الفصل الثالث عشر: «الأبواب، والأبراج المحصّنة، والتأمل البُعدي»
تسلّل ضوء الصباح عبر سقف غرفة ليون المزخرف، يغمر الخشب المصقول والستائر الحريرية بلمسةٍ ذهبية ناعمة.
ومع ذلك، لم يفتح عينيه.
لم يحتج إلى ذلك.
لأنّه كان مستيقظًا بالفعل.
جلس متربعًا في وسط السجادة الفاخرة، بهيئةٍ تنضح بالانضباط والهدوء والتركيز التأملي.
لكن تلك الصورة، بطبيعة الحال، كانت كذبةً خالصة.
ففي داخله، كان في مكانٍ آخر تمامًا.
العالم خارج جسده كان رفاهيةً وضوءًا. أما داخله...
فمجرد فراغٍ رماديٍّ صامت — ساعة البُعد الرمليّة .
لم يعد يحتاج إلى الأثر السحريّ للدخول إليها، لا بعد الاختراق الذي حققه في عامه الثاني في دوسكمور. تجربة هادئة، نزوة عابرة من التركيز... وفجأة وجد نفسه هناك.
هكذا ببساطة.
لا حاجة لاستدعاء الأداة، ولا لحملها.
حينها شعر بسعادةٍ طفوليةٍ غامرة — حتى إنه تدحرج على الأرض ضاحكًا، قبل أن ينام بعدها في المخزن لمدة ثمانٍ وأربعين ساعة متواصلة.
لقد صارت تلك المساحة ملاذه. ساكنة، خالية من الزمن، مثاليةٌ لمن يكره أن تُوجَّه إليه الأنظار.
واليوم... استيقظ مبكرًا ليجد سكينته فيها.
فاليوم، يومٌ عظيم.
طرق... طرق.
صوت طرقٍ حادّ على الباب أعاده إلى الواقع.
زفر ليون ببطء، فتح عينيه — فعاد العالم إلى مكانه.
غرفته الفسيحة، المزدانة بأقمشةٍ وتطريزٍ مبالغٍ فيه، استقبلته بهدوءٍ كخادمٍ مؤدّب. نهض، وتقدّم نحو الباب، وفتحه قليلًا.
كان وجهٌ مألوف ينتظره.
إحدى الحارسات الموثوقات لدى سيرافين — امرأة صارمة الكلام، مستقيمة الهيئة — أومأت تحيةً وقالت بنبرةٍ رسمية: "السيّد الصغير ليون، القائدة أرسلت عربة. إنّها بانتظارك في الخارج."
عيني ليون لمعتا بتركيز.
لم يكن هناك إلا معنى واحد لذلك.
أربعة أيام. أربعة أيامٍ طويلة منذ أن رضخت سيرافين أمام «حركته القاضية». أربعة أيام من الترقّب المكتوم.
والآن؟
أخيرًا...
حفل الاستيقاظ الطبقي.
أغلق الباب بهدوءٍ خلفه، وقلبه يخفق بقوة تحت ملامحه الهادئة.
في الأسفل، كانت القاعات تعجّ بالحركة.
الخدم والمربيات ينظّفون ويشعلون المصابيح. وما إن ظهر ليون حتى أضاءت الوجوه بابتساماتٍ مشرقة.
"صباح الخير، السيّد ليون!" "آه! إنه مستعدّ بالفعل، كم هو منضبط!" "انظري إليه... كدميةٍ خزفية تحمل خنجرين..."
اكتفى ليون بإيماءةٍ صغيرة وتحيّةٍ مقتضبة: "صباح الخير."
وكانت النتيجة فورية.
تجمّعت الخادمات على الجدار، يغطين وجوههن ويتهامسن بخجلٍ ومرح.
"لقد نظر إليّ! رأيتِ ذلك؟!" "شَعرُه يتلألأ في ضوء الشمس..."
لم يتوقف ليون عن السير.
لكنه أدار عينيه بخفة.
«لهذا السبب أتدرّب في بُعدٍ خارج الزمن. لا شهود على خجلي.»
ومع ذلك، ارتسمت على شفتيه ابتسامةٌ خفيفة.
لقد حان اليوم.
النظام الذي يحكم هذا العالم سيمنحه أخيرًا طبقته.
