يحاول التمسك بما تبقى من مبادئه الأخلاقية، ومايا تضغط بجراحها وواقعها المرير. وفي النهاية، وتحت ضغط منطقها الانتحاري المرعب، شعر كايد بالهزيمة أمام إصرارها. أدرك أن وجودها في هذه الجزيرة دون وسيلة للدفاع عن النفس هو حكم بالإعدام. تنهد بعمق وقال: "حسناً، لكن استمعي إليّ.. سأعلمكِ فقط كيف تدافعين عن حياتكِ في اللحظات الأخيرة، ولن تستخدمي هذا السلاح إلا بأمري. هل هذا واضح؟"

أومأت مايا برأسها بجدية بالغة. قام كايد وحمل حقيبة صغيرة، وتسللا خارج الشقة بحذر شديد، متجنبين الشوارع الرئيسية حتى وصلا إلى منطقة صناعية مهجورة في أطراف الجزيرة، حيث تقبع مخازن قديمة صدئة لم تطأها قدم منذ سنوات. دخلوا إلى أحد تلك المخازن الواسعة حيث ارتد صدى خطواتهما على الجدران المعدنية. أخرج كايد مسدساً أسود صغيراً، ونزعت مخزن الرصاص منه للتأكد من أمانه، ثم وضعه في يد مايا الصغيرة التي بدت ضئيلة جداً مقارنة بجمود المعدن وبرودته.

قال كايد بصوتٍ أجش وهو يقف خلفها ليوجه وقفتها: "أمسكيه بكلتا يديكِ، لا تجعلي معصمكِ يرتخي. السلاح ليس مجرد ضغطة إصبع، إنه امتداد لإرادتكِ. انظري إلى الهدف البعيد، تخيلي أن كل خوفكِ وكل ألمكِ يتركز في تلك النقطة. لا تغمضي عينيكِ عند الإطلاق، بل احتضني الانفجار الذي سيحدث في يدكِ." بدأت مايا تتبع تعليماته بدقة مذهلة، وكانت ملامحها تتغير مع كل حركة، حيث بدأت البراءة تتلاشى من تقاسيم وجهها لتحل محلها برودة المغتال الصغير، بينما كان كايد يراقبها بقلبٍ مثقل بالذنب، مدركاً أنه في تلك اللحظة، قد فتح لها باباً لن يغلق أبداً.

كان الهواء داخل المخزن المهجور راكداً، مثقلاً برائحة الصدأ والغبار القديم الذي يرقص في خيوط الشمس المتسللة من الثقوب السقفية. وضع كايد زجاجة بلاستيكية فارغة فوق برميل معدني مهترئ على بعد أمتار قليلة، ثم التفت نحو مايا التي كانت تقف متصلبة، تحتضن المسدس بيديها الصغيرتين وكأنها تمسك بجمرة ملتهبة. لم تكن الرومانسية أو السهولة حاضرة في هذا المشهد؛ بل كانت الواقعية القاسية تفرض نفسها بوضوح. فالمسدس، رغم صغره، بدا في يد مايا ثقيلاً بشكل غير متناسب، وكان وزن المعدن يسحب معصميها النحيفين نحو الأسفل كلما حاولت رفعه.

قال كايد بنبرة جافة وخالية من العاطفة: لا تنظري إلى السلاح، بل انظري من خلاله. ذراعاكِ مرتجفتان يا مايا، إذا أطلقتِ النار بهذه الوضعية، فإن ارتداد السلاح سيؤذي رسغكِ قبل أن تصيب الرصاصة أي شيء. ثبتي قدميكِ جيداً في الأرض، اجعلي جسدكِ كتلة واحدة مع السلاح، لا تقاوميه بل استوعبي قوته.

رفعت مايا ذراعيها بجهد واضح، وكانت أنفاسها المتهدجة تظهر مدى التوتر الذي يسيلم على كيانها. حاولت ضغط الزناد كما تعلمت نظرياً، لكن أصبعها الصغير وجد صعوبة في التغلب على قساوة ميكانيكية الزناد في المرة الأولى. كانت ترتجف ليس خوفاً فحسب، بل نتيجة الإجهاد العضلي الذي بدأ يتسلل إلى كتفيها. قالت بصوت مخنوق: إنه ثقيل جداً.. أشعر وكأن يدي ستسقط.

