15 - «نبض البوّابة، الزنزانة المميتة»

الفصل الخامس عشر: «نبض البوّابة، الزنزانة المميتة»

بدأ الصفّ يتناقص تدريجيًّا.

واحدًا تلو الآخر، كان المرشّحون يختفون داخل البوّابة الزرقاء الدوّارة، بعد أن تُفحص تصاريحهم وتُختم بالموافقة. لم يتبقَّ سوى قلّة قليلة. خفتت الهمهمات بين المتفرّجين شيئًا فشيئًا، وحلّ مكانها توتّرٌ صامت يسبق العاصفة.

وقف ليون إلى جانب سيرافين، ما يزال متوشّحًا عباءته، وما تزال ملامحه هادئة.

عندها، مدّت يدها إلى معطفها وأخرجت قطعةً معدنية صغيرة، مستديرة ولامعة، منقوشة بعلامةٍ دقيقة.

شعارها.

عين يحيط بها نصلٌ متّقد — شعار قائدة فرسان داسكمور .

ناولته إيّاها دون أي تكلّف.

قالت ببساطة: "تصريحك."

أخذها ليون، وعيناه تتفحّصان النقش اللامع.

قالت بنبرة ثابتة: "مختوم بسلطتي. ولن يحتاجوا إلى أكثر من ذلك."

أومأ بإيجاز، ثم استدار متوجّهًا إلى نهاية الصف، لينضمّ خلف آخر مرشّحين — مراهقين أكبر سنًّا ما زالا يتهامسان بتوتّرٍ واضح.

وحين جاء دوره، التفت الحرّاسان الواقفان أمام البوّابة نحوه.

مدّ أحدهما يده لتفحّص التصريح، لكنّه ما إن رأى الشعار حتى تجمّد في مكانه.

تغيّرت هيئته بالكامل.

اتّسعت عيناه، واستقام ظهره، وانخفض صوته احترامًا وهو يلتفت نحو سيرافين قائلاً بقلقٍ واضح: "القائدة فايل... مع كامل الاحترام، إنّه صغير جدًّا، وإن دخل... فقد لا يخرج حيًّا."

لم تتغيّر ملامح سيرافين. بقيت هادئة، وصوتها ثابت:

"أنا أعلم."

هذا كلّ ما قالته.

لا "سيكون بخير." ولا "أنا واثقة."

فقط: "أعلم."

أومأ الحارس فورًا دون نقاشٍ إضافيّ. لم يعد هناك مجالٌ للجدال.

ثم التفت إلى ليون، مشيرًا نحوه بسرعة: "ادخل. البوّابة توشك على الإغلاق."

تحرّك ليون دون تردّد، متّجهًا إلى حافّة الضوء. توقّف لحظةً واحدة، التفت خلالها إلى سيرافين، والتقت عيناه بعينيها.

رفعت يدها ملوّحةً له بابتسامةٍ نادرةٍ دافئة.

رفع يده بدوره… ثم خطا إلى الداخل.

وفي اللحظة التي لامس فيها قدماه عتبة البوّابة —

تغيّر كلّ شيء.

اهتزّت البوّابة بعنف.

تدفّقت الطاقة على أطرافها كوميض برقٍ يخترق الغيوم، وبدأت تيّارات الضوء تتعالى مضطربة. امتلأ الجوّ بهمهمةٍ عميقةٍ تهزّ الأرض.

تجمّد الحرّاس.

توقّف المرشّحون عن الحركة.

واختفت ابتسامة سيرافين كما تختفي الشمس خلف سحابةٍ داكنة.

صرخت غريزتها من الداخل.

هذا ليس اضطرابًا عاديًّا. هذا ليس جزءًا من الإجراء.

هذا —

"قراءة خاطئة!" صرخ أحد السحرة وهو يحدّق في لوحٍ حجريٍّ بين يديه، وعيناه تتّسعان رعبًا. "كثافة الطاقة تضاعفت ثلاث مرّات—لا، أربع!"

تلعثم آخر، صوته يرتجف: "التوازن الداخلي انهار… ذلك الاختبار صار غير مستقرّ! الوحوش بالداخل ستكون… من المستوى الثالث على الأقل، وربّما الرابع… أو حتى زعيمًا من الفئة الخامسة!"

