كانت الرطوبة في تلك الغرفة السفلية لا تشبه رطوبة البحر المحيط بالجزيرة، بل كانت رطوبة الموت التي تتسلل من بين شقوق الجدران الخرسانية الباردة. في وسط تلك الظلمة التي لا يكسرها سوى ضوء مصباح شاحب يترنح في السقف، كان أكسل معلقاً من معصميه بسلاسل حديدية طويلة، في وضعية "السترابادو" التي جعلت كتفيه على وشك الانخلاع من مكانهما. لم تكن قدما المتسلل المخلص تلامسان الأرض، بل كان جسده يرتجف بتشنجات لا إرادية، إثر ثلاثة أيام من الجحيم المنظم الذي لم يعرف فيه طعم النوم أو السكينة.

وقف المحقق جاكسون فيندل أمامه، بهدوئه المرعب وبدلته التي لم تتجعد رغم ساعات التحقيق الطويلة. كان يمسك في يده كبلاً مطاطياً أسود، يقلبه بين أصابعه كأنه آلة موسيقية، ثم اقترب من أكسل حتى لفح نفسه الساخن وجه السجين الشاحب. قال جاكسون بصوت منخفض وعميق: أتعلم يا أكسل، الإنسان كائن بيولوجي هش، صُمم ليشعر بالألم حتى يحمي نفسه من الفناء، لكنك تعاند فطرتك. ثلاثة أيام وأنت تبتلع لسانك، ثلاثة أيام والكهرباء تعبث بجهازك العصبي، والكابلات تترك خرائط حمراء على جسدك. أخبرني، هل يستحق كايد كل هذا؟ هل يستحق الرجل الذي تركك خلفك لتواجه قدرك أن تعاني أنت لأجله؟

فتح أكسل عينيه المتورمتين بصعوبة، وكان الدم الجاف يغطي جفنيه، فبصق بقعة من الدم على حذاء جاكسون اللامع قبل أن يهمس بصوت مبحوح كأن حباله الصوتية قد احترقت: القيمة لا تُقاس بما يفعله الصديق حين يهرب، بل بما تفعله أنت حين تبقى. أنت تظن أن الألم هو عدوي، لكنه في الحقيقة رفيقي الوحيد هنا. هو يذكرني أنني ما زلت حياً، وما دمت حياً، فلن تحصل على كلمة واحدة.

ابتسم جاكسون ابتسامة خالية من أي مشاعر، ثم أشار للحراس. قُربت أجهزة الصعق الكهربائي، ووُضعت الأسلاك على الأجزاء الأكثر حساسية في جسد أكسل. انطلقت الشرارة، واهتز جسد أكسل بعنف، وصرخة مكتومة ضاعت خلف الغمامة التي وُضعت على فمه لمنعه من عض لسانه. كان الخنق المتكرر وسيلة جاكسون المفضلة لإيصال الضحية إلى حافة الموت ثم سحبها في اللحظة الأخيرة. غطس الحراس رأس أكسل في دلو من الماء المثلج لعدة دقائق، وعندما رفعوه، كان وجهه أزرق تماماً، يستنشق الهواء بشهقات متلاحقة تمزق صدره.

قال جاكسون وهو يسكب الماء البارد فوق جروح أكسل المفتوحة، مما جعل الألم يتضاعف بلسعات لا تُطاق: لقد استخدمنا معك "الفالكة المقلوبة"، وحرمناك من النوم حتى بدأت تهلوس بصور لم تحدث، وهددنا بكرامتك وبجسدك، ووضعناك أمام الإيهام بالإعدام لمرات لا تُحصى. في كل مرة كنت تظن أنها الطلقة الأخيرة، كنا نضغط على الزناد الفارغ لنرى الرعب في عينيك. لماذا تصر على البطولة في عالم لا يعترف بالأبطال؟ كايد الآن ينام في فراش دافئ، ربما يتناول عشاءه، بينما أنت هنا تتعفن. امنحني موقع الشقة، امنحني اسم الرجل الذي يديركما، وسأجعلك تخرج من هنا، بل سأعطيك حياة جديدة بهوية جديدة.

ضحك أكسل ضحكة تحولت إلى نوبة سعال حادة، ثم قال وهو يحدق في سقف الغرفة بعينين شبه غائبتين عن الوعي: جاكسون، أنت بارع في قراءة الأجساد، لكنك فاشل في قراءة الأرواح. كايد ليس مجرد "مغتال"، هو الناجي الوحيد الذي عرفتُه يملك قلباً في هذا العالم القذر. إذا كان قد هرب، فذلك لأنه يعلم أنني سأصمد. الثقة يا جاكسون هي السلاح الذي لا تملكه في ترسانتك. يمكنك أن تقطع أطرافي، يمكن أن تصعق قلبي حتى يتوقف، لكنك لن تستطيع انتزاع فكرة واحدة من عقلي إذا قررتُ إقفالها.

غضب جاكسون للمرة الأولى، فتناول أنبوباً معدنياً وضرب به قفص أكسل الصدري بقوة جعلت صوت تحطم الضلع مسموعاً في الغرفة الصامتة. تأوه أكسل بعمق، وسال خيط من الدم من زاوية فمه، لكنه ظل يبتسم تلك الابتسامة المستفزة. اقترب جاكسون من أذنه وهمس: غداً ستنتهي اللعبة. ليو تشنغ لا يملك الصبر الذي أملكه. إذا لم تتحدث بحلول الفجر، فلن نكتفي بتعذيبك، بل سنبحث عن عائلتك، سنبحث عن كل من له صلة بك في هذا العالم ونحرقهم أمام عينيك. سنتركك حياً لترى رمادهم.

لم يرد أكسل، بل أغمض عينيه وغرق في شبه غيبوبة ناتجة عن الإرهاق الشديد والألم المبرح. كان جسده قد تجاوز حدود التحمل البشري، لكن روحه كانت لا تزال هناك، محبوسة خلف قضبان من الوفاء الحديدي. وفي تلك اللحظات، كان يتذكر وجه كايد وهو يهرب، ولم يكن يشعر بالحنق، بل كان يشعر بالرضا لأنه نجح في منح صديقه ثلاث ليالٍ كاملة من الهدوء، ثلاث ليالٍ لم يعرف جاكسون فيها طريقاً للوصول إليهما.

ترك جاكسون الغرفة وهو يأمر الحراس بمواصلة الحرمان من النوم واستخدام "الوضعيات الإجبارية" طوال الليل، بحيث لا يهدأ جسد أكسل للحظة واحدة. أغلق الباب الحديدي الثقيل، تاركاً خلفه جسداً محطماً، لكنه لم يترك خلفه رجلاً مهزوماً. كانت المعركة في تلك الغرفة لا تُدار بالدماء فقط، بل بالصمود الذي جعل المحقق العبقري يشعر، ولأول مرة، بضآلة ذكائه أمام قوة الإرادة البشرية.

كانت الساعات تمر فوق رأس أكسل كأنها دهور من الجمر، ولم يعد جسده المعلق يشعر بوخز الكابلات أو لسعات الكهرباء بقدر ما كان يشعر بفراغ هائل يسكن أطرافه المتخدرة. في تلك الغرفة التي فقدت فيها الكلمات معناها، عاد الباب الحديدي ليئن من جديد، معلناً دخول جاكسون فيندل، لكن وقع خطواته هذه المرة كان مختلفاً، كان يحمل معه ثقلاً غريباً لم تعهده زنزانة الألم. لم يكن جاكسون وحده، بل كان يجر خلفه رجلاً عجوزاً، يرتعد هلعاً، محني الظهر، تغطي تجاعيد الزمان وجهه الذي كان يوماً مصدر السكينة الوحيد لأكسل.

توسعت عينا أكسل المتورمتان حتى كادتا تتمزقان، واهتز جسده المعلق بعنف لم تنجح في إخماده السلاسل الثقيلة. صرخ بصوت مزقه الوجع والذهول، صرخة خرجت من أعماق روحه قبل حنجرته: أبي! لا.. أيها السافل! لماذا أحضرته إلى هنا؟ خذوني بدلاً منه، افعلوا بي ما تشاؤون، لكن اتركه وشأنه! كان الرجل العجوز ينظر إلى ابنه المعلق كقطعة لحم مهترئة، فانهمرت دموعه بغزارة، واقترب بخطوات متعثرة رغم محاولات الحراس منعه، وهو يهمس بصوت مرتعش: يا بني.. يا أكسل.. ماذا فعلوا بك؟ لا تنظر إليّ هكذا، يا قرة عيني. اهدأ، أنا معك. لا تحزن لأجلي، فوالدك قد عاش عمره ولم يبقَ له ما يخسره، المهم هو أنت.. المهم هو سلامتك.

تراجع جاكسون إلى الخلف قليلاً، واضعاً يديه في جيوبه ببرود سادي، يراقب هذا التبادل العاطفي كأنه يشاهد تجربة مخبرية مشوقة. قال جاكسون بنبرة هادئة تثير الغثيان: أترى يا أكسل؟ هذا ما يفعله الحب، يجعل الأقوياء ينهارون عند أقدام الضعفاء. لقد نبشت في أرشيفك المهمل، أكسل الشاب العازب، الذي فقد أمه في سن مبكرة ولم يبقَ له في هذا الحطام سوى هذا الرجل المسن. حياتك كلها تتلخص في هذه الدائرة الصغيرة. إما أن تمنحني كايد، وإما أن تنهي تاريخ عائلتك بيدك. الخيار الآن لم يعد يتعلق بجلدك أنت، بل بعنق هذا العجوز الذي جاء ليواسيك في اللحظة التي ستقرر فيها ذبحه بصمتك.

استجمع أكسل ما تبقى من كبريائه، ورغم دموعه التي غسلت الدماء عن وجنتيه، نظر إلى جاكسون بنظرة استحقار واستهزاء،

وقال بصوت حاول جعله ثابتاً: أنت تحاول إخافتي بتمثيلياتك الرخيصة يا جاكسون. أنا أعرف نظامكم، وأعرف قوانينكم. أنت محقق، لست جزاراً عشوائياً. مهما بلغت دناءتك، فلن تتجرأ على إيذاء رجل عجوز لا علاقة له بالأمر. أنت تريد المعلومات، وقتله لن يمنحك شيئاً سوى جثة أخرى لن تفتح فمي. لن تفعلها.. مستحيل أن تفعلها أمام كل هذه العيون.

رفع جاكسون حاجبيه بذهول مصطنع، وخرجت منه ضحكة خافتة بدت كفحيح الأفعى، ثم قال بتمهل: "مستحيل"؟ يبدو أنك ما زلت تظن أننا نلعب في ساحة القضاء يا أكسل. أنت في "جزيرة الجنة"، حيث القوانين نكتبها بدم من يعترض طريقنا. سألتني إن كنتُ سأفعلها؟ حقاً تظن ذلك؟ ثم، وبحركة خاطفة لم تلمحها العين من فرط سرعتها، استل جاكسون نصلاً حاداً من غمد مخفي في كمه، وقبض على رأس الرجل العجوز من الخلف، وبحركة جراحية باردة، غرس السكين في منتصف رقبته وشقها من الوريد إلى الوريد.

توقف الزمن في تلك اللحظة. انطلق نافورة من الدم الحار لتصبغ وجه أكسل وقميصه الممزق، بينما كانت عينا والده لا تزالان مثبتتين عليه بذهول قبل أن تنطفئ فيهما لمعة الحياة. لم يتوقف جاكسون عند هذا الحد، بل أكمل فصل الرأس عن الجسد بضراوة لا توصف، حتى سقط الجسد الهامد أرضاً، وبقي الرأس في يد المحقق كأنه جائزة صيد. رمى جاكسون الرأس نحو صدر أكسل المعلق، ليتدحرج ويستقر بين يديه المقيدتين، بينما صرخ أكسل صرخة لم يسمع العالم مثلها من قبل، صرخة مزقت سكون القبو وجعلت الحراس يتراجعون من شدة الرعب الكامن فيها. كان الرأس الدافئ لا يزال ينضح بالدماء، وعيناه المفتوحتان تحدقان في أكسل بذهول أبدي، بينما كان جاكسون يمسح السكين بمنديل أبيض ناصع، قائلاً ببرود تام: الآن يا أكسل، وقد تخلصتَ من "عائلتك الوحيدة"، هل نعود لنتحدث عن مكان كايد؟ أم تريد أن ننتقل للمرحلة التالية؟

كانت تلك اللحظة هي الانهيار الكبير لكل سدود العقل البشري؛ إذ لم تعد الغرفة مكاناً مادياً، بل استحالت فجوة سوداء ابتلعت كل ما تبقى من ثبات أكسل. ارتجفت ملامحه بعنف مروع، وتجمدت الدماء في عروقه وهو ينظر إلى الرأس المستقر بين يديه المقيدتين، فانفجر بضحكة هستيرية مختلطة بنحيب مرير، وبدأ صوته يخرج مخنوقاً، متقطعاً، كأنه نباح يائس: تباً لك.. تباً لك يا جاكسون.. تباً لك ولأسيادك.. تباً لك.. تباً لك.. تباً لك.. تباً لك! ظل يرددها بآلية مرعبة، وعيناه زائغتان تجولان في الفراغ، يكررها أكثر من عشرين مرة، وكل "تباً" تخرج كانت تمزق قطعة من روحه وتلقيها في الهاوية،

بينما كان لعابه يمتزج بدم والده الذي بدأ يبرد فوق جسده.

لم يبدِ جاكسون أي تعاطف أو ملل، بل كان يراقب هذا التفكك النفسي بعين الصياد الذي يرى طريدته ترفس أنفاسها الأخيرة. أخرج جاكسون هاتف أكسل الشخصي من جيبه، ذلك الجهاز الصغير الذي كان يمثل في مخيلة أكسل خيط الأمل الأخير، وضعه أمام عينيه الزائغتين وضغط على سجل المكالمات وتطبيقات المراسلة. قال جاكسون بنبرة هادئة، شديدة السمية: انظر جيداً يا أكسل، انظر إلى هذا السجل القاحل. ثلاثة أيام كاملة، اثنان وسبعون ساعة من الجحيم، ولم يهتز هذا الهاتف بكلمة واحدة. لم يحاول "صديقك" الوفي أن يطمئن عليك، لم يرسل إشارة، لم يتحرك ساكناً من مكانه. أتعرف لماذا؟ لأنه انسحب ببساطة. لقد اختار نجاته الشخصية، اختار تلك الفتاة الصغيرة التي أنقذها، وربما هما الآن في طريقهما لمغادرة الجزيرة بينما أنت تتعفن هنا. لقد استبدلك يا أكسل، استبدل سنوات رفقتكما بلحظة هروب جبانة.

بدأت كلمات جاكسون تتسرب إلى عقل أكسل مثل الأحماض الحارقة، وبدأت حصونه الدفاعية تتآكل تحت وطأة المنطق البارد. "هل حقاً تركني؟" تساءل في سره، وبدأت صور كايد وهو يختفي في الظلام تعود إليه لتؤكد مخاوفه. هل كان وفائي مجرد حماقة؟ هل مت من أجل شخص نسيني بمجرد أن أدار ظهره؟ أحس أكسل ببرودة تسري في نخاعه الشوكي تفوق برودة السلاسل التي تقيده.

هنا، اقترب جاكسون أكثر، ومد يده ليمسك برأس أكسل بقوة، رافعاً وجهه المحطم ليواجهه مباشرة، وانطلقت منه ضحكة خافتة وساخرة وهو يقول: نعم، انظر إليّ جيداً.. أنا لستُ المخطئ في موت أبيك، لا تلمني أنا، بل لُم ذلك "المغتال" الذي لم يأتِ لنجدتك.

