في غرفةٍ مظلمة يمكن للشخص أن يرى فيها الكثير من الأشياء، ولكن ليس بعينيه، سأل صوتٌ ما:

"أخبرني، ما هي المشاكل التي تواجهك في حياتك؟"

فرد عليه صوتٌ آخر:

"لا أعتقد أن مشاكلي تخص حياتي وحدي، فأنا أرى حياتي حياةً عادية."

قال جوزيف سائلاً:

"إذًا ما تقوله هو أن مشاكلك هي نفسها التي يواجهها معظم البشر؟"

أجاب بلاك:

"نعم، هذا ما أقصده."

قال جوزيف:

"أنت محق في أن البشر قد يواجهون المشاكل نفسها، لكن بالطبع تجاربهم تختلف، وما يعدّ مشكلةً شخصيّة يختلف من شخص لآخر. لذا، رجاءً… هل يمكنك توضيح ما يضايقك أنت تحديدًا؟"

صمت بلاك قليلًا، ثم قال:

"من وجهة نظري، أعتقد أن المشكلة الوحيدة التي أعاني منها — والتي تُولّد كل مشاكل البشر — هي تلك الاحتمالات الخارجة عن السيطرة، التي تصنع عالم الشخص وحياته وما يكون عليه… تلك التي يمكن أن تقلب حياته رأسًا على عقب في لحظة دون أن يدري. نعم… إنه المجهول."

---

في غرفته كان بلاك يقرأ بعض الأبحاث العلمية الحديثة وهو يفكر:

"العلم يتقدم حقًا، لكن ليس بالسرعة الكافية. معظم التقدم هو مجرد اكتشاف نظريات جديدة، بينما التقدم التجريبي لا يجري جيدًا. أعتقد حقًا أنني لن أحصل على ما أريده إن انتظرتُ غيري ليبحث عنه."

وبينما كان يفكر، ناداه روبي:

"حان وقت الذهاب إلى المدرسة، بلاك."

فقال بلاك:

"حسنًا، أنا ذاهب."

كان بلاك مستعدًا للذهاب إلى المدرسة كالعادة لحضور الصفوف العملية. وكان منزله بعيدًا نوعًا ما عن المدينة وعن المدرسة، لكن المواصلات كانت فعّالة وقصيرة الزمن، لذلك بعد أن غادر المنزل توجّه إلى مترو الأنفاق فائق السرعة.

عندما ركب المترو، جلس يفكر كعادته دون أن تظهر أي مشاعر على وجهه، مع بقاء يقظته لما حوله. لكن هذه المرة تشتت ذهنه عندما لاحظ فتاة تشاهد شيئًا في جهاز العرض المحمول الخاص بها.

تذكر — بمجرد أن لمح عينيها — ذكريات له وهو يقرأ رواية رومانسية، مستمتعًا بالأحداث رغم أن مشاعره لا تتأثر بسهولة، لأن عقله كان يتغلب عليها دائماً .

وأيضا هو لم يكن يهتم بهذه النوعية من الروايات فقد كانت موجهة للأشخاص المتخلفين عقليا.

"حقًا… لا يمكن للمرء أن ينسى لحظات جميلة كهذه. ولكن… لماذا يبدو الناس غريبين اليوم؟"

لاحظت الفتاة أن أحدًا ينظر إليها، وعندما التفتت نحوه وجدت شيئًا غريبًا:

صبيًّا في نحو العاشرة من عمره ينظر إليها بابتسامة عريضة سخيفة.

"هل هذا الطفل مجنون؟ أم سيكوباثي منحرف ومختل عقليًا؟"

ازداد خوفها وتسارعت ضربات قلبها، لكن لحسن حظها توقف المترو، فخرجت مسرعة. وعندما خرجت نظرت خلفها لتتأكد أن أحدًا لا يتبعها، ولما لم تجد أحدًا… اطمأنت أخيرًا.

هذه لم تكن محطة بلاك، لذلك بقي جالسًا، لكن عقله كان مرتبكًا؛ هناك شيء غريب وغير مألوف، ولم يستطع طوال الطريق إلى المدرسة أن يدرك ما هو. كل ما عرفه أن الناس يبدون مختلفين بطريقة ما، وأحيانًا يشعر أن التفكير في الأمر لا أهمية له.

---

وصل بلاك إلى مدرسته أخيرًا، دخل فصله وجلس في مقعده كالمعتاد.

من الخارج كان بلاك يتصرف كما يفعل دائمًا: لا يتحدث مع أحد، ولا تظهر عليه أي تعابير.

لكن من الداخل… لم يكن كذلك.

كانت هناك معارك داخل عقله لم يستطع إدراكها بالكامل.

"لِمَ ذهني غير صافٍ اليوم؟ ولماذا تخطر ببالي أشياء غريبة؟ يجب أن… أركز."

لاحظ المعلم أن هناك شيئًا مختلفًا في بلاك، فسأله:

"بلاك، هل أنت…؟"

وما إن سمع بلاك صوته حتى نظر إليه، وعندها جاءت ذكرى إلى عقله:

أحد أكثر أيام حياته حزنًا…

اليوم الذي رأى فيه والده — الذي كان يقتدي به — جالسًا لا يفعل شيئًا مهمًا، بل يفعل ما كان ينهى عنه دائمًا: يلعب الألعاب ويشاهد الرسوم المتحركة طوال اليوم.

لكن ما كان أكثر ألمًا… هو حين سأله:

"لماذا توقفت عن العمل؟ لِمَ لا تعود إلى ما كنت تجيده؟"

فأجابه أبوه:

"لم يعد الأمر مهمًا… لم أعد بحاجة إلى ذلك."

