[تدور احداث هذا الفصل في وسط احداث الفصل 87]

استيقظ بليك في صباح ذلك اليوم قبل أن يرن المنبه. كان الضوء الخافت يتسلل من بين الستائر الرقيقة، وصوت المدينة البعيد يصل إليه كهمسة خفيفة. نهض ببطء، شعر بثقل خفيف في عضلاته، ليس ألماً، بل ذلك الإحساس المألوف الذي يبقى بعد أشهر من التدريب الشاق. نظر إلى المرآة الصغيرة فوق المغسلة، رأى عينه اليمنى التي تحمل الجوهرة الخضراء الصغيرة، لا تزال تومض بلمعان خافت كلما تحركت نحوه. ابتسم ابتسامة صغيرة، غير متأكد إن كانت سعادة أم مجرد عادة.ارتدى الزي المدرسي بسرعة، ثم أمسك بحقيبته التي تحمل كتاب "شمس المعارف" المغلف بطبقة رقيقة من التعاويذ التي لا يراها أحد سواه.

نزل الدرج بهدوء، مرّ من المطبخ حيث كانت نيرو جالسة على الكرسي، تقرأ كتاباً قديماً بغلاف جلدي أسود. رفعت عينيها نحوه دون أن تحرك رأسها."صباح الخير"، قال بليك بهدوء وهو يفتح الثلاجة."صباح النور"، أجابت نيرو بصوتها الهادئ المعتاد، ثم أضافت بعد لحظة: "تبدو متعباً قليلاً.""لست متعباً. فقط... أعتاد على العودة إلى الروتين."أغلق الثلاجة بعد أن أخذ زجاجة ماء، ثم وقف لحظة ينظر إليها. "مونو أين؟""في الحديقة الخلفية. تقول إنها تتفقد الحواجز."ابتسم بليك ابتسامة صغيرة. "بالطبع."خرج من الباب الأمامي، وفي الطريق إلى المدرسة شعر بالهواء البارد يلامس وجهه. كان الشارع هادئاً، رائحة الخبز الطازج تتسرب من مخبز الزاوية. مشى بخطوات منتظمة، يفكر في أن هذا الصباح يشبه تماماً ما كان يحلم به قبل أشهر: يوم عادي، مدرسة، أصدقاء، لا وحوش، لا تدريبات، لا لعنات. لكنه يعرف أن هذا الهدوء مؤقت، مثل فترة راحة بين موجتين.وصل إلى بوابة المدرسة قبل أن يمتلئ الفناء. صعد الدرج إلى الطابق الثاني، ودخل الفصل 2-ب. كان دووك – أو بابادوك كما يسميه الجميع في المنزل – جالساً بالفعل في المقعد الخلفي، ينظر من النافذة بتعبير يصعب تفسيره. رفع حاجباً عندما رأى بليك."صباح الخير، سيدي"، قال دووك بصوته الواطئ الساخر المعتاد."صباح النور"، رد بليك وهو يجلس بجانبه. وضع حقيبته على الطاولة، ثم نظر إليه. "تبدو مستيقظاً منذ ساعات.""أنا لا أنام كثيراً. عادة قديمة.""أو ربما لأنك تخاف أن أهرب منك إن نمت."ابتسم دووك ابتسامة خفيفة، لم تصل إلى عينيه. "ربما."ساد صمت قصير بينهما. كان الفصل يمتلئ تدريجياً، أصوات الطلاب تملأ المكان، ضحكات متقطعة، كراسي تُسحب، حقائب تُرمى. نظر بليك إلى الساعة على الحائط. لا يزال هناك عشر دقائق قبل دخول الأستاذ."كيف كان يومك أمس؟" سأل بليك بعد لحظة."ممل. كالعادة. ساعدت أكيهيكو في إصلاح دراجته. كان يشتكي من الفرامل.""وأنت؟ لم تشتكِ من شيء؟""أنا لا أشتكي. أصلح."ضحك بليك ضحكة خفيفة. "صحيح. نسيت."نظر دووك إليه جانباً. "أنت تبدو... مختلفاً قليلاً منذ عودتك.""مختلف كيف؟""أقل توتراً. أكثر... هدوءاً. كأن شيئاً بداخلك استقر."فكر بليك لحظة قبل أن يجيب. "ربما لأنني أدركت أخيراً أن الهدوء ليس ضعفاً. أحياناً يكون هو القوة نفسها."لم يعلق دووك، لكنه أومأ برأسه ببطء، كأنه يوافق على شيء لم يقله.دخل الأستاذ أونيزوكا بعد دقائق قليلة. كعادته، لم يرد على التحية الصباحية التي رفعها بعض الطلاب. مشى بخطوات واسعة نحو المنصة، وضع حقيبته بقوة على الطاولة، ثم التفت إلى الفصل بنظرة لا تحمل أي تعبير."صباح الخير"، قال بصوت جاف. "اسمعوا جيداً، لأنني لن أكرر.

"ساد صمت فوري. حتى الذين كانوا يتهامسون توقفوا."غداً، رحلة مدرسية لمدة يومين. سنذهب إلى بلدة كاناليا، على بعد ساعة ونصف بالحافلة. البلدة معروفة بقنواتها المائية وجسورها القديمة. تشبه مدينة البندقية، لكن أصغر وأقل ازدحاماً. البرنامج: زيارة المتحف المائي، جولة بالقوارب الصغيرة، عشاء جماعي، ثم الإقامة في نزل تقليدي. نعود بعد الغداء في اليوم الثاني."نظر إلى الفصل بعينين لا تتحركان. "الرحلة إلزامية. لا أعذار. لا مرض. لا جدة متوفاة للمرة الثالثة هذا الفصل. من لا يريد أن يأتي، يبقى في المدرسة مع الأستاذة المناوبة ويكتب تقريراً من عشر صفحات عن تاريخ البندقية. اختاروا."بدأ همهمة خفيفة في الفصل. بعض الطلاب تبادلوا النظرات المرحة، آخرون أخرجوا هواتفهم ليبحثوا عن صور كاناليا.نظر بليك إلى دووك باستغراب. "رحلة؟ لم أسمع عنها.""كنت غائباً"، رد دووك بهدوء. "أعلنوا عنها قبل ثلاثة أسابيع.""وأنت لم تخبرني؟""لم أظن أنها مهمة. كنت مشغولاً... بالتدريب."ابتسم بليك ابتسامة صغيرة. "صحيح."استدار أونيزوكا إلى السبورة وبدأ يكتب تفاصيل الجدول الزمني بسرعة. "الحافلة تغادر الساعة السابعة صباحاً. تجمعوا أمام البوابة الرئيسية. لا تأخروا. من يتأخر خمس دقائق، يركض خلف الحافلة حتى يصل. واضح؟""واضح!" رد بعض الطلاب بصوت متفرق.أكمل أونيزوكا كتابة الجدول، ثم التفت إليهم مرة أخرى. "الآن، من يريد أن يتولى مسؤولية جمع الأسماء والتأكد من أن الجميع سيدفع الرسوم قبل الغد؟"رفع أكثر من طالب يده. اختار أونيزوكا فتاة في الصف الأمامي، ثم أكمل الدرس كأن شيئاً لم يكن.بقي بليك ينظر إلى السبورة دون أن يركز. كان يفكر في البلدة التي وصفها الأستاذ:

قنوات مائية، جسور قديمة، قوارب صغيرة. شيء هادئ، بعيد عن الوحوش والتعاويذ واللعنات. شيء يشبه الحياة التي كان يحلم بها قبل أن يبدأ كل شيء.نظر إلى دووك الذي كان يرسم شيئاً صغيراً على هامش الدفتر. "هل ستأتي؟""بالطبع"، رد دووك دون أن يرفع عينيه. "لا يمكنني تركك وحدك. قد تفقد طريقك في القناة."ضحك بليك ضحكة خفيفة. "ربما."ظل الصمت يستقر بينهما لبضع دقائق. كان الدرس يسير كالمعتاد، صوت الطباشير على السبورة، همهمة الطلاب في الخلف، رائحة الطباشير والورق القديم تملأ الفصل.ثم فجأة، رفع دووك رأسه وقال بهدوء: "بليك.""نعم؟""هل تفتقد شيئاً؟"نظر بليك إليه، ثم إلى النافذة التي تطل على فناء المدرسة. "أفتقد... أن أكون عادياً. لكنني أعرف أن هذا لن يعود أبداً."أومأ دووك برأسه ببطء. "لكن اليوم... اليوم عادي.""نعم"، قال بليك وهو يبتسم ابتسامة صغيرة. "اليوم عادي."استمر الدرس، واستمر اليوم يتحرك ببطء، كأي يوم مدرسي آخر. لكن في داخل بليك، كان هناك شعور خفيف، غير واضح، بأن هذا الهدوء لن يدوم طويلاً. لكنه، في تلك اللحظة، قرر أن يستمتع به.

انتهى الدرس الأول بصوت جرس خفيف يتردد في الممرات، فبدأ الطلاب يحملون حقائبهم ويتحركون نحو الخارج بسرعة معتادة. نهض بليك بهدوء، أمسك بحقيبته، ونظر إلى دووك الذي كان يغلق دفتره ببطء متعمد."إلى نادي الغرائب؟" سأل بليك."كالعادة"، أجاب دووك وهو يقف. "أكيهيكو قال إنه سيأتي مباشرة بعد انتهاء حصته."خرجا معاً من الفصل، يسيران في الممر الطويل المضاء بضوء الشمس المنعكس على الأرضية اللامعة. كان الهواء يحمل رائحة الطباشير والورق، ممزوجة برائحة القهوة الخفيفة التي يشربها بعض المعلمين في غرفة المعلمين القريبة. لم يتحدثا كثيراً في الطريق، لكن الصمت بينهما كان مريحاً، كأنهما اعتادا على وجود بعضهما دون حاجة إلى كلمات دائمة.وصلا إلى غرفة النادي في الطابق الثالث. كانت الباب موارباً، ومن الداخل ينبعث صوت هيمورا وهي تتحدث بصوت مرتفع قليلاً. دفع بليك الباب، فوجد هيمورا جالسة على حافة الطاولة، ذراعاها متقاطعتان، ووجهها يحمل تعبيراً واضحاً من الغضب المكبوت. أكيهيكو كان واقفاً قرب النافذة، ينظر إلى الفناء السفلي."أخيراً جئتم"، قالت هيمورا بصوت فيه نبرة لوم. "كنت أظنكما نسيتما النادي.""لم ننسَ"، رد بليك وهو يضع حقيبته على الكرسي. "كنا في حصة أونيزوكا."جلس دووك في مكانه المعتاد قرب النافذة، وأخرج هاتفه يتصفحه دون أن يعلق. نظرت هيمورا إلى أكيهيكو، ثم إلى بليك، ثم عادت تنظر إلى أكيهيكو مرة أخرى."أنت تبدو سعيداً جداً"، قالت له بنبرة حادة قليلاً. "كأن الرحلة تخصك وحدك."أكيهيكو رفع حاجبيه بدهشة خفيفة. "لست حزيناً، هذا صحيح. لكن لماذا أكون حزيناً؟""لأن صفك ليس ذاهباً!" قالت هيمورا وهي ترفع صوتها قليلاً. "صفي محروم من الرحلة، وأنتم ستذهبون إلى كاناليا، تركبون القوارب، تزورون المتحف، تنامون في نزل تقليدي... وأنا سأبقى هنا أكتب تقارير أو أراقب الفصل الفارغ!"نظر أكيهيكو إليها للحظة، ثم ابتسم ابتسامة صغيرة. "صفي ذاهب أيضاً."تجمدت هيمورا. "ماذا؟""نعم"، قال أكيهيكو وهو يميل على الحائط.

"الإدارة قررت أن تذهب الصفوف الثانية كلها. صف بليك، صفي، وحتى الصف الثالث المتقدم سيذهب. الرحلة ليست لفصل واحد، بل للمرحلة الثانوية بأكملها تقريباً."فتحت هيمورا فمها، ثم أغلقته، ثم فتحته مرة أخرى. "لماذا لم يقل أحد شيئاً؟!""ربما لأنك كنتِ مشغولة بالغضب منذ الصباح"، قال دووك دون أن يرفع عينيه عن هاتفه.نظرت إليه هيمورا بنظرة نارية، لكنها عادت تنظر إلى أكيهيكو. "إذن... أنت ذاهب حقاً؟""نعم"، أجاب بهدوء. "لكن لا تقلقي. لن نترككِ وحدك. سأحضر لكِ صوراً وفيديوهات، وربما بعض الحلوى من هناك."تنهدت هيمورا بعمق، ثم جلست على الكرسي بجانب الطاولة وهي تضع ذقنها على يدها. "أريد أن أذهب. حقاً. القنوات، الجسور، رائحة الماء... كل ذلك يبدو هادئاً جداً. أحتاج إلى شيء كهذا الآن."ساد صمت قصير. نظر بليك إلى الجميع، ثم إلى هيمورا التي كانت تنظر إلى الأرضية بنظرة شاردة. فكر لحظة، ثم قال بهدوء:"ربما... يمكن أن يأتي معنا آخرون."رفعت هيمورا رأسها. "من؟""مونو ونيرو"، قال بليك. "إذا أرادتا."ضحك أكيهيكو ضحكة خفيفة. "مونو؟ في رحلة مدرسية؟""لم لا؟" رد بليك. "ليس شرطاً أن تكونا طالبين رسميين. يمكننا أن نجد طريقة."نظر دووك إليه أخيراً، ورفع حاجباً. "أنت تتحدث جدياً؟""نعم"، أجاب بليك. "سأسألهما عندما أعود إلى المنزل."غادر النادي بعد نهاية اليوم الدراسي، وعاد إلى المنزل مشياً على مهل. كان الجو بارداً قليلاً، والشمس تميل نحو الغروب، ترسم ظلالاً طويلة على الرصيف. عندما فتح الباب، وجد مونو جالسة على الأريكة، تقرأ كتاباً قديماً، ونيرو تقف قرب النافذة تنظر إلى الخارج."أهلاً"، قال بليك وهو يخلع حذاءه.