هو المذنب الحقيقي، هو الذي سمح لي بأن أقطع رأس هذا العجوز بصمته واختفائه. أنت تحملت كل هذا الألم، صمدت أمام الكهرباء والنار والخنق لأجله، وفي المقابل، ماذا فعل هو؟ تركك وحيداً في مواجهة الجلاد. هو الآن يتنفس الهواء النقي، وأنت تتنفس رائحة دم والدك. ماذا ستفعل الآن يا أكسل؟ هل ستستمر في حماية شخص باعك بأبخس الأثمان؟ هل ستضحي بما تبقى من حياتك من أجل سر لم يعد يهمه هو أصلاً؟

كانت تلك الكلمات هي الرصاصة الأخيرة التي أُطلقت على كبرياء أكسل. انحنى رأسه إلى الأمام، وانفجر في نوبة بكاء مريرة هزت كيانه كله، ولم يعد يشعر بكرامته أو انتمائه لتلك المنظمة. بدأ الوسواس ينهش قلبه، وصورة كايد الخائن تضخمت حتى غطت على كل ذكرى طيبة. شعر بالوحدة المطلقة، وبأن العالم كله قد تآمر عليه، ولم يعد يرى في الصمت أي قيمة. رفع رأسه ببطء، وعيناه المنكسرتان تعكسان حطام إنسان لم يعد يملك شيئاً ليخسره، وقال بصوت مهزوم، خافت، ومنكسر تماماً: حسناً.. سأخبرك بكل شيء.. سأقول لك أين يختبئان.. سأعطيك كل ما تريد.. فقط.. أبعد هذا الرأس عني.. أرجوك.

بينما كان الجحيم يستعر في أقبية جاكسون، كانت غيوم الغروب تكسو سماء الجزيرة بألوان أرجوانية هادئة، توحي بسلام زائف لا يعكس حقيقة ما يجري في خفائها. كان كايد يسير بخطوات ثابتة ومحذرة، وقد غادر للتو ذلك المكان المهجور الذي شهد تحولاً جذرياً في حياة مايا؛ فبعد ساعات مضنية، تمكنت الصغيرة من استيعاب القواعد الذهبية لاستخدام السلاح، من كيفية القبض على المقبض وتأمين الزناد إلى تقدير المسافة واتزان الرؤية. غادرا المكان والحزن يغلف ملامح كايد، فكل رصاصة انطلقت من يدها كانت في نظره مسماراً جديداً يُدق في نعش براءتها التي حاول عبثاً حمايتها.

في طريق العودة نحو الشقة، كانت شوارع الجزيرة الجانبية هادئة بشكل مريب، ومايا تسير بجانبه متمسكة بيده بقوة، وكأن كف كايد الخشنة هي المرساة الوحيدة التي تمنعها من الغرق في بحر الخوف. فجأة، توقفت الصغيرة أمام عربة مثلجات ملونة كانت تضيء ناصية الطريق، ونظرت إليه بعينين يلمع فيهما بصيص من تلك الطفولة التي ظن كايد أنها تبخرت تماماً تحت وطأة التدريب والرصاص. همست بصوت رقيق يحمل نبرة الرجاء: كايد، هل يمكننا التوقف قليلاً؟ هل يمكنني الحصول على المثلجات؟

نظر كايد إليها مطولاً، وشعر بغصة في حلقه؛ فمنذ قليل كانت هذه اليد الصغيرة تضغط على الزناد وتتحمل ارتداد المعدن الثقيل، والآن تطلب أبسط حقوقها كمخلوق لم يبلغ الحلم بعد. أومأ برأسه بهدوء وقال بصوت خفيض: نعم يا مايا، لكِ ما تريدين. حينها، لمعت عيناها بفرح فطري، واختارت نكهتها المفضلة بينما كان كايد يراقبها بصمت وتأمل. كان يفكر في ذلك التناقض الصارخ؛ ففي الوقت الذي خشي فيه أن استخدامها للسلاح قد أفسد فطرتها وحطم عالمها الصغير للأبد، اكتشف لحسن الحظ أن هناك جزءاً دفيئاً ومقاوماً في داخلها لا يزال يحب المثلجات، لا يزال يرغب في تلك اللحظات البسيطة التي تمنحها الشعور بأنها مجرد طفلة عادية في عالم غير عادي.

واصلا المسير حتى وصلا إلى باب الشقة، وحين أدار كايد المفتاح ودلفا إلى الداخل، لم يكن الصمت الذي استقبلهما مريحاً هذه المرة. خيم الهدوء الثقيل على الأركان، وكانت ملامح كايد تزداد تجهماً مع كل ثانية تمر. أجلس مايا في الصالة وتركها مع مثلجاتها، ثم اتجه نحو النافذة يراقب الشارع من خلف الستائر، بينما كان عقله يشتعل بأسئلة لا إجابة لها. كان التفكير في أكسل ينهش قلبه نهشاً؛ لقد مرت ساعات طويلة، بل أيام، ولم يظهر له أثر، ولم تصله منه أي إشارة تشير إلى نجاته أو اختبائه.

وقف كايد في منتصف الغرفة، يحدق في هاتفه الصامت، وهمس في سره بصوت يملؤه القلق والتوتر: ما الذي حدث لأكسل حقاً؟ أين هو الآن؟ لقد كان من المفترض أن نلتقي أو أن يرسل شيئاً. بدأ الشك يتسلل إلى أعماقه ويستحيل إلى يقين مؤلم؛ فالفترة الزمنية الطويلة واختفاء الأثر لا يشيران إلا لشيء واحد مرعب. وضع يده على جبهته وهو يغمغم: أيُعقل أنه قد تم إمساكه؟ هل وقع في قبضة جاكسون؟ كان يعلم أن وقوع أكسل في يد ذلك المحقق يعني مواجهة أنواع من العذاب تتجاوز طاقة البشر، ومع ذلك، لم يكن يملك سوى الانتظار القاتل وسط هذا الصمت الذي يسبق العاصفة، مدركاً أن القدر يخبئ لهما مواجهة لن يخرج منها أحد كما كان.

خيم السكون على أركان الشقة، لكنه لم يكن سكوناً يبعث على الطمأنينة في نفس كايد، بل كان صمتاً ثقيلاً كأنه نذير لعاصفة توشك أن تقتلع كل شيء. نظر إلى مايا التي كانت غارقة في عالمها الصغير مع المثلجات، ثم تنفس بعمق وحسم أمره. قال لها بصوت هادئ يحاول فيه إخفاء اضطرابه: "مايا، سأخرج لبعض الوقت لشراء بعض الخضراوات والمستلزمات، ابقي هنا ولا تفتحي الباب لأحد مهما حدث". أومأت الصغيرة برأسها دون أن تدرك أن "الخضراوات" لم تكن سوى حجة واهية لقلب يغلي من القلق، إذ كان كايد مصمماً على كسر حاجز الغموض الذي يلف مصير أكسل.

خرج كايد إلى الشوارع التي بدأت تكتسي بظلام الليل، ولم تكن وجهته السوق، بل كانت ذلك المنزل الصغير الذي يعرفه جيداً؛ منزل أكسل حيث يعيش مع والده العجوز. كان كايد يعلم أن هذا التحرك يحمل مخاطرة كبرى، لكن غياب أكسل الطويل لم يترك له خياراً. وصل إلى واجهة المنزل، فبدت النوافذ كأنها أعين مطفأة، وطرق الباب طرقاً خفيفاً في البداية، ثم أتبعه بطرقات أقوى. "افتح يا سيدي، إنه صديق أكسل"، همس بصوت خفيض، لكن لا مجيب. كان الصمت الذي يخرج من وراء الباب مريباً جداً؛ فالرجل العجوز لم يكن يفارق منزله قط بسبب وهن جسده، وكان من المفترض أن يكون الداخل يضج بحركة ما أو حتى بصوت تلفاز خافت.

طرق المرة الثانية والثالثة، وبدأ التوتر يتصاعد في عروقه. "هناك خطأ ما"، قال في نفسه وهو يبتعد عن الباب الرئيسي، متجهاً بحذر نحو السياج الجانبي ليلتف حول المنزل. تسلل عبر الحديقة الخلفية التي كانت مهملة، ووجد الباب الخلفي موارباً بشكل طفيف، وكأنه دعوة صامتة لدخول مجهول. دفع الباب ببطء شديد، فصدر عنه صرير خفيف جعل شعر بدنه يقشعر. كان المكان مظلماً تماماً، يسكنه هواء راكد وبارد. شعر كايد بوخز في ضميره وهو يقتحم حرمة منزل رجل عجوز مسكين، لكن الفضول القاتل والحس الأمني الذي صقله الزمن دفعاه لإكمال الطريق.

خطى خطواته الأولى في الردهة المظلمة، وسرعان ما بدأت حواسه تلتقط إشارة مشؤومة؛ كانت هناك رائحة نفاذة، معدنية، مألوفة جداً لأنفه الذي اعتاد الموت.. رائحة الدم. تقدم كايد بحذر شديد، مستخدماً ضوءاً خافتاً جداً من هاتفه، ليرى ما لم يكن يتمنى رؤيته. كانت هناك بقع دماء متناثرة على الحائط الأبيض، ممسوحة بطريقة تدل على وقوع صراع أو جرّ عنيف. خفق قلبه بشدة، وبدأ الخوف على الرجل العجوز يسيطر عليه بالكامل. "يا إلهي، ماذا فعلوا هنا؟"، تمتم بصوت مرتعش.

وعندما وصل إلى غرفة المعيشة، توقفت أنفاسه تماماً وتجمدت الدماء في عروقه أمام مشهد فظيع لم يتوقعه حتى في أسوأ كوابيسه. في منتصف الغرفة، كانت جثة والد أكسل معلقة على صليب ضخم من الخشب، مثبتة بمسامير غليظة في مشهد يحاكي طقوساً سادية مرعبة، والأدهى من ذلك، أن الجسد كان بلا رأس. رفع كايد بصره المذعور ببطء، ليرى الرأس موضوعاً فوق الطاولة الخشبية في مواجهة الصليب، وعيناه لا تزالان مفتوحتين في ذهول أبدي.انفجع كايد من هذا المنظر الشنيع، وشعر بغثيان يكتسح كيانه. تساءل في صرخة صامتة: "من قد يملك قلباً من حجر ليفعل هذا بعجوز مسكين لا حول له ولا قوة؟". كانت البشاعة تتجاوز حدود الانتقام العادي، كانت رسالة واضحة مكتوبة بالدماء. في تلك اللحظة، أدرك كايد الحقيقة المرة التي كانت تتراقص أمام عينيه؛ لقد سقط أكسل في قبضتهم يقيناً، وهذا التنكيل بوالده لم يكن إلا وسيلة لكسره. لم يضع كايد ثانية واحدة أخرى؛ استدار وانطلق خارجاً من ذلك المنزل الملعون بسرعة الريح، مدركاً أن الصياد قد أصبح طريدة، وأن الوقت قد نفد تماماً.

بينما كان كايد يركض في الشوارع المظلمة هرباً من رائحة الموت التي خلفتها جثة والد أكسل، كان هناك موت من نوع آخر يزحف بصمت نحو شقته التي ترك فيها مايا وحيدة. في الممرات الضيقة المؤدية إلى المسكن، كانت الظلال تتحرك برتابة عسكرية مرعبة؛ فريق ضخم من الجنود المدججين بالسلاح، يرتدون سترات تكتيكية سوداء وأقنعة لا تظهر سوى أعينهم الباردة، قد اتخذوا وضعيات الهجوم. كانت الأوامر الصارمة التي تلقوها تقضي باقتحام الشقة وتصفية كايد ومن معه على الفور دون تردد.

داخل الشقة، كانت مايا جالسة في سكون الغرفة، لكن حواسها التي شحذتها مخاوف الأيام الماضية وتدريبات كايد المكثفة كانت في حالة استنفار قصوى. شعرت بوخز غريب في أسفل ظهرها، وأحست بأنفاس ثقيلة تترصدها خلف الجدران. لم تعد تلك الطفلة التي تنتظر المعجزة، بل كانت كائناً صغيراً تعلم أن البقاء ثمنه اليقظة. رأت من تحت الباب خيالات تتحرك بحذر، فانسحبت بهدوء نحو الحمام، وهي تمسك بمسدسها الصغير ببراعة لم تكن تملكها قبل أيام.

فجأة، تحول السكون إلى جحيم. بضربة عنيفة حطمت خشب الباب، اندفع الجنود بهمجية داخل الشقة، وفي اللحظة ذاتها، ألقى أحدهم قنبلة غاز مسيل للدموع انفجرت بصوت مدوٍ، لتملأ المكان بضباب أبيض كثيف يخنق الأنفاس ويحجب الرؤية تماماً. اندفع الجنود في أرجاء الصالة والمطبخ، يصيحون بأصوات مكتومة من خلف أقنعتهم: "المكان خالٍ! أين الهدف؟". استغرب القائد وهو يوجه فوهة سلاحه نحو الزوايا، فالتوقعات والتعليمات الاستخباراتية كانت تؤكد وجودهم هنا في هذا الوقت.

ضغط القائد على زر اللاسلكي وقال بنبرة غاضبة: "المقر، لا يوجد أحد في الشقة، كرر، الهدف غير موجود". لم يكد ينهي كلمته حتى دوي صوت رصاصة واحدة، حادة ودقيقة، اخترقت خوذته واستقرت في رأسه ليسقط جثة هامدة في منتصف الضباب. تجمد الجنود في أماكنهم، وارتفع صراخهم: "قناص! هناك معتدٍ مجهول!". لم يكونوا يتوقعون أن يأتيهم الموت من داخل هذا الضباب الذي صنعوه بأنفسهم.

انطلقت رصاصة ثانية من زاوية منخفضة، أصابت كتف جندي آخر وجعلته يسقط أرضاً وهو يئن. فقد الجنود أعصابهم أمام هذا التهديد غير المرئي، وبدأوا بإطلاق النار بشكل عشوائي ومكثف في كل اتجاه، لتتحول الشقة إلى مسرح من الشرارات المتطايرة وصيحات الذعر. وسط هذا الركام البشري، كانت مايا تتحصن داخل الحمام، مرتدية نظارات واقية وجدتها في معدات كايد مكنتها من تحمل الغاز المسيل للدموع. كانت الطلقات العشوائية تمزق الجدران حولها، حتى شعرت بحرارة مفاجئة في ذراعها؛ لقد أصابتها رصاصة طائشة خلفت جرحاً نزف بغزارة، لكنها لم تصرخ، بل ضغطت على أسنانها وتحملت الألم بصلابة تفوق سنها.

استغلت مايا قصر قامتها وانخفاض مستوى الرؤية بسبب الضباب الكثيف، فخرجت من الحمام زاحفة بخفة القطط بين أرجل الطاولات. كانت تطلق النار من مسافات قريبة جداً وبزوايا غير متوقعة، مما جعل الجنود يظنون أنهم يواجهون شبحاً. أطلقت رصاصة أصابت ساق جندي كان يقف خلف الأريكة، ثم تدحرجت بسرعة لتختفي خلف خزانة الكتب. كان القتال يبدو وكأنه رقصة دموية بين جيش مدجج وسراب صغير؛ فكلما وجهوا نيرانهم نحو مصدر الصوت، كانت مايا قد انتقلت بالفعل إلى مكان آخر.