رد كايد وهو يقترب منها، واضعاً يده خلف ظهرها ليعدل استقامتها: هذا هو الواقع يا مايا. القتل ليس سهلاً كما يظهر في القصص، والسلاح أداة تتطلب قوة جسدية وعقلاً بارداً. إذا شعرتِ بالتعب الآن، فكيف ستتصرفين والعدو يركض نحوكِ؟ أرخِ كتفيكِ قليلاً، لا تتشنجي، فالتشنج يسرق منكِ الدقة.

ضغطت مايا على أسنانها، وفي لحظة من الإصرار المحض، سحبت الزناد. دوى صوت الطلقة في أرجاء المخزن كصاعقة مفاجئة، مما جعل جسدها الصغير يرتد إلى الخلف بعنف، وكاد المسدس أن يفلت من قبضتها. لم تصب الرصاصة الزجاجة، بل ارتطمت بالأرض بعيداً عنها، مخلفة ثقباً صغيراً في الخرسانة المتربة. ساد صمت مطبق لثوانٍ، ولم يقطعه إلا رنين أذني مايا الذي سببته الضوضاء المباغتة.

نظر كايد إلى الهدف الذي لم يمسه سوء، ثم نظر إليها وقال: لقد أغمضتِ عينيكِ عند الانفجار. وهذا هو الخطأ الأول القاتل. اللحظة التي تغمضين فيها عينيكِ هي اللحظة التي تفقدين فيها السيطرة على مصيركِ. يجب أن تعتادي على الصوت، يجب أن تتقبلي أن هذا السلاح سيحاول القفز من يدكِ، ومهمتكِ هي إخضاعه.

مسحت مايا العرق عن جبهتها بظهر يدها المرتجفة، وقالت بحنق: الصوت.. إنه يصم الأذنين، والاهتزاز جعل ذراعي تشعر بكهرباء تسري فيها. هل يجب أن أفعل هذا مجدداً؟

أجابها كايد بصرامة وهو يعيد تذخير المسدس: ستفعلين هذا مئة مرة، وألف مرة، حتى يصبح المسدس جزءاً من جهازكِ العصبي. المرة القادمة، أريدكِ أن تتنفسي ببطء. أخرجي الزفير نصفه ثم احبسي البقية، وفي تلك اللحظة من السكون بين الشهيق والزفير، اضغطي الزناد بنعومة، لا تسحبيه بعنف، بل دعيه يفاجئكِ حين ينطلق.

أعادت مايا الكرة، ومرة بعد مرة، كانت الطلقات تضل طريقها، وكان الألم في ذراعيها يزداد حتى بدأت تشعر بخدر في أصابعها. سقطت منها إحدى الطلقات أثناء محاولتها الفاشلة لتلقيم السلاح، فانحنت لتلتقطها بيدين مرتعشتين. كانت الواقعية مؤلمة؛ فالحواف المعدنية للمسدس بدأت تترك علامات حمراء في كفها، والبارود المحترق ترك بقعاً سوداء ورائحة نفاذة علقت بجلدها.

قالت مايا وهي تلهث، وعيناها تملؤهما الدموع الناتجة عن الإحباط الجسدي: يدي تؤلمني يا كايد.. لا أظن أنني أستطيع القيام بذلك. ذراعاي تؤلمانني بشدة.

لم ينحنِ كايد أمام ضعفها، بل جثا على ركبتيه ليصبح بمستوى نظرها، وقال بصوت منخفض وعميق: الألم هو المعلم الوحيد الذي لا يكذب. في القصر، لم يكن هناك مكان للألم، كان هناك مكان للموت فقط. هل تذكرين الفتاة التي كانت مع فوسكر؟ تلك التي لم تكن تعرف كيف تدافع عن نفسها؟ الألم الذي تشعرين به الآن في ذراعكِ هو الثمن الذي تدفعينه لكي لا ينتهي بكِ المطاف مثلها. خذي نفساً عميقاً، وقفي مرة أخرى. لن نغادر هذا المكان حتى تصيبي ذلك الهدف، ولو استغرق الأمر حتى غياب الشمس.

استجمعت مايا شتات قوتها، ورفعت السلاح مرة أخرى، وهذه المرة كانت نظراتها أكثر حدة، وأقل طفولية. كان التدريب شاقاً، خالياً من أي بريق، مجرد تكرار ممل ومؤلم لعمليات جسدية معقدة، يراقبها رجل لا يعرف الرحمة في سبيل تعليمها البقاء، وسط صمت المنطقة المهجورة الذي لا يقطعه إلا دوي الرصاص المتكرر، وصوت تنفس طفلة تحاول أن تولد من جديد في عالم لا يعترف بالضعفاء.