"أهلاً"، ردت مونو دون أن ترفع عينيها عن الكتاب.اقترب بليك وجلس على الكرسي المقابل. "هناك رحلة مدرسية غداً. لمدة يومين. إلى بلدة كاناليا. قنوات مائية، جسور، قوارب صغيرة."رفعت مونو عينيها ببطء. "وما شأني أنا؟""أردت أن أسألكما... هل تريدان الذهاب معنا؟"نظرت نيرو نحوه من النافذة. "أنا... أريد.""حقاً؟" سأل بليك بدهشة خفيفة."نعم"، قالت نيرو بهدوء. "سمعت أن هناك ينابيع ساخنة قريبة من البلدة. أريد أن أجربها."ابتسم بليك. "جميل. وأنتِ يا مونو؟"نظرت مونو إليه للحظة، ثم عادت تنظر إلى كتابها. "لا أهتم. اذهبوا أنتم.""لكنكِ ستكونين وحدك في المنزل"، قال بليك بلطف. "لا أريد أن أترككِ.""لا بأس"، ردت مونو بسرعة، وهي تقلب صفحة الكتاب بقوة أكبر من اللازم. "أستطيع الاعتناء بنفسي."نظر إليها بليك للحظة، ثم ابتسم ابتسامة صغيرة. "أعرف أنكِ تستطيعين. لكنني أريدكِ أن تأتي. سيكون الأمر ممتعاً.""قلت لا أهتم"، ردت مونو، لكن صوتها كان أقل حدة هذه المرة."حسناً"، قال بليك وهو يقف. "سأترككِ تفكرين."في تلك اللحظة، دخل دووك الغرفة. كان قد وصل لتوه، ووقف عند الباب ينظر إليهم جميعاً."ما هذا الحديث عن الرحلة؟" سأل بسخرية خفيفة."أحاول إقناع مونو ونيرو بالذهاب معنا"، أجاب بليك.ضحك دووك ضحكة قصيرة. "هذه رحلة مدرسية. للتلاميذ فقط. لا مكان لروح اصطناعية ولا لكائن يتحول إلى عصفور."نظر بليك إليه، ثم ابتسم ابتسامة واسعة."أنا لدي الحل."

أخرج بليك هاتفه من جيبه، نظر إلى الشاشة للحظة، ثم ضغط على اسم الأستاذ أونيزوكا. رن الهاتف مرتين فقط قبل أن يرد."نعم، بليك؟" جاء صوت أونيزوكا من الجهة الأخرى، جافاً كعادته، لكنه لم يبدُ مستاءً من الاتصال في هذا التوقيت."أستاذ، مساء الخير"، بدأ بليك بهدوء. "أريد أن أتحدث معك بخصوص الرحلة.""تكلم.""أريد أن آخذ مونو ونيرو معي."ساد صمت قصير على الخط. ثم سمع بليك أنفاس أونيزوكا الثقيلة قبل أن يجيب:"لا يمكن. الرحلة للتلاميذ فقط. هذه قواعد المدرسة، وليست قابلة للتفاوض.""أعرف"، قال بليك بصوت هادئ. "لكن... مونو ونيرو ليستا مجرد أي شخصين. هما معي دائماً. لا أستطيع تركهما وحدهما في المنزل ليومين كاملين.""بليك"، قال أونيزوكا بنبرة أكثر حدة قليلاً. "أنت تعرف أنني لا أستطيع كسر القواعد. إذا سمحت لك، سيطلب الآخرون أشياء أخرى. سيصبح الأمر فوضى.""أفهم"، رد بليك. "لكن أرجوك، حاول أن تجد حلاً. حتى لو كان استثناءً صغيراً."تنهد أونيزوكا تنهيدة طويلة، يمكن لبليك أن يتخيل تعبيره: يد في الجيب، عينان نصف مغمضتين، وجه يحاول أن يبدو قاسياً لكنه ليس كذلك تماماً."حسناً

"، قال أخيراً. "بالنسبة لمونو... يمكنني أن أغطي عليها. سأقول إنها قريبتك، أخت صغيرة أو ابنة عم، وأنك لا تستطيع تركها وحدها. لن يسأل أحد كثيراً إذا كان الأمر عائلياً. لكن نيرو... لا أستطيع فعل شيء حيالها. لا يمكنني تسجيلها كطالبة، ولا حتى كمرافقة رسمية."نظر بليك إلى نيرو التي كانت تقف قربه، عيناها تلمعان بلمعان خفيف. ابتسمت ابتسامة صغيرة، هادئة."لا داعي للقلق"، قالت نيرو بصوتها الرقيق. "بإمكاني التحول إلى عصفور. سأكون معكم في الرحلة دون أن يلاحظ أحد. سأطير فوقكم، أو أجلس على كتفك، أو أختبئ في حقيبتك. لن يشك أحد في طائر صغير."توقف بليك لحظة، ثم ابتسم ابتسامة عريضة."فكرة جيدة"، قال. "ممتازة حقاً."عاد إلى الهاتف. "أستاذ، سمعت؟ نيرو ستأتي كعصفور. لن تكون ظاهرة كشخص.""عصفور؟" كرر أونيزوكا، وكأنه يحاول استيعاب الفكرة. "حسناً... طالما لن يراها أحد على هيئة بشرية، فلا مشكلة. لكن إذا حدث أي شيء غريب، أنت المسؤول.""شكراً لك، أستاذ"، قال بليك بصدق. "أقدر ذلك كثيراً.""لا تشكرني بعد"، رد أونيزوكا. "فقط تأكد ألا تسببا لي صداعاً. وادفعوا الرسوم قبل الغداء غداً."أغلق الخط.نظر بليك إلى مونو التي كانت لا تزال جالسة على الأريكة، كتابها مغلق الآن على ركبتيها. كانت تنظر إليه بعينين ضيقتين قليلاً."إذن... سأقول إنك أختي الصغيرة"، قال بليك بابتسامة. "ولا أستطيع تركك وحدك في المنزل.""أختك الصغيرة؟" كررت مونو الكلمات ببطء، وكأنها تتذوق طعمها. "أنا لست صغيرة.""أعرف"، قال بليك بلطف وهو يقترب منها. "لكن هذا أفضل ما استطعنا التوصل إليه. لن يسأل أحد كثيراً.""لا أحتاج إلى أن أذهب"، قالت مونو وهي ترفع ذقنها قليلاً. "يمكنني البقاء هنا. لا يهمني.""لكنني أريدك أن تأتي"، رد بليك وهو يجلس بجانبها. "ستكون ممتعة. القنوات، الجسور، الينابيع الساخنة التي تحبها نيرو... ستعجبك."نظرت مونو بعيداً، وجهها محايد، لكن أصابعها كانت تضغط على غلاف الكتاب بقوة أكبر قليلاً من المعتاد."قلت إنني لا أهتم"، كررت.نظر إليها بليك للحظة، ثم مد يده فجأة، ورفعها من تحت إبطيها كما يرفع طفلاً صغيراً. صرخت مونو صرخة قصيرة مفاجئة، وتلوّت في يديه."ياي!" قال بليك بصوت مرح وهو يرفعها أعلى قليلاً.

"سوف تذهبين معي!""أنزلني!" صرخت مونو وهي تضربه على كتفه بقبضتها الصغيرة. "قلت لك أنزلني!"ضحك بليك ضحكة خفيفة، ثم أنزلها برفق على الأريكة مرة أخرى. كانت مونو تحمرّ وجنتاها قليلاً، وهي تنظر إليه بنظرة غاضبة لكنها ليست غاضبة حقاً."سأذهب"، قالت أخيراً، وهي تعدل جلستها وتبتعد عنه قليلاً. "لكن ليس لأنك أجبرتني. فقط... لأنني لا أريد أن تذهب وحدك وترتكب حماقة.""بالطبع"، قال بليك وهو يبتسم. "شكراً لكِ."نظرت نيرو إليهما من مكانها قرب النافذة، وابتسمت ابتسامة صغيرة هادئة."إذن... غداً نستعد"، قالت."نعم"، أجاب بليك وهو ينظر إلى الجميع. "غداً نبدأ."

وصل اليوم التالي بسرعة غير متوقعة. كانت الساعة تشير إلى السابعة صباحاً تماماً عندما وصل بليك ودووك إلى موقف الحافلات أمام البوابة الرئيسية للمدرسة. كان الجو بارداً قليلاً، رائحة الندى تملأ الهواء، والشمس لا تزال خجولة خلف السحب الرقيقة. وقفا معاً قرب الحافلة الكبيرة البيضاء التي كانت محركها يدور بهدوء، في انتظار الطلاب الآخرين.دخلا الحافلة أولاً. كان الدرج الضيق يصدر صوتاً خفيفاً تحت أقدامهما، وفور صعودهما، توقفت الأحاديث داخل الحافلة. رفع الجميع رؤوسهم نحوهما، وعيونهم تتسع تدريجياً.كان بليك يمسك بيد فتاة صغيرة ذات شعر أسود قصير ناعم، ترتدي تنورة قصيرة بلون كريمي فاتح مع قميص أبيض مطرز بأزهار صغيرة، وجوارب بيضاء تصل إلى الركبة. كانت مونو تبدو كدمية حية، وجهها صغير وناعم، عيناها الكبيرتان تنظران إلى الأمام بتعبير محايد يخفي غضباً واضحاً لمن يعرفها جيداً.وعلى كتف بليك الأيمن، كان هناك عصفور أسود صغير، ريشه لامع كالحرير، يقف ثابتاً دون أن يرفرف بجناحيه. نظر العصفور إلى الطلاب بنظرة هادئة، كأنه يقيّم المكان."من هذه؟" همست إحدى الفتيات في المقعد الأمامي."أخته الصغيرة"، أجاب أحدهم بصوت منخفض. "سمعت أن اسمها مونو."دخل أونيزوكا بعد لحظات قليلة، وقف عند باب الحافلة، ينظر إلى الجميع بنظرة واحدة شاملة."كما ترون"، قال بصوته الجاف المعتاد، "بليك يرافق أخته الصغيرة. لا أسئلة. لا تعليقات. ولا تلمسوها كثيراً إن لم ترغب هي. واضح؟"لم ينتظر إجابة. صعد إلى المقعد الأمامي بجانب السائق، وأعطى إشارة للانطلاق.تحركت الحافلة ببطء، وسرعان ما تحولت الأنظار إلى مونو. اقتربت مجموعة من الفتيات من المقعد الذي جلس فيه بليك ومونو، ينظرن إليها بعيون متسعة من الإعجاب."يا إلهي، كم هي جميلة!" قالت إحداهن، وهي تمد يدها بحذر. "شعرها ناعم جداً!"تراجعت مونو قليلاً إلى الخلف، لكن بليك وضع يده برفق على كتفها ليطمئنها. ابتسمت الفتيات، وبدأن يتحدثن إليها بلطف.

"كم عمركِ؟" سألت فتاة أخرى.لم تجب مونو، لكنها نظرت إلى بليك كأنها تنتظر منه الإجابة."سبع سنوات"، قال بليك بهدوء."سبع؟! تبدين أصغر!" قالت الفتاة الأولى، ثم مدت يدها لتمسح خد مونو برفق. "ناعمة جداً!"كانت مونو تمسك يد بليك بقوة أكبر، أصابعها الصغيرة تضغط على أصابعه، لكنها لم تتحرك أو تبتعد. بقيت صامتة، عيناها مثبتتان على الأمام، وجهها جامد.فوق كتف بليك، كان العصفور الأسود لا يزال ثابتاً. اقتربت فتاة أخرى وقالت: "حتى العصفور لطيف! هل يسمح لي بلمسه؟"مدت يدها، لكن العصفور – نيرو – نقر إصبعها بنقرة خفيفة لكن حاسمة. تراجعت الفتاة بسرعة، تضحك وهي تمسك إصبعها."آه، لديه شخصية!" قالت.ضحكت الفتيات الأخريات، وبدأن يتحدثن عن "أخت بليك الجميلة" و"عصفه الغاضب". دارت المحادثات حولهما لدقائق، حتى هدأت تدريجياً وعاد الجميع إلى مقاعدهم.جلس بليك ومونو في النهاية، واستقرت الحافلة على الطريق السريع. كان الصوت الرتيب للمحرك يملأ المكان، ممزوجاً بأحاديث الطلاب المتفرقة.انحنى بليك قليلاً نحو مونو، وهمس لها بصوت لا يسمعه أحد غيرها:"أعرف أن هذا صعب عليكِ."نظرت إليه مونو بنظرة جانبية، ثم همست بصوت منخفض جداً:"هذا أكبر عار في حياتي. تركتني أمسك يدك كأنني طفلة حقيقية. وكل هؤلاء يمدحونني، يلمسونني، يقبلون خدي... وأجبرتني على ارتداء هذا اللباس المزعج."نظر بليك إلى التنورة والقميص، ثم إليها."لا تستطيعين الخروج دائماً بمعطف المطر"، قال بهدوء. "نحن على أبواب الصيف. و... تبدين كيوتة هكذا.""كيوتة؟" كررت الكلمة بنبرة تحمل مزيجاً من الغضب والإحراج. "أنا لست كيوتة.""أنتِ كذلك"، رد بليك بابتسامة صغيرة. "لكن لا تقلقي. سينتهي اليومان بسرعة."في تلك اللحظة، التفت يوتا من المقعد الأمامي نحوهما."بليك"، قال بصوت مرح. "كيف استطعت تربية عصفور مثل هذا؟ إنه يبدو ذكياً جداً. هل دربته بنفسك؟"نظر بليك إلى العصفور على كتفه، الذي كان ينظر إلى يوتا بنظرة هادئة."هو... صديق قديم"، أجاب بليك باختصار. "لا أدربُه. هو من يفعل ما يريد."ضحك يوتا. "يبدو كأنه يفهم كل كلمة تقولها.""ربما"، رد بليك بابتسامة خفيفة.في اللحظة نفسها، التفتت آيومي من المقعد المجاور، ونظرت إلى مونو بعيون متلألئة.