لكن الكثرة بدأت تغلب الشجاعة؛ إذ بدأ الغاز يتلاشى قليلاً، وبدأ الجنود يضيقون الخناق على المساحات الضيقة. وفي لحظة خروجها من خلف إحدى الستائر لتصويب طلقة أخرى، تعثرت قدمها بسبب الدماء التي سالت من جرحها، مما منح أحد الجنود فرصة للانقضاض عليها. ركل الجندي المسدس من يدها بقسوة، بينما التف ثلاثة آخرون حولها وأمسكوا بها بعنف وهي تقاوم وتخمش وجوههم بكل ما أوتيت من قوة. ثبتوها أرضاً، وصرخ أحدهم وهو يلهث بذهول: "ليست سوى طفلة! هل يعقل أن هذه الطفلة هي من قتلت القائد؟". انتهى الصراع بجسدها الصغير مكبلاً وسط حطام الشقة، وعيناها تلمعان بتحدٍ مكسور، بانتظار مصير مجهول خلف جدران هذا السجن الذي كانت تسميه يوماً منزلاً.

كانت أنفاس كايد تخرج منه متلاحقة وممزقة كأنها شظايا زجاج في حنجرته وهو يقطع المسافة نحو الشقة ركضاً، بينما كانت الأفكار السوداء تنهش عقله بلا رحمة. لم يكن بحاجة لذكاء خارق ليدرك ما حدث؛ فالمشهد الشنيع الذي رآه في منزل أكسل كان كفيلاً برسم اللوحة كاملة. لقد وشى به أكسل، هكذا فكر كايد بمرارة، ولا لوم عليه بعد أن جعلوا جثة والده قرباناً لانتزاع الحقيقة. بدأ يلوم نفسه بقسوة؛ فغروره المهني وثقته بأن أكسل سيصمد طويلاً كانت هي الثغرة التي نفذ منها الموت. لطالما كان كايد يتبنى استراتيجية افتراض الأسوأ في كل خطوة، لكنه أدرك الآن أن تلك الطفلة، مايا، كانت مصدر الإزعاج الأكبر الذي عطل حواسه؛ لقد كانت الضجيج الذي شوش على صمت القاتل بداخله، وكانت العاطفة التي أفسدت دقة حساباته الباردة.

وصل كايد إلى مدخل البناية، فاستقبله سكون مريب، وعندما صعد الدرج ووصل إلى باب شقته، تجمدت الدماء في عروقه. لم يكن الباب موجوداً، بل كان عبارة عن حطام متناثر، والشقة من الداخل كانت قد استحالت إلى غربال من الثقوب؛ الرصاص الثاقب قد مزق كل شيء، من الأرائك إلى الجدران وصولاً إلى بقايا علبة المثلجات التي كانت مايا تأكل منها. جال ببصره في الأرجاء، ونبضات قلبه تدق في أذنيه كطبل جنائزي، لكن أكثر ما أرعبه هو الفراغ؛ مايا لم تكن هناك. لم تكن هناك جثة، ولم يكن هناك أثر لهروب، مما يعني يقيناً أنها اختطفت بعد تلك المداهمة الهمجية.

لثانية واحدة، عبرت خاطرة باردة في ذهنه: "ربما هذا أحسن.. لقد تخلصت من الإزعاج أخيراً، وعدت حراً كما كنت". لكن هذه الفكرة لم تدم لأكثر من رمشة عين، إذ شعر بانقباضة غريبة ومؤلمة في قلبه، وخزة لم يعهدها من قبل، وكأن جزءاً من روحه قد انتزع مع تلك الطفلة. وقف وسط الحطام يحاول ترتيب الفوضى في رأسه؛ أكسل تم أخذه، ومايا خُطفت، وجاكسون أثبت أنه سادي لا يتردد في نحر العجائز، ومخبأه السري أصبح مستباحاً. كان يشعر بأنه محاصر في زاوية ضيقة من العالم، لا يدري أي طريق يسلك، وبينما هو غارق في ذهوله، اهتز هاتفه باتصال مفاجئ من "نوكوتا"، قائده ومديره في المنظمة.

أجاب كايد بصوت مثقل بالهزيمة، وسرعان ما شرح لنوكوتا كل ما حدث، من مداهمة القصر الفاشلة وصولاً إلى اختطاف مايا وأكسل واكتشاف هويته. ساد صمت قصير على الطرف الآخر من الخط، ثم جاء صوت نوكوتا بارداً وحازماً كالنصل: "كايد، استمع إليّ جيداً. لقد خرجت الأمور عن السيطرة، والمهمة لم تعد قابلة للإنجاز. أمرك الآن بأن تغادر الجزيرة فوراً عبر القارب السريع الذي سينتظرك عند الساحل الشمالي. انسحب من المهمة، هذه العملية فاشلة".

اتسعت عينا كايد من الذهول، ورد باندفاع: "ماذا؟ انسحب؟ بعد كل ما حدث؟ بعد كل هذه الدماء؟". صرخ نوكوتا عبر الهاتف: "لن تستطيع إكمال المهمة وحدك! لقد كُشفت تماماً، وجاكسون لن يتركك حياً. الانسحاب هو القرار العقلاني الوحيد المتبقي لك". حاول كايد استجماع هدوئه وقال بنبرة ملحة: "سيدي، لو فكرت قليلاً، استطيع صنع حل.. يمكنني الالتفاف حولهم، أرجو أن تهدأ وتمنحني فرصة". لكن نوكوتا رفض بقطعية تامة: "لا نقاش في هذا يا كايد. اخرج من هذه الجزيرة فوراً، وهذا أمر عسكري لا يقبل المراجعة".

سكت كايد تماماً، وساد صمت ثقيل لم يقطعه سوى صوت أنفاسه المكتومة. في تلك اللحظات، مرت أمام عينيه صور لا حصر لها؛ وجه أكسل وهو يبتسم له، يد مايا الصغيرة وهي تمسك بيده في الطريق، رغبتها البريئة في المثلجات رغم تعلمها القتل. شعر أن الوفاء الذي يربطه بهما أقوى من أي أوامر عسكرية تلقاها طوال عشرين عاماً. قال كايد بصوت هادئ، لكنه يحمل قوة الجبال: "أنا آسف أيها المدير، لكني لن أستطيع التخلي عن صديقي أكسل". استنكر نوكوتا قوله بصيحة غاضبة: "ماذا تقول؟ هل جننت؟". تابع كايد بلهجة ممتزجة بالأسى والاعتراف الصادق: "أنا آسف حقاً.. فأنا قد أحببت تلك الطفلة، ولن أتركها لمصيرها".

انفجر نوكوتا غضباً وصاح: "كايد! ماذا تفعل؟ ستدمر نفسك وتدمر المنظمة!"، لكن كايد لم ينتظر سماع المزيد، بل أغلق الهاتف بضغطة واحدة وألقاه فوق الحطام. اتجه نحو مخبأ سري تحت أرضية الغرفة، وأخرج ترسانته الكاملة؛ جهز مسدساته، فحص مخازن الرصاص، وشحذ نصله الطويل. كانت ملامحه قد تبدلت تماماً، واختفت نظرة الحيرة ليحل محلها تصميم انتحاري مخيف. وقف وسط الشقة المدمرة وقال بصوت مدوٍ وجامد: "لقد حان وقت المعركة الأخيرة.. انتظري يا مايا، انتظر يا أكسل، سآتي لإنقاذكما بلا شك، حتى لو اضطررت لإحراق هذه الجزيرة ومن عليها". ومع هذه الكلمات، خرج من الشقة محاطاً بظلال الانتقام، متجهاً نحو عرين الأسد حيث لا عودة.

كانت السيارة العسكرية المدرعة تنهب الطريق المظلم نهباً، بينما كان الأزيز الرتيب للمحرك يملأ الفراغ داخل المقصورة الضيقة التي غصت بالجنود. في وسط ذلك الزحام من البنادق والأحذية الغليظة، كانت مايا مكبلة اليدين والقدمين بسلاسل حديدية باردة، تجلس على أرضية السيارة المعدنية ورأسها منحنٍ، تحاول كتم أنفاسها المرتجفة. لم تكن المسافة طويلة، لكن كل ثانية مرت كانت تسحبها نحو هاوية تعرفها جيداً؛ كانت السيارة تشق طريقها نحو "مكان التخزين" الأصلي، ذلك المصنع المهجور الذي يقع في أطراف الجزيرة المهملة، حيث تتكدس الأرواح قبل أن تُباع وتشترى.

ما إن لاحت من النافذة الصغيرة المظللة الأسوار الصدئة للمصنع المهجور والمدخنة العملاقة التي تشبه شاهداً على قبر ضخم، حتى اجتاحت مايا موجة عاتية من الرهبة شلت أطرافها. كانت جدران ذلك المكان هي آخر ما رأته قبل أن ينقذها كايد، وهي ذات الجدران التي شهدت عذابها الطويل مع عصابات المتاجرين بالبشر. تراءت لها صور الأطفال الذين كانوا معها، وبكاؤهم الصامت في الليالي الباردة، فرأت في المصنع وحشاً يفتح فمه ليبتلعها مرة أخرى. في لحظة يأس مجنونة، حاولت مايا التملص من قيودها والاندفاع نحو الباب الخلفي للسيارة، لكن أحد الجنود، الذي كان لا يزال ينزف من خدش في وجهه جراء المواجهة في الشقة، لم يمهلها لحظة.

هبطت لكمة غليظة من قبضة الجندي القوية على وجه مايا الصغير، مما جعل رأسها يرتطم بجدار السيارة المعدني وتسقط أرضاً وهي تغالب الدوار. صرخ الجندي بصوت يقطر حقداً: ابقي مكانكِ يا عاهرة! لقد كلفتنا هذه الجرذ الصغير حياة قائدنا وسببت لنا من المشاكل ما لا يتحمله جيش كامل. هل تظنين أنكِ في نزهة؟ أنتِ مجرد بضاعة تالفة، وسنتأكد من أن تدفعي ثمن كل رصاصة أطلقتِها اليوم. كان رفاقه يراقبونها بأعين تملؤها الكراهية، فالغرور العسكري لديهم قد جُرح لأن طفلة كانت على وشك إبادتهم وسط ضباب الغاز المسيل للدموع.

توقفت السيارة بعنف أمام البوابة الرئيسية للمصنع، حيث كانت الأضواء الكاشفة تمزق عتمة الليل. سحبها الجنود من شعرها وجروها على الأرض الخرسانية الخشنة نحو الداخل، لكن خطواتهم تعثرت حين لاح خيال طويل يخرج من بين الظلال. كان المحقق جاكسون فيندل يقف هناك،

مرتدياً معطفه الأسود الطويل، وبيديه قفازات جلدية ناصعة. أشار للجنود بالتوقف، فثبتوا مايا أرضاً أمام قدميه. انحنى جاكسون ببطء، ووضع يده تحت ذقن مايا ليرفع وجهها المحطم نحو الضوء، متفحصاً ملامحها بدقة جراحية باردة.

قال جاكسون بصوت هادئ يحمل نبرة من السخرية المرة: إذاً، هذه هي المعجزة التي قلب المغتال الدنيا لأجلها؟ هذه هي "البضاعة" التي كان كايد يحاول حمايتها طوال الوقت بدمه وأعصابه؟ كنتُ أتوقع شيئاً أكثر تميزاً، لكن يبدو أن العواطف تعمي حتى أكثر القتلة احترافاً. نظر إلى الجنود وأمرهم بلهجة لا تقبل الجدل: خذوها وضعوها مع البضاعة الأخرى في القاطع السفلي. هي لا تختلف عنهم في شيء، مجرد رقم آخر في السجلات، وقطعة أخرى ستنتقل من يد ليد.

تردد أحد الجنود قليلاً، ثم سأل بصوت مشوب بالقلق: سيدي المحقق، هل تعتقد أن ذلك المغتال سيجرؤ على ملاحقتنا إلى هنا لأجلها؟ لقد رأينا ما فعلته هذه الطفلة، ولا يمكننا تخيل ما قد يفعله هو إذا جن جنونه. ضحك جاكسون ضحكة خافتة وواثقة، وهو يمسح على قفازه قائلاً: لا تقلقوا، فحسب ما انتزعته من اعترافات أكسل المحطمة، فإن رئيس تلك المنظمة التي يعمل لحسابها هو رجل عقلاني جداً. هو يدرك أن المهمة فشلت، وعلى الأغلب قد أصدر أمره لكايد بالانسحاب فوراً من الجزيرة لتقليل الخسائر. كايد رجل ينفذ الأوامر، والآن هو وحيد بلا غطاء.

سأل جندي آخر بلهجة مستغربة: أليس هذا سيئاً يا سيدي؟ إذا انسحب وهرب، فقد فقدنا فرصة تصفيته وتقديمه كقربان للمليارديرات. هز جاكسون رأسه ببرود وأجاب: لا بأس في ذلك أبداً. هدفنا النهائي كان دائماً هو التخلص من ذلك "الدبور" المزعج الذي يطن حول رؤوس أسيادنا؛ قتله أو طرده من الجزيرة سيان، المهم هو تأمين مشروع "النميسيس". وفوق كل ذلك، نحن الآن نملك أكسل في قبضتنا، وهو كنز من المعلومات لا ينضب. سنأخذ منه كل ما نشاء من أسرار منظمتهم وتحركاتهم القادمة. بعبارة أخرى، لقد انتهت اللعبة يا رجال.. نحن الفائزون في هذه الحرب، وما تبقى ليس سوى إجراءات روتينية لتنظيف المكان. ومع كلمات جاكسون الأخيرة، سُحبت مايا بقسوة نحو أعماق المصنع المظلمة، تاركة وراءها صدى ضحكة المحقق التي كانت توحي بأن كل شيء قد حُسم لصالح الظلام.

فُتحت الأبواب الحديدية الصدئة للمستودع السفلي بصرير يمزق السكون، ودُفعت مايا بقسوة لتسقط على الأرضية الخرسانية الباردة وسط غبار كثيف ورائحة عفونة تخنق الأنفاس.

استدار الجنود وأغلقوا الباب خلفهم، تاركين إياها في تلك العتمة التي لا يكسرها سوى خيوط ضوء باهتة تتسلل من نوافذ علوية محطمة. رفعت مايا رأسها ببطء، وجالت ببصرها في أرجاء المكان، لتجد نفسها محاطة ببقايا بشرية حية؛ هنا كان يربض الجحيم الذي ظنت أنها فرت منه للأبد.كانت القاعة الكبرى تغص بـ "البضائع"، هكذا يسمونهم في سجلات جاكسون، لكنهم في الحقيقة كانوا لوحة فظيعة لمعاناة لا توصف. رأت رجالاً بأجساد خاوية، ونساءً بعيون ذابلة، وأطفالاً يرتجفون في الزوايا، وعجزةً نُسوا هناك حتى قاربوا على الفناء. لم يكن الصمت في المكان ناتجاً عن الهدوء، بل كان صمت الانكسار المطلق. بدأت مايا ترى التفاصيل التي تقشعر لها الأبدان؛ فالبشر هناك لم يعودوا بشراً، بل أوعية للألم. كانت الكدمات الزرقاء والأرجوانية تغطي الوجوه والرقاب والذراعين، وآثار الضرب بالأدوات الغليظة تركت ندوباً متعرجة كأنها خرائط للعذاب. رأت جروحاً ناتجة عن نصل السكاكين، وحروق سجائر صغيرة موزعة بدقة سادية على الأجساد النحيلة.

كانت الحالة الصحية لمن حولها تحكي قصصاً من القهر؛ فمعظم النساء والفتيات كن يعانين من تمزقات وندبات واضحة في أجسادهن نتيجة الاعتداءات المتكررة والوحشية. نزيف غير طبيعي، وآلام مزمنة، وحالات إجهاض حدثت في تلك الزوايا القذرة دون أدنى رعاية طبية، مما خلف عقماً دائماً والتهابات لم تجد من يعالجها. كانت الأمراض المنقولة جنسياً تفتك بهم بصمت، من الزهري والسيلان وصولاً إلى فيروسات نقص المناعة، مما جعل الموت يزحف في أجسادهم ببطء وهم لا يزالون يتنفسون.

