يمكن متابعة الفصل بعد متابعة الفصل 154 من الروايات الرئيسية

داخل مركز كينيدي للفضاء، لم يكن الضجيج المعتاد لمحركات الصواريخ هو الصوت الوحيد الذي يملأ المنصة رقم 39-A، بل كان هناك همس خفي، دندنة غامضة لترانيم قديمة كانت تخرج من أفواه ثلاثة رجال يرتدون أردية قرمزيّة مطرزة بخيوط من مانا فضية. هؤلاء لم يكونوا مهندسين، بل كانوا "سحرة الزمكان" المنتدبين من الهيئة العليا للسحر، يضعون لمساتهم الأخيرة على جسد مركبة (Farscape Module). كان المشهد سرياليًا؛ تكنولوجيا "ناسا" الأكثر تعقيدًا تتشابك مع نقوش رونية محفورة على هيكل التيتانيوم، أختام سحرية صُممت لتعمل كعامل حفاز بمجرد انعدام الجاذبية، لتحويل الدفع النفاث التقليدي إلى خرق كوني لنسيج المادة.

في قمرة القيادة، كان رائد الفضاء "جون كريشتون" يشعر بضغط البدلة وبثقل المسؤولية. كان كريشتون رجلاً يؤمن بالأرقام والفيزياء، لكنه اليوم كان مضطرًا للإيمان بما لا تراه العيون. شد أحزمة مقعده وهو ينظر إلى الشاشات التي تومض بإحداثيات ثقب دودي تم رصده في أقصى أقاصي النظام الشمسي، ممر كوني لم يطأه بشر من قبل. تمتم في جهاز اللاسلكي بصوت حاول أن يجعله ثابتًا: "مركز التحكم، هنا (فارسكيب). الأنظمة الحيوية خضراء، المفاعلات النووية في حالة استعداد، والدوائر السحرية تظهر توهجًا مستقرًا بنسبة 98%. نحن جاهزون للعد التنازلي."

جاءه صوت القائد عبر السماعات: "فهمنا ذلك يا كريشتون. تذكر، بمجرد خروجك من الغلاف الجوي، ستتولى التعاويذ زمام الأمور. استعد للصدمة الحركية."

انطلق الصاروخ. شعر كريشتون بفقرات ظهره تنضغط تحت وطأة الجاذبية الهائلة. ارتجفت المركبة بعنف وهي تخترق سحب التروپوسفير، ثم فجأة، ساد سكون مخيف. لم تكن الصدمة ناتجة عن توقف المحركات، بل عن اللحظة التي لمس فيها هيكل السفينة الفراغ الكوني. في تلك الثانية، توهجت النقوش المحفورة بضوء أزرق نيون ساطع، وانفجرت طاقة المانا الكامنة. لم تعد السفينة تتحرك بمحركات احتراق، بل تحولت إلى سهم من النور يخترق الزمكان بسرعة الضوء.

داخل الخوذة، اتسعت عينا كريشتون حتى كادتا تخرجان من محجريهما. لم يرَ النجوم كنقاط، بل رآها كخطوط طويلة ممتدة من الياقوت والماس. شعر بروحه تُسحب خلف جسده. همس بذهول: "يا إلهي.. الأفق يتلاشى. أنا لا أسافر، أنا أُطوى داخل الكون. هؤلاء السحرة.. لم يكونوا يمزحون بشأن تسارع المانا." وبعد مرور ساعة واحدة فقط، وهي ساعة بدت وكأنها خلود في عقله، توقفت السفينة فجأة.

كان كريشتون الآن في النصف الثاني من المجرة، في منطقة لم يسبق لبشر أن رآها حتى عبر التلسكوبات. كان المنظر أمامه مرعبًا ومهيبًا في آن واحد. سديم أرجواني عملاق يلتف حول ثقب دودي هائل، يبدو كعين عمياء في قلب الفراغ، تمتص الضوء والوقت. تمتم كريشتون وهو يمسح العرق عن جبينه: "إذن، هذا هو الوحش الذي جئت لأجده. يبدو وكأنه مدخل للجحيم، أو ربما الجنة. لا أستطيع الجزم بعد."