"مونو-تشان!" قالت بصوت عالٍ قليلاً. "أنتِ جميلة جداً! شعرك ناعم، وعيناك كبيرتان! هل يمكنني احتضانك؟"تجمدت مونو للحظة، ثم نظرت إلى بليك كأنها تطلب النجدة."آيومي"، قال بليك بلطف، "هي خجولة قليلاً مع الغرباء.""آه، آسفة!" قالت آيومي وهي تبتسم. "لكنكِ حقاً أجمل أخت صغيرة رأيتها!"في تلك اللحظة، تدخل رين من المقعد الخلفي، صوته يحمل نبرة ساخرة خفيفة."غريب أمركما"، قال. "تبدوان مختلفين تماماً. هي صغيرة ولطيفة، وأنت... أنت تبدو كمن قاتل وحوشاً طوال حياته."نظر بليك إلى رين، ثم ابتسم ابتسامة صغيرة."ربما لأننا مختلفون فعلاً"، رد بهدوء."لكنكما متشابهان في شيء واحد"، أضاف رين وهو يميل إلى الأمام. "كلاكما لا يحب الكلام الكثير."ضحك يوتا وآيومي معاً، وبدأ الحديث يتدفق بينهم. كان الحديث خفيفاً، يتحدثون عن الرحلة، عن القنوات، عن الطعام الذي ينتظرونه في النزل. تحدثوا عن الأيام السابقة أيضاً، عن الحادثة التي مرت منذ أربعة أشهر – موت هانا والأستاذ تاكاشي – لكن لم يغوصوا في التفاصيل. كان الحديث يطفو على السطح، كأنهم جميعاً اتفقوا ضمنياً على أن الوقت قد حان للمضي قدماً.ظلت مونو صامتة معظم الوقت، تمسك يد بليك بقوة أكبر كلما اقترب منها أحد، لكن عينيها كانتا تتحركان بين الوجوه، كأنها تحاول فهم هذا العالم الذي دخلته للمرة الأولى بهذه الطريقة.ظل العصفور على كتف بليك ثابتاً، يراقب كل شيء بعيون صغيرة لامعة.واستمرت الحافلة تسير على الطريق، تحمل معها أصوات الضح

ك الخفيف، وهمسات الإثارة، ورائحة الصباح الجديد.

وصلت الحافلة أخيراً إلى كاناليا بعد ساعة ونصف من السير الهادئ على الطريق المتعرج. توقفت أمام ساحة صغيرة مرصوفة بالحجر الأبيض الناعم، محاطة بأشجار صفصاف تميل أغصانها فوق قناة مائية ضيقة تتدفق بهدوء. نزل الطلاب واحدًا تلو الآخر، يحملون حقائبهم الصغيرة، ويرفعون أعينهم إلى المدينة التي بدت كأنها خرجت من لوحة قديمة.كانت كاناليا صغيرة، هادئة، ومغمورة بضوء الشمس الذهبي الدافئ. امتدت القنوات المائية كأوردة زرقاء عبر المدينة، تعكس السماء والمباني القديمة ذات الجدران الملونة بألوان الباستيل: الوردي الفاتح، الأصفر الدافئ، الأزرق المهدئ. كانت الجسور منحنية ومنخفضة، مصنوعة من الحجر الأبيض الذي تلمّعه السنون، وعليها أحيانًا أواني زهور حمراء وصفراء تتدلى من جوانبها. المباني كانت متلاصقة، نوافذها كبيرة ومفتوحة، ومن بعضها تتسلل رائحة الخبز الطازج والقهوة. كانت القوارب الصغيرة ترسو على جوانب القنوات، مطلية بألوان زاهية، وبعضها مزين بشرائط قماشية ترفرف مع النسيم الخفيف. لم يكن هناك صخب سيارات أو أصوات مزعجة؛ فقط صوت الماء يتحرك بلطف، وأجراس بعيدة ترن في كنيسة صغيرة على تل منخفض، وأحيانًا ضحكات خفيفة تأتي من مقهى على ضفة القناة.نزل بليك من الحافلة، يمسك يد مونو بيساره، وعلى كتفه الأيمن يقف العصفور الأسود الصغير – نيرو – ينظر حوله بعيون لامعة. تبعه دووك مباشرة، يحمل حقيبة ظهر سوداء بسيطة. وقف الجميع في مجموعة صغيرة، ينظرون إلى المدينة بإعجاب صامت في البداية، ثم بدأت الهمسات والتعليقات."يا إلهي، تبدو كأنها حقيقية من قصة!" قالت إحدى الفتيات في الخلف."أجمل مما في الصور"، أضاف يوتا وهو يرفع هاتفه ليلتقط صورة سريعة.في تلك اللحظة، رأى بليك أكيهيكو يلوح له من بعيد. كان يرتدي قميصًا أبيض مفتوح الأزرار العلوية، ويحمل حقيبة صغيرة على كتفه. اقترب منهم بخطوات سريعة، مبتسمًا."أخيرًا!" قال أكيهيكو وهو يصل. "كنت أبحث عنكم.""ماذا تفعل هنا؟" سأل بليك بدهشة خفيفة. "ألست مع مجموعة صفك؟""تركوني"، أجاب أكيهيكو ببساطة وهو يهز كتفيه. "المعلم الخاص بصفنا... نوعًا ما مستهتر. قال لي اذهب حيث تريد، طالما لا تسبب مشكلة. لذا قررت أن أقضي الوقت معكم."نظر دووك إليه بنظرة جانبية. "محظوظ.""نعم، محظوظ"، رد أكيهيكو بضحكة خفيفة، ثم انتقلت عيناه إلى مونو التي كانت تقف بجانب بليك، لا تزال تمسك يده. "وأنتِ... تبدين رائعة في هذا اللباس. اللون يناسبك جدًا."نظرت مونو إليه بنظرة باردة. "اذهب بعيدًا.""هذا جارح، يا فتاة"، قال أكيهيكو وهو يضع يده على قلبه بمسرحية. "كنت أمدحك بصدق.""لا أحتاج إلى مديحك"، ردت مونو بسرعة، لكن صوتها كان أقل حدة مما يتوقع.ضحك أكيهيكو ضحكة خفيفة،

ثم التفت إلى الجميع. "حسنًا، ماذا نفعل الآن؟"في تلك اللحظة، اقتربت امرأة شابة من المجموعة بخطوات واثقة وخفيفة. كانت ترتدي زي المرشدات التقليدي لشركة "Aria Company": فستان أبيض طويل أنيق، مزين بخطوط زرقاء طولية، ووشاح قصير فوق الكتفين ببطانة زرقاء، وقبعة بيريه بيضاء عليها شعار الشركة. شعرها الوردي الفاتح – لون بمبي ناعم ومميز – كان يتدلى بخصلتين طويلتين تصلان إلى أسفل خصرها، بينما كان باقي الشعر من الخلف أقصر ومصففًا بعناية. عيناها الخضراوان الزمرديتان كانتا واسعتين، تعكسان براءة وتفاؤلاً، وابتسامتها الهادئة كانت دافئة وودودة."مرحبًا بكم جميعًا في كاناليا!" قالت بصوت واضح ومبهج. "اسمي ميزوناشي، وسأكون مرشِدتكم السياحية لهذين اليومين. وأنا أيضًا مجدفة الزورق الخاص بكم."نظرت إلى العصفور على كتف بليك، واتسعت ابتسامتها أكثر. "واو! عصفور صغير! أحب العصافير كثيرًا. هل يمكنني...؟"مدت يدها بحذر، لكن نيرو – العصفور – نقر إصبعها بنقرة خفيفة، فتراجعت ميزوناشي ضاحكة."حسنًا، لديه شخصية قوية!" قالت وهي تمسك إصبعها. "لا بأس. سأتركه وشأنه."ثم أشارت إلى الزورق المنتظر على ضفة القناة القريبة: قارب خشبي صغير مطلي باللون الأزرق الداكن، مزين بشرائط بيضاء، وبه أربعة مقاعد مزدوجة."تفضلوا، ادخلوا الزورق. سآخذكم في جولة قصيرة أولاً لتروا المدينة من الماء."دخل دووك أولاً، ثم أكيهيكو، يجلسان في المقعد الأمامي. تبعهما بليك، يساعد مونو على الصعود بحذر، بينما ظل العصفور – نيرو – على كتفه. جلسا في المقعد الثاني، وجاء بعدهما يوتا ورين وآيومي، يتوزعون في المقاعد الخلفية.استقرت ميزوناشي في المقدمة،

ممسكة بالمجداف الطويل، ودفعت الزورق برفق بعيدًا عن الرصيف. بدأت المياه تتحرك تحتهم بهدوء، والزورق ينزلق بسلاسة بين الجدران الحجرية."مرحبًا بكم مجددًا"، قالت ميزوناشي وهي تبدأ التجديف بحركات منتظمة وهادئة. "سنبدأ بجولة في القنوات الرئيسية، ثم نذهب إلى الجسر القديم، وبعدها إلى الساحة الوسطى حيث يوجد مقهى صغير يقدم أفضل آيس كريم في المدينة."نظرت إلى الجميع بابتسامة. "استمتعوا بالمنظر. الكاناليا أجمل عندما تُرى من الماء."بدأ الزورق يتحرك ببطء، والمباني الملونة تنعكس على سطح الماء كلوحة حية. كان الصمت يسيطر للحظات، متقطعًا فقط بصوت المجداف يلامس الماء، وأحيانًا ضحكة خفيفة من الطلاب في الخلف. جلس بليك ينظر إلى المشهد، يشعر بيد مونو الصغيرة لا تزال تمسك يده، وعلى كتفه عصفور أسود صغير يراقب كل شيء بهدوء. كان اليوم لا يزال في بدايته، والمدينة تنتظرهم.

استمر الزورق ينزلق بهدوء على سطح القناة، والماء يصدر صوت همهمة خفيفة كلما لامس المجداف الماء. كانت الشمس قد ارتفعت قليلاً، ترسم خطوطاً ذهبية على الجدران الملونة، وتعكس ظلال الجسور الصغيرة على السطح المتماوج. ميزوناشي كانت تجدف بحركات منتظمة ومريحة، لا تتعب، وكأن الزورق يتحرك بإرادتها وحدها.بدأت تتحدث بصوتها الواضح والدافئ،

موجهة كلامها إلى الجميع دون أن ترفع صوتها كثيراً:"كاناليا لم تكن دائماً هكذا. قبل ستين عاماً، كانت هذه الأرض مجرد صحراء قاحلة، لا ماء ولا خضرة، مجرد رمال تمتد إلى الأفق. ثم جاء عدد من الأشخاص من أوروبا، معظمهم مهندسون ومهندسات معماريون، ومعهم فكرة غريبة: أن يصنعوا مدينة على الماء في مكان لا ماء فيه. بدؤوا بحفر آبار اصطناعية عميقة، يستخرجون منها المياه الجوفية، ثم شكّلوا قنوات دقيقة، بنوا الجسور، زرعوا الأشجار على الضفاف، وأقاموا المباني بأيديهم. استغرق الأمر عقوداً، لكن اليوم... أصبحت كاناليا ما ترونه. مدينة ليست من صنع الطبيعة، بل من صنع الإرادة البشرية."توقفت لحظة لتدير الزورق في منعطف ضيق، ثم أكملت:"كل قناة هنا لها اسم، وكل جسر له قصة. حتى الأحجار التي تحت أقدامكم تحمل ذكرى شخص ما عمل هنا يوماً."ساد صمت قصير، ثم رفعت آيومي يدها بحذر، وكأنها تخشى أن تقاطع شيئاً مهماً."ميزوناشي-سان..." بدأت آيومي بصوت خجول قليلاً، "هل يمكنني سؤالك شيئاً... شخصياً؟"نظرت ميزوناشي إليها بابتسامة مشجعة. "بالطبع. تفضلي.""لماذا اخترتِ هذه الوظيفة؟ أقصد... أن تكوني مرشدة سياحية ومجدفة زورق. هل كان هذا حلمك منذ الصغر؟"توقفت ميزوناشي عن التجديف للحظة قصيرة، ثم أعادت حركتها بنعومة."نعم"، أجابت بدون تردد. "كان حلمي منذ الطفولة. كنت أرى المجدفات في الصور والأفلام، وأقول لنفسي إنني أريد أن أكون مثلهن يوماً. في البداية، كنت فاشلة جداً. كنت أسقط في الماء كل يوم تقريباً، والمجداف كان يبدو ثقيلاً جداً على يديّ الصغيرتين. كنت أبكي أحياناً من الإحباط، لكنني لم أتوقف. مع الوقت، تعلمت. تحسنت حركاتي، أصبحت أفهم الماء، أشعر به، وأصبح الزورق امتداداً لجسدي. اليوم، لا أستطيع تخيل حياتي بدون هذا."نظرت إلى آيومي بعيون دافئة.