لم يقتصر الأمر على ذلك، بل كان سوء التغذية الشديد قد حولهم إلى أشباح؛ عظام بارزة، وجلود شاحبة، وتورم في الأطراف نتيجة نقص البروتين. رأت أسنانهم المتسوسة وعيونهم الغائرة التي فقدت القدرة على التركيز نتيجة الإجهاد العصبي والضربات المتكررة على الرأس. كان بعضهم يئن من كسور قديمة لم تُجبر يوماً، فالتحمت عظامهم بشكل مشوه جعل حركاتهم تبدو غريبة وغير طبيعية.

لكن الرعب الحقيقي لم يكن في الجسد فحسب، بل في الأرواح المحطمة التي كانت تسكن تلك الأجساد. ساد جو من اضطراب ما بعد الصدمة الجماعي؛ فكانت ترى أطفالاً يصرخون فجأة من كوابيس يقظة، ونساءً يدخلن في نوبات "فلاش باك" تجعلهن يرتجفن لمجرد سماع صوت وقع أقدام في الممر. كان فرط اليقظة يسيطر على الجميع؛ أي حركة مفاجئة تجعل القاعة كلها تنكمش على نفسها في خوف دائم. الغالبية العظمى كانوا يعانون من اكتئاب سوداوي، يحدقون في الجدران بنظرات فارغة، مستسلمين ليأس عميق قتل فيهم حتى الرغبة في الانتحار.

كان الانفصال عن الواقع هو الوسيلة الوحيدة للنجاة؛ رأت فتيات يتحدثن إلى أنفسهن أو يحدقن في الفراغ كأنهن لسن في أجسادهن، فقدن الثقة في الجنس البشري تماماً. كان بعضهم يرتجف نتيجة أعراض الانسحاب من مخدرات قسرية فُرضت عليهم للسيطرة عليهم، بينما غرق آخرون في عار عميق وشعور بالتلوث، رغم أنهم كانوا ضحايا لا ذنب لهم. لم يكن هناك حديث، ولا مواساة، بل كان كل واحد منهم جزيرة معزولة من العذاب. نظرت مايا إلى يديها المرتجفتين، ثم إلى تلك الوجوه المحطمة، وشعرت بأن ذكرياتها المؤلمة التي حاولت دفنها قد انبعثت من جديد لتخنقها، مدركة أنها الآن أصبحت مجرد رقم آخر في هذا المستودع البشري الذي لا يعرف الرحمة.

وسط ذلك الحطام البشري المترامي في زوايا المصنع المهجور، انكمشت مايا على نفسها، وضمت ركبتيها إلى صدرها في محاولة يائسة للاختباء من الواقع الذي يحيط بها. لم يكن الظلام حولها هو ما يرعبها، بل كانت تلك الصور التي بدأت تتدفق إلى عقلها مثل سيل جارف من الذكريات المسمومة. نظرت إلى النسوة اللواتي فقدن هويتهن، وإلى الأطفال الذين ذبلت ملامحهم، فبدأت ترى في كل وجه منهم شظية من ماضيها المرير الذي سبق لقاءها بكايد.

عادت بها الذاكرة إلى تلك اللحظة المشؤومة التي انقطعت فيها صلتها بالعالم الحقيقي؛ لحظة اختطافها من بين أحضان أهلها في إسبانيا. تذكرت كيف كانت الصرخات تخنقها، وكيف تم انتزاعها من بيئة دافئة لتُلقى في يد وحوش لا تعرف الرحمة. لقد عمل المتاجرون بها على محو كل أثر لماضيها بدم بارد؛ غيروا ملامح وجهها، صبغوا شعرها، وأجبروها على نسيان لغتها الأم لتعلم لغات أخرى تخدم "سوق النخبة". كانت تدرك الآن، وهي تنظر إلى الأجساد المحطمة حولها، أن الاهتمام الوحيد الذي نالته، والطعام الذي كان يُقدم لها بانتظام، لم يكن بدافع العطف أو الإنسانية، بل كان مجرد صيانة لـ "سلعة" غالية الثمن. لقد أرادوا الحفاظ على جمال شكلها وبشرتها لأغراض دنيئة وجنسية صرفة، كي تظل "البضاعة" جذابة للزبائن الذين يدفعون الملايين لاقتناء الأجساد الصغيرة وتدميرها.

ثم لاح في أفق مخيلتها وجه كايد، ذلك الرجل الصامت الذي اقتحم جحيمها قبل أيام قليلة.

تذكرت لحظة خروجها معه، وتذكرت طعم المثلجات، والدفء الزائف الذي شعرت به حين كانت تمسك بيده وتظن أنها أصبحت طفلة عادية مرة أخرى. لقد كان كايد هو القوة التي انتشلتها من تلك الدوامة السوداء، ومنحها بصيص أمل في أن الحياة قد تكون شيئاً آخر غير الألم والعبودية. ولكن، ومع برودة الخرسانة التي تلامس جسدها الآن، شعرت بمرارة تفوق كل ما احتملته؛ ها هي تعود إلى نقطة الصفر مجدداً، ها هو الجحيم يفتح أبوابه ليبتلعها مرة ثانية، وكأن كل ما مرت به مع كايد لم يكن سوى حلم عابر انتهى بكابوس أكثر وحشية.

أغمضت عينيها بشدة، وحاولت استحضار أي ذكرى قديمة، أي تفصيل صغير يربطها بهويتها المفقودة. شعرت بفراغ هائل يسكن صدرها، فكل ما حولها مزيف؛ مظهرها، لغتها، وحتى المكان الذي هي فيه. وسط هذا الانهيار النفسي، وفي قلب هذا المستودع الذي يغص بالبشر الذين فقدوا أسماءهم وصاروا مجرد أرقام، همست لنفسها بصوت مكسور، صوت يرتجف باليأس والضياع، وهي تتساءل في صرخة داخلية صامتة: ما هو اسمي الحقيقي؟ من كنتُ قبل أن يصنعوا مني هذه النسخة المحطمة؟ لقد تاه اسمها في دهاليز المطارات والمخازن السرية، وأدركت في تلك اللحظة أن أعظم جريمة ارتكبوها بحقها لم تكن سلب حريتها فحسب، بل سلبها حتى الحق في أن تعرف من هي حقاً.

بخطوات واثقة يتردد صداها فوق الرخام الصقيل، شق المحقق جاكسون فيندل طريقه نحو القاعة الملكية حيث يجتمع المليارديرات الثمانية. كان المكان يضج بالفخامة التي تحجب خلفها كل قذارات العالم، وهناك، وسط الدخان المتصاعد من السيجار الفاخر ورائحة العطور الباهظة، وقف جاكسون بوقاره المعتاد ليزف إليهم أخبار النصر. كانت العيون المليئة بالجشع والقلق تترقبه، وكأن حياتهم ومشاريعهم معلقة بكلمة واحدة من شفتيه.

بدأ جاكسون حديثه بنبرة هادئة ومطمئنة، تنساب كالحرير في آذان السامعين، قائلاً: "أيها السادة، يسعدني أن أبلغكم بأن السحابة السوداء التي كانت تخيم فوق رؤوسكم قد انقشعت. لقد استعدنا "البضاعة" المفقودة وأعدناها إلى مكانها الصحيح في المخازن المركزية، وتحت حراسة مشددة لا تخترق. أما بالنسبة لذلك المغتال الذي أزعج منامكم، فقد تمت محاصرته في مخبئه وتدمير مركزه بالكامل. وبناءً على المعطيات الميدانية والضغوط التي مارسناها على شبكته، فإنه على الأغلب قد صُفي أو اضطر للفرار من الجزيرة كجرذ مذعور، فقد فَقَد كل أدواته ولم يعد يشكل أي تهديد يذكر لمصالحكم".

ساد صمت مشوب بالحذر؛ فقلوب المليارديرات التي اعتادت على الغدر لم تكن لتثق بسهولة. تبادلوا نظرات متشككة، وكأنهم يبحثون عن ثغرة في كلامه، لكن جاكسون، ببراعته المعهودة في التلاعب بالنفوس، بدأ بسرد تفاصيل تقنية وهمية وبث كلمات الثناء والوعود المعسولة التي تدغدغ كبرياءهم وتطمئن جشعهم. أخبرهم عن إحكام السيطرة على الشرطة المحلية وتأمين مسارات السفن، وبأن مشروع "النميسيس" بات الآن في مأمن تام من أي تدخل خارجي. تدريجياً، بدأت الملامح المتصلبة تسترخي، وعلت وجوههم ابتسامات الرضا الزائفة، فصفقوا له وكأنهم يشكرون منقذهم قبل أن يغادر القاعة بخطوات وقورة كما دخلها.

بمجرد خروجه إلى الرواق الطويل البعيد عن أعينهم، اقترب منه أحد جنوده المقربين، وهمس بصوت منخفض يحمل حيرة كبيرة: "سيدي المحقق، لقد أبهرتَهم حقاً، ولكن.. لماذا لم تذكر لهم شيئاً عن أكسل؟ ولماذا أخفيتَ عنهم حقيقة المنظمة التي ينتمي إليها ذلك المغتال والمعلومات الثمينة التي بدأنا بانتزاعها؟ أليس من مصلحتهم أن يعرفوا حجم العدو الذي يواجهونه؟".

توقف جاكسون فجأة، والتفت نحو الجندي بابتسامة باردة وساخرة، كأنها نصل يلمع في الظلام، وقال بصوت خفيض يقطر دهاءً: "أنت لا تزال تتعامل مع الأمور بقلب الجندي يا بني، وليس بعقل المحقق. هؤلاء القابعون بالداخل ليسوا حلفاء، بل هم آبار من المال والذهب، ولا يجب عليّ أبداً أن أحرق أوراقي كلها معهم في جلسة واحدة. إذا عرفوا أن الخطر قد زال تماماً، سيتوقفون عن الدفع، وإذا عرفوا حجم المنظمة الحقيقي، فقد يصابون بالذعر الذي يفسد مخططاتي الخاصة".

سحب جاكسون نفساً عميقاً ثم تابع، وعيناه تبرقان ببرود مخيف: "المعلومات التي نملكها عن أكسل ومنظمته هي سلاحي السري، وهي الضمانة التي ستبقيني مسيطراً على الطاولة. أنا أحب أن أحلب هؤلاء الحقرين حتى آخر قطرة، سأجعلهم يدفعون ثمن خوفهم، وثمن أمنهم، وثمن كل معلومة أقطرها لهم بالقطارة. في هذا العالم، المعلومة هي العملة الأغلى، وأنا لا أنوي إنفاق ثروتي كلها على هؤلاء الحمقى لمجرد كسب ثقتهم. دعهم يعيشون في وهمهم الجميل، بينما نبني نحن قوتنا خلف ستار الحقيقة التي لا يراها غيرنا".

أنهيت السرد عند هذه النقطة من الحوار الجانبي لجاكسون.

بينما كان جاكسون ينسج خيوط دهاءه في أروقة القصور، كانت الشقة المحطمة تشهد فصلاً جديداً من فصول الموت. عاد فريق من الجنود إلى مسرح الجريمة، يطأون حطام الأثاث الممزق بأحذيتهم الثقيلة، مكلفين بتمشيط المكان وجمع ما تبقى من أدلة قد تكشف المزيد عن شبكة "الناجح النادر". ساد بينهم شعور زائف بالأمان، ظناً منهم أن كايد قد ولى مدبراً ولن يجرؤ على العودة إلى جحر كُشفت أسراره، لكنهم لم يدركوا أنهم دخلوا طواعية إلى مصيدة أعدها رجل لم يعد لديه ما يخسره.

من بين ظلال الغرفة الخلفية التي لم يطالها الضوء، انبعث كايد كأنه شبح نبت من الركام. لم يمنحهم فرصة لاستيعاب الموقف؛ وبحركة خاطفة، غرس نصله في عنق الجندي الأقرب إليه قبل أن يتمكن الأخير من رفع سلاحه. انفجر المكان بضجيج الرصاص وصيحات الذعر، وبدأ قتال عنيف وحشي امتد على طول ردهات المبنى. كان كايد يتحرك كإعصار من الفولاذ، مستخدماً ضيق الممرات لصالحه؛ يفرغ مخازن مسدسه بدقة جراحية في صدور المهاجمين، ثم يشتبك بالأيدي حين تنفد الذخيرة، مستخدماً زوايا الجدران ودرجات السلم كدروع ومنصات انطلاق. تحول الدرج الرخامي إلى منزلق من الدماء، حيث تهاوت أجساد الجنود واحداً تلو الآخر أمام ضرباته القاتلة التي لا تخطئ هدفها.

انتهى الصراع في الرواق الطويل، حيث لم يتبقَ من القوة المهاجمة سوى جندي واحد، كان يزحف على الأرض محاولاً الوصول إلى سلاحه والدم يغطي وجهه. انقض عليه كايد، وجذبه من ياقته ثم ثبته بقوة على الحائط، غارساً فوهة مسدسه الساخنة في فمه. قال كايد بصوت مبحوح يقطر غضباً وحقداً: "أمامك ثانية واحدة لتعيش.. أين الفتاة؟ أين أخذتم مايا؟". حاول الجندي المقاومة في البداية، لكن حين رأى الموت يلمع في عيني كايد الباردتين، انهار تماماً وهمس بصوت مرتعش: "المصنع.. المصنع المهجور عند الساحل.. هناك يجمعون البضاعة". لم يتردد كايد؛ ضغط على الزناد ببرود تام، لتستقر الرصاصة في رأس الجندي، ثم استدار وانطلق مسرعاً خارج المبنى، متجهاً

نحو سيارته لإنقاذ مايا قبل فوات الأوان.لكن كايد، وفي غمرة اندفاعه، ارتكب خطأً نادراً؛ فقد غفل عن أحد الجنود الذين سقطوا في الردهة السابقة. كان ذلك الجندي لا يزال يتنفس رغم إصابته البالغة، وبيد ترتجف، سحب جهاز اللاسلكي من حزامه وضغط على زر الإرسال بصعوبة بالغة. قال بصوت متهدج يصارع سكرات الموت: "المقر.. استمعوا إلي.. المغتال لا يزال حياً.. إنه هنا.. لقد قتل الجميع.. وهو الآن متوجه إلى مكان البضاعة.. المصنع في خطر.. كرر.. المصنع..". صمت الصوت فجأة حين لفظ الجندي أنفاسه الأخيرة، لكن الرسالة كانت قد وصلت بالفعل.

في مركز القيادة، تلقى جاكسون فيندل التقرير، وتجمدت ملامحه للحظة قبل أن يستعيد بروده القاتل. كان يعلم أن وصول كايد إلى المصنع يعني فضيحة قد تطيح برأسه قبل رؤوس المليارديرات. التفت إلى مساعديه وأمر بلهجة حازمة ومنخفضة: "استنفروا كل القوات المتاحة فوراً. انطلقوا إلى المصنع وأوقفوه بأي ثمن.. اقتلوه قبل أن يطأ عتبة الباب". ثم اقترب من القائد الميداني وهمس في أذنه بتهديد واضح: "إياكم أن يتسرب هذا الخبر إلى المليارديرات الثمانية في الداخل. لا أريدهم أن يعلموا أن المغتال لا يزال يطاردنا، دعوهم غارقين في احتفالهم الزائف بينما نصفي نحن هذه الفوضى بعيداً عن أعينهم. تحركوا الآن!". وهكذا، بدأت سباق محموم مع الزمن؛ كايد يندفع لإنقاذ ما تبقى من إنسانيته، وجيش جاكسون يتحرك لإغلاق فخ الموت الأخير فوق رأسه.