بدأ كريشتون في تنفيذ بروتوكول الأمان بدقة علمية صارمة. "يجب أن أحافظ على مسافة وقائية لا تقل عن مئة ألف كيلومتر. قوة الجذب هنا غير خطية، والزمكان منحنٍ بشدة." حرك أصابعه على لوحة التحكم لتعديل نفاثات الموازنة. كان عليه أن يضع السفينة في مدار مستقر يسمح للمجسات بجمع البيانات دون الانجراف نحو أفق الحدث.

لكن الفيزياء هنا كانت تتلاعب بالمنطق. بسبب التداخل بين الحقل المغناطيسي للثقب الدودي والتعاويذ السحرية التي لا تزال نشطة على جسد المركبة، حدث خلل تقني غير متوقع. كانت الحواسيب الرقمية تقرأ المسافة بناءً على السرعة التقليدية، بينما كانت "تعاويذ التسارع" لا تزال تشحن هيكل السفينة بطاقة كامنة تجعلها "أخف" في نسيج المكان.

فكر كريشتون لثانية: "لماذا تومض إشارات الجاذبية باللون الأحمر؟ المسافة لا تزال آمنة!" لكنه ارتكب الغلطة القاتلة؛ لقد اعتمد على الرؤية البصرية من النافذة الأمامية، متناسيًا أن الضوء نفسه ينحني حول الثقب الدودي، مما يجعل الشيء يبدو أبعد مما هو عليه في الواقع. قام بزيادة طفيفة في سرعة الدفع الجانبي لتصحيح المدار، ولكن تلك "الزيادة الطفيفة" كانت القشة التي قصمت ظهر البعير.

اصطدمت السفينة بموجة جاذبية غير مرئية، "جيب زمكاني" كان مخفيًا خلف انحناء الضوء. صرخ كريشتون وهو يشعر بالسفينة تترنح بعنف: "ماذا يحدث؟! المحركات لا تستجيب! الجاذبية تتضاعف أسيًا!"

نظر إلى الشاشة بعبث، ليجد أن المسافة الآمنة تبخرت في ثوانٍ. لقد أصبح الآن داخل "منطقة السحب" الفعلية. بدأ هيكل (فارسكيب) يئن تحت وطأة قوى المد والجزر الجذبوية. الضوء الأزرق للتعاويذ بدأ يتغير إلى لون أحمر دموي نتيجة انزياح الترددات السحرية. حاول كريشتون بكل قوته سحب مقبض الطوارئ، لكن يده كانت ثقيلة كأنها مصنوعة من الرصاص.

قال بمرارة ويأس، وهو يرى الفراغ الأسود للثقب الدودي يبتلع مقدمة سفينته: "لقد أخطأتُ الحساب.. الرياضيات خانتني، أو ربما السحر هو الذي غدر بي. أنا لا أقترب منه.. هو الذي يفتح فمه ليبتلعني."

انجذبت المركبة بشكل لولبي مدمر، كأنها ورقة شجر في إعصار كوني. صرخ كريشتون صرخة أخيرة ضاعت في الفراغ الصامت، بينما كانت (Farscape Module) تُسحب بعنف جنوني إلى داخل الثقب الدودي، متلاشيةً في النقطة التي ينعدم فيها الزمن والمكان.

لم يكن العبور مجرد انتقال مكاني، بل كان عملية تمزيق وإعادة صياغة لكل ذرة في جسده. شعر كريشتون بأن وعيه يتشظى إلى ملايين النسخ، قبل أن يُضغط فجأة وبقوة هائلة ليعود إلى كتلة واحدة. فُتحت عيناه بصعوبة، وكان أول ما استقبله هو صمت غريب، ليس صمت الفضاء الموحش، بل صمت له إيقاع، نبض خفي يتردد في أرجاء المكان. لم تكن جدران القمرة (Farscape) كما تركها؛ كانت تهتز، يغطيها سائل لزج يشبه البلازما الحيوية، والضوء المحيط به لم يكن ناتجاً عن مصابيح كهربائية، بل كان وهجاً عضوياً خافتاً ينبعث من عروق نابضة في سقف المكان.

خرج كريشتون من حطام مركباته المتهالكة مترنحاً، ليكتشف أنه لم يعد في الفضاء المفتوح. كان يقف داخل ردهة عملاقة تبدو وكأنها جوف كائن حي ضخم امتزجت أحشاؤه بالمعادن والأسلاك. الجدران كانت منحنية، مكسوة بمادة تشبه الجلد الميت، وتفوح في الهواء رائحة تشبه الأوزون الممزوج برائحة دافئة لحيوان ضخم. همس لنفسه وهو يضع يده على جدار نابض: "أين أنا؟ هل هذا المصنع.. أم أنه رحم كائن ما؟". لم تكن هذه السفينة مجرد جماد، بل كانت (Moya)، الـ (Leviathan) العظيم، السفينة الحية التي كانت في تلك اللحظة تئن تحت وطأة الوجود العسكري الذي يستوطن أحشاءها.