"لكن لماذا سألتِ؟"احمرت وجنتا آيومي قليلاً، وخفضت عينيها إلى الماء."أنا... أريد أن أعمل في شيء يشبه عملك. شيء يجعلني أشعر أنني أعطي الناس لحظات سعيدة، أن أكون جزءاً من ذكرياتهم. لكنني مترددة. أخاف ألا أكون جيدة بما فيه الكفاية، أو أن أفشل في البداية وأستسلم."ابتسمت ميزوناشي ابتسامة واسعة، دافئة."الخوف طبيعي"، قالت. "لكن الاستسلام هو الخطأ الوحيد الحقيقي. إذا فشلتِ في البداية، تعلمي من الفشل. إذا سقطتِ في الماء، انهضي وجربي مرة أخرى. المهم ألا تتوقفي. كل مجدفة عظيمة كانت يوماً مبتدئة تبكي لأنها لا تستطيع رفع المجداف. لكنها لم تتوقف. وأنتِ... أنتِ قادرة على ذلك أيضاً."نظرت آيومي إليها بعيون تلمع بالامتنان. "شكراً لكِ.""على الرحب والسعة"، ردت ميزوناشي وهي تعود إلى التجديف.في تلك الأثناء، كان بليك ينظر إلى المشهد بصمت، يستمع إلى الحوار دون أن يتدخل. كان يفكر داخلياً، بطريقة كوميدية خفيفة، أن ميزوناشي هي أكثر مخلوق اجتماعي رآه في حياته. كانت تتحدث بسلاسة، تجيب على أسئلة شخصية دون تردد، تبتسم بصدق، وتجعل كل شخص يشعر أن كلامه مهم. حسدها داخلياً على هذا الذكاء الاجتماعي الطبيعي، الذي يبدو سهلاً لديها بينما هو نفسه يجد صعوبة أحياناً في مجرد الرد على تحية بسيطة.نظر إلى مونو التي كانت لا تزال تمسك يده، ثم إلى العصفور على كتفه، وشعر بلحظة نادرة من الراحة. الزورق ينزلق، الشمس تدفئ الوجه، والمدينة تمر بجانبهم كحلم هادئ. لم يكن هناك شيء يجب أن يقاتله الآن، ولا شيء يجب أن يحميه. كان هناك فقط الماء، والضحكات الخفيفة، ورائحة الهواء النقي.استمر الزورق يسير، واستمر الصوت الهادئ للمجداف يرافق الحديث المتقطع بين الجميع. كان اليوم لا يزال في بدايته، والمدينة تنتظر المزيد.

انتهت رحلة الزورق بعد ساعة تقريباً من التجديف الهادئ. توقف القارب عند رصيف خشبي صغير مزين بأعمدة حجرية مغطاة بالطحالب الخضراء الرقيقة، ونزل الجميع بخطوات متثاقلة قليلاً، أجسادهم لا تزال تحمل إحساساً خفيفاً بالتمايل من حركة الماء. كانت الشمس قد ارتفعت أكثر، تضيء القنوات ببريق فضي، وتعكس ظلال الجسور على سطح الماء الذي بدا كمرآة سائلة.اتجه الجميع نحو الفندق، وهو مبنى قديم ذو طابع تقليدي، جدرانه مطلية بلون كريمي باهت، ونوافذه مزينة بإطارات خشبية مطلية بالأزرق الفاتح. كان المدخل عبارة عن قوس حجري صغير يؤدي إلى ساحة داخلية تحيط بها أشجار الياسمين، ورائحة الزهور تملأ الهواء. رفع الطلاب حقائبهم ودخلوا، وما إن خطوا الخطوة الأولى داخل الصالة الرئيسية حتى توقفوا جميعاً.كانت هناك وليمة كبيرة ممدودة على طاولة طويلة مستطيلة في وسط الصالة. كانت الطاولة مغطاة بمفرش أبيض نظيف، وعليها أطباق مليئة بالمأكولات البحرية: جمبري مشوي بلون برتقالي لامع، محار مفتوح يلمع فيه الليمون والأعشاب، أسماك صغيرة مقلية بطبقة ذهبية مقرمشة، سلطة أخطبوط بالزيتون الأسود والطماطم المجففة، وأطباق من الكالماري المحشو بالأرز والتوابل.

كانت رائحة البحر تملأ المكان، ممزوجة برائحة الزبدة المذابة والثوم المحمص.كان جميع تلاميذ الصف قد تجمعوا حول الطاولة بالفعل، يتحدثون بصوت مرتفع قليلاً من الإثارة، يمررون الأطباق لبعضهم البعض. جلس أونيزوكا في طرف الطاولة، يأكل بشراهة لا تتناسب مع صورة المعلم: يداه ملطختان بالصلصة، وهو يضع قطعة كبيرة من الجمبري في فمه دون تردد، يمضغ بصوت مسموع ويبتسم بين الحين والآخر.توقف بليك للحظة، ينظر إلى المشهد بدهشة خفيفة. لم يتوقع أن يبدأ اليوم بهذه الطريقة. جذب مونو برفق ليجلسا معاً في مكان قريب من أونيزوكا، وجلس دووك بجانبهما بهدوء، بينما ظل العصفور – نيرو – على كتف بليك، ينظر إلى الأطباق بعينين صغيرتين متأملتين.بدأ الجميع يأكلون. اختار بليك طبقاً صغيراً من الجمبري المشوي مع شرائح ليمون رقيقة، وأضاف إليه قليلاً من صلصة الزبدة بالثوم. كان الجمبري طرياً ولذيذاً، طعمه مالحاً قليلاً مع لمسة حلاوة طبيعية من البحر. لم يكن بليك قد جرب مثل هذه الأطباق البحرية من قبل – كان السمك المقلي العادي هو الحد الأقصى الذي عرفه – فشعر أن هذه التجربة جديدة تماماً، كأن مذاق البحر نفسه يصل إلى لسانه.نظر إلى دووك الذي كان يأكل بهدوء شديد، يقطع قطعة صغيرة من الكالماري، يمضغها ببطء، وكأنه يحلل طعمها. كانت الفتيات في الطاولة ينظرن إليه بين الحين والآخر، يتهامسن عن "جماله الهادئ" و"طريقته الأنيقة في الأكل"، وهذا أثار في بليك شعوراً خفيفاً بالغيظ الطريف، لكنه لم يعلق.أكيهيكو كان يجلس مع يوتا ورين وآيومي في الطرف الآخر، يأكلون بنهم طبيعي، يضحكون ويتبادلون القطع، يوتا يرفع طبق الجمبري ويسأل إن كان أحد يريده، ورين يسخر من آيومي التي حاولت أكل محارة كبيرة فتساقطت الصلصة على قميصها.لكن ما جذب انتباه الجميع فجأة كان مونو.كانت مونو تأكل بنهم غير متوقع. كانت تمسك بالجمبري بكلتا يديها الصغيرتين، تقشره بسرعة، ثم تضعه في فمها، تمضغ بسرعة وتبتلع، ثم تمد يدها لتأخذ قطعة أخرى. كانت وجنتاها منتفختين قليلاً، وعيناها تلمعان بتركيز كامل على الطعام.

حاول بليك أن يوقفها، يمد يده ليمسح بقعة صغيرة من الصلصة على خدها، ويقول بهمس:"مهلاً، مونو... بهدوء. لا تتسخي ملابسك."لكن مونو لم تكترث، استمرت في الأكل بنفس السرعة، وكأنها تكتشف عالماً جديداً من النكهات.ضحكت الفتيات حول الطاولة، وقلن بصوت عالٍ:"يا إلهي، كم هي كيوت وهي تأكل!""انظروا إلى خديها! تبدو كحمستر صغير!""بليك، أختك جائعة جداً!"كان أونيزوكا ينظر إليها أيضاً، يبتسم ابتسامة عريضة وهو يمضغ قطعة كبيرة من الأخطبوط.في تلك اللحظة، جلست ميزوناشي معهم على الطاولة، بعد أن أرست الزورق. كانت لا تزال ترتدي زيها الأنيق، وابتسامتها الدافئة لم تفارق وجهها. أخذت طبقاً صغيراً من الجمبري، وبدأت تأكل بنهم خفيف، عيناها تلمعان بالسعادة.رآها أونيزوكا، فتوقف عن المضغ للحظة. اتسعت عيناه قليلاً، ثم قال بصوت أعلى من اللازم:"ميزوناشي-سان... ما رأيكِ أن نذهب للشرب لاحقاً؟"توقفت ميزوناشي عن الأكل، ونظرت إليه بدهشة خفيفة."لكنك معلم"، قالت بلطف. "لا يمكنك الشرب مع الطلاب.""لا بأس بدون شرب إذن"، رد أونيزوكا بسرعة، وهو يميل نحوها قليلاً. "مجرد جولة ليلاً، نتحدث، نشاهد القنوات تحت ضوء القمر... ما رأيكِ؟"احمرت وجنتا ميزوناشي قليلاً، وخفضت عينيها إلى طبقها، لا تعرف كيف ترد. بدأ أونيزوكا يحاول مواصلة المغازلة، يقول كلاماً مثل "جمالك ينافس جمال المدينة" و"عيناك أجمل من أجمل قناة هنا"، بينما هي تبتسم بخجل وتحاول تغيير الموضوع.فجأة، انطلق العصفور الأسود من على كتف بليك، طار بخفة نحو أونيزوكا، ونقره في جبهته بنقرة حادة لكن غير مؤذية. تراجع أونيزوكا للخلف، يمسك جبهته وينظر إلى العصفور بدهشة."مهلاً! ما هذا؟" قال وهو يضحك رغماً عنه.نظر بليك إلى العصفور الذي عاد إلى كتفه، ثم إلى مونو التي كانت تحاول كتم ابتسامة صغيرة، وشعر أن اليوم، رغم كل شيء، بدأ يأخذ منحى لطيفاً غير متوقع.

مع حلول المساء، بدأت السماء تتحول إلى لون برتقالي داكن يتدرج نحو الأزرق العميق، والأضواء الخافتة في الفندق بدأت تنير النوافذ والممرات الخشبية. كان الجو أكثر برودة الآن، ورائحة الماء والزهور تملأ الهواء مع نسيم خفيف يحمل صوت الماء البعيد من القنوات. انتهى اليوم الطويل من الجولات والضحكات، وأصبح الوقت مناسباً للاستحمام في الينابيع الساخنة التي يشتهر بها النزل.استغل بليك تلك اللحظة من الفوضى والحركة. بينما كان الطلاب يتجهون نحو غرف الاستحمام، حمل صحناً صغيراً من المطبخ المفتوح، وضع فيه بعض الجمبري المشوي، قطعاً من الكالماري المقلي، وقليلاً من سلطة الأخطبوط. كان يتحرك بهدوء، يتجنب الأنظار، ثم خرج إلى الشرفة الخلفية الصغيرة المطلة على قناة جانبية هادئة. وضع الصحن على الطاولة الخشبية المنخفضة، ثم جلس ينتظر.بعد لحظات قليلة، طارت نيرو – في هيئتها العصفورية – من فوق كتفه، وهبطت على الأرض بجانب الطاولة. في غمضة عين، تحولت إلى هيئتها البشرية: فتاة ذات شعر أسود طويل ناعم، عينين لامعتين، وابتسامة خفيفة على شفتيها. ارتدت الزي البسيط الذي يخفيه السحر عادةً، وجلست بسرعة أمام الصحن."أخيراً..." قالت وهي تمد يدها لتأخذ قطعة جمبري. "لقد كنت جائعة حقاً."نظر إليها بليك بابتسامة صغيرة. "للأسف، لم تستطيعي الأكل معنا في الظهيرة.""لا بأس"، ردت نيرو وهي تمضغ قطعة الكالماري ببطء، تستمتع بالطعم. "كان يكفيني أن أرى الجميع يستمتع. وهذا... لذيذ جداً."ظلا يتحدثان بهدوء لبضع دقائق، صوت الماء في القناة يرافق كلماتهما. ثم سأل بليك، وهو ينظر إلى الينابيع الساخنة البعيدة التي بدأت أضواؤها الخافتة تظهر:"إذن... هل ستدخلين حمام النساء أم الرجال؟"نظرت إليه نيرو بدهشة خفيفة، ثم ضحكت ضحكة رقيقة."بالطبع حمام النساء"، قالت. "وسأكون على هيئتي العصفورية. لا أحد سينتبه إلى طائر صغير يجلس على حافة الحوض.""لكن..." تردد بليك لحظة. "هل من الممكن أن تغرقي بهذه الهيئة؟""بالطبع لا"، أجابت بثقة. "أنا أتحكم في جسدي جيداً. الماء لن يؤذيني.