«قالت لي المعلمة إنني سأتمكّن من رؤيته بعد حصولي على الطبقة...»
وكان ليون ينوي أن يجعل النظام يندم على تأخّره.
خرج إلى ضوء الصباح، تحت وقع خطواته على حجارة الممرّ. بوابات القصر ارتفعت أمامه، تحرسها دروعٌ فضيّة، وبجانبها عربة فخمة مزينة بلون دوسكمور الأزرق الداكن.
وهناك... كانت هي .
سيرافين فايل.
قائدة الفرسان. زهرة دوسكمور الحديدية. ترتدي درعها الاحتفالي اللامع، وشعرها البنفسجي مضفور بعناية كأنها تتأهب لحرب.
رأته فورًا — وقبل أن يتمكّن من الاستعداد —
بووم.
انقضّت عليه كعاصفةٍ عاطفية، واحتضنته بقوةٍ تكاد تحطم الحديد، حتى غاص وجهه في صدرها المدرّع.
"صباح الخير، تلميذي العزيز!" قالت بمرحٍ عسكري، بصوتٍ يضاهي ضوء الفجر إشراقًا.
ليون، ووجهه لا يزال محشورًا بين الفولاذ والحرير، تمتم ببرود: "...صباح الخير."
لم يقاوم. لم يتذمر. فقط تحمل الموقف بكرامةٍ صامتة.
على ما يبدو، هذا هو ثمن التلمذة.
وحين أطلقت سراحه أخيرًا، حدّق فيها نظرةً مسطّحة وقال: "علينا حقًا أن نتحدث عن الحدود الشخصية."
ابتسمت وربّتت على رأسه بحنان: "لا داعي لذلك."
ثم فتحت باب العربة وأشارت له للدخول. جلس أولًا، متوقعًا أن تجلس مقابله.
لكنها جلست بجانبه. مباشرة. وبقربٍ شديد.
نظر إلى الجهة الأخرى الفارغة، ثم إليها.
ابتسمت بهدوء دون أن تفسر شيئًا.
فزفر واستسلم لمصيره.
تحرّكت العربة، تتهادى على الطريق المرصوف بينما تتلاشى أسوار المدينة خلفهما، لتحلّ محلها الغابات والهواء النقي.
ظلّ ليون صامتًا، ينظر إلى الأفق، حتى قطعت هي الصمت:
"لست الوحيد الذي سيدخل الزنزانة اليوم."
رمقها باستغراب.
"إنها تجربة جماعية،" أوضحت. "سيشارك فيها مرشحون من مدنٍ ومناطق مختلفة، كلٌّ يسعى إلى استيقاظ طبقته."
أومأ ليون بهدوء. "منطقي. لا يمكن هدر زنزانة صالحة."
لم ترد على سخريته.
تابعت بنبرةٍ أكثر جدية: "سيُقيَّم كل واحدٍ منكم بمفرده. ليست منافسة، لكن... الاستيقاظ يستجيب للإرادة، والغريزة، وقوة الذات."
ضيّق ليون عينيه. "وما مدى خطورتها؟"
ابتسمت ابتسامةً رفيعة. "خطيرة بما يكفي. ليست قاتلة... إلا إن ارتكبت خطأً فادحًا. لكنني ما كنت لأسمح لك بالمشاركة لو لم أكن واثقة أنك قادر."
كلماتها كانت صادقة تمامًا.
لكن ليون لم يلحظ التوتر الطفيف في كتفيها، ولا الاسم الذي امتنعت عن ذكره.
فما لم يقله أحد... هو أنها قضت الأيام الأربعة الماضية ليست في التحضير، بل في التطهير .
طهّرت الزنزانة من أي نفوذٍ سياسي. سحبت الخيوط، واستدعت ديونًا، وأسكتت الألسن.
كل ذلك لتضمن شيئًا واحدًا:
أن ولا نبيلٍ رفيع سيحضر الحفل اليوم.
عادةً، تُراقَب احتفالات الاستيقاظ من قبل نبلاء يسعون إلى تجنيد المواهب الصاعدة.
سيرافين يمكنها التعامل مع النبلاء الصغار، لا الكبار. لم يكن نفوذها يكفي لذلك.
لأنها كانت تعلم ما لا يعلمه ليون بعد.
حين يستيقظ، سيلمع. وسيراه الجميع.