لم يدم ذهوله طويلاً، إذ قطع السكون دويُّ أقدام معدنية ثقيلة ومنظمة. انفتحت بوابة عضوية بصرير يشبه زفير الغضب، واندفعت منها مجموعة من الجنود المدججين بالسلاح. كانوا يبدون بشريين تماماً، بملامح حادة وبشرة شاحبة، يرتدون دروعاً سوداء فحمية مصممة بصرامة عسكرية مخيفة، تحمل شعارات الـ (Peacekeepers). لم يكن هناك مجال للحوار؛ صرخ القائد بصوت جهوري يحمل نبرة استعلاء عرقية مقيتة: "تحرك! أيها الدخيل الملوث! لا تُبدِ أي مقاومة وإلا سحقتُ عظامك تحت هذا الهيكل".

حاول كريشتون رفع يديه في إشارة للاستسلام، متمتماً بكلمات غير مفهومة من أثر الصدمة: "أنا رائد فضاء.. من الأرض.. حدث خلل في الثقب الدودي.."، لكن رداً عنيفاً جاءه بضربة بمؤخرة بندقية ليزرية على صدره، أطاحت بأنفاسه. صرخ الجندي في وجهه: "لا يهم من أين أتيت أيها القرد البدائي، أنت الآن ملك للقيادة العليا للسلام. وسيتم تصنيفك كعينة تجريبية أو متمرد، وفي كلتا الحالتين، مصيرك قد كُتب بالفعل".

تم سحب كريشتون بعنف عبر ممرات (Moya) التي كانت تضج بالحركة العسكرية. رأى في طريقه زنازين شفافة تضم كائنات غريبة لا تشبه البشر، جميعهم يرتجفون تحت نظرات الحراس الباردة. أدرك كريشتون حينها أنه سقط في يد آلة عسكرية فاشية لا تعرف الرحمة، جيش لا يرى في الكون سوى جنود وعبيد. لم يتم نقله إلى زنزانة عادية داخل السفينة، بل أُلقي به في مركبة نقل صغيرة انطلقت به نحو كوكب يلوح في الأفق؛ كوكب (تارتاروس).

كان (تارتاروس) جحيماً من الحجر والبارود. كوكب تحول بالكامل إلى سجن شديد الحراسة، محاطاً بأطواق من الأقمار الصناعية الهجومية. عندما هبطت مركبة النقل، وجد كريشتون نفسه وسط ساحة عملاقة يحرسها آلاف الجنود الذين يتحركون بدقة الروبوتات. سيق مكبلاً بسلاسل طاقية تحرق معصميه كلما حاول الحركة، حتى وصلوا به إلى أعمق نقطة في السجن، حيث الجدران مصنوعة من مادة تعزل الموجات السحرية والفيزيائية على حد سواء.

داخل الزنزانة المظلمة، أُلقي بكريشتون على الأرضية الباردة. وقف خلف القضبان ضابط رفيع المستوى، يرتدي وشاحاً أحمر يرمز لرتبته، ونظر إليه باحتقار شديد قبل أن يقول: "أهلاً بك في تارتاروس، المكان الذي يُنسى فيه الزمن. لقد فحصنا بقايا مركبتك المثيرة للضحك، ورأينا آثار التعاويذ البدائية التي كانت عليها. أخبرني يا هذا، أي قوة سحرية تجرأت على إرسال جاسوس بائس مثلك إلى مياهنا الإقليمية؟".

رد كريشتون وهو يحاول النهوض بصعوبة: "لستُ جاسوساً.. لقد كان حادثاً علمياً. أنا لا أعرف حتى من أنتم أو ما هي هذه السفينة الحية".

ضحك الضابط ضحكة باردة خالية من المشاعر، واقترب من القضبان ليقول بفحيح مرعب: "أنت في حضرة أسياد المجرة، حماة النظام ومطهري العروق. هنا في تارتاروس، لا نحتاج إلى أسماء، بل نحتاج إلى طاعة مطلقة. ستبقى هنا حتى يقرر المحققون أي نوع من المعلومات يمكن اعتصارها من عقلك المتهالك. وإذا صمدت أمام "كرسي الحقيقة"، فقد نمنحك شرف الموت السريع بدلاً من العمل في مناجم الكبريت للأبد".