"نظر إليها بليك للحظة، ثم قال بابتسامة خفيفة:"أتمنى ألا يشك أحد فيكِ. العصافير عادة لا تحب المياه."فجأة، توقف بليك، كأنه استوعب شيئاً للتو. رفع عينيه إليها ببطء."انتظري... هل هذا يعني أنكِ كنتِ تتحولين إلى عصفور كل ليلة في المنزل... فقط لأنكِ حذرة مني؟"نظرت نيرو إليه، ثم ابتسمت ابتسامة ماكرة قليلاً."أنت رجل"، قالت بهدوء. "لا أدري ماذا قد تفعل بفتاة جميلة مثلي في الليل."تجمد بليك للحظة، ثم ظهر على وجهه تعبير حزن خفيف، ممزوج بالإحراج."من تظنينني؟" سأل بصوت منخفض.لم تجب نيرو مباشرة. أكملت أكلها بهدوء، ثم مسحت يديها بمنديل ورقي صغير، وقامت. في لحظة، تحولت مرة أخرى إلى عصفور أسود صغير، طارت بخفة واستقرت على كتفه مرة أخرى.نهض بليك، حمل الصحن الفارغ، وعاد إلى الداخل. مرّ بجانب آيومي التي كانت تجلس في الصالة الداخلية تقرأ كتاباً صغيراً."آيومي"، ناداها بهدوء.رفعت رأسها وابتسمت."نعم، بليك؟""هل يمكنكِ الاعتناء بنيرو – العصفور – أثناء الاستحمام؟ أخذها معكِ إلى حمام النساء."نظرت آيومي إلى العصفور على كتفه، ثم إليه، وابتسمت بمرح."بالطبع! سأكون سعيدة جداً. إنها لطيفة جداً.""شكراً"، قال بليك. "لكن... لا تدعي أحداً يلاحظ أنها ليست عصفوراً عادياً. ولا تدخل بها إلى حمام الرجال أبداً."ضحكت آيومي ضحكة خفيفة."لا تقلق. سأحافظ عليها جيداً."مد بليك يده، فانتقل العصفور إلى كتف آيومي. نظرت إليه بعيون متسعة من الإعجاب، وهمست له:"إنها دافئة... وذكية. سأعتني بها."ابتسم بليك ابتسامة صغيرة، ثم استدار واتجه نحو ممر الغرف. كان اليوم طويلاً، والليلة ستكون هادئة. لكنه، في قرارة نفسه، شعر أن كل لحظة صغيرة كهذه – ضحكة، همسة، نظرة – كانت تبني شيئاً يستحق الحفاظ عليه.

ذهب بليك نحو مونو التي كانت تجلس على حافة الشرفة الصغيرة، تنظر إلى القناة بتعبير شارد. وقف أمامها، ومد يده برفق."مونو"، قال بهدوء. "هل نذهب إلى الينابيع الساخنة؟"نظرت إليه للحظة، ثم أومأت برأسها ببطء."حسناً"، قالت بصوت منخفض. "لنذهب."في تلك اللحظة، شعر بليك بيد تمسك بكتفه من الخلف. التفت ليجد ميزوناشي تقف خلفه، تبتسم ابتسامة دافئة لكن فيها شيء من الحزم."في الواقع"، قالت ميزوناشي بلطف، "مونو ستدخل حمام النساء معنا."تجمدت مونو. اتسعت عيناها، وارتفع صوتها قليلاً من الذعر:"ماذا؟ لا! أنا لا أريد!""لكنكِ فتاة صغيرة"، ردت ميزوناشي وهي تميل نحوها قليلاً. "لا يمكنكِ الدخول مع الرجال. ستكونين معنا، مع الفتيات. سنعتني بكِ جيداً.""لا!" صاحت مونو وهي تتراجع خطوة إلى الخلف، تمسك بذراع بليك بقوة. "أفضل أن أذهب مع الرجال! لا أريد أن أبقى معهن! سيستمررن في مداعبتي ولعبي كدمية!"نظرت ميزوناشي إليها بدهشة خفيفة، ثم إلى بليك، كأنها تنتظر منه أن يقنعها."مونو"، قال بليك بلطف، "لا تستطيعين الدخول إلى حمام الرجال. هذا غير ممكن.""لكنني لا أريد!" كررت مونو، صوتها يرتفع قليلاً. "سيلمسون شعري، سيحتضنونني، سيقولون إنني كيوت طوال الوقت! أفضل أن أكون معك!"بقي الوضع معلقاً لبضع ثوانٍ. كان بليك يحاول إيجاد كلمات، لكن ميزوناشي تقدمت خطوة، وأمسكت بيد مونو برفق لكن بحزم.

هيا، يا صغيرتي"، قالت بصوت دافئ. "لن يؤذيكِ أحد. ستكونين آمنة.""لااا!" صرخت مونو وهي تحاول التملص، لكن ميزوناشي كانت أقوى. جرّتها بلطف نحو الممر المؤدي إلى حمام النساء، بينما كانت مونو تصرخ في اتجاه بليك:"بليك! أيها الخائن!"رفع بليك يده، يلوح لها بابتسامة صغيرة محرجة."نلتقي بعد الاستحمام"، قال بهدوء.اختفت مونو وميزوناشي في الممر، وصوت صراخ مونو يتلاشى تدريجياً.تنهد بليك، ثم اتجه مع باقي الطلاب الذكور نحو غرفة تغيير الملابس. كان المكان واسعاً، أرضيته من الخشب المصقول، وجدرانه مغطاة ببلاط أبيض لامع. كانت هناك رفوف خشبية للملابس، وستائر قماشية خفيفة تفصل بين بعض الأماكن لمن يريد الخصوصية.خلع بليك قميصه ببطء، ثم بنطاله، ولم يعد يشعر بالخجل كما كان في الماضي. كانت عضلات بطنه واضحة، خطوط متناسقة رسمتها أشهر من التدريب الشاق، وذراعاه قويتان دون أن تكونا مبالغتين. وقف هناك، يطوي ملابسه بهدوء، غير مبالٍ بالأنظار.توقف الطلاب للحظة. نظر يوتا إليه بعيون متسعة."يا إلهي، بليك..." قال يوتا بصوت منخفض. "ظننت أنك هزيل. لكن هذا... هذا مذهل."نظر الآخرون أيضاً، وهمسات الإعجاب انتشرت بينهم.لكن ما أذهلهم فعلاً كان دووك.خلع دووك قميصه ببطء، وكشف عن جسد متناسق بشكل شبه مثالي: عضلات صدر واضحة، كتفان عريضتان، بطن مشقوق بدقة، وذراعان قويتان دون مبالغة. كان جسده يبدو كأنه منحوت بعناية، كل خط فيه متوازن تماماً.ساد صمت قصير، ثم انفجر يوتا ضاحكاً."الأهم في الرجل ليس عضلاته"، قال وهو يخلع بنطاله بسرعة. "بل الغالي!"نزع يوتا ملابسه الداخلية، وكشف عن "الغالي" الذي كان كبيراً بشكل لافت. ضحك بعض الطلاب، ونظر الآخرون بدهشة.لكن الضحك توقف فجأة عندما نظر الجميع إلى دووك مرة أخرى. حتى في هذا الجانب، كان دووك يتفوق بوضوح."يا... إلهي"، همس رين.انفجر أونيزوكا، الذي كان يقف في الخلف، في صرخة غاضبة كوميدية."هذا غير عادل!" صاح وهو يشير إلى دووك. "كيف يتفوق مراهقان عليّ؟!"ضحك الجميع، حتى بليك لم يستطع كتم ابتسامته. كان الجو مليئاً بالمزاح الخفيف والغيظ الكوميدي، وسرعان ما تحولت غرفة تغيير الملابس إلى ساحة للتعليقات الساخرة والضحك.في الجهة الأخرى، في غرفة تغيير ملابس الفتيات، كانت الأجواء مختلفة تماماً.كانت مونو تقف في الزاوية، ذراعاها متقاطعتان، وجهها يعبر عن غضب واضح. كانت الفتيات يخلعن ملابسهن بطبيعية، يتحدثن ويضحكن، لكن مونو ظلت متجمدة في مكانها.نزعت ميزوناشي زيها الأنيق ببطء، وكشفت عن جسدها. كان صدرها كبيراً بشكل لافت، متناسقاً مع خصرها النحيل، وجذعها يبدو ناعماً ومتناسقاً. توقفت الفتيات للحظة، ينظرن إليها بإعجاب."واو..." همست آيومي. "صدركِ... مذهل.

"احمرت وجنتا ميزوناشي قليلاً، ورفعت ذراعيها لتغطي نفسها بشكل غريزي."أنا... دائماً أحاول إخفاءه بملابس العمل"، قالت بخجل. "يكون مزعجاً أحياناً."نظر الجميع إلى آيومي التي كانت تقف بجانبهن. كانت آيومي مسطحة الصدر تماماً، لكن مؤخرتها مستديرة بشكل ملفت، تعطيها توازناً طريفاً في الشكل.اقتربت آيومي من مونو، وابتسمت بلطف."مونو-تشان"، قالت. "يجب أن تنزعي ملابسكِ أيضاً. لا يمكنكِ الدخول إلى الينابيع وأنتِ ترتدين كل هذا.""لا!" رفضت مونو بسرعة، تتراجع خطوة إلى الخلف.لكن آيومي لم تتراجع. بسرعة وحركة مرحة، أمسكت بملابس مونو وسحبتها بلطف لكن بحزم. صرخت مونو صرخة قصيرة، حاولت المقاومة، لكن آيومي كانت أسرع. خلعت ملابسها الصغيرة بسرعة، ولفّت منشفة بيضاء حول جسدها الصغير."هيا!" قالت آيومي وهي تحمل مونو بين ذراعيها كطفلة. "لن نؤذيكِ!""آيومي! أنزليني!" صرخت مونو وهي تلوّح بذراعيها الصغيرتين.ضحكت الفتيات، وبدأن يدخلن إلى الينابيع الساخنة، يحملن معهن مونو التي كانت لا تزال تصرخ وتشتكي، بينما كانت المناشف البيضاء تغطي أجسادهن، والبخار يبدأ يتصاعد من المياه الدافئة في الغرفة المجاورة.

دخل الطلاب الذكور إلى بركة الينابيع الخاصة بهم، حيث كان البخار يتصاعد من الماء الساخن كأنه دخان أبيض رقيق يغطي المكان بستار خفيف. كانت البركة واسعة، محاطة بحجارة طبيعية ناعمة، وتفصلها عن بركة الفتيات سور طويل من الخشب المصقول، مرتفع بما يكفي ليمنع الرؤية، لكنه لم يكن حاجزاً للصوت. كان الماء دافئاً بشكل مريح، يلامس الجلد بلطف، ويحمل رائحة خفيفة من المعادن الطبيعية.جلس بليك على حافة البركة أولاً، ثم انزلق إلى الماء ببطء، يترك جسده يسترخي تحت الحرارة. أغمض عينيه للحظة، يستمع إلى صوت الماء الهادئ وتنفس الطلاب الآخرين. كان الهدوء يغلف المكان، متقطعاً فقط بأصوات خفيفة من الجانب الآخر – ضحكات مكتومة، همسات، صوت ماء يتحرك.بجانبه، كان دووك قد جلس بالفعل، ماء الينابيع يصل إلى صدره، ووجهه هادئ كعادته. اقترب يوتا منهما، يجلس على الجانب الآخر من دووك، وابتسم بمكر."لا زلت لا أصدق"، قال يوتا بهمس مرح. "الغالي الخاص بك... كيف يمكن أن يكون كذلك؟"نظر دووك إليه بنظرة جانبية باردة، لكنه لم يرد مباشرة. بدلاً من ذلك، رفع كتفيه قليلاً."هل هذا موضوع يستحق النقاش هنا؟" سأل بهدوء."بالطبع!" رد يوتا بسرعة، وهو ينظر إلى الآخرين الذين بدؤوا يستمعون. "أعني، أنت تفوقني... وأنا كنت أظن أنني الأفضل!"ضحك بعض الطلاب ضحكات خفيفة، لكن الجو ظل مريحاً، مليئاً بتلك المزاح الصبياني الذي لا يحمل شراً.في الجهة الأخرى، في بركة الفتيات، كان الجو مختلفاً قليلاً. كان البخار أكثر كثافة، والضحكات أعلى قليلاً. كانت الفتيات يجلسن في مجموعات صغيرة، يتبادلن الحديث، وأجسادهن مسترخية تحت الماء الدافئ. كانت نيرو – في هيئة العصفور – تطفو على سطح الماء، تتحرك ببطء كأنها تسبح، وكلما رآها أحد، كان يعلق بغرابة:"عصفور يسبح؟ هذا غريب...