كان الطريق الساحلي المؤدي إلى المصنع المهجور قد استحال إلى ساحة حرب مستعرة تحت أضواء القمر الباهتة. انطلق كايد بسيارته السوداء بسرعة جنونية، ينهب الأسفلت نهباً، بينما كانت أضواء المصابيح الخلفية لسيارات الدفع الرباعي العسكرية تلمع أمامه وخلفه كأعين وحوش مفترسة. لم يكد يقطع ميلاً واحداً حتى انفتحت أبواب الجحيم؛ إذ برزت سيارتان مدرعتان من الطرق الجانبية لتقطعا عليه الطريق، وبدأ الرصاص ينهمر على هيكل سيارته كزخات مطر من الفولاذ.

لم يرتبك كايد؛ ضغط على دواسة الوقود بقوة أكبر، وأخرج يده اليسرى من النافذة ممسكاً بمسدسه، وأطلق رصاصتين دقيقتين أصابتا إطار السيارة التي كانت تحاول محاذاته، مما جعلها تنحرف بعنف وترتطم بالصخور الجانبية لتنفجر في كتلة من اللهب. وفي تلك اللحظة، اقتربت سيارة أخرى من جهة اليمين، وبرز منها جندي يحمل رشاشاً ثقيلاً وبدأ بإفراغ مخزنه بالكامل نحو زجاج كايد الأمامي. انحنى كايد بجسده تحت مستوى المقود وهو يقود بيد واحدة، مستخدماً حدسه القتالي لتفادي الاصطدام، ثم قام بحركة "دوران" مباغتة جعلت مؤخرة سيارته تصطدم بجانب سيارة الأعداء بقوة حطمت أبوابها.

استمرت المطاردة الملحمية، وكان هدير المحركات يختلط بأصوات الطلقات والانفجارات التي تضيء ليل الجزيرة. وجد كايد نفسه محاصراً بين ثلاث سيارات؛ واحدة من الخلف تضغط عليه، واثنتان تحاولان حصره من الجانبين. في حركة انتحارية، قام كايد بالضغط على المكابح فجأة وبقوة، مما جعل السيارة الخلفية تصطدم بهيندفاع، ثم انطلق مجدداً ليقوم بـ "مناورة الصدم" الجانبية. أخرج قنبلة يدوية صغيرة من جيبه، وبحركة بهلوانية، ألقاها داخل فتحة سقف السيارة المجاورة له. لم تمر ثوانٍ حتى تحولت السيارة إلى حطام متطاير، وتطايرت شظاياها لتعمي سائق السيارة الثالثة الذي فقد السيطرة وانزلق نحو الجرف الصخري ليسقط في أعماق البحر.

كانت الرصاصات قد حطمت زجاج سيارته بالكامل، وجسده مغطى بشظايا الزجاج والدم، لكن عينيه لم تتزحزحا عن الطريق. أمام مدخل المصنع، كانت هناك شاحنة عسكرية ضخمة تسد الطريق تماماً، والجنود يقفون خلفها بأسلحتهم الرشاشة. لم يخفف كايد من سرعته، بل قام بتثبيت دواسة الوقود بقطعة معدنية، وفتح الباب وألقى بنفسه خارج السيارة وهي تنطلق بسرعة البرق. ارتطمت سيارة كايد بصهريج الوقود القريب من الشاحنة، مما أدى إلى انفجار هائل زلزل أركان المصنع، ليحول السد العسكري إلى رماد وحطام. وسط الدخان الكثيف والنيران المتصاعدة، انبعث كايد من بين الركام، ممسكاً بأسلحته، يسير بخطوات ثابتة نحو قلب المصنع، حيث تنتظره المواجهة التي ستحسم مصير كل شيء.

شق كايد طريقه عبر البوابة المحطمة وسط سحب الدخان المشتعل، وكان صدره يعلو ويهبط بأنفاس متلاحقة تجمع بين الإرهاق الجسدي والتركيز القاتل. كان يدرك جيداً أن الوقت هو عدوه الأول الآن؛ فبرقيات الاستغاثة التي أطلقها الجنود على الطريق ستجلب جيشاً كاملاً من المرتزقة التابعين لجاكسون في غضون دقائق. لم يكن لديه ترف التخطيط أو المناورة الطويلة، كان عليه أن يقتحم، يقتل، ويستعيد ما سُلب منه قبل أن يطبق الفك على الفريسة.

عند مدخل العنبر الرئيسي، جابهته فرقة من حراس المصنع الذين لم يتوقعوا أن ينجو أحد من جحيم المطاردة الخارجية. لم يمنحهم كايد فرصة لرفع بنادقهم؛ اندفع نحوهم كظل أسود لا يرحم، مستخدماً نصله الطويل في اشتباك قريب اتسم بالسرعة والوحشية. قطع أوتار الأول بضربة دقيقة، ثم استدار ليوجه رصاصة من مسدسه إلى جبهة الثاني، بينما استخدم جسد الثالث كدرع بشري ليتفادى زخات الرصاص القادمة من الداخل. كان القتال ملحمياً وصامتاً من جانبه، حيث لم تخرج منه صرخة واحدة، بل كان الموت يتدفق من يديه برتابة آلية ومخيفة حتى سقط آخر حارس غارقاً في دمائه فوق العتبة.

دفع كايد الأبواب الحديدية الضخمة ودخل إلى جوف المصنع، وهناك توقفت خطواته لثانية واحدة صدمته فيها الحقيقة بأبشع صورها. رغم كونه مغتالاً اعتاد رؤية الموت، إلا أن الحالة الكريهة والمحزنة للبضائع البشرية المحتجزة جعلت معدته تتقبض من الغثيان. كان المكان يفوح برائحة العفونة والمرض واليأس المطلق؛ رأى بشراً مكدسين في زوايا مظلمة كأنهم قطع غيار تالفة، عيونهم غائرة وأجسادهم محطمة تحت وطأة الانتهاكات التي لا توصف. كان المشهد يفوق قدرة العقل على الاستيعاب، وكأن هذا المصنع ليس مكاناً للاحتجاز، بل هو مقبرة للأحياء الذين سُلبت أرواحهم وبقيت أجسادهم تشهد على خسة أسيادهم.

وسط ذلك الحطام الإنساني، كانت هناك زاوية صغيرة مكبلة فيها تلك الروح التي جاء لأجلها. لمح مايا، كانت تبدو ضئيلة ومحطمة وسط تلك الظلمة، والدم الجاف يغطي وجهها الصغير. عندما وقعت عيناها عليه، لم تصدق في البداية ما تراه، ظنتها هلوسة من هلوسات الألم، لكن حين خطى نحوها محطماً قيودها بضربة من مقبض مسدسه، انفجر بركان من المشاعر داخلها.

انقضت مايا عليه بكل قوتها، وتشبثت بسترته الممزقة وهي تجهش ببوكاء هستيري لم يعرفه كايد منها من قبل. كانت تصرخ بين شهقاتها المريرة: "كايد! ظننت أنك لن تعود إليّ.. ظننت أنهم قتلوك أو أنك تركتني هنا لأتعفن معهم.. لقد كنتُ خائفة جداً.. كنتُ وحيدة!".

تصلب جسد كايد للحظة؛ فهذه كانت المرة الأولى التي يراها فيها تبكي كطفلة حقيقية، طفلة لم يعد يهمها السلاح أو القتل أو الانتقام، بل كل ما تريده هو حضن يحميها من وحوش العالم. لم تكن تبكي من ألم الجرح في ذراعها، بل كانت تبكي من رعب الفقدان. شعر كايد بثقل رأسها الصغير فوق صدره، وبدموعها الدافئة تبلل قميصه، فأدرك في تلك اللحظة أن كل الدماء التي سفكها في الطريق كانت ثمناً بسيطاً لرؤية هذا الصدق في عينيها. لم يقل شيئاً، لكنه وضع يده الخشنة فوق رأسها برقة غير معهودة، محاولاً بث بعض الطمأنينة في قلبها، بينما كان عقله يشتعل بقرار واحد: لن يخرج من هذا المصنع دون أن يحرق كل من تجرأ على لمس هذه الطفلة أو سلب براءتها.

وسط ركام المصنع وأنفاس الموت التي كانت تلاحقهما، جثا كايد على ركبتيه ليكون في مستوى عيني مايا التي لم تتوقف عن الارتجاف. وضع كفيه الضخمتين اللتين تلطختا بغبار المعارك على كتفيها الصغيرين، ونظر إليها بنظرة كانت أعمق من كل الكلمات التي لم يقلها يوماً. كان الصمت بينهما يضج بوعود لم تنطق بعد، حتى قطعته مايا بصوت مخنوق وهي تمسح دموعها بكفها الصغيرة: "لماذا عدت يا كايد؟ المنظمة أخبرتك بالرحيل.. أنت تخاطر بكل شيء من أجل بضاعة محطمة مثلي."

ساد سكون قصير، ثم أجابها كايد بصوت رخيم وهادئ، لم يحمل نبرة القاتل هذه المرة، بل نبرة الأب الذي عثر على ضالته: "أنتِ لستِ بضاعة يا مايا، ولستِ مجرد مهمة. لقد عشتُ حياتي كلها أنفذ الأوامر وأقتل بلا سبب، لكنني اليوم اخترتُ سببي الخاص. لن أترككِ إطلاقاً، لا اليوم ولا غداً. مهما كانت قوة جاكسون أو نفوذ هؤلاء المليارديرات، لن يستطيع أحد انتزاعكِ مني مرة أخرى."

نظرت إليه مايا بعينين يلمع فيهما الأمل وسط الانكسار، وقالت بتردد: "إلى أين سنذهب بعد أن يزول هذا الجحيم؟"

ابتسم كايد ابتسامة خفيفة، كانت أشبه بخيط ضوء في نفق مظلم، وقال: "عندما ينتهي كل هذا، سنغادر هذه الجزيرة اللعينة. سنبحث عن مكان لا يُسمع فيه دوي الرصاص، مكان يمكنكِ فيه أن تكوني طفلة فقط. سنصبح عائلة يا مايا.. عائلة حقيقية، أنا وأنتِ وأكسل، إذا استطعنا إخراجه."

لمعت عينا مايا، وشعرت بدفء لم تعهده من قبل. وفي غمرة تلك اللحظة، رفعت يدها الصغيرة ومدت إصبعها الأصغر (الخنصر) نحوه. استغرب كايد من حركتها، فرفعت حاجبها وقالت ببراءة: "وعد الخنصر.. لقد سمعتُ الأطفال يتحدثون عنه في الزنزانة، يقولون إنه أقوى أنواع الوعود، ومن يكسره لا يستحق أن يكون رجلاً."

نظر كايد إلى خنصرها الصغير، ثم إلى خنصره الخشن المليء بالندوب. في الحقيقة، لم يكن يعلم ما هو "وعد الخنصر" ولم يكن قد سمع به في حياته العسكرية الجافة، كما أن مايا نفسها لم تكن تدرك أصله أو معناه العميق، لكنهما شعرا في تلك اللحظة أن هذا التشابك البسيط بين إصبعيهما هو الميثاق الوحيد الذي يربطهما بهذا العالم.

لف كايد خنصره حول خنصرها برقة متناهية، وكأنه يمسك بأغلى جوهرة في الوجود، وقال بجدية تامة: "أعدكِ يا مايا.. وعد الخنصر."

ابتسمت مايا من بين دموعها، وشعرت للحظة أن جدران المصنع الكئيبة قد اختفت، وأنها لم تعد تلك "البضاعة" المجهولة الاسم، بل أصبحت ابنة لرجل مستعد لإحراق العالم من أجلها. مسح كايد ما تبقى من دموعها ووقف بصلابة، ممسكاً بسلاحه من جديد، لكن هذه المرة، لم يكن يقاتل من أجل المنظمة، بل كان يقاتل من أجل تلك العائلة الصغيرة التي ولدت لتوها وسط الرماد.

كانت هذه اللحظة هي الهدوء الوحيد قبل عاصفة الخروج من المصنع.

كايد وقف في وسط القاعة الرئيسية، أنفاسه الثقيلة تتصاعد في الهواء البارد الرطب. الأبواب المعدنية الثقيلة كانت مفتوحة الآن كلها، مصاريعها مكسورة أو مدحورة إلى الجانبين، والضوء الشاحب لمصابيح الطوارئ يتسلل من الخارج كشريط رفيع من الفضة. الطريق إلى الحرية مفتوح. لا حراس. لا أقفال. لا جدران.ومع ذلك، لم يتحرك أحد.كانوا مئاتاً، ربما أكثر، يجلسون أو يقفون أو يتكئون على الجدران الخرسانية المتشققة. أجسادهم النحيلة، الملطخة بالأوساخ والدماء الجافة، تبدو كأنها منحوتات من طين رمادي. عيونهم فارغة، أو منحنية إلى الأسفل، أو مثبتة على نقطة ما في الأرض لا يراها أحد سواهم. حتى الأطفال الصغار، الذين كانوا يبكون قبل ساعات، صاروا الآن صامتين كالموتى.كايد رفع يده ببطء، مشيراً نحو الباب الرئيسي المفتوح.«الطريق مفتوح. اخرجوا.»صوته خرج خشناً، متعبًا، لكنه واضح. تردد صداه في القاعة الواسعة ثم تلاشى دون أن يحرك أحداً.نظر إلى أقرب امرأة إليه، كانت في أواخر العشرينيات، شعرها المتشابك يغطي نصف وجهها. كانت تجلس على الأرض، ركبتاها مرفوعتان إلى صدرها، ذراعاها ملتفتان حولهما كأنها تحمي شيئاً غير موجود.«أنتِ. قومي. الباب هناك.»رفعت رأسها قليلاً. نظرت إليه. ثم أعادت رأسها إلى مكانه بين ركبتيها. لم تقل شيئاً. لم تتحرك.كايد شعر بشيء يضغط على صدره. لم يكن غضباً. كان شيئاً أثقل، أقرب إلى الاختناق. تقدم خطوتين نحو مجموعة أخرى، ثلاثة رجال يجلسون متلاصقين كالكلاب المطرودة.«هل تسمعونني؟ الباب مفتوح. لا أحد سيوقفكم. اخرجوا الآن.»أحدهم، رجل في الأربعين تقريباً، لحيته كثة ومتشابكة، رفع عينيه ببطء. كانت نظرته باهتة، كأنها تنظر من خلف زجاج سميك.«وإلى أين؟» سأل بهدوء، صوته خافت كأنه يتحدث إلى نفسه.كايد توقف. لم يكن يتوقع السؤال.«إلى... إلى الخارج. إلى المدينة. إلى أي مكان. هناك من يمكنه مساعدتكم.»الرجل هز رأسه ببطء، حركة ميكانيكية صغيرة.«لا أحد ينتظرنا.»سكت كايد. لم يجد جواباً فورياً. نظر حوله مرة أخرى. وجوه شاحبة، أجساد متي

بسة، أنفاس متقطعة. كانوا يرون الباب المفتوح،

لكنهم لم يروا فيه مخرجاً. رأوه كفخ آخر، كوعد كاذب، كشيء سيؤدي بهم إلى ألم جديد.فهم كايد في تلك اللحظة شيئاً لم يكن يريده أن يفهمه: لقد كسروهم. ليس فقط أجسادهم، بل عقولهم أيضاً. فتحت الأبواب، لكن الأقفال الحقيقية كانت داخل رؤوسهم. الحرية صارت بالنسبة إليهم مجرد خطر آخر.شعر بثقل في كتفيه، كأن شخصاً وضع يديه عليهما ويضغط.فجأة، تحركت مايا.كانت تقف على منصة معدنية مرتفعة قليلاً، ربما كانت تستخدم في السابق لرفع الصناديق أو لمراقبة الحراس. صعدت إليها دون أن ينتبه إليها أحد، وقفت في المنتصف، صغيرة، نحيلة، لكن وقفتها مستقيمة لأول مرة منذ أيام.رفعت صوتها. لم يكن صوتاً عالياً جداً، لكنه كان واضحاً، نقياً، يقطع الصمت كشفرة.«اسمعوني.»توقف كايد. التفت الجميع، ببطء، كأن أصواتهم تحتاج إلى وقت لتصل إلى عقولهم.مايا وضعت يديها على خصرها، كما رأت كايد يفعل أحياناً عندما يريد أن يبدو قوياً.«أنا أيضاً كنت مثلكم. كنت أجلس هنا. كنت أخاف. كنت أظن أن الخروج سيكون أسوأ من البقاء. كنت أظن أن الذين في الخارج سيعذبونني أكثر، أو سيرمونني في مكان أسوأ، أو أنهم لن يريدونني أصلاً.»ساد صمت. لكن هذه المرة لم يكن صمت الفراغ. كان صمت الاستماع.«لكنني خرجت. ولم يحدث شيء مما كنت أخافه. لقد وجدت شخصاً... لم يضربني. لم يبعني. لم يقل لي أنني لا قيمة لي. أعطاني طعاماً. أعطاني مكاناً أنام فيه. علمني كيف أمسك السلاح لأحمي نفسي. قال لي إنني لست بضاعة.»رفعت يدها اليمنى، ومدت خنصرها نحو الأمام، كما فعل كايد معها قبل ساعات.«وعدني. وقال إنه سيبقى معي حتى أصبح قادراً على البقاء وحدي. وقال إن هناك أماكن يمكن أن تأخذونا فيها، أناس يعرفون كيف يساعدون من مرّ بما مررنا به. أطباء. أشخاص يعتنون بالأطفال. دور. ليسوا جميعهم طيبون، لكن بعضهم... بعضهم حقيقي.»تنفست بعمق، صوتها يرتجف قليلاً لكنها لم تتوقف.«أنتم خائفون.