انصرف الضابط تاركاً كريشتون في ظلام دامس، لا يسمع فيه سوى صدى صرخات آتية من زنازين بعيدة، وصوت أنفاسه المتسارعة التي تخبره بأنه فقد كل شيء؛ وطنه، علمه، وحريته، ليصبح مجرد رقم في سجلات إمبراطورية لا تؤمن إلا بالقوة والموت. استند كريشتون بظهره إلى الجدار الحجري البارد، مغلقاً عينيه وهو يتساءل بمرارة عما إذا كان الثقب الدودي قد قاده إلى نهاية المجرة، أم إلى نهاية إنسانيته.

جلس كريشتون على الأرضية الصلبة، مسنداً ظهره إلى الجدار الحجري الذي كان يفوح برائحة الرطوبة والمعادن الصدئة. كانت أفكاره تتسابق في حلقة مفرغة، يحاول يائساً إيجاد منطق لما حدث. "هل هم بشر؟" سأل نفسه بصمت، وهو يسترجع ملامح الحراس الحادة وأجسادهم التي لا تختلف عن جسده بشيء سوى في تلك النظرة الجليدية المتغطرسة. تملكه تساؤل مرعب: هل هم منظمة سرية من الأرض اكتشفت تكنولوجيا السفر عبر العوالم منذ قرون وبنت إمبراطوريتها بعيداً عن أعين البشرية؟ أم أنهم كائنات فضائية تطورت في جزء آخر من الكون لتشبه البشر بشكل متطابق من خلال تطور موازٍ؟ كان شعوره بالجهل هو أقسى أنواع التعذيب التي واجهها حتى الآن؛ فهو العالم ورائد الفضاء الذي أُرسل لاستكشاف المجهول، ليجد نفسه الآن هو الجاهل الوحيد في معادلة كونية لا يفقه رموزها.

لم يطل غرقه في أفكاره، إذ اخترق سكون الزنزانة صوت خشخشة معدنية ثقيلة آتية من وراء الجدار الفاصل بينه وبين الزنزانة المجاورة. كانت أصوات سلاسل تُجر على الأرضية الحجرية ببطء مجهد، ثم تبعها صوت أنفاس متقطعة، قبل أن يخرج صوت رجولي أجش، بدا وكأنه لم يستخدم أحباله الصوتية منذ دهر. قال الرجل في الزنزانة المجاورة بنبرة غامضة وغير مبالية: "لا تتعب عقلك بالأسئلة يا هذا.. الحجارة هنا لا تملك أجوبة، والموت هو الحقيقة الوحيدة التي لا تحتاج إلى تفسير في تارتاروس". كانت الكلمات عابرة ولا تحمل في طياتها أي معلومة مفيدة، لكنها كانت كافية لتجعل كريشتون يدرك أن الأمل في هذا المكان هو عملة نادرة لا يملكها أحد. لم يرد كريشتون، بل ظل يراقب ذرات الغبار المتطايرة في شعاع ضوء ضئيل ينفذ من ثقب في السقف، صامتاً تماماً وهو يشعر بثقل الدقائق التي تمر كأنها سنوات.

مرت أربع ساعات من العزلة الخانقة، قبل أن يرتجف باب الزنزانة الحديدي بعنف. دخل حارسان مدججان بالدروع، ودون كلمة واحدة، جذباه من ذراعيه بقسوة أرغمته على الوقوف. ساروا به عبر ممرات لولبية ضيقة، تزداد فيها الضوضاء تدريجياً، حتى انفتحت أمامه بوابة فولاذية ضخمة أفضت إلى قاعة عملاقة تمثل المنطقة الرئيسية للسجن. كانت القاعة تعج بالحياة، لكنها لم تكن حياة كتلك التي عرفها كريشتون؛ كانت مزيجاً سريالياً من الأجناس. كائنات بجلود زرقاء حرشفية، وأخرى بأذرع متعددة وعيون ضخمة تعكس الضوء ببريق مريب، وبعضها يكسوه فرو كثيف أو يمتلك قروناً عظمية بارزة.