وإن رأته العيون الخطأ — سيحاولون امتلاكه.
وسيرافين فايل؟ لن تسمح بذلك أبدًا.
إنه تلميذها . من حقها أن تدربه، تحميه، وتخنقه بعناقٍ بعد كل نزال.
وإن تطلب ذلك إحراق بعض الجسور السياسية... فليكن.
جلس ليون بجانبها، غافلًا عن المعركة التي تخوضها في الظلّ باسمه.
لكنّه سيتعلم. قريبًا.
عيناه الفضيتان لمعتا حين انفتحت الأشجار أمامهم وكُشف الطريق الطويل.
لن يكون وحده في الزنزانة إذًا. مواهب أخرى. مقاتلون آخرون. ربما عباقرة من مدن بعيدة.
أثار الأمر في نفسه حماسة خفية.
لم يواجه أحدًا في معركةٍ حقيقية سوى سيرافين — وذاك أشبه بمحاولة ضرب تنينٍ بعصا مكنسة.
«قليلٌ من التنوّع لن يضرّ. لعلّي أربح قتالًا دون أن أُخنق بعده.»
استرخى قليلًا بينما تهتز العربة فوق أحد المرتفعات. "إذًا... ما الهدف بالضبط؟"
نظرت إليه سيرافين وقالت: "سيُسقَط كلٌّ منكم في نقطةٍ مختلفة. الزنزانة متعددة الطبقات — مخصصة للاستيقاظ، لا للقتل. لكنها حقيقية. وحوش حقيقية. جراح حقيقية."
أومأ ليون.
"عليكم اجتيازها، وبالتحديد، هزيمة الوحش الرئيس في قلب الطابق التجريبي. بعدها ستُقيَّم روحك، وعلى ذلك يُحدَّد صنفك."
رفع حاجبًا. "يُحدَّد؟ لا أختار بنفسي؟"
"في أغلب الحالات، لا. لكن —" مالت قليلاً نحوه، "— في بعض الحالات النادرة، يُمنح المرشح خيارًا. خصوصًا إن كانت صفاته تتجه نحو مساراتٍ متقدمةٍ متعددة."
هز رأسه ببطء، تفكيرٌ عميق يتلألأ في عينيه.
"بمعنى آخر... لا مجال للخطأ."
"بالضبط." ثم أضافت بصوتٍ أكثر دفئًا وصلابة: "الطبقة التي تستيقظ بها هي أساس قوتك. بعضها مرن، وبعضها متخصص. اختيارٌ سيّئ قد يقيّدك مدى الحياة."
رمقها بنظرةٍ جافة. "يا للطمأنينة."
ابتسمت. "أنا أثق بك."
تغيّر وجهه للحظة، كأنه لم يتوقعها. ثم حوّل نظره نحو النافذة.
تابعت قائلةً، بنغمةٍ منخفضةٍ وهادئة: "لكن إن عُرض عليك الاختيار... فاحذر. لا تنجذب للأسماء البراقة. فكّر في طريقتك بالقتال، وفي ما تريده... وفي من أنت."
عاد لينظر إليها بثباتٍ هذه المرة.
"لقد قررت سلفًا."
رفعت حاجبًا. "حقًا؟"
"لا أعلم ما الذي سيُعرض عليّ، لكنني أعلم ما أريد. لا أريد أن أكون سيفًا في يد أحد. أريد أن أكون النصل الذي يختار معاركه بنفسه."
لم تجب.
لكنها ابتسمت. ابتسامةً صغيرة، فخورة، وفيها شيءٌ من الحزن.
ظلّت بقية الرحلة صامتة، لا يُسمع فيها سوى صوت العجلات وصدى الطيور البعيد.
يد ليون استقرت قرب خصره، أصابعه تتحرك بخفةٍ كأنها تتدرّب في الخيال.
قريبًا، سيعرف.
ما نوع القوة التي ستستيقظ داخله.
والأهم...
أيُّ نوعٍ من المحاربين سيختار أن يكون.
ـــ
ملاحظة المؤلف: تعليقاتكم تعني لي الكثير، فهي تمنحني وعيًا أكبر بما أكتب، لذا لا تبخلوا بإبداء آرائكم.
نفس الشيء لي التعليقات تشجعني اكمل ترجمة العمل
منصف الفرزدق