أنا أعرف. أنا أيضاً كنت خائفة. لكن الخوف هنا... الخوف هنا يقتلكم ببطء. يأكلكم من الداخل حتى لا يبقى منكم شيء. أما الخارج... الخارج قد يؤذيكم، قد يخذلكم، قد يرميكم في الشارع، لكنه يعطيكم فرصة. فرصة أن تختاروا. فرصة أن تقولوا لا. فرصة أن تجربوا أن تكونوا أحياء مرة أخرى.»نظرت إلى وجوههم واحداً تلو الآخر.«لن يأتي أحد ليحملكم على أكتافه. لن يأتي أحد ليقول لكم إن كل شيء سيكون بخير فجأة. لكن إذا بقيتم هنا... ستموتون. ليس اليوم، ولا غداً، لكنكم ستموتون. وأنتم تعرفون ذلك.»ساد صمت آخر. أطول هذه المرة.ثم تحرك أول شخص.كان شاباً نحيفاً، في أوائل العشرينيات، ذراعه اليسرى ملفوفة بقطعة قماش متسخة. تقدم خطوة. ثم خطوة أخرى. نظر إلى الباب المفتوح. ثم إلى مايا. ثم مشى نحو الخارج ببطء، كأنه يختبر الأرض تحت قدميه.تبعه آخر. امرأة في الثلاثينيات، تمشي معتمدة على الحائط. ثم رجل عجوز يسند ابنه المراهق. ثم ثلاثة أطفال يمسكون بأيدي بعضهم.ليس الجميع.بعضهم ظل جالساً، يهز رأسه، يبكي بهدوء، أو يحدق في الفراغ. آخرون حاولوا النهوض لكنهم سقطوا، أجسادهم ضعيفة جداً، أرجلهم لا تحملهم بعد كل هذه الشهور.كايد لم ينتظر.تقدم نحو أول من سقط، امرأة في الأربعينيات، ركبتاها مرتجفتان. وضع ذراعه تحت كتفها، وسندها بقوة.«أمسكي بي. سنمشي معاً.»رفعها. ثم مد يده إلى آخر، رجل مسن لا يستطيع الوقوف وحده. حمله على ظهره دون كلام. ثم عاد ليسند آخرين.مايا نزلت من المنصة، وركضت تساعد الأطفال الصغار الذين كانوا يبكون. أمسكت بيد طفلة صغيرة، ثم بيد أخرى، وسارت بهم نحو الباب.الخروج بدأ بطيئاً. خطوة. خطوتان. ثم أكثر. لم يكن اندفاعاً. لم يكن هروباً حماسياً. كان زحفاً بطيئاً، مؤلماً، لكنه حقيقي.كايد، وهو يحمل اثنين ويسند ثالثاً، نظر إلى مايا التي كانت تسير أمامه بخطوات صغيرة وثابتة، تمسك بأيدي ثلاثة أطفال.في تلك اللحظة فقط، شعر بشيء ينكسر بداخله. ليس حزناً. ليس غضباً.كان شيئاً أقرب إلى الاعتراف.أن هذه الطفلة، التي أنقذها بالصدفة، أصبحت الآن أقوى منه في شيء لم يعد قادراً على تعليمه.الضوء في نهاية الممر اقترب أكثر. صوت أنفاسهم اختلط بصوت خطواتهم البطيئة.لم يكن النصر. لم يكن نهاية.لكنه كان بداية شيء.شيء يحتاج إلى وقت طويل جداً ليشفى.

كان الخروج بطيئاً، كأن الأرض نفسها ترفض أن تتركهم يذهبون. خطوة بعد خطوة، يتكئ بعضهم على بعض، يتعثرون، يسقطون، ثم ينهضون مجدداً بمساعدة الآخرين. كايد كان في الخلف، يحمل امرأة عجوز على ظهره، ويسند رجلاً آخر بذراعه اليمنى، بينما يده اليسرى تمتد لتساعد طفلاً صغيراً يجري بقدمين حافيتين. مايا كانت في المقدمة، تمسك بيدي طفلين، صوتها الرفيع يردد باستمرار: «لا تخافوا، فقط امشوا، الباب قريب.»كان الصمت ثقيلاً، متقطعاً بأنفاسهم المتقطعة وأصوات أقدامهم على الخرسانة المتصدعة. لم يكن أحد يتحدث كثيراً. لم يكن هناك ما يقال. كان الجميع يعرف أن الخروج ليس نهاية، بل مجرد بداية أخرى من المجهول.ثم جاء الصوت.

أولاً كان همهمة بعيدة، كأن السماء نفسها تهتز. ثم تحولت إلى ضجيج منخفض، منتظم، يقترب بسرعة. كايد رفع رأسه. رأى النقاط السوداء في الأفق، ثلاث مروحيات سوداء، تحلق على ارتفاع منخفض، أضواؤها الحمراء تومض كعيون مفتوحة في الليل.«كلكم انزلوا!» صرخ كايد، وهو يرمي بنفسه خلف كومة من البراميل المعدنية الصدئة.لم يفهم الجميع على الفور. بعضهم توقف، نظر إلى السماء، ثم بدأ الرعب يتسلل إلى عيونهم.أولى الرصاصات جاءت كالمطر.رشاش ثقيل، صوت مدوٍ يمزق الهواء، يضرب الأرض والجدران والأجساد في آن واحد. الرصاص انفجر في الخرسانة، أثار غباراً كثيفاً، وأصاب من أصاب. صرخة امرأة. صرخة رجل. طفل سقط ولم ينهض.مايا كانت لا تزال في المقدمة. وقفت فجأة، صغيرة وسط الفوضى، وصرخت بأعلى صوتها:«لا تتوقفوا! اهربوا! لا تتوقفوا!»كانت صرخة حادة، ممزقة، لم تكن صرخة طفلة. كانت صرخة من رأى الموت من قبل ولم يعد يخافه بنفس الطريقة.«الموت أو هذه الحياة! إن كنت مكانكم لاخترت الموت! لكنكم لستم مضطرين للموت هنا! اخرجوا! اخرجوا الآن!»كانت تقف مكشوفة، لا تختبئ، صوتها يقطع صوت الرصاص كشفرة. نظرت إلى الذين كانوا يترددون، الذين كانوا يتكورون على أنفسهم، الذين كانوا يبكون.«أنتم لستم بضاعة بعد الآن! أنتم بشر! وللبشر مكان خارج هذه الجدران! إن بقيتم هنا ستموتون ببطء، كل يوم قطعة منكم تموت! لكن إن خرجتم... قد تعيشون! قد تجدون من يساعدكم! قد تجدون من ينظر إليكم كبشر وليس كحيوانات! اخرجوا! أرجوكم... اخرجوا!»كان صوتها يرتجف، لكنه لم ينكسر. كانت الدموع تجري على وجهها، لكنها لم تمسحها. ظلت تقف، صغيرة، مكشوفة، تصرخ وسط المطر الناري.وتحركوا.لم يكن الجميع. لم يكن انفجاراً من الشجاعة. كان بعضهم فقط. شاب رفع امرأة مصابة في ذراعيه وركض نحو الباب. رجل عجوز سحب نفسه على الأرض بيديه، متجاهلاً الألم في ساقيه. ثلاثة أطفال تمسكوا ببعضهم واندفعوا يركضون، يصرخون، يبكون، لكنهم يركضون.وآخرون لم يتحركوا.امرأة ظلت جالسة، تضم رأسها بين يديها،

تهز نفسها ذهاباً وإياباً. رجل آخر وقف، نظر إلى الباب، ثم عاد وجلس مجدداً، كأن الحركة استنزفت منه آخر ذرة إرادة. طفل صغير، لا يتجاوز الخامسة، ظل يبكي بصمت، متشبثاً بساق أم ميتة.كايد لم يتوقف. ركض نحو الذين سقطوا، رفع امرأة أصيبت في ساقها، حمل طفلاً آخر على كتفه، وسند رجلاً ينزف من كتفه. كان يصرخ بين الحين والآخر:«تحركوا! لا تتوقفوا! تحركوا!»لكن الرصاص لم يتوقف. كانت المروحيات تدور في دوائر منخفضة، تضيء المكان بأضواء كاشفة بيضاء قاسية، ترمي الموت على كل من يتحرك.فجأة، توقفت.توقفت الرشاشات. توقفت الدورات. ساد صمت مفاجئ، مخيف أكثر من الضجيج.من بين الحشائش الطويلة على جانب الطريق، خرج رجل.كان يمشي ببطء. خطواته ثقيلة، متعثرة قليلاً. ملابسه ممزقة، وجهه شاحب، عيناه غائرتان، لحيته كثة ومتشابكة بالدم والأوساخ. كان يحمل مسدساً في يده اليمنى، يتأرجح قليلاً مع كل خطوة.كايد توقف. عيناه اتسعتا.«أكسل...»كان هو. أكسل. الصديق الذي تركه خلفه. الذي اعتقد أنه مات، أو سجن، أو اختفى.تقدم كايد نحوه بخطوات سريعة، ذراعاه ممدودتان، وجهه يحمل ابتسامة أولى منذ أيام.«أكسل! أنت حي! الحمد لله أنت...»لم يبتسم أكسل.رفع المسدس ببطء، وصوبه نحو صدر كايد.توقف كايد فجأة. ابتسامته تلاشت.«أكسل... ماذا تفعل؟»صوت أكسل خرج خشناً، مكسوراً، كأنه يتكلم من قبر.«لا تقترب.»كايد رفع يديه ببطء.«أكسل... أنا آسف. كنت سأعود إليك. كنت... كنت سأنقذك. لقد حدث كل شيء بسرعة. كنت...»«كاذب.»كلمة واحدة. قاسية. كأنها سكين.«بسببك مات أبي. بسببك. قتلوه أمام عيني. قطعوا رأسه. وأنت... أنت هربت مع تلك العاهرة الصغيرة.»نظر أكسل نحو مايا. كانت تقف على بعد، عيناها واسعتان، يدها تمسك بيد طفلة أخرى.«أنت تخليت عني من أجلها.»«لا، أكسل، أقسم لك... كنت سأعود. كنت...»«كفى كذباً.»تقدم أكسل خطوة. المسدس لا يزال مرفوعاً.

«كنت أثق بك. كنت أظن أنك ستأتي. انتظرتك ثلاثة أيام. ثلاثة أيام من التعذيب. ثم جلبوا أبي. وقطعوا رأسه. أمامي. وأنت لم تأتِ.»دموع بدأت تنزل على وجه أكسل، لكن صوته لم يرتجف. كان صوتاً ميتاً.«أنت تركتني أموت. ثم هربت معها. مع تلك الطفلة التي اخترتها بدلاً مني.»كايد هز رأسه ببطء.«أكسل... أنا آسف. أنا حقاً آسف. لكن دعنا نتحدث. دعنا...»«لا كلام.»نظر أكسل إلى مايا مجدداً. ثم رفع المسدس نحوها.«سأقتلها. كما قتلوا أبي. سأقتلها أمامك.»ركضت مايا فجأة. ركضت نحو الحشائش، تصرخ للأطفال أن يتبعوها. أكسل بدأ يطلق النار. الرصاصات أخطأتها في البداية، ضربت الأرض، أثارت الغبار. ثم أصابت إحداها كتف طفل صغير كان يجري خلفها. سقط الطفل يصرخ.كايد اندفع نحوه.«أكسل! توقف! توقف!»لكن أكسل لم يتوقف. واصل الجري خلف مايا، يطلق النار، عيناه محمرتين، وجهه مشوهاً بالغضب والألم.كايد ركض خلفه. كان أسرع. كان أقوى. لكنه لم يكن يريد أن يلحق به بهذه الطريقة.«أكسل! أرجوك! استمع إلي! أنا لم أتخلَ عنك! كنت سأعود! أقسم لك!»أكسل التفت فجأة، أطلق رصاصة نحو كايد. أخطأت كتفه بقليل، مزقت قميصه.«كفى كذباً! كفى!»استدار أكسل مجدداً، واصل مطاردة مايا. كانت مايا تركض بين الأشجار، تصرخ للأطفال أن يختبئوا، لكنها لم تختبئ هي. ظلت تجري، مكشوفة، كأنها تريد أن تكون الهدف.كايد لحق بهما أخيراً. قفز فوق جذع شجرة، وضع نفسه بين أكسل ومايا.«كفى، أكسل! إن أردت أن تقتل أحداً، فاقتلني أنا!»توقف أكسل. تنفس بصعوبة. المسدس في يده يرتجف.«لماذا؟ لماذا أنقذتها وتركتني أنا؟»كايد نظر إليه بعينين مليئتين بالأسى.«لم أتركك. كنت سأعود. لكن الأمور حدثت بسرعة. كنت خائفاً عليها. كانت طفلة. لم أستطع تركها تموت.

لكنني لم أتخلَ عنك. أقسم لك.»أكسل ضحك. ضحكة قصيرة، مريرة.«أقسم لك... كم مرة قلتها؟ أقسم لك أنني سأعود. أقسم لك أنني لن أتركك. وفي النهاية... تركتني.»رفع المسدس مجدداً، لكن هذه المرة صوبه نحو كايد.«قل لي... هل تستحق هي كل هذا؟ هل تستحق أن تخسرني من أجلها؟»كايد لم يجب فوراً. نظر إلى مايا، التي كانت تقف على بعد، عيناها مليئتان بالرعب، لكنها لم تهرب.«لا أحد يستحق أن يموت.»قالها بهدوء.«لا أنت. ولا هي. ولا أنا.»أكسل هز رأسه.«متأخر جداً.»وضغط على الزناد.الرصاصة أصابت كتف كايد. لم يصرخ. لكنه تراجع خطوة.أكسل رفع المسدس مجدداً، هذه المرة نحو رأسه.لكن كايد كان أسرع.في لحظة واحدة، اندفع كايد، أمسك بمعصم أكسل، رفع يده إلى الأعلى. الرصاصة أصابت السماء.تدحرجا على الأرض. كايد فوق أكسل. حاول أكسل أن يحرر يده. لم يستطع.«دعني أموت!» صرخ أكسل. «دعني أموت! لقد انتهى كل شيء! أبي مات! أنا مكسور! دعني أموت!»كايد كان يبكي الآن. دموعه تسقط على وجه أكسل.