وسط هذا الزحام، كان كريشتون هو الغريب الحقيقي. كانت الأنظار تلاحقه بفضول مشوب بالعدائية أو بالاحتقار؛ فبالنسبة لهم، كان هذا الكائن بملابسه الغريبة وبشرته العادية يبدو ضعيفاً ومثيراً للريبة. أحس كريشتون بنظراتهم تخترق جسده، وكأنه عينة تحت المجهر. ساقه الحراس إلى طاولة خشبية طويلة في زاوية القاعة، حيث كان السجناء يصطفون للحصول على حصصهم. وضع جندي أمامه وعاءً معدنياً يحتوي على مادة لزجة خضراء تميل إلى الرمادي، تفوح منها رائحة نفاذة تجمع بين حموضة التخمير وزناخة الدهون الحيوانية. لم يكن كريشتون قد رأى شيئاً كهذا في حياته، ولم تكن لديه أي فكرة عن مكونات هذا الطعام أو ما إذا كان جسده البشري قادراً على هضمه أصلاً.

جلس ببطء على المقعد الخشبي، واضعاً الوعاء أمامه، بينما كان ضجيج اللغات غير المفهومة وصليل الأواني يملأ أذنيه. نظر حوله ليرى الكائنات الأخرى تلتهم هذا الطعام بشراهة أو باشمئزاز روتيني. أمسك بملعقة معدنية ثقيلة، وغمسها في المادة اللزجة وهو يراقبها ترتجف ببرود، وشعر بتقلص في معدته ليس من الجوع، بل من رعب الانغماس في واقع لا يمت لبيئته بصلة. في تلك اللحظة، وسط مئات الغرباء من شتى أصقاع المجرة، وتحت حراسة جيش لا يرحم، أدرك كريشتون أن رحلته العلمية قد انتهت تماماً، وأن رحلة البقاء في هذا الجحيم الكوني قد بدأت لتوها.

بينما كان كريشتون يحدق في وعائه المريب، بدأ الهواء من حوله يتغير، ثمة توتر مفاجئ سرى في أرجاء القاعة وكأن شحنة كهربائية قد فرغت في المكان. لم تمضِ لحظات حتى أحاط بطاولته ثلاثة من السجناء؛ كانوا كائنات ضخمة بملامح مشوهة، يرتدون أسمالاً ممزقة وتفوح منهم رائحة العدائية الصرفة. أحدهم، وكان يمتلك جلداً رمادياً خشناً وعيوناً صفراء ضيقة، ضرب الطاولة بقبضته الضخمة مما جعل الوعاء يرتجف، ثم انحنى نحو كريشتون وقال بصوت يشبه حفيف الأفاعي: "أيها الوافد الجديد، في تارتاروس لا توجد طاولات مجانية، ولا توجد أرواح رخيصة. يبدو أنك تملك شيئاً لا نملكه نحن.. رائحة الأماكن البعيدة والحرية". تقدم الآخر محاولاً جذب كريشتون من ياقته، وبريق الغدر يلمع في عينيه، بينما تجمد كريشتون في مكانه، مدركاً أن أي حركة خاطئة ستكون نهايته المحتومة وسط هذا القطيع الجائع.

وفجأة، وقبل أن تلمس يد السجين جسد كريشتون، حدث ما لم يكن في الحسبان. تحرك ظل من خلفهم بسرعة خاطفة لا تتناسب مع ضجيج المكان. وبحركة دقيقة وجراحية، أمسك رجل مجهول بمعصم السجين المهاجم وضغطه بقوة جعلت عظام الأخير تصدر صريراً مسموعاً. التفت المهاجمون بذعر، ل يجدوا أمامهم رجلاً يفيض بالهيبة الصامتة؛ كان يمتلك بنية جسدية هائلة، أكتافه عريضة كأنها نحتت من صخر، وصدره الواسع ينم عن قوة بدنية خام وقدرة تحمل غير عادية. كانت بشرته حنطية اللون، وعيناه الداكنتان تحملان نظرة باردة وعميقة تجعل الناظر إليه يشعر بأنه يواجه جداراً لا يمكن اختراقه. أما شعره البني القصير والمصفف بعشوائية، فقد أضفى على ملامحه الجادة طابعاً من الحدة والخشونة.