"لكن لا أحد اهتم كثيراً. كان الجو مريحاً جداً ليبدؤوا بالتفكير العميق.مونو، على الرغم من غضبها الأولي، بدأ جسدها الصغير يسترخي تدريجياً. كان الماء الدافئ يلفها كحضن، ومع مرور الدقائق، بدأت عضلاتها المشدودة تتراخى، وعيناها تغمضان قليلاً.فجأة، فتحت ميزوناشي الموضوع، وهي تجلس بجانب الفتيات، صوتها هادئاً وودوداً:"بما أنكم مراهقون... هل هناك من تحبونه؟ أقصد، هل هناك شخص ما في قلبكم؟"احمرت وجنتا آيومي على الفور، وخفضت عينيها إلى الماء. بقيت الفتيات صامتات للحظة، ثم انفجرت إحداهن بالكلام:"أنا معجبة بدووك!" قالت بسرعة. "هو هادئ، وسيم، وجسده... يا إلهي!""نعم!" أضافت أخرى. "كتفاه عريضة، وعيناه... يبدو كأنه من عالم آخر!""وابتسامته النادرة!" قالت ثالثة. "عندما يبتسم، أشعر أن قلبي سيتوقف!"بدأت الفتيات يتغزلن بصوت عالٍ، يصفن تفاصيل دووك بدقة، من شعره الأسود اللامع إلى طريقته في المشي. كان الحديث يتدفق بسرعة، مليئاً بالضحك والإعجاب.لكن ما لم تعرفه الفتيات أن السور الخشبي الطويل لم يكن حاجزاً للصوت. كان كل كلمة يصل بوضوح إلى الجانب الآخر.في بركة الذكور، توقف الجميع عن الحديث فجأة. التفتوا إلى دووك بنظرات قتل جماعية. كان يوتا ينظر إليه بعيون متسعة، ورين يرفع حاجبه بغيظ، وحتى أونيزوكا توقف عن مضغ قطعة الجمبري التي كان يحملها.نظر دووك إليهم بهدوء، ثم ابتسم ابتسامة صغيرة باردة."هؤلاء البنات لديهن ذوق ممتاز"، قال ببساطة."اصمت!" صرخ أونيزوكا فجأة، وهو يقف في الماء. "وإلا سأغرقك يا مشهور بين الفتيات! لا أصدق أن كل الفصل يعشقك، وعلى الرغم من ذلك لا تواعد أي واحدة! يا لها من مضيعة للنعمة!"ضحك دووك ضحكة خفيفة، ثم قال:"ليس لدي اهتمام بالحب حالياً."عاد الصمت للحظة، ثم استأنف الجميع حديثهم، لكن النظرات الغاضبة ظلت موجهة نحو دووك.في الجانب الآخر، استمر الحديث بين الفتيات. التفتن إلى آيومي التي كانت لا تزال محمرة الوجه."آيومي"، قالت إحداهن. "ماذا عنكِ؟ من تحبين؟

"احمرت آيومي أكثر، وخفضت رأسها حتى كاد وجهها يلامس الماء."في الواقع..." قالت بصوت واطئ جداً. "أنا معجبة برين."تفاجأت الفتيات، ثم انفجرن بالتشجيع."رين؟!" قالت إحداهن. "يا إلهي! هو طويل، وسيم، وقائد فريق كرة القدم! اعترفي له!""مستحيل"، ردت آيومي بسرعة. "هو لا يحمل مشاعر تجاهي. هو... هو مثالي. وأنا... أنا قصيرة، ومسطحة. لا أستطيع أن أصل إليه.""لا تقلي هكذا!" قالت أخرى. "أنتِ لطيفة جداً! يجب أن تعترفي!"فجأة، تدخلت مونو، التي كانت تجلس على حافة البركة، صغيرة وغاضبة."إذا كنتِ قريبة منه، فلا بأس"، قالت بصوتها الحاد. "اعترفي. لا تخافي."تفاجأت الفتيات من تدخل الفتاة الصغيرة، ثم ضحكن."حتى مونو-تشان تعرف عن الحب!" قالت إحداهن. "إذن، مونو، من تحبين أنتِ؟"نظرت مونو إليهن بنظرة باردة."أنا أكبر من مفهوم سخيف كالحب"، قالت بحدة."لكنكِ تحبين بليك!" قالت آيومي بسرعة. "كنتِ تمسكين يده طوال الرحلة، ولم تريدي تركه حتى في وقت الاستحمام!""لا!" صرخت مونو، ووجهها يحمر بشدة. "لا أحبه! أنا لا أحبه إطلاقاً! أيها الحمقى!"ضحكت الفتيات بصوت عالٍ، وبدأن يقلن إنها "تسوندري كلاسيكية"، وأنها "عندما تكبر ستكون فتاة جميلة جداً".في الجانب الآخر، كان بليك يستمع إلى كل كلمة. التفت إليه يوتا، ووضع يده على كتفه."على الأقل أختك تحبك"، قال يوتا بابتسامة ماكرة. "حتى لو كانت تسوندري."لم يجب بليك، لكنه ابتسم ابتسامة صغيرة، وأغلق عينيه، يترك الماء الدافئ يغمر جسده، بينما كان صوت ضحكات الفتيات وهمساتهن لا يزال يتردد في أذنيه. كان الجو كله مليئاً بتلك اللحظات الخفيفة، الطريفة، والمحرجة قليلاً،

لم تكترث مونو لمديحهن. كانت جالسة على حافة البركة، صغيرة وساكنة، ذراعاها تحت الماء، وعيناها مثبتتان على سطح الماء المتماوج. كانت الفتيات لا يزلن يتحدثن عنها بصوت عالٍ، يصفن شعرها الناعم، وجهها الدقيق، وكيف ستصبح "فتاة مذهلة" عندما تكبر، لكن مونو لم ترفع عينيها. بدأت ملامحها تتغير تدريجياً: شفتاها تضيقان قليلاً، وحاجباها ينخفضان، ونظرة خفيفة من الحزن تمر على وجهها كظل سريع. لم تكن تبكي، لكن شيئاً داخلها بدا منكسراً قليلاً، كأن كلمات المديح التي كانت تُقال لها كدمية صغيرة أصبحت ثقيلة فجأة.فجأة، تغير كل شيء.اقتربت إحدى الفتيات – آيومي – من ميزوناشي من الخلف بخطوة مرحة، ومدت يديها بسرعة، أمسكت بصدر ميزوناشي الكبير من الخلف، وعصرتهما بلطف لكن بجرأة كافية لتجعل ميزوناشي تصدر أنيناً خفيفاً، مستثاراً، غير متوقع. كان الصوت واضحاً، رقيقاً، يحمل نبرة مفاجأة ومتعة خفيفة في آن واحد."انظري يا مونو-تشان!" قالت آيومي وهي تضحك. "لو أكلتِ الكثير، قد يصبح صدركِ في المستقبل أكبر من صدر ميزوناشي-سان!"احمرت ميزوناشي وجنتاها على الفور، ورفعت يديها لتغطي نفسها، لكنها لم تستطع إخفاء ابتسامتها المحرجة."آيومي!" قالت بصوت مرتجف قليلاً. "لا تفعلي هذا فجأة!"لكن الصوت – ذلك الأنين الرقيق – كان قد عبر السور الخشبي بسهولة، وصل إلى الجانب الآخر كما لو كان السور غير موجود.في بركة الذكور، توقف الجميع فجأة. رفعوا رؤوسهم، عيونهم متسعة،

ووجوههم تحمر تدريجياً. كان الصمت ثقيلاً للحظة، ثم بدأت الأفكار تتدفق في عقولهم، واضحة على تعابيرهم: خجل، فضول، إحراج، وقليل من الذهول.وقف أونيزوكا فجأة، الماء يتناثر حوله، ووجهه أحمر كالطماطم. وضع يده على صدره، كأنه يحاول تهدئة قلبه، ثم قال بصوت مرتفع، متردد بين الجدية والارتباك:"لا... لا أستطيع التحمل أكثر. لقد صبرت طويلاً. حان الوقت لأقوم بأهم شيء."نظر إليه الجميع بدهشة."ما هو؟" سأل يوتا بصوت منخفض، وعيناه تلمعان بفضول.نظر أونيزوكا إلى السور الخشبي، ثم إلى الطلاب، ثم قال بكل جدية، وكأنه يعلن قراراً مصيرياً:"التجسس على منطقة الفتيات."ساد صمت قصير، ثم انفجر الجميع في ضحك مختلط بالصدمة. رفع رين يده كأنه يعترض، لكن عينيه كانتا تقولان شيئاً آخر. نظر يوتا إلى دووك، الذي كان لا يزال جالساً بهدوء، ثم إلى أونيزوكا الذي بدأ يتحرك نحو السور بخطوات مترددة."أستاذ!" قال بليك بسرعة، صوته يحمل مزيجاً من التحذير والضحك المكبوت. "هذا... غير قانوني!""القانون لا ينطبق في الينابيع الساخنة!" رد أونيزوكا بصوت مرتفع، وهو يحاول تسلق السور بخفة غير متوقعة. "هذا قانون طبيعي!"بدأ الطلاب يضحكون بصوت أعلى، بعضهم يحاول إيقافه، وبعضهم الآخر يشجعه بنظرات صامتة. كان الجو مليئاً بالفوضى الطريفة، الإحراج، والمرح الصبياني الذي لا يمكن السيطرة عليه.في الجانب الآخر، كانت الفتيات لا يزلن يضحكن، غير مدركات تماماً أن كل كلمة تصل إلى الجانب الآخر، وأن أحداث الليلة قد بدأت تأخذ منحى لم يتوقعه أحد. كان البخار يتصاعد، والماء يتحرك بلطف، والضحكات تملأ الهواء،

بدأ يوتا يفكر بصمت للحظة، عيناه تلمعان بفكرة شقية. رفع رأسه فجأة، ونظر إلى أونيزوكا الذي كان لا يزال واقفاً قرب السور، ثم إلى الطلاب الآخرين الذين كانوا يتبادلون النظرات المترددة والمتحمسة في آن واحد."دام أن الأستاذ نفسه يقول إنه يستطيع التجسس..." قال يوتا بصوت منخفض لكنه واضح، "فلماذا لا نفعلها نحن أيضاً؟"انتشرت الفكرة كالنار في الهشيم. وقف عدد كبير من الطلاب فجأة، الماء يتناثر حولهم، وأصواتهم ترتفع بحماس صبياني:"هيا لنفعلها يا رجال!""نعم! لنذهب!""الآن أو لا أبداً!"كان الصوت يتردد في البركة، مختلطاً بضحكات عالية وصيحات تشجيع. تحرك بعضهم نحو السور بخطوات سريعة، يحاولون التسلق بحذر، يدفعون بعضهم البعض، ويهمسون بكلمات مثل "بهدوء" و"لا يسمعوننا"، وكأن السور نفسه لم يكن ينقل كل صوت.بقي دووك جالساً في مكانه، مسترخياً تماماً، يداه مستريحتان على حافة البركة، ووجهه خالٍ من أي تعبير. لم يحرك ساكناً، وكأن ما يحدث لا يعنيه. نظر بليك إليه للحظة، ثم عاد ينظر إلى السور، وهو يبتسم ابتسامة صغيرة ساخرة. كان يعرف تماماً أن نيرو هناك، في الجانب الآخر، وإذا ما سمعته أو رأته وهو يتجسس، فسوف تناديه "المنحرف" إلى آخر يوم في حياته. لم يكن مستعداً لدفع هذا الثمن.جلس رين أيضاً في مكانه، يهز رأسه ببطء."أنا لا أريد أن أبدو كمنحرف أمام الفتيات"، قال بهدوء، صوته يحمل نبرة جادة قليلاً. "إذا اكتشفن ذلك، سينتهي كل شيء."لكن الآخرين لم يهتموا. استمروا في التحرك،

بعضهم يحاول رفع نفسه على أكتاف الآخرين، وآخرون يبحثون عن شقوق صغيرة في الخشب. كان الجو مليئاً بالفوضى المرحة، الضحكات المكتومة، والتوتر الخفيف الذي يسبق المغامرة المحظورة.وصل أونيزوكا أخيراً إلى أعلى السور. كان يتنفس بصعوبة قليلاً، يده تمسك بالحافة العلوية، وعيناه تلمعان بالحماس والإثارة. رفع رأسه ببطء، مستعداً ليرى ما وراء السور...فجأة، ظهرت نيرو – في هيئتها العصفورية – تطير بخفة من الجانب الآخر. مرت بسرعة، ونقرت نقرة قوية ودقيقة في عين أونيزوكا اليمنى. صرخ أونيزوكا صرخة قصيرة مفاجئة، وفقد توازنه، فسقط إلى الخلف في الماء برذاذ كبير، يمسك وجهه بكلتا يديه."آه! عيني! العصفور اللعين!"تراجع الطلاب الذين كانوا قرب السور بخوف، بعضهم يضحك رغماً عنه، والبعض الآخر يعود إلى مكانه بسرعة، كأن شيئاً لم يكن. كان الجو قد تحول فجأة من الإثارة إلى الفوضى المضحكة.في الجانب الآخر، كانت الفتيات قد سمعن كل شيء. توقف الحديث للحظة، ثم انفجر الضحك والصراخ."سمعتُ صوت أونيزوكا-سان!" قالت إحداهن. "كانوا يحاولون التجسس!""منحرفون!" صاحت أخرى. "كلهم منحرفون!""حتى الأستاذ!" أضافت ثالثة، وهي تضحك بصوت عالٍ.بدأت الفتيات يصرخن ويضحكن معاً، يرمين بعض الماء نحو السور كأنهن يحاولن طرد "المنحرفين"، بينما كان صوت أونيزوكا لا يزال يتردد من الجانب الآخر، يشتكي من عينه ويلعن "العصفور الشيطاني".جلس بليك في مكانه، يبتسم ابتسامة صغيرة، وهو ينظر إلى الماء. كان يعرف أن نيرو قد فعلت ذلك عن قصد، وأنه لن يسمع نهاية لهذه القصة منها لاحقاً. لكنه، في تلك اللحظة، شعر فقط بالراحة الغريبة التي تأتي بعد يوم طويل مليء بالضحك والإحراج واللحظات الصغيرة التي تجعل الحياة... عادية قليلاً.استمر الضحك والصراخ يتردد بين البركتين، والليل يتقدم بهدوء فوق كاناليا، تاركاً الجميع يعيشون لحظة من الفوضى الجميلة التي لن ينسوها.