«لا. لن أدعك تموت. لن أتركك تموت.»أكسل ضحك بمرارة.«متأخر. متأخر جداً.»ثم، بقوة مفاجئة، حرر يده، ووجه المسدس نحو صدر كايد.كايد أمسك بالمسدس بكلتا يديه. حاول نزعه. لم يستطع.نظر في عيني أكسل.«أنا آسف.»ثم، في لحظة لم يكن يريدها، ضغط كايد على الزناد.الرصاصة دخلت صدر أكسل.توقف كل شيء.أكسل نظر إلى كايد بعينين واسعتين. لم يكن فيهما غضب. لم يكن فيهما ألم. كان فيهما شيء أشبه بالسلام.«أخيراً... جئت.»ثم أغمض عينيه.كايد ظل جالساً فوقه، يده لا تزال على المسدس، الدم يتسرب بين أصابعه.لم يتحرك.لم يبكِ.فقط جلس هناك، في الظلام، وسط الجثث والأنفاس المتقطعة للناجين، وجثة صديقه تحت يديه.الليل كان صامتاً الآن. تماماً.

كايد ظل جالساً على ركبتيه، يده اليمنى لا تزال ممسكة بقميص أكسل الملطخ بالدم. الدم كان دافئاً في البداية، ثم بدأ يبرد بسرعة، يتسرب بين أصابعه كأنه يهرب منه هو أيضاً. لم يرفع عينيه عن وجه أكسل. كان الفم مفتوحاً قليلاً، كأنه لا يزال يريد أن يقول شيئاً، لكنه لم يعد قادراً. العينان مفتوحتان، لكنهما لم تعودا تريان.بدأت الدموع تنزل على وجه كايد، بطيئة في البداية، ثم أسرع. لم يكن يبكي بصوت عالٍ. كان صمتاً ممزقاً، أنفاسه متقطعة، كتفاه ترتجفان بلا إرادة. رفع يده اليسرى، وضعها على خد أكسل، كأنه يريد أن يمسح شيئاً غير موجود.«أكسل... أتذكر تلك الليلة في المرفأ؟» همس، صوته مكسور. «كنا نجلس على الصناديق، ننظر إلى البحر. قلت لي إنك تريد أن تصبح صياداً يوماً ما. صياداً كبيراً. قلت إنك ستأخذني معك في القارب. قلت إننا سنصطاد أسماكاً كبيرة حتى لا نجوع أبداً.»ضحكة صغيرة، مريرة، خرجت من حلقه، لكنها تحولت إلى شهقة.«كنت تضحك. كنت تقول إنك ستسمي القارب باسم أمك. وأنا... أنا قلت لك إنني لا أريد أن أصطاد. قلت إنني أريد فقط أن أجلس بجانبك وأنظر إلى البحر. وأنت... أنت قلت لي: "حسناً، اجلس. لكن لا تشتكِ إذا غرقنا."»مسح الدموع بظهر يده، لكنها عادت تسقط.«كنت أنت الوحيد الذي لم ينظر إلي كلاجئ. كنت تناديني باسمي.

لم تقل لي "يا هذا" أو "يا غريب". كنت تقول: كايد. فقط كايد.»أغلق عينيه بقوة.«أنا آسف. أنا آسف يا أكسل. كنت سأعود. كنت سأأتي. لكن... لم أستطع. كنت خائفاً. خائفاً أن أفقدكما كليكما. فاخترت... اخترت أن أنقذ ما استطعت إنقاذه. وخسرتك.»فتح عينيه. نظر إلى السماء السوداء.«لن أسامح نفسي أبداً.»ثم، فجأة، سمع صوتاً خلفه.خطوات ثقيلة. بطيئة. واثقة.استدار ببطء.كان جاكسون فيندل يقف هناك، على بعد عشرة أمتار تقريباً. يده اليمنى تمسك بمسدس، موجهاً نحو رأس مايا. كانت مايا مكبلة اليدين خلف ظهرها، فمها مغلق بشريط لاصق، عيناها واسعتان من الرعب، لكنها لم تكن تبكي. كانت تنظر إلى كايد مباشرة، كأنها تقول له: لا تفعل شيئاً غبياً.جاكسون ابتسم. ابتسامة باهتة، باردة.«حركة جميلة، أليس كذلك؟» قال بهدوء. «قتل صديقك بيدك. ثم تجلس تبكي عليه. دراما حقيقية.»كايد نهض ببطء، يده اليمنى لا تزال ملطخة بدم أكسل. لم يرفع سلاحه. لم يكن معه سلاح الآن. كان قد سقط أثناء الاشتباك.«ما الذي تريده؟» سأل، صوته خافت، لكنه ثابت.جاكسون أمال رأسه قليلاً، كأنه يفكر.«أريدك أنت، بالطبع. أنت المغتال الذي أفسد كل شيء. وأريد بعضاً من تلك الحيتان الكبيرة. ليو تشنغ، سيليا هارت... أسماء كبيرة. أسماء تستحق الثمن.»كايد نظر إلى مايا. كانت تحاول التحرر، لكن جاكسون شد قبضته على ذراعها.«ليس لها علاقة بالأمر،» قال كايد. «اتركها تذهب.»جاكسون ضحك. ضحكة قصيرة، جافة.«مايا؟» كرر الاسم بسخرية. «هذه البضاعة لا تحمل أسماء. هم مجرد... أجساد. أدوات لإرضاء الطباع الحيوانية لأصحاب السلطة. هذا كل ما هم عليه. لا أسماء. لا قصص. لا ماضٍ. فقط لحم.»اقترب خطوة.«لكنك... أنت مختلف. أنت ترى فيها شيئاً. شيئاً يستحق أن تخاطر بحياتك من أجله. أخبرني... لماذا؟»لم يجب كايد.جاكسون اقترب أكثر، سحب مايا معه. ثم، فجأة، مد يده اليسرى ولمس صدرها. لمسة بطيئة، متعمدة، كأنه يقيس شيئاً.مايا تجمدت. عيناها امتلأتا بالدموع، لكنها لم تصرخ. عضت شفتها حتى نزف الدم.«تباً،» قال جاكسون، وهو يترك يده تنزلق. «ظننت أنها أكبر من هذا. ما الذي يعجبك فيها بالضبط، أيها اللوليكون؟ هل هو الضعف؟ هل هو الخوف في عينيها؟ أم أنك ترى فيها شيئاً يذكرك بمن كنت أنت يوماً؟»كايد شد قبضتيه. كتفه الأيمن كان ينزف، الألم ينتشر في صدره كالنار، لكنه لم يتحرك. لم يستطع. ليس الآن.«اتركها،» قال بهدوء. «إن أعطيتك ما تريد... إن

تركتها تذهب، وتركت البقية يذهبون... سأسلم نفسي. سأذهب معك. ستفوز.»مايا هزت رأسها بعنف، حاولت الصراخ رغم الشريط اللاصق. عيناها كانتا تقولان: لا. لا تفعلها.جاكسون رفع حاجبه.«فكرة جيدة،» قال. «لكنني أريد أكثر.»اقترب خطوة أخرى.«أريد الترقية. أنا مجرد محقق. مجرد كلب يعمل لدى الحيتان. أريد أن أصبح حوتاً مثلهم. أريد المال. أريد السلطة. أريد أن أجلس على مائدتهم، لا أن أقف خلفهم.»كايد نظر إليه ببرود.«تيا لك.»جاكسون ضحك.«تيا لي؟ أنت لا تملك شيئاً لتقوله. أنت مجرد قاتل مأجور. مجرد أداة. لكنك أداة مميزة. وهذه الطفلة...»مد يده مرة أخرى نحو مايا.في تلك اللحظة، عضت مايا يده بكل قوتها.صرخت من الألم، لكنها لم تترك. عضت حتى شعرت بالدم في فمها.جاكسون صرخ، سحب يده بعنف، وفي لحظة الارتباك، اندفعت مايا إلى الأمام، ركضت بعيداً عنه.كايد لم ينتظر.رفع المسدس الذي كان قد سقط بجانب جثة أكسل، وأطلق رصاصة واحدة.أصابت جاكسون في كتفه الأيسر. لم تكن قاتلة. لكنها كانت كافية.جاكسون تراجع، صرخ من الألم، ثم انقض على كايد بكل قوته.سقط المسدسان بعيداً. تحولوا إلى جسدين يتصارعان على الأرض.كايد كان مصاباً في كتفه، الدم يتسرب بسرعة، لكنه كان أقوى. حاول جاكسون أن يضربه في وجهه، لكن كايد أمسك بمعصميه، ثم ضرب رأسه في الأرض مرة، مرتين.جاكسون كان يصرخ، يلكم، يحاول التملص.«سأقتلك! سأقتلكما كليكما!»كايد لم يجب.ضغط بكل قوته، وضرب رأس جاكسون في صخرة قريبة.سمع صوتاً مكتوماً. ثم توقف جاكسون عن الحركة.كايد ظل يضغط لثوانٍ أخرى، حتى تأكد.ثم ترك.نهض ببطء، متألماً، يتنفس بصعوبة.نظر حوله.مايا كانت تقف على بعد، ترتجف، عيناها مليئتان بالدموع.البقية... بعضهم كان لا يزال يركض بعيداً. بعضهم سقط، ميتاً أو مصاباً.لكنهم كانوا يتحركون.كانوا يحاولون.كايد نظر إلى جثة أكسل مرة أخيرة.ثم إلى جثة جاكسون.ثم إلى مايا.مشى نحوها بخطوات ثقيلة.عندما وصل إليها، وضع يده على رأسها بلطف.لم يقل شيئاً.لم يكن هناك ما يقال.فقط وقف هناك، وسط الدم والظلام، وهي تمسك بيده بقوة، كأنها لن تتركها أبداً.

كان الصمت يخيم على المكان بعد سقوط جاكسون، صمت ثقيل مشوب بأنفاس متقطعة وأنين خافت من الجرحى البعيدين. كايد كان لا يزال جالساً على ركبتيه بجانب جثة أكسل، يده الملطخة بالدم تتردد فوق صدره دون أن تلمسه، كأنه يخشى أن يؤكد باللمس ما يعرفه عقله بالفعل. الدموع كانت لا تزال تسيل على وجهه، لكنها لم تعد صاخبة؛ صارت مجرد خطوط رطبة باردة تتجمد على بشرته مع هواء الليل.مايا وقفت على بعد خطوات، جسدها الصغير يرتجف، عيناها مثبتتان على كايد كأنها تخشى أن تطرف فتفقده. لم تتقدم نحوه. لم تستطع. كانت قدماها مثبتتين في الأرض، كأن الخوف والحزن قد شكلا جذوراً حول كاحليها.فجأة، سمعا صوتاً خافتاً، صوت احتكاك قماش على تراب.كايد رفع رأسه ببطء.جاكسون كان لا يزال ممدداً على ظهره، لكن صدره كان يرتفع وينخفض، ببطء، بصعوبة. كان يتظاهر بالموت. كان ينتظر.في لحظة واحدة، انقلب جسده كالزنبرك. يده اليمنى أمسكت بخنجر قصير كان مخفياً تحت سترته، وفي حركة سريعة، غير متوقعة، طعن كايد في منتصف صدره.الخنجر دخل بسهولة، كأن الجسد كان ينتظره. خرج الدم من فم كايد دفعة واحدة، ساخناً، غزيراً، سال على ذقنه وقطر على الأرض. عيناه اتسعتا، لم يصرخ، لكنه أطلق أنيناً مكتوماً، كأن الهواء نفسه رفض أن يخرج من رئتيه.سقط على ركبتيه مجدداً، يده اليسرى تمسك بمقبض الخنجر الذي لا يزال مغروساً في صدره، لكنه لم يستطع سحبه. الدم كان يتدفق بين أصابعه، يلون يديه، يتساقط على الأرض كمطر أحمر خفيف.مايا صرخت. صرخة واحدة، حادة، ممزقة، ثم سكتت،

كأن صوتها نفسه مات.جاكسون نهض ببطء، متكئاً على ركبة واحدة، وجهه مشوهاً بالألم والانتصار في آن واحد. رفع الخنجر مرة أخرى، موجهاً نحو رأس كايد، مستعداً للضربة النهائية.لكن مايا تحركت.كانت صغيرة، سريعة، وكانت قد تعلمت. في لحظة واحدة، انقضت على المسدس الذي كان قد سقط بجانب جثة أكسل. أمسكته بكلتا يديها، الارتجاف يعم جسدها كله، لكنها رفعت السلاح، وأطلقت.الرصاصة أصابت حلق جاكسون.لم تكن دقيقة، لكنها كانت كافية. دخلت من تحت الفك، خرجت من مؤخرة العنق. جاكسون أطلق صوتاً غريباً، كأنه يحاول التنفس من خلال أنبوب مكسور. سقط على ركبتيه، يداه تتشبثان بحلقه، الدم يتفجر بين أصابعه كشلال أحمر. حاول أن يتكلم، لكنه لم يستطع. كان يختنق، يطلع الروح ببطء، عيناه مفتوحتان في ذهول أخير.سقط على وجهه، جسده يرتجف مرة أو مرتين، ثم سكن.كايد كان قد سقط على جانبه الأيسر، الخنجر لا يزال في صدره. الدم كان يتجمع تحته بسرعة، يشكل بركة صغيرة سوداء في الظلام. تنفسه كان متقطعاً، قصيراً، كأن كل نفس يكلفه جهداً هائلاً.مايا رمت المسدس، ركضت نحوه، سقطت على ركبتيها بجانبه. يداها الصغيرتان امتدتا نحو وجهه، ترتجفان، تحاولان مسح الدم عن فمه.«كايد... كايد لا... لا تمت... أرجوك...»كانت تبكي الآن، بكاء حقيقي، عميق، كأن كل ما كتمته منذ أشهر انفجر في تلك اللحظة. الدموع تسقط على وجهه، تختلط بالدم.«وعدتني... وعدتني أنك ستبقى... قلت إننا سنكون عائلة... قلت إنك لن تتركني... أرجوك... لا تذهب...»كايد فتح عينيه بصعوبة. كان الضوء فيهما يخبو، لكنه لا يزال يراها. رفع يده اليمنى ببطء شديد، وضعها على خدها. كانت يده ثقيلة، باردة، ملطخة بالدم.«مايا...» همس، صوته بالكاد يخرج. «اسمعيني...»

حاولت أن تهز رأسه، أن تمنعه من الكلام.«لا... لا تتكلم... سأجد أحداً... سأجد طبيباً... سأ...»«لا... لا وقت...»أخذ نفساً عميقاً، مؤلماً، كأنه يجمع آخر قواه.«اهربي... ابحثي عن شخص... أي شخص... شخص يمكنه أن يحميكِ... أخرجي من هذه الجزيرة... عيشي حياة... حياة عادية...»دمعة سقطت من عينه، اختلطت بدمائه.«وانسيني... انسيني أنا... لا تحملي ذكراي... لا تحملي هذا الألم... عيشي فقط... عيشي...»مايا هزت رأسها بعنف.«لا... لا أستطيع... أنت وعدتني... أنت قلت إنك ستكون معي... أنت... أنت أبي... أنت الوحيد الذي...»كايد ابتسم، ابتسامة صغيرة، ضعيفة، حزينة.«أنا لست أباً... أنا مجرد... قاتل... لكنكِ... أنتِ أفضل ما فعلته في حياتي...»تنفس مرة أخرى، أقصر هذه المرة.«اذهبي... الآن... لا تنظري خلفك... عيشي... من أجلي... عيشي...»يده سقطت من وجهها. عيناه أغمضتا ببطء.مايا ظلت تنظر إليه، تنتظر أن يتحرك، أن يتنفس، أن يقول شيئاً آخر. لكنه لم يفعل.ساد الصمت.ثم بدأت تصرخ. صرخة طويلة، ممزقة، كأن روحها تخرج معها. ضربت الأرض بقبضتيها الصغيرتين، مرة، مرتين، حتى نزفت يداها. لكنها لم تستطع إيقاظه.بعد لحظات، نهضت. كانت ترتجف، كانت تبكي، لكنها نهضت.نظرت إلى جثة كايد مرة أخيرة.«سأعيش... سأعيش من أجلك...»ثم استدارت.وركضت.ركضت في الظلام، نحو الباب المفتوح، نحو الخارج، نحو المجهول، وهي تبكي بصوت مكتوم، وداعاً صامتاً للرجل الذي كان، لفترة قصيرة، أباً لها.