بلمح البصر، أطاح الرجل بالمهاجم الأول بضربة مرفق محكمة، ثم ركل الثاني في صدره ليرسله طائراً لمسافة أمتار وسط ذهول الجميع. تراجع المهاجمون وهم يرتجفون، ولم تكن صدمتهم من قوته فحسب، بل من هويته؛ فقد بدأت الهمسات تنتشر في القاعة كالنار في الهشيم: "إنه السجين صفر.. السجين صفر قد تدخل!". كان هذا اللقب يتردد بهيبة وخوف، وكأن لهذا الرجل تاريخاً طويلاً من الرعب في هذا السجن. أدرك كريشتون من نبرة صوته الهادئة التي سمعها خلف الجدار قبل ساعات، أن هذا هو جاره الغامض الذي لم يعطِ أهمية لأسئلته.

وقف "السجين صفر" بثبات، ناظراً إلى الحثالة الذين حاولوا الاعتداء على كريشتون، ولم يقل سوى جملة واحدة بصوت منخفض لكنه هز أركان القاعة: "ابتعدوا عن طريقي، وعن هذه الطاولة. لا تجعلوني أكسر الصمت بطريقة لن تعجبكم". لم ينتظر السجناء ثانية واحدة، بل تفرقوا مذعورين، تاركين الساحة للرجل القوي الذي ظل واقفاً كالجبل.

شعر كريشتون بمزيج من الذهول والامتنان، فوقف ببطء، وحاول أن يجمع شتات نفسه ليوجه كلمة شكر لهذا المنقذ الغامض. تنحنح كريشتون وقال بنبرة ممتنة: "أنا.. لا أعرف كيف أشكرك. لقد أنقذت حياتي للتو. أنا مدين لك بشرح لما حدث، وبامتناني الأبدي. هل يمكنني أن أعرف اسمك؟ أو لماذا فعلت هذا؟".

لكن السجين صفر لم يلتفت إليه تماماً؛ بل اكتفى بالنظر إلى الأفق بنظرة خالية من المشاعر، وكأن كريشتون لم يكن موجوداً أصلاً. زفر ببطء، ثم قال بجفاء وبرود تام: "لا تشكرني، ولا تظن أن هذا ميثاق صداقة. أنا لا أحب الضجيج أثناء طعامي، ومحاولتهم تلك كانت تزعج هدوئي ليس إلا. ابقَ بعيداً عن طريقي، فالامتنان في تارتاروس هو أسرع طريق للقبر". ودون أن يمنح كريشتون فرصة للرد، استدار الرجل بحركته الواثقة وغادر المنطقة الرئيسية متجهاً نحو ظلال الممرات، تاركاً كريشتون واقفاً وحده، تملؤه التساؤلات حول هذا السجين الذي يخشاه الجميع، والذي يبدو أنه يحمل أسراراً تفوق رعب السجن نفسه.

عاد كريشتون إلى وعاء طعامه بصمت، محاولاً تجاهل طعمه المنفر والتركيز على استعادة طاقته، لكن الهدوء لم يدم طويلاً. ارتفع ضجيج معدني مفاجئ من الشرفات العلوية التي تطل على قاعة الطعام، حيث ظهرت مجموعة من الجنود المدججين بدروع ثقيلة وتكنولوجيا متطورة، لكن أكثر ما لفت انتباه كريشتون وأصاب قلبه بالدهشة هو تلك الأجنحة الخضراء الغامضة التي كانت تبرز من ظهورهم، والتي بدت وكأنها مزيج بين البيولوجيا العضوية والميكانيكا الدقيقة. صرخ القائد من الأعلى بصوت أجش تضخم عبر مكبرات خوذته: "اسمعوا أيها الملاعين! أمامكم نصف ساعة فقط لتنهوا هذا القرف الذي تبتلعونه. بعد ذلك، سيتم سحب الجميع إلى قطاعات التعدين السفلى للتنقيب عن الخام الخامد. لا نريد أعذاراً، ولا نريد جثثاً هامدة قبل انتهاء الوردية، تحركوا!".