خرج الجميع من الينابيع الساخنة بعد ساعة تقريباً من الاسترخاء، أجسادهم دافئة ومسترخية لأبعد حد، وجوههم تحمل تعبيراً من الراحة والنعاس الخفيف الذي يأتي بعد الحرارة الطويلة. كان الهواء في الخارج بارداً نسبياً مقارنة بالداخل، فيشعر الجميع بلذة التباين هذه، وهم يمسحون أجسادهم بالمناشف البيضاء الكبيرة ويضحكون بهمسات متعبة.تجمع بعض الطلاب في الردهة الخارجية الصغيرة المطلة على القناة، حيث وضعت النزل بعض المشروبات الباردة والحلويات الخفيفة. جلس بليك على كرسي خشبي بجانب دووك ويوتا، يحمل كوب حليب بارد في يده. كان الحليب بارداً جداً، يترك إحساساً منعشاً في الحلق بعد الحرارة السابقة. شرب بليك رشفة طويلة، ثم تنهد براحة."هذا أفضل شعور في العالم"، قال يوتا وهو يمسح فمه بظهر يده. "الينابيع ثم الحليب البارد... لا أحتاج إلى شيء آخر.""أنت دائماً جائع"، علق دووك بهدوء، لكنه كان يحمل كوباً آخر في يده، يشرب منه ببطء.فجأة، سمعوا خطوات سريعة تقترب. التفت الثلاثة ليروا مونو تجري نحوهم، منشفة بيضاء كبيرة ملفوفة حول جسدها الصغير كعباءة، مما جعلها تبدو أكثر لطافة ورقة. شعرها الأسود القصير مبلل وملتصق بجبهتها، وعيناها تلمعان بغضب واضح.توقف بليك، يتوقع – ربما – عناقاً أو شكوى بسيطة. لكن مونو لم تتوقف. وصلت إليه مباشرة، رفعت قبضتها الصغيرة، وضربت بها بطنه بقوة كافية لتجعله يتراجع خطوة إلى الخلف، يلهث من المفاجأة."لماذا تركتني مع تلك المتوحشات؟!" صرخت مونو، صوتها مرتفع لكن ليس صاخباً جداً.

نظر بليك إليها بدهشة، ثم وضع يده على بطنه، يبتسم ابتسامة محرجة."آسف"، قال بهدوء. "لم أكن أعرف أنهن سيفعلن ذلك.""كان يجب أن تعرف!" ردت مونو وهي تضرب الأرض بقدمها الصغيرة. "كانوا يلمسونني ويضحكون ويقولون إنني كيوت! كأنني دمية!"ضحك يوتا ضحكة خفيفة، لكنه أسرع بإخفائها عندما رأى نظرة مونو النارية."حسناً، حسناً"، قال بليك وهو يرفع يديه باستسلام. "لن يتكرر. أعدك."نظرت مونو إليه للحظة، ثم تنهدت تنهيدة طويلة، وجلست بجانبه على الكرسي، منشفتها لا تزال ملفوفة حولها. كانت تبدو متعبة، لكنها لم تبتعد عنه.في تلك الأثناء، كانت ميزوناشي تقف على بعد خطوات قليلة، تنظر إلى أونيزوكا الذي كان يحاول الاقتراب منها بابتسامة واسعة. توقفت ميزوناشي، ثم قالت بهدوء، صوتها واضح لكن حازماً:"منحرف."توقف أونيزوكا في مكانه. اتسعت عيناه، ثم انهار وجهه تدريجياً. كل أحلامه الصغيرة التي بناها خلال اليوم تحطمت في لحظة واحدة. وقف هناك، ينظر إليها بذهول، ثم تنهد تنهيدة طويلة، وجلس على كرسي قريب، يمسك رأسه بيديه كمن خسر كل شيء.ضحك بعض الطلاب ضحكات مكتومة، لكن أونيزوكا لم يرد. كان واضحاً أن كلمة واحدة من ميزوناشي كانت كافية لإنهاء كل شيء.بعد قليل، جلس بليك في الردهة الداخلية مع مونو، التي كانت لا تزال ملفوفة بالمنشفة، تشرب كوباً من الحليب البارد. كانت تبدو أكثر هدوءاً الآن، لكن عينيها لا تزالان تحملان بقايا الغضب.فجأة، سمعهما خطوات خفيفة تقترب. التفت بليك ليجد آيومي تقترب، تحمل العصفور الأسود – نيرو – على كتفها. كانت آيومي تبتسم ابتسامة عريضة."بليك!" قالت بمرح. "اعتنيت بالعصفور جيداً. كان لطيفاً جداً في الحمام. ظل يطفو على الماء طوال الوقت!""شكراً لكِ"، رد بليك بابتسامة. "أقدر ذلك."لم تكتفِ آيومي بالشكر. وقفت أمامه، عيناها تلمعان بفضول حاد."بليك..." بدأت بصوت أكثر جدية. "هل تعرف أين ذهب سورا؟"تجمد بليك للحظة. كان السؤال مفاجئاً، كأنه جاء من العدم. نظر إليها، يحاول قراءة تعبير وجهها."سورا؟" كرر بهدوء."نعم"، أكملت آيومي. "كنتَ صديقه المقرب، أليس كذلك؟ لكنك لم تبدُ مستغرباً من اختفائه قبل أربعة أشهر. وأنت أيضاً كنت غائباً لثلاثة أشهر. هل لهذا علاقة بسورا؟"توقف بليك. شعر بثقل في صدره. كان يعرف أن آيومي ذكية، لكنه لم يتوقع أن تربط كل هذه الأمور بهذه السرعة."وأيضاً..." أضافت آيومي، صوتها يصبح أكثر هدوءاً. "في وقت اختفاء سورا... ماتت فتاة في المدرسة تدعى كوغامي. كانت معروفة بأنها تتنمر على أكيهيكو. هل هذا صدفة؟"ساد صمت ثقيل. كانت مونو تنظر إلى آيومي بتركيز، تفكر داخلياً أن هذه الفتاة ذكية حقاً، قادرة على ربط الأحداث بطريقة لم يتوقعها أحد.لم يعرف بليك كيف يجيب. لم يستطع قول الحقيقة – أن سورا خان، أن كوغامي كانت جزءاً من مؤامرة أكبر، أن كل هذا مرتبط بلعنة وكتاب شمس المعارف. لكنه أيضاً لم يجد كذبة مقنعة."لا أدري"، قال أخيراً، صوته هادئ لكنه ثابت. "لا أعرف ما حصل لسورا. وليس لي أي دخل بما حصل له."كان قد كذب.نظرت آيومي إليه للحظة طويلة، ثم ابتسمت ابتسامة خفيفة، حزينة قليلاً."يبدو أنني تماديت قليلاً"، قالت. "آسفة يا بليك.""لا بأس"، رد بليك بلطف، وهو يحاول إخفاء التوتر في صوته.ابتسمت آيومي مرة أخرى، ثم سلمت العصفور إليه، واستدارت لتغادر. بقي بليك جالساً، ينظر إلى العصفور على كتفه، ثم إلى مونو التي كانت لا ت

زال صامتة، عيناها تتابعان آيومي حتى اختفت بعد فترة، بدأت الأضواء في الردهة تُطفأ تدريجياً، وأصبح الوقت مناسباً للنوم. كانت الغرف الجماعية موزعة على طابقين، مفروشة بفوتونات بيضاء مرتبة على الأرض في صفوف منتظمة، مع أضواء خافتة على الحوائط تكفي للرؤية دون أن تزعج النوم. كان الهدوء يعم المكان، متقطعاً فقط بأصوات خطوات خفيفة وهمسات متعبة من الطلاب الذين يبحثون عن أماكنهم.اقترب بليك من باب غرفة الذكور، ممسكاً بيد مونو التي كانت لا تزال ملفوفة بمنشفتها، وجهها متعب لكنه هادئ. كان على وشك الدخول عندما شعر بيد تمسك بكتفه من الخلف مرة أخرى.

التفت ليجد ميزوناشي تقف خلفه، ابتسامتها الودودة لا تزال موجودة لكن فيها لمسة من الحزم."بليك-كون"، قالت بهدوء، "لا يمكن أن تنام مونو معكم هنا. الغرفة للذكور فقط. يجب أن تنام في غرفة الفتيات."تجمدت مونو في مكانها. نظرت إلى ميزوناشي بعينين متسعتين، ثم إلى بليك، وكأنها تتوسل إليه دون كلام. كانت قبضتها الصغيرة تضغط على يد بليك أكثر من المعتاد، وفي عينيها بريق خفيف من الحزن والخوف."لا..." قالت مونو بصوت منخفض، مرتجف قليلاً. "لا أريد."نظر بليك إلى عينيها مباشرة. رأى فيهما شيئاً لم يعتده من قبل: ليس غضباً، ليس عناداً، بل حزناً عميقاً، كأنها تخشى أن تُترك وحدها في مكان لا تعرفه، وسط أشخاص لا تثق بهم. تنهد بليك تنهيدة طويلة، ثم التفت إلى ميزوناشي."أرجوكِ، يا ميزوناشي-سان"، قال بصوت هادئ لكنه جاد. "اتركيها هذه المرة. إنها فتاة صغيرة... والأولاد لن يفعلوا بها شيئاً. سأكون مسؤولاً عنها."نظرت ميزوناشي إليه للحظة طويلة، ثم إلى مونو التي كانت لا تزال تمسك بيده بقوة. بدا وجهها متردداً، لكنها رأت الجدية في عيني بليك، والحزن الخفيف في عيني الفتاة الصغيرة."حسناً..." قالت أخيراً، وهي تتنهد. "لكن إذا حدث أي شيء، ستكون أنت المسؤول.""شكراً لكِ"، رد بليك بابتسامة صغيرة.دخل بليك ومونو إلى الغرفة معاً. فور دخولهما، توقفت الأحاديث. رفع الطلاب رؤوسهم، وعيونهم تتسع بدهشة عند رؤية الفتاة الصغيرة بجانب بليك."مونو-تشان ستكون معنا؟!" همس يوتا بدهشة."نعم"، قال بليك بهدوء، وهو ينظر إلى الجميع بنظرة حازمة. "لكنها خطيرة جداً. لا أحد يلمسها. مفهوم؟"ساد صمت قصير، ثم أومأ الجميع برؤوسهم بسرعة، بعضهم يبتسم بمرح، والبعض الآخر ينظر إلى مونو بإعجاب خفيف.كانت الفوتونات قليلة نسبياً، والغرفة مزدحمة. بعد توزيع الأماكن،

لم يبقَ متسع كافٍ. جلس بليك على فوتونه، وجلست مونو بجانبه، ثم – بعد تردد قصير – استلقت بجانبه على نفس الفوتون. كانت صغيرة بما يكفي لتتناسب دون إزعاج، ووضعت رأسها قرب ذراعه، مغلقة عينيها بسرعة.نام معظم الطلاب بسرعة، أصوات أنفاسهم المنتظمة تملأ الغرفة. لكن بليك لم ينم. كان غير معتاد على الفوتون، على الصلابة الخفيفة تحت ظهره، وعلى صوت التنفس المحيط به. ظل مستلقياً على ظهره، ينظر إلى السقف الخشبي المظلم، يفكر في اليوم الطويل، في الضحكات، في الإحراج، في كل تلك اللحظات الصغيرة التي جعلت اليوم يبدو... عادياً.فجأة، سمع أنيناً خفيفاً بجانبه.نظر إلى مونو. كانت نائمة، لكن وجهها متقلص قليلاً، كأنها ترى شيئاً مؤلماً في نومها. كانت شفتاها ترتجفان، وأنفاسها متقطعة، كأنها تتذكر ذكريات بعيدة، حزينة، دفينة في أعماقها.لم يتحمل بليك رؤيتها هكذا. مد يده برفق، وضمها إليه بحرص، وضع رأسها على صدره، حتى تشعر بدفء جسده وثبات نبضه. كانت مونو صغيرة، خفيفة كريشة، وجسدها يرتجف قليلاً في البداية، ثم بدأ يهدأ تدريجياً. وضع ذراعه حولها بحركة طبيعية، كأنه يحميها من شيء لا يراه أحد.في نومها، وبشكل غير واعٍ، ردت مونو. مدت ذراعيها الصغيرتين، احتضنت بليك، وضعت وجهها أكثر في صدره، كأنها تبحث عن الأمان الذي افتقدته منذ زمن بعيد.شعر بليك بدفء غريب يملأ صدره. لم يكن الأمر رومانسياً، بل كان أعمق من ذلك: شعور بالمسؤولية، بالراحة، بالارتباط الصامت. أغمض عينيه، وهو يستمع إلى أنفاسها المنتظمة الآن، وإلى نبضها الخفيف الذي يتزامن مع نبضه. لأول مرة منذ زمن طويل، شعر بالهدوء الحقيقي.غلبه النعاس أخيراً، ببطء، كأن اليوم قرر أن يمنحه هذه اللحظة الصغيرة من السكينة قبل أن يبدأ الغد بكل ما يحمله. نام بليك، ومونو في حضنه، والليل يغطي الغرفة بهدوء عميق.