بعد لحظات طويلة من الصمت الذي خيّم على المكان، بدأت أصوات جديدة تقترب. أولاً همهمة محركات بعيدة، ثم صوت أقدام ثقيلة على التراب المبلل بالدماء، ثم ضوء كاشف قاسٍ يخترق الظلام كشفرة بيضاء. كانت مجموعة صغيرة من الجنود، يتقدمهم كاكيوين، الشاب ذو الشعر الأحمر الطويل المربوط من الخلف، يرتدي معطفاً أسود طويلاً يتمايل مع خطواته البطيئة والواثقة.توقفوا عند مدخل القاعة المدمرة. الجنود رفعوا أسلحتهم بحذر، يمسحون المكان بأضواء بنادقهم. المشهد كان مروعاً: جثث متناثرة في كل اتجاه، بعضها ممددة بلا حراك، وبعضها لا يزال ينزف ببطء. رائحة الدم والبارود تملأ الهواء، ثقيلة، خانقة. البضاعة... قد هربت. لم يبقَ منهم سوى بضعة أجساد سقطت أثناء الركض، أو من كانوا ضعفاء جداً ليغادروا.كاكيوين لم يبدُ متفاجئاً. نظر إلى المشهد بعينين باردتين، كأنه يقرأ تقريراً مكتوباً مسبقاً. تقدم خطوتين، تجاوز جثة أحد الحراس، ثم توقف. عيناه استقرتا على جسد كايد الممدد على الأرض، صدره ملطخ بالدم، عيناه مفتوحتان نحو السماء، لا حياة فيهما.«ميت،» قال كاكيوين بهدوء، كأنه يؤكد حقيقة بديهية.ثم التفت إلى الجانب. رأى جاكسون ممدداً على ظهره، حلقه ممزق، دماؤه تتجمع تحت رأسه في بركة سوداء لزجة. كان لا يزال يتنفس، أنفاساً خفيفة، متقطعة، كأن الجسد يتشبث بالحياة بأظافر متعبة.جاكسون فتح عينيه ببطء. كان وجهه شاحباً، مغطىً بالعرق والدم. عندما رأى كاكيوين، انفرجت شفتاه في ابتسامة ضعيفة، مبتورة، أقرب إلى تشنج.«أنت... حقاً يصعب قتلك، أيها الملعون،»

قال جاكسون، صوته خافت، متقطع، كل كلمة تكلفه جهداً. ضحك ضحكة قصيرة، انتهت بأنين ألم.كاكيوين لم يبتسم. اقترب بخطوات هادئة، ثم انحنى بجانبه. مد يده اليمنى، ومن بين أصابعه بدأت خيوط خضراء رفيعة تتدفق، كأنها أوردة حية من الضوء. خيوط هيروفانت جرين. تحركت الخيوط بسرعة، كإبر دقيقة، تدخل في حلق جاكسون، تخيط الجروح، تربط الأنسجة الممزقة، تسد الشرايين النازفة.جاكسون شهق، أنفاسه بدأت تتعمق تدريجياً. رفع يده اليسرى، لمس حلقه بحذر، كأنه لا يصدق أنه لا يزال يتنفس.«شكراً،» قال، صوته أقوى الآن، لكنه لا يزال خشناً، متعباً. «كنت أظن أنني سأموت هنا... مثل كلب.»كاكيوين نهض، نفض يده كأنه يتخلص من شيء لزج.«البضاعة هربت،» قال بهدوء. «لكن المغتال مات. هذا يكفي.»جاكسون ضحك ضحكة قصيرة، تحولت إلى سعال.«العاهرة الصغيرة هربت أيضاً. تلك الطفلة... كادت تقتلني. لولا أنني...»كاكيوين قاطعه دون أن ينظر إليه.«لا يهم. هذه أيام أخيرة للجميع هنا. غداً يغادر المليارديرات إلى شنغهاي. المقر الجديد اكتمل. لا حاجة لنا بهذه الجزيرة بعد الآن.»جاكسون رفع حاجبه، ثم حاول النهوض، متكئاً على مرفقه.«إذن... أنتم لم تعودوا تحتاجونني؟»كاكيوين التفت إليه أخيراً. عيناه كانتا فارغتين، لا تعبران عن شيء.«لا.»كلمة واحدة. حاسمة. باردة.جاكسون ابتلع ريقه. حاول أن يبدو هادئاً، لكنه لم يستطع إخفاء التوتر في صوته.«انتظر... أنا لا أزال أستطيع المساعدة. أنا محقق. أعرف كيف أتعقب. أعرف كيف أجد الناس. أنا من قتل المغتال، أليس كذلك؟ أنا من أنهى التهديد. يمكنني أن أكون مفيداً لكم. يمكنني أن أعمل تحت إمرتكم. أنا...»كاكيوين لم يدعه يكمل.رفع يده ببطء. خيط أخضر رفيع،

كالإبرة، انطلق من أصابعه، اخترق كتف جاكسون الأيمن بعمق، مزق العضلة، قطع الشريان. الدم تفجر فجأة، سال بغزارة على ذراعه، على الأرض.جاكسون صرخ، صرخة مكتومة، ثم انهار على ظهره مجدداً، يده تضغط على الجرح، عيناه واسعتان من الصدمة والألم.كاكيوين اقترب خطوة واحدة، نظر إليه من الأعلى.«المرة القادمة التي تعيد فيها هذا الكلام التافه... ستكون الضربة موجهة إلى دماغك.»كان صوته هادئاً، منخفضاً، كأنه يقرأ تعليمات من كتيب.جاكسون لم يجب. كان يتنفس بصعوبة، ينظر إلى كاكيوين بعينين مليئتين بالخوف الحقيقي لأول مرة. لم يكن هناك مجال للتفاوض. لم يكن هناك مجال للكلام.كاكيوين استدار، دون كلمة أخرى، وبدأ يمشي بعيداً نحو الجنود الذين كانوا ينتظرونه عند المدخل. خطواته كانت منتظمة، هادئة، كأن ما حدث لم يكن سوى تفصيل صغير في يوم عادي.جاكسون ظل ممدداً على الأرض، يده تضغط على كتفه، الدم يتسرب بين أصابعه. كان يعرف. كان يعرف جيداً السبب وراء هذا الاحتقار. كاكيوين لا يحترم من يبيع نفسه. لا يحترم من يرى في المليارديرات حيتاناً يمكن استغلالها. بالنسبة إليه، جاكسون ليس إلا كلباً ينبح من أجل فتات. وكلاب لا تحتاج إلى أن تُشرح لها القواعد مرتين.كان الصمت قد عاد إلى المكان، أثقل من قبل. فقط صوت أنفاس جاكسون المتقطعة، وصوت خطوات كاكيوين التي تبتعد، تتلاشى تدريجياً في الظلام. مايا ركضت. ركضت دون أن تنظر خلفها، كما أوصاها كايد في آخر أنفاسه. قدماها الصغيرتان تغوصان في التراب الرطب، تتعثران في الجذور والحجارة، لكنها لم تتوقف. الدموع كانت تسيل على وجهها، تختلط بالعرق والغبار، تجعل رؤيتها ضبابية، لكنها لم تمسحها. لم يكن لديها وقت للحزن المنظم. كان عليها فقط أن تبتعد، أن تهرب، أن تعيش، كما وعده.الغابة كانت كثيفة، مظلمة، الأشجار تتشابك فوق رأسها كسقف متشقق لا يسمح إلا بخيوط رفيعة من ضوء القمر. كانت تسمع أصواتاً بعيدة: صرخات متقطعة، أوامر عسكرية، أزيز رصاص متقطع. لكنها لم تتوقف لتستمع. ركضت حتى شعرت أن رئتيها ستتمزقان، حتى أصبحت ساقاها ثقيلتين كالرصاص، حتى سقطت على ركبتيها أخيراً، تلهث، يداها تغوصان في التراب الرطب.رفعت رأسها ببطء. كانت في مكان مفتوح نسبياً، حيث تنحسر الأشجار قليلاً، وتتكشف رقعة من الأرض المدمرة. رائحة الدم والبارود كانت أقوى هنا. ثم رأتها: الجثث.كانت متناثرة في كل مكان. جنود، ثلاثون، أربعون، ربما أكثر. أجسادهم ممزقة، بعضها مقطعة إلى نصفين، بعضها محترقة، بعضها مثقوبة بثقوب دقيقة وعميقة كأن رمحاً عملاقاً مر من خلالها. كان المشهد صامتاً، ميتاً، كأن المعركة انتهت منذ زمن وتركت وراءها فقط هذا الصمت الدامي.مايا تجمدت. خوفها عاد أقوى من قبل، لكنه كان مشوباً بشيء آخر: فضول مرعب. من يستطيع أن يفعل هذا؟ من يستطيع أن يقتل هذا العدد بهذه السرعة، بهذه الدقة؟تقدمت خطوة، ثم خطوة أخرى. في وسط الجثث، على صخرة كبيرة مسطحة، كانت تجلس امرأة. ظهرها إليها، تنظر إلى البحر البعيد، حيث يبدأ الأفق في التلاشي مع سماء الليل. كانت تمسك برمحاً طويلاً، رأسه مدفون في الأرض بين قدميها، يداها مستريحتان على مقبضه. لم تتحرك. لم تنظر إليها. كأنها لا تهتم بوجود أحد.مايا توقفت على بعد أمتار. قلبها كان يدق بقوة حتى شعرت به في حلقها. كانت خائفة، نعم، لكن شيئاً داخلها، شيئاً تعلمته من كايد، جعلها لا تهرب فوراً. كانت تريد أن تعرف. من هذه المرأة؟ كيف فعلت هذا؟فجأة، استدارت المرأة.كانت ملامحها ناضجة، واثقة، عيناها خضراوان واسعتان، نظرتهما هادئة لكن حازمة، كأنها ترى كل شيء دون أن تتأثر. شعرها أشقر فاتح، مصفف بعناية، مع خصلة صغيرة بارزة فوق جبهتها، وفوق رأسها تاج ذهبي صغير أنيق. كانت ترتدي درعاً أزرق داكناً مفضضاً، مع وشاح أحمر ملكي مبطن بالفرو الأبيض حول عنقها، وتنورة زرقاء مشقوقة تسمح بالحركة، ودروع فضية تحمي ساقيها. الرمح الذي تمسكه كان ضخماً، رأسه لامعاً، كأنه لم يتسخ بدماء كل هؤلاء الجنود.وقفت ببطء. لم ترفع الرمح. لم تهدد. فقط وقفت، ونظرت إلى مايا.«لا بأس،» قالت بهدوء، صوتها عميق، واضح، يحمل سلطة طبيعية. «لن أؤذيكِ.»مايا لم تتحرك. ظلت واقفة، يداها مشدودتان على جانبيها، عيناها تترقبان كل حركة.المرأة أمالت رأسها قليلاً، كأنها تدرسها.«هل أنتِ الطفلة التي كان كايد يريد حمايتها؟»ارتجفت شفتا مايا. لم تستطع الكلام في البداية. ثم، بصوت خافت، مكسور:«نعم...»تنهدت المرأة، نظرة أسف خفيفة مرت على وجهها.«إذن... هذا يعني أنه مات. للأسف.»بدأت دموع مايا تنزل مجدداً، صامتة هذه المرة. لم تصرخ. فقط بكت، بكاء هادئ، عميق.«من أنتِ؟» سألت أخيراً، صوتها يرتجف.المرأة نظرت إليها للحظة طويلة، ثم أجابت:«أنا أحد أفراد المنظمة التي أرسلتني لأخذ كايد بالقوة، بعد أن عصى الأوامر. لكن يبدو أنه مات، لذا... لم يعد هناك هدف.»مايا هزت رأسها ببطء.«كيف... كيف لا يهم؟ كان... كان كل شيء بالنسبة إليّ...»المرأة تقدمت خطوة واحدة، ببطء، حتى لا تخيفها. ثم، فجأة، انحنت وفتحت ذراعيها. لم تكن حركة مفاجئة، بل هادئة، مدروسة. مايا ترددت لثانية، ثم اندفعت نحوها، ارتمت في حضنها، وبدأت تبكي بصوت أعلى، كأن كل ما كتمته خرج أخيراً.المرأة وضعت يدها على رأسها، ربتت عليها بلطف، بحركة أمومية لم تكن تتوقعها مايا.«أنا آسفة لخسارتكِ،» قالت بهدوء. «كنتُ صديقة كايد أيضاً... منذ زمن بعيد.»مايا رفعت رأسها، عيناها محمرتان.«أين... أين كنتِ وقت القتال؟»المرأة ابتسمت ابتسامة صغيرة، حزينة.«كنتُ هنا. أقاتل كل هؤلاء الجنود الذين كانوا متوجهين إلى المصنع للقضاء عليكم. كنتُ أحاول مساعدتكم... بشكل غير مباشر.»مايا نظرت إلى الجثث المتناثرة حولها. فهمت الآن. كل هذا الدم، كل هذه الجثث... كانت من أجلها. من أجلهم.«لو كنتُ أعرف أنه سيُقتل... لكنتُ تدخلتُ بنفسي،» قالت المرأة، صوتها يحمل نبرة ندم خفيفة. «لكن الماضي ماضٍ. لا نستطيع تغييره. وكل يوم... يموت أشخاص. هكذا هي الحياة.»مايا ظلت صامتة للحظة. ثم، فجأة، عانقت المرأة بقوة أكبر، دفنت وجهها في صدر درعها البارد.«أريد الانتقام منهم... منهم جميعاً...»المرأة سكتت للحظة. ثم وضعت يدها على كتفيها.«لن تستطيعي الآن. أنتِ صغيرة. ضعيفة. ليس لديكِ القوة بعد. هدفي الوحيد كان أخذ كايد... وبما أنه مات، فقد انتهى دوري هنا.»رفعت مايا رأسها، عيناها مليئتان بالعزم رغم الدموع.«خذيني معكِ... إلى المنظمة. أريد أن أصبح قوية. أريد أن أنتقم.»المرأة نظرت إليها طويلاً. ثم أومأت برأسها ببطء.«إن كنتِ متأكدة... فتعانقيني. سآخذكِ معي. لكن اعلمي... الطريق طويل. والثمن باهظ.»مايا عانقتها بقوة أكبر.«أنا مستعدة.»المرأة ابتسمت ابتسامة صغيرة.«اسمي... ليندراغون.»ثم وقفت، وسحبت مايا معها بلطف. نظرت إلى البحر مرة أخيرة، ثم بدأتا تمشيان بعيداً، تاركتين خلفهما الجثث، والدم، والجزيرة التي كانت يوماً جنة، وأصبحت الآن مجرد مقبرة.

2026/01/13 · 11 مشاهدة · 12770 كلمة
نادي الروايات - 2026