شعر كريشتون ببرودة تسري في أوصاله؛ فكرة التنقيب في أعماق كوكب مجهول كـ (تارتاروس) كانت مرعبة. فكر في احتمالية أن تكون أجواء الكوكب أو الإشعاعات المنبعثة من طبقاته السفلية قاتلة لفيزيولوجيته البشرية التي لم تُصمم لمثل هذه الظروف المتطرفة. وبينما كان غارقاً في حسابات النجاة اليائسة، لاحظ اقتراب شخص من طاولته. كان شاباً بملامح حادة ومنتظمة، يمتلك وجهاً بيضاوياً يوحي بوقار يفوق سنوات عمره الشابة، وعينين بنيتين واسعتين تحملان نظرة مزيجة بين الإصرار الصلب وحزن دفين كأنه يحمل ثقل العالم على كتفيه. كان شعره البني الكثيف مبعثراً بفوضوية فوق جبهته، مما أعطاه مظهراً حيوياً رغم كآبة المكان.

جلس الشاب مقابل كريشتون مباشرة، ونظر إليه بعينين ثاقبتين قبل أن يهمس بصوت هادئ ومستقر: "هاي.. هل أنت بشري؟". تجمدت الملعقة في يد كريشتون، واتسعت عيناه من الصدمة؛ إنها المرة الأولى التي يسمع فيها أحداً ينطق بمصطلح "بشري" كتعريف عِرقي في هذا المكان الموحش. رد بلهفة وتلعثم: "نعم.. نعم أنا بشري! يا إلهي، هل أنت بشري أيضاً؟". أومأ الشاب برأسه بهدوء وقال: "نعم، أنا بشري تماماً.. من الجيد أنني وجدتُ أحداً من بني جنسي هنا، ظننتُ لفترة أنني الوحيد في هذا القاطع". تنهد كريشتون بعمق وكأن حملاً ثقيلاً قد انزاح عن صدره، وقال بامتنان: "الحمد لله.. كان من المفترض أن أكون في مهمة استكشافية، وانتهى بي الأمر في هذا الجحيم. أنا جون كريشتون".

نظر إليه الشاب بجدية وقال: "اسمي سوسومو.. سوسومو كوداي". ومن الاسم، أدرك كريشتون فوراً أن جذوره تعود إلى اليابان. بدأ الاثنان حواراً طويلاً ومنخفض الصوت، يحاول كل منهما استكشاف هوية الآخر والزمن الذي أتى منه. بدأ سوسومو بسرد قصته بنبرة مثقلة بالمسؤولية: "لقد كنتُ جزءاً من مهمة حاسمة.. كنتُ أقود فرقتي على متن سفينة فضائية في رحلة يائسة نحو مجرة بعيدة تُدعى إسكاندار. كان هدفنا هو الوصول إلى الكائن الذي أرسل لنا رسالة أمل لإنقاذ كوكبنا المحتضر، لكن أثناء مناورة زمكانية معقدة، حدث خلل تقني أدى لانفصالي عن مجموعتي، ووجدتُ نفسي مسحوباً إلى هذا القطاع الخاضع لسيطرة حراس السلام".

لم يفهم كريشتون الكثير من المصطلحات التي ذكرها سوسومو، فبدت وكأنها قصص من مستقبل بعيد أو واقع بديل، لكنه بدأ بدوره يروي قصته: "أنا رائد فضاء من القرن الحادي والعشرين.. كنتُ أعمل لصالح وكالة ناسا، وأختبر وحدة فضائية تُدعى (فارسكيب) لاستكشاف الثقوب الدودية باستعمال تعاويذ سحرية وضعها لنا سحرة من الأرض، وهذا ما قادني إلى هنا".

فجأة، تغيرت ملامح سوسومو تماماً، وحل الذهول مكان الهدوء على وجهه. سأل بصوت مرتجف: "ماذا؟ ناسا؟ ما الذي تقصده بكلمة ناسا؟ هل تقصد المنظمة القديمة التي كانت تقود استكشاف الفضاء قبل عصور؟ ألم تدمر بالكامل وتُمحَ من السجلات قبل سنين طويلة؟". اعتلت الدهشة وجه كريشتون، وشعر بقشعريرة باردة، ورد بذهول: "ماذا تقصد بدمارها؟ ناسا هي قمة التكنولوجيا في عالمي، وكنتُ فيها قبل ساعات فقط! ما الذي تعرفه عنها؟ وما الذي تقصده بأنها لم تعد موجودة؟". حدق سوسومو في كريشتون وكأنه ينظر إلى شبح من الماضي الغابر، وساد صمت ثقيل بينهما بينما كان صراخ الجنود ذوي الأجنحة الخضراء يملأ القاعة إيذاناً ببدء رحلة التنقيب المريرة

2026/01/26 · 6 مشاهدة · 3079 كلمة
نادي الروايات - 2026