ساد صمتٌ ثقيل.

ثمّ انفجر الذعر.

شهق بعض المرشّحين، وتراجع آخرون بوجوهٍ شاحبة.

أما المحاربون المخضرمون — أولئك الذين رأوا ما تفعله الزنزانات حين تفقد توازنها — فقد اسودّت ملامحهم.

قال أحدهم همسًا: "لقد فقدنا كلّ من بالداخل…"

وأضاف آخر بصوتٍ كئيب: "لا أحد يمكنه النجاة عند هذا الارتفاع."

قبض فارسٌ شابّ على قبضتيه بعنف: "كانت دفعةً كاملة من أصحاب المواهب! سبعةٌ وعشرون من أفضل المتدرّبين في ستّ مدن… والآن…"

لم يُكمل.

لأنّ سيرافين ما زالت تنظر إلى البوّابة.

لا تتحرّك. لا تتكلّم.

لكنّ شيئًا ما خلف عينيها…

انكسر.

لأنّها في اللحظة التي اشتدّ فيها توهّج البوّابة، شعرت به.

هذا لم يعد اختبارًا بسيطًا. إنها مِحنة .

وليون في داخلها.

قبضت قبضتها ببطء.

لقد أعدّته. درّبته. صقلته حتى صار حادًّا كالحديدة المشتعلة.

لكن هذا… لم يكن ما خطّطت له.

ورغم ذلك لم تصرخ، ولم تأمر، ولم تتراجع.

وقفت ثابتة، نظرتها معلّقة بالدوّامة الزرقاء، والضجيج يلتفّ حولها كريحٍ تصطدم بصخرةٍ صلبة.

داخل صدرها، خفق قلبها خفقةً واحدةً قوية.

"أرجوك… عُد."

ولم تكن وحدها من تمنّى ذلك.

لأنّ جميع السحرة والفرسان الواقفين هناك — حتى أولئك الذين خبروا مئات المعارك — شعروا كأنّهم يشهدون إعدامًا جماعيًّا.

والأسوأ من ذلك...

أنّ أحدًا لم يستطع اللحاق بهم.

⋯⋯⋯

بمجرّد أن عبر ليون العتبة، انقلب العالم رأسًا على عقب.

تقلّبت معدته بعنف. انحرفت الجاذبية كأنّها تحاول طرده من الوجود.

ابيضّت رؤيته لثانية، ثمّ ارتطمت بالوضوح كصفعةٍ من الحديد.

طَخ.

سقط على أرضٍ صلبة، ركبته تضرب الحجر المكسوّ بالطّحلب، ويداه ترتجفان وهما تتشبّثان بالسطح الخشن.

التقط أنفاسه بصعوبة، وكاد يتقيّأ.

"آه… حسناً… أسوأ من الصاعقة بكثير."

أجبر نفسه على الوقوف، قابضًا بيدٍ على معدته، وبالأخرى يُزيح شعره الفضيّ عن وجهه بينما تتّضح رؤيته تدريجيًّا.

الهواء هنا… أثقل. كلّ نفسٍ يحمل طعم الحديد البارد ورائحة التراب العتيق.

لكنّه لم يُتح لنفسه وقتًا للملاحظة، لأنّ الصوت الذي شقّ السكون كان كالسيف:

غَرررررررر.

شهق، وتراجع غريزيًّا.

في اللحظة التالية، تحطّم الحجر أمامه تحت وطأة مخالب ضخمةٍ هبطت كالصاعقة.

وحشٌ هائل بحجم حصانٍ بالغ، مكسوّ بفروٍ رماديٍّ فاحم، عيناه تشتعلان بجوعٍ أصفر، وأنفاسه تتصاعد بخارًا في الهواء البارد، أنيابه تلمع بدمٍ قديم.

وقف ليون في وضعٍ منخفض، وسحب خنجرَيه في حركةٍ واحدةٍ ناعمةٍ كرقصة. لمع المعدن الحادّ تحت الضوء الخافت.

لم يرمش. لم يتراجع.

قال بهدوءٍ جليديّ: "أوه… جديد."