بينما كان صدى طلقات مايا المرتجفة يتردد في أرجاء المخزن، غرق كايد في صمت مطبق، ولم تكن عيناه الحادتان تراقب تذبذب ذراعي الطفلة فحسب، بل كانت تخترقان جدار الزمن لتعودا به إلى عوالم ظن أنه أحرق جسورها منذ أمد بعيد. انبعثت من ذاكرته روائح لم ينسها قط؛ رائحة الملح المختلطة برطوبة الغابات الاستوائية، وعويل الرياح التي كانت تضرب جزيرة نائية في أرخبيل ميكرونيزيا، ضائعة وسط شساعة المحيط الهادئ. كانت تلك البقعة المنسية من الأرض، التي لا تتجاوز مساحتها كيلومترات معدودة، هي الرحم الذي وُلد فيه "كايد المغتال"، بعيداً عن أعين القوانين والمواثيق الدولية، تحت قبضة منظمة لا تترك أثراً، يقودها رجل ظل غامض يدعى "نوكوتا".

تراءت له صور قريته الصغيرة في ولاية راخين بميانمار، حيث كانت شمس التسعينيات الحارقة تلسع جلود عائلته الفقيرة من الروهينجا. تذكر كيف كان العالم يضيق عليهم، وكيف استحال لون النهر من الزرقة إلى كدرة الدماء والرماد. وفي عام 1997، حين كان في العاشرة من عمره، انفرط عقد حياته تماماً؛ قُتل والده في اضطرابات محلية، وفقدت والدته القدرة على حمايته وسط جحيم مخيمات النازحين. هناك، وسط الجوع واليأس، ظهر "الوسطاء" الذين يتاجرون بالأرواح، ليتم "الحصول" عليه كقطعة بضاعة، ونقله عبر طرق التهريب البحرية والبرية المعقدة، من تايلاند إلى ماليزيا ثم إندونيسيا، في رحلة دامت شهوراً من الذل، حتى انتهى به المطاف في تلك الجزيرة الميكرونيزية المعزولة.

تذكر كايد لقاءه الأول بنوكوتا؛ كان الرجل يبدو حينها هادئاً، بل ولطيفاً بشكل مريب، وهو يمسح على رؤوس الأطفال المذعورين الذين جُلبوا من كل أصقاع البؤس؛ من أفغانستان

وأوكرانيا، ومن العائلات المدمنة في جزر الهادئ. بدأ نوكوتا كأب حنون يَعِد بالخلاص، لكنه سرعان ما كشف عن وجهه الحقيقي خلال مرحلة "التربية الأولية" بين عامي 1997 و2002. كانت تلك السنوات مخصصة لكسر الروابط العاطفية، وتعليم الطاعة المطلقة عبر لياقة بدنية قاسية لا تعرف الهوادة. كان عليهم نسيان أسمائهم، وأمهاتهم، ولغاتهم الأصلية، ليتحولوا إلى أوعية فارغة يملؤها نوكوتا بما يشاء.

قال نوكوتا لكايد ذات مرة، وهو يراقبه يزحف تحت الأسلاك الشائكة في ليلة ممطرة: "الماضي هو القيد الذي يمنعك من الطيران يا بني. لكي تعيش، يجب أن تموت أولاً. من لا يملك شيئاً ليخسره، يملك العالم أجمع."

توالت الذكريات كشريط سينمائي مؤلم؛ مرحلة التدريب القتالي الأساسي بين عامي 2002 و2007، حيث تعلم فنون القتال اليدوي، واستخدام الأسلحة الخفيفة، والتسلل في صمت الغابة، والأهم من ذلك، تحمل الألم دون إطلاق صرخة واحدة. ثم انتقل إلى التدريب المتقدم بين عامي 2007 و2012، حيث صقلته المنظمة ليصبح خبيراً في المراقبة، وتصميم السموم، وتفخيخ الأماكن، والهروب من أشد الثغرات ضيقاً. كان نوكوتا يراقبه بفخر وهو يرى "الناجح النادر" يتبلور من بين مئات الأطفال الذين سقطوا صرعى أو فقدوا عقولهم خلال سنوات التصفية.