شعر بلاك حينها بالحزن… شعر أنه بحاجة لإثبات أمرٍ ينكره العالم.

ثم ناداه صوت غير واضح:

"بلاك!"

بدأ بلاك يركز للحظة، وأدرك:

"مهلًا… هذا ليس أنا. هذه ليست ذكرياتي."

عاد إليه وعيه، وكان المعلم مذهولًا ومتوترًا، يفكر:

"ظننت أنه يمرّ بيومٍ سيء… لم أتوقع أن مجرد سؤالي له سيجعله يبكي!"

وحين عاد وعي بلاك بالكامل، خطرت له فكرة لا إرادية أن يشيح بوجهه عن المعلم، الذي أتى مسرعًا ووقف بجانبه سائلاً:

"بلاك! هل أنت بخير؟ لماذا تبكي؟ هل تستطيع إكمال اليوم؟ أم… هل تريد المغادرة؟"

"أنا… أبكي؟"

أراد بلاك الإجابة، لكن وعيه تلاشى مرة أخرى عندما حاول تجنب النظر إلى المعلم، فوقعت عيناه — بالصدفة — على طالب آخر كان يتابع ما يحدث.

فتبدلت الصورة في عقله مرة أخرى:

كان في عالم يشبه لعبة واقع افتراضي.

وحوش كثيرة…

هو وشخص آخر يقاتلانها معًا…

كان يضحك بشدة بعد أن قتل وحوشًا أكثر من صديقه وفاز بالمنافسة.

شعورٌ بأنه يملك العالم…

بدأ بلاك يضحك في الواقع أيضًا، بشدة وبشكل غير مسيطر عليه.

كان مثل الشخصيات الشريرة المستهلكة التي تظهر في برنامج رسوم متحركة قديم يتكلم عن القراصنة ، تحتاج لعمر كامل لمشاهدته .

حاول إغلاق عينيه التي إمتلأت بالدموع وأصبحت حمراء ؛ لتجنب رؤية أي شخص.

وبعد أن بدأ ضحكه يهدأ، وعى أخيرًا أسئلة الأستاذ.

"هه… نعم، أريد المغادرة. رجاءً يا بروفيسور — الروبوت المدرِّس — هل يمكنك أخذي إلى الخارج؟"

جاء البروفيسور واصطحب بلاك خارج الفصل، بينما بلاك ينظر إلى الأرض وآثار الضحك تتلاشى عنه تدريجيًا.

كان صوت ضحكه قد جذب انتباه الفصل بأكمله، وبدأ الطلاب يتهامسون.

قال أحدهم:

"أليس هذا الفتى الذي لا يُظهر أي تعابير ولا يتحدث مع أحد؟ كنت أراه رائعًا… لكن اتضح أنه مجرد مجنون!"

" نعم إنه يبدو كالشخصيات المجنونة التي كثيرا ما نراها في البرامج "

قال المعلم بصوت عالٍ:

"حسنًا، دعونا نكمل الدرس!"

---

خارج الفصل، سأله البروفيسور:

"أنصحك بالذهاب إلى الأخصائي. هل تريد الذهاب إليه أم العودة إلى المنزل؟"

قال بلاك بعد أن زالت آثار الضحك:

"لا، أفضل العودة إلى المنزل."

رد البروفيسور:

"حسنًا، طلبتُ لك عربة ذاتية القيادة. سأتأكد من وصولك إليها."

بعد أن وصلت ،ركب بلاك السيارة وابتعد عن المدرسة، وطوال الرحلة كان يحاول استعادة صفاء ذهنه والتفكير فيما حدث.

ما الأسباب؟

ما التفاصيل؟

لم يعرف.

"أعتقد أنني لن أعرف ما حدث لي… ولماذا رأيت ذكريات الآخرين… إلا إذا حاولتُ ذلك بإرادتي."

قرر بلاك أن ينظر لشخص ما من النافذة ليجرب.

رأى رجلًا مسنًا يرتدي قبعة ويتنزه.

وعندما نظر إليه… لم يحدث شيء.

"القبعة… إنها تخفي عينيه."

ثم وهو يستنتج ظهرت عين الرجل في زاوية رؤيته، فتحولت الرؤية داخل عقل بلاك.

رأس روبوت خردة تتدلى الأسلاك من عنقه…

وبوجهٍ مطابق لوجهه هو…

شعورٌ مرعب بأنه نسي نفسه… أسوأ حتى من نسيان اسمه.

حاول الخروج من غيبوبة الذاكرة بإرادته… لكنه فشل.

ظل عقله مشوشًا حتى عاد تدريجيًا للعمل بسلاسة.

"أعتقد أن أسئلتي التي تحتاج إلى إجابات قد ازدادت بعد هذا اليوم… ولن أقوم بمحاولة أخرى الآن. يكفي ما حدث."

---

أخيرًا وصل بلاك إلى المنزل، لكن قبل أن يدخل ناداه شخص بصوته. لم يحتج بلاك للنظر ليعرفه: إنه جاره الجديد صاحب الذراع الاصطناعية.

لم يلتفت، فقط رد عليه وهو يرفع يده:

"مرحبًا أيها الجار… آسف، أنا مستعجل."

فقال الجار:

"لا بأس."

دخل بلاك المنزل فاستقبله روبي:

"مرحبًا بك. كيف كان يومك؟"

"يمكنك القول… إنه لم يكن عاديًا. لا… لم يكن عاديًا أبدًا."

2026/07/17 · 4 مشاهدة · 1117 كلمة
نادي الروايات - 2026