استيقظ بليك في الصباح الباكر، قبل أن يرن أي منبه أو يتحرك أحد في الغرفة. كان الضوء الخافت يتسلل من بين الستائر الورقية الرقيقة، يرسم خطوطاً باهتة على الأرضية الخشبية. مد يده غريزياً نحو الجانب الأيمن من الفوتون، متوقعاً أن يجد مونو لا تزال هناك، لكنه وجد المكان فارغاً. تجمد للحظة، ثم جلس ببطء، يفرك عينيه وهو يتثاءب تثاؤباً طويلاً.كان الهواء في الغرفة بارداً قليلاً، يحمل رائحة الخشب القديم والماء الدافئ الذي بقي عالقاً في الملابس من الليلة الماضية. نظر حوله: الطلاب لا يزالون نائمين، أجسادهم ملفوفة بالأغطية، أصوات أنفاسهم المنتظمة تملأ المكان. لم يكن هناك أثر لمونو.نهض بليك بهدوء، ارتدى قميصه بسرعة، وخرج من الغرفة متثائباً مرة أخرى، يحاول تهدئة شعره المبعثر بيده. في الممر، سمع صوت ضجيج خفيف قادم من غرفة الطعام في نهاية الرواق. اقترب بخطوات مترددة، ثم توقف عند الباب الموارب.داخل الغرفة، كانت مونو تقف على كرسي صغير أمام حوض أكواريوم زجاجي كبير يحتوي على سمكات ملونة صغيرة تسبح بهدوء. كانت تمسك عصا خشبية طويلة – ربما من مقبض مكنسة – وتحاول بها صيد السمكات، تضرب الماء بقوة وهي تصرخ بصوت منخفض:"تعالوا هنا! تبدون لذيذين جداً!"كانت ميزوناشي تقف خلفها، تحاول منعها بلطف لكن بحزم، تمسك بالعصا وتسحبها برفق."مونو-تشان، لا! هذه السمكات للزينة فقط! لا يمكن أكلها!"لم تتراجع مونو. ظلت تحاول، وجهها متورّد من الجهد، وعيناها تلمعان بتركيز شديد.توقف بليك عند الباب، ينظر إلى المشهد بدهشة كاملة. للحظة، ظن أن هذا مجرد حلم غريب، لكن رائحة الطعام الصباحي التي بدأت تملأ المكان، وصوت ميزوناشي الواضح، أكدا له أن هذا حقيقي تماماً.تقدم بليك بخطوات سريعة، أمسك بمونو من تحت إبطيها، ورفعها عن الكرسي بلطف لكن بحزم."مونو، توقفي"، قال بصوت هادئ لكنه حازم.توقفت مونو فجأة، أسقطت العصا، ونظرت إليه بعيون متسعة قليلاً."لكنها تبدو لذيذة!" قالت بصوت مرتفع قليلاً. "كانت تسبح وكأنها تدعوني!""انتظري حتى يأتي الفطور"، رد بليك وهو يضعها على الأرض. "سيكون هناك طعام حقيقي كثير."في تلك اللحظة، بدأ الطلاب الآخرون يستيقظون، يدخلون الغرفة واحدًا تلو الآخر، يفركون أعينهم ويتثاءبون. جلس الجميع حول الطاولات الطويلة المنخفضة، وسرعان ما وضع الموظفون أمامهم فطوراً صباحياً تقليدياً غنياً:

أطباق من الأرز الأبيض الدافئ، حساء ميسو برائحة الدشي القوية، سمك مشوي صغير بلون ذهبي، مخللات متنوعة بألوان زاهية، بيض مسلوق مقطع إلى نصفين، وسلطة طحالب خضراء لامعة، مع أطباق جانبية من التوفو المقلي والناتو اللزج برائحته القوية، وكؤوس من الشاي الأخضر الساخن الذي يتصاعد منه بخار رقيق.بدأ الجميع يأكلون بهدوء، يتبادلون التعليقات الخفيفة عن الطعام، وعن الينابيع، وعن اليوم الطويل الذي مر. جلس بليك بجانب مونو، يراقبها وهي تأكل ببطء هذه المرة، تتذوق كل شيء بحذر.بعد قليل، رفعت مونو رأسها، ونظرت إليه بعيون فضولية."بليك"، قالت بهدوء. "لماذا استيقظتِ ووجدتني أحتضنك؟"توقف بليك للحظة، ثم وضع عود الأكل جانباً."كنتِ تأنين في نومك"، أجاب بصوت منخفض. "كنتِ تبدين حزينة، كأنكِ ترين شيئاً مؤلماً."احمرت وجنتا مونو قليلاً، وخفضت عينيها إلى طبقها."لا شيء"، قالت بسرعة. "كان يجب أن تنام فقط.""لكنكِ أنتِ أيضاً احتضنتيني"، أضاف بليك بلطف.تجمدت مونو. احمرت وجنتاها أكثر، ثم رفعت رأسها ونظرت إليه بحدة."انسَ ذلك!" قالت بقوة. "انسَ الأمر تماماً!"ابتسم بليك ابتسامة صغيرة."حسناً"، قال. "لكن عندما نعود إلى المنزل... سأسمح لكِ أن تنامي معي كل يوم إن أردتِ.""مستحيل!" ردت مونو على الفور، وهي تضرب الطاولة بقبضتها الصغيرة.في تلك اللحظة، وقف أونيزوكا في وسط الغرفة، يصفق بيديه ليجذب الانتباه."اسمعوا جميعاً"، قال بصوته الجاف المعتاد. "الرحلة ستنتهي عند الظهيرة. هذا يعني أن أمامكم بضع ساعات لجولة أخيرة في المدينة. استمتعوا، ولا تتأخروا."تفرق الطلاب، وبدأوا يجمعون أغراضهم الصغيرة. تجمع بليك مع دووك وأكيهيكو ومونو، وطار العصفور الأسود – نيرو – ليستقر على كتف بليك مرة أخرى. انضم إليهم يوتا ورين وآيومي، وخرج الجميع معاً إلى شوارع كاناليا الصباحية.كانت المدينة أجمل في الصباح الباكر: الضوء الذهبي ينعكس على القنوات، والجسور تبدو أكثر سحراً، والمحال الصغيرة تبدأ بفتح أبوابها، رائحة الخبز الطازج والقهوة تملأ الهواء. مشي الجميع ببطء، يتبادلون الحديث الخفيف، يضحكون على ذكريات الأمس، يشيرون إلى تفاصيل صغيرة في المباني والقنوات. كان الجو مليئاً بالراحة، بالهدوء الذي يأتي بعد يوم طويل.فجأة، اصطدم أكيهيكو بكتفه بشخص ما أثناء سيرهم في زقاق ضيق. توقف الجميع. التفت أكيهيكو بسرعة، يرفع يده اعتذاراً."آسف، لم أنتبه"، قال.كان الشخص الذي اصطدم به فتى غريب المظهر. بشرته سمراء داكنة، عيناه خضراوان واسعتان بنظرة حادة وماكرة، ومن فمه تبرز أنياب بارزة وحادة. شعره بني طويل، ينسدل على جانبي وجهه، وينتهي بلون أحمر متدرج عند الأطراف، بينما كان من الخلف مضفوراً بضفيرة طويلة منتفخة.

كان يرتدي ثوباً طويلاً أخضر غامقاً يشبه القفطان الصيني، بأكمام طويلة بيضاء مطوية الأطراف، وبنطالاً أسود ضيقاً ممزقاً عند الكاحلين. كان حافي القدمين، ويقف بوضعية منحنية قليلاً، كأنه مستعد للانقضاض في أي لحظة. يداه تشبهان المخالب في حركتهما.مسك الفتى فمه بيده، وكأنه يحاول كتم ضحكة، ثم رفع رأسه وقال بصوت غريب، يحمل نبرة مسرحية:"أوه، اعتذر لكم أيها الإخوة. كنت ساحراً في خيالاتي فحسب."احست مونو فوراً بالخطر. أمسكت بيد بليك بقوة أكبر، أصابعها الصغيرة تضغط عليه. حتى دووك، الذي كان يقف خلفهم، شدّد نظرته، وكأنه يقيّم التهديد.لم يتوقف الفتى. غير وضعيته بسرعة، وقف مستقيماً قليلاً، ثم أكمل بصوت أكثر مرحاً:"لكن يبدو لي أيها السادة والإخوة والأخوات أنكم كنتم في وليمة. يا للروعة، يا للعظمة، يا للجوع! ورائحتكم أيضاً غريبة جداً... خاصة رائحتك أنت، أيها الأخ."كان ينظر مباشرة إلى دووك، عيناه تلمعان بفضول حاد.ثم، كأنه تذكر شيئاً، قال:"اسمي روي. ما أسماؤكم أيها السادة؟"لم يجب أحد. نظر دووك إليه بنظرة باردة، ثم قال بهدوء:"يجب أن نكمل طريقنا الآن."ابتسم روي ابتسامة عريضة، تكشف عن أنيابه البارزة أكثر."حسناً إذن. أراكم لاحقاً أيها السادة والأخوات."استدار الجميع، وواصلوا سيرهم بسرعة أكبر قليلاً. لم ينظر أحد خلفه، لكن الجميع شعر بنظرة روي الشرِهة تتبعهم حتى ابتعدوا تماماً، كأنها لا تزال ملتصقة بظهورهم. كان الهواء قد أصبح أثقل قليلاً، والضحكات الخفيفة التي كانت تملأ الطريق قد تلاشت، تاركة مكانها صمتاً متوتراً خفيفاً. كان اليوم لا يزال في بدايته، لكن شيئاً ما قد تغير.

بعد ساعات من الجولة الأخيرة في شوارع كاناليا، عاد الجميع إلى الفندق في الوقت المحدد للمغادرة. كانت الشمس قد بدأت تميل نحو الغروب، ترسم ظلالاً طويلة على القنوات وتغمر المباني بلون برتقالي دافئ يجعل كل شيء يبدو كأنه لوحة حية. تجمع الطلاب أمام الحافلة، يحملون حقائبهم الصغيرة، يتفقدون أغراضهم مرة أخيرة، يتبادلون التعليقات الخفيفة والضحكات المتعبة. كان الجو مليئاً بتلك الراحة التي تأتي بعد يوم طويل من الاستمتاع، مزيج من الإرهاق الخفيف والسعادة الهادئة.وقفت ميزوناشي أمام الحافلة، ترتدي زيها الأنيق كما في اليوم السابق، شعرها الوردي الفاتح يتمايل مع نسيم المساء. كانت تودعهم بابتسامة واسعة، تلوح بيدها لكل طالب يصعد، صوتها الدافئ يملأ المكان:"شكراً لكم على زيارتكم! أتمنى أن تكونوا قد استمتعتم بكاناليا. لا تنسوا أن تعودوا مجدداً... المدينة ستشتاق إليكم!"رد الطلاب بالوداع، بعضهم يلوح بيده، وآخرون يصرخون "شكراً!" و"سنعود بالتأكيد!". صعد الجميع إلى الحافلة، وجلس بليك بجانب النافذة في المقعد الخلفي، مونو تجلس بجانبه، رأسها يستند إلى كتفه قليلاً، ونيرو – في هيئتها العصفورية – مستقرة على مسند النافذة. تحركت الحافلة ببطء، تبتعد عن الفندق، تاركة المدينة تتلاشى خلفها تدريجياً: الجسور الصغيرة، القنوات اللامعة، المباني الملونة... كل شيء يصغر حتى يصبح نقطة بعيدة في الأفق.نظر بليك من النافذة، يراقب المدينة وهي تبتعد، ثم التفت إلى مونو التي كانت تنظر إلى الخارج بصمت."هل استمتعتِ، يا مونو؟" سأل بهدوء.نظرت إليه مونو للحظة، ثم أعادت نظرها إلى النافذة، صوتها هادئاً، متعالياً قليلاً كعادتها:"أظن أنني استمتعت... قليلاً."لم يتحمل بليك. ابتسم ابتسامة عريضة، مد يده وفرك رأسها بلطف، شعرها الأسود الناعم يمر بين أصابعه."آخخخ، أنتِ لطيفة جداً"، قال بصوت مرح."لا تفعل هذا!" صاحت مونو فجأة، وهي تدفعه بقبضتها الصغيرة، وجهها يحمر بشدة.

"قلت لك لا تفعل!"ضحك بليك ضحكة خفيفة، لكنه تركها، وعاد ينظر من النافذة. كانت مونو تتذمر بصوت منخفض، لكنها لم تبتعد عنه، بل بقيت جالسة قربه، كتفها يلامس كتفه.في تلك الأثناء، في أحد أزقة كاناليا الضيقة، كانت ميزوناشي تمشي لوحدها بعد انتهاء عملها. كانت قد خلعت قبعة البيريه، وتركت شعرها الوردي ينسدل بحرية، يتمايل مع خطواتها البطيئة. كان النسيم العليل يحمل رائحة الماء والزهور، وكانت تستمتع بالهدوء بعد يوم طويل من الابتسامات والكلام. اختارت طريقاً مختصراً عبر زقاق صغير، جدرانه مغطاة باللبلاب الأخضر، والأضواء الخافتة من المصابيح القديمة ترسم ظلالاً ناعمة على الأرض.فجأة، شعرت بخطوة خلفها.التفتت ببطء، لتجد الفتى الغريب الذي رأته سابقاً مع مجموعة بليك. كان يقف على بعد خطوات قليلة، منحنياً قليلاً، عيناه الخضراوان تلمعان في الظلام، وأنيابه البارزة تظهر مع ابتسامته الغريبة."هل أنت... ضائع؟" سألته ميزوناشي بحسن نية، صوتها هادئ وودود كعادتها. "أم تحتاج مساعدة في شيء؟"رفع الفتى رأسه ببطء، وانحنى أكثر، كأنه يؤدي تحية قديمة."نعم... أحتاج شيئاً"، قال بصوت منخفض، مسرحي. "أخبريني... ما اسمك؟ أنا اسمي روي."ابتسمت ميزوناشي ابتسامة مهذبة، دون أي شك."اسمي ميزوناشي"، قالت بلطف.في اللحظة التي نطقت فيها باسمها، انقض روي عليها كالبرق. وضع يده الكبيرة فوق وجهها، تغطيه بالكامل، أصابعه طويلة وحادة كالمخالب. تجمدت ميزوناشي، عيناها متسعتان من الصدمة."شكراً لكِ، أيتها الأخت"، قال روي، صوته يتحول إلى همس خبيث. ثم أخرج لسانه الطويل ببطء، ولحس ظهر يده بنظرة جائعة. "بالهناء والشفاء... لي."ظلام الزقاق ابتلع المشهد، ولم يبقَ سوى صوت خطواته الخفيفة وهو يبتعد، تاركاً النسيم البارد يحمل رائحة خفيفة من الخطر.

2026/01/19 · 11 مشاهدة · 10434 كلمة
نادي الروايات - 2026