وبحلول عام 2012، وهو في الخامسة والعشرين من عمره، بدأ كايد مرحلة التشغيل الفعلي. لم يعد متدرباً، بل أصبح أداة قتل مستقلة تُرسل في مهمات تحت غطاء كامل. كان ينفذ الاغتيالات ببرود آلي، مدركاً أن المنظمة هي عالمه الوحيد، وأن نوكوتا هو الإله الذي يمنحه الحياة والموت. استمر هذا الوضع حتى عام 2016، حيث أضحى واحداً من "النخبة السوداء" للمنظمة، هؤلاء الذين وصلوا إلى قمة الهرم بعد عقدين من الجحيم.

استيقظ كايد من ذكرياته على صوت سقوط فارغ لطلقة رابعة من يد مايا. نظر إليها، ورأى في عينيها نفس الانكسار الذي كان يراه في مرآة الجزيرة قبل عشرين عاماً. أدرك بمرارة أن التاريخ يعيد نفسه، وأن الطفلة التي تقف أمامه الآن تُدفع نحو نفس الطريق المظلم الذي سلكه هو مجبراً.

قال كايد بصوت خافت، وكأنه يخاطب شبحه القديم في الجزيرة: "لا تنظري إليّ هكذا يا مايا. التدريب ليس من أجلي، ولا من أجل نوكوتا، ولا من أجل ليو تشنغ. إنه من أجل ألا تصبحي ذكريات في رأس شخص آخر. امسكي السلاح جيداً، وتذكري أن الرصاصة لا تملك قلباً، لذا يجب أن تملكي أنتِ العقل الذي يوجهها."

عادت مايا لرفع المسدس، بينما ظل كايد يراقبها بملامح جامدة، لكن بداخله كان يحترق بتساؤل مرير: هل هرب حقاً من تلك الجزيرة الميكرونيزية، أم أنه لا يزال سجيناً فيها، ينفذ أوامر نوكوتا بطرق أخرى، ويحول الأبرياء إلى نسخ مشوهة منه؟ لم تكن الإجابة موجودة في جعبة المغتال، بل كانت تكمن في صدى الطلقة القادمة التي استعدت مايا لإطلاقها.

مع مرور الساعات تحت سقف المخزن المعدني الذي استحال فرناً بفعل شمس الظهيرة، بدأت ملامح التغيير ترتسم على أداء مايا المتعب. لم يكن تحسناً سحرياً أو مفاجئاً، بل كان نتاج ترويضٍ شاق للعضلات والأعصاب. بدأ جسدها الصغير يتكيف مع ثقل المسدس؛ فلم يعد معصمها يرتخي عند الرفع، بل أصبحت ترفعه بحركة ميكانيكية رصينة، وكأن ذراعيها قد ألفتا أخيراً ملمس الفولاذ البارد. كانت أنفاسها، التي كانت تخرج مضطربة في البداية، قد استقرت في إيقاعٍ منتظم، يسبق كل ضغطة على الزناد سكونٌ تام، تماماً كما أمرها كايد.

وقف كايد على بعد خطوتين منها، يراقب بصمتٍ تقنيّ حركة أصابعها. لاحظ أنها توقفت عن مقاومة الارتداد بجسدها كله، وبدأت تمتص الصدمة بمرونة في مرفقيها، مما سمح لها باستعادة توازنها بسرعة أكبر لإطلاق الطلقة التالية. سحب كايد نفساً عميقاً وقال بصوت هادئ: "الآن، أنتِ لا تقاتلين السلاح يا مايا، بل تتقبلينه. انظري إلى الزجاجة مرة أخرى، لا تفكري فيها كهدف بعيد، بل تخيلي أنها نقطة النهاية لنظرتكِ. عندما تضغطين، افعلي ذلك ببطء، كأنكِ تعصرين قطرة ماء، لا تجذبي الزناد بعنف."

أومأت مايا برأسها، وقد غطى غبار البارود ملامح وجهها الطفولي، مما منحها مظهراً يوحي بوقارٍ قسريّ مؤلم. رفعت المسدس، وثبتت بصرها على الزجاجة البلاستيكية التي بدت صامدة فوق البرميل الصدئ. ساد سكونٌ مطبق في أرجاء المخزن، حتى خُيل لكايد أنه يسمع دقات قلبها المنتظمة. وفجأة، دوى صوت الطلقة، لكنه هذه المرة لم يتبعه ترنحٌ أو صرخة إحباط. طارت الزجاجة من فوق البرميل، واستقرت بعيداً بعد أن اخترقتها الرصاصة في منتصفها تماماً.

انزلت مايا يدها ببطء، ونظرت إلى الفراغ الذي تركته الزجاجة بدهشة مشوبة بالوجوم. لم تبتسم، ولم تقفز فرحاً، بل ظلت ملامحها جامدة، وكأنها تدرك في قرارة نفسها أن هذه الإصابة هي المسمار الأول في نعش براءتها. التفتت نحو كايد وقالت بنبرة خالية من المشاعر: "لقد أصبتها.. لقد شعرتُ بالرصاصة وهي تخرج، لم تعد يدي تؤلمني كما في المرة الأولى."

تقدم كايد نحوها، وأخذ المسدس من يدها بحذر ليقوم بتأمينه، ثم قال وهو يحدق في عينيها الحمراوين من أثر الغبار: "لقد بدأتِ تفهمين لغة المعدن. التحسن لا يعني أنكِ أصبحتِ بارعة، بل يعني أنكِ بدأتِ تسيطرين على خوفكِ الجسدي. الصوت الذي كان يصم أذنيكِ أصبح الآن مجرد إشارة للنجاح، والاهتزاز الذي كان يهز كيانكِ أصبح الآن رفيقاً ليدكِ. لكن تذكري دائماً، إصابة البلاستيك في مخزن مهجور أمر، ومواجهة رجل يريد قتلكِ في زقاق مظلم أمر آخر تماماً. هناك، لن يكون لديكِ وقت للتنفس بعمق، ولن ينتظركِ أحد لكي تصححي وقفتكِ."

ردت مايا وهي تمسح يدها الملوثة بالزيت في طرف ثوبها الواسع: "أعلم ذلك يا كايد. أعلم أن هذه الزجاجة ليست سوى تدريب على ما هو آتٍ. لكنني الآن، ولأول مرة منذ أن أخذوني من إسبانيا، أشعر أنني أملك شيئاً في يدي يمكنه أن يرد الصاع صاعين. لا أريد أن أكون ضحية تنتظر ذبحها، أريد أن أكون الصاعقة التي تصيبهم قبل أن يدركوا وجودي."

كان الحوار بينهما طويلاً، تخللته فترات من الصمت الثقيل، حيث كان كايد يشرح لها تفاصيل إعادة التلقيم السريع، وكيفية التعامل مع انحشار الرصاص، وهي تستمع بإنصاتٍ يفوق عمرها بكثير. كان التحسن طفيفاً في نظر خبير مثل كايد، لكنه كان قفزة هائلة لطفلة كانت قبل ساعات تخشى مجرد لمس الزناد. وبينما كانا يستعدان للمغادرة، نظر كايد إلى البرميل الفارغ، ثم إلى مايا التي بدت واقفة بشموخٍ جديد، وأدرك أن الوحش الذي بداخله بدأ يجد صدىً في هذه الصغيرة، وأن الرحلة التي بدأت بطلقة طائشة، قد تنتهي بحريقٍ يحرق الجزيرة ومن عليها.

قال كايد وهو يضع يده على كتفها: "كفى لهذا اليوم. جسدكِ يحتاج للراحة، وعقلكِ يحتاج لاستيعاب ما تعلمتِ. غداً سنعود، وسيكون الهدف أصغر، والمسافة أبعد. الطريق طويل يا مايا، وكلما تحسنتِ في القتل، كلما ابتعدتِ عن الحياة التي كنتِ تعرفينها. هل أنتِ مستعدة فعلاً لهذا الثمن؟"

نظرت إليه مايا بنظرة ثاقبة، وقالت بكلماتٍ قطعت الشك باليقين: "لم يعد لديّ ثمن لأدفعه يا كايد، لقد أخذوا كل شيء بالفعل. ما أفعله الآن ليس تضحية، بل هو محاولة لاستعادة ما تبقى مني، حتى لو كان ذلك يعني أنني سأحمل السلاح للأبد." خرج كلاهما من المخزن، تاركين وراءهما ركام الزجاجات المثقوبة وصدا صوت الرصاص، ليعودا إلى ظلال المدينة، حيث ينتظرهما مستقبلٌ لا يرحم الضعفاء ولا يغفر للناجين.

2026/01/05 · 11 مشاهدة · 4082 كلمة
نادي الروايات - 2026