زمجر الذئب، وشُدّت عضلاته.

تنفّس ليون بعمق، يعدّل إيقاع نبضه.

هذا لم يكن مثل عفريت "غراي ريدج". لم يكن قتال أزقّة.

هذا المخلوق أسرع. أثقل. وأكثر شراسةً من أيّ شيءٍ واجهه من قبل.

ومن طريقة حركته، من سكون جسده قبل الانقضاض، عرف ليون:

إنه من المستوى الثالث، على الأقل. وربّما أكثر.

شدّ قبضته على خنجرَيه، وزفر ببطءٍ ثابت، وهمس: "حسنًا إذن… لنرَ ما الذي صنعته ثلاث سنواتٍ من الدمّ والعرق وتدريب سيرافين المجنون."

اندفع الوحش.

وبدأت المعركة الحقيقية.

تحرّك الذئب بسرعةٍ لا تُرى بالعين، أنيابه كالسيوف، مخالبه كالحراب.

تقاطعت خناجر ليون في اللحظة الأخيرة.

طَنِين معدنيّ مدوٍّ.

اهتزّت ذراعاه حتى العظم، وانزلقت قدماه على الحجر، وارتجفت ركبتاه.

"قويّ… جدًّا."

عضّ على أسنانه، يُدرك أنّه لن يتحمّل ضربةً أخرى كهذه وجهًا لوجه.

لكن الذئب لم يمنحه فرصةً لالتقاط أنفاسه.

هجم من جديد، جسده كتلةٌ من العضلات والغضب.

تفادى ليون العضة بانحرافٍ خاطف، وردّ بضربةٍ مرتفعة من خنجره الأيمن نحو بطن الوحش المكشوف.

شَقّ.

دمٌ ساخنٌ تناثر في الهواء.

ليست ضربةً قاتلة، لكنها كافيةٌ لتجعله يتراجع صارخًا.

تدحرج ليون على الأرض بخفّة، ثم نهض في وضعٍ منخفضٍ جديد، عينيه لا تفارقان الهدف.

"جيّد. يمكن أن ينزف."

التفت الذئب نحوه بحذرٍ الآن، لكن الغضب اشتعل في نظراته أكثر.

زمجر بعمقٍ جائعٍ مهين.

ليون لم يسخر، لم يتكلّم.

فقط انتظر.

ترك الغضب يطمس وعي خصمه.

وحين انقضّ مجددًا — الأنياب تلمع، والمخالب تُمزّق الهواء — لم يتراجع ليون هذه المرّة.

تحرّك.

خطوة جانبية، اندفاع، قَطع.

الخنجر الأيسر رسم خطًّا على خاصرته، واليمين غرس في ساقه الأمامية، ثم سُحب في التفافٍ حادٍّ نظيف.

عوى الذئب.

حاول الردّ.

لكن ليون كان قد انزلق خلفه بالفعل، ووجّه ضربةً مائلةً من أسفل إلى أعلى، دقيقةً، قاسيةً، لا تعرف الرحمة.

كلّ حركةٍ كانت محسوبة. كلّ تفادٍ كان مدروسًا.

لم يرتبك. لم يختلّ توازنه.

كان يرقص حوله — كما علّمته سيرافين — بسرعةٍ وانضباطٍ وصبرٍ فولاذيّ.

تباطأ الوحش.

ينزف. يلهث.

ثمّ في لحظةٍ حاسمة —

اندفع ليون، قفز على ظهره، وغرس خنجرَيه في قاعدة جمجمته بكلّ قوّته.

طَقّ.

ارتجف الوحش لحظة، ثم سقط ميتًا، جسده يتهدّل في بركةٍ من الدمّ والبخار.

هبط ليون إلى الأرض بخفّة، واستقام بهدوء. أنفاسه متزنة. خنجرَاه يقطران دمًا.

بلا جرحٍ واحد. بلا ارتباك.

صبيّ في العاشرة من عمره، بعينين فضيّتين كفولاذ الشتاء، يقف فوق جثّة وحشٍ يفوقه ضعف حجمه.

مسح الدم عن شفراته، وزفر بارتياحٍ خافت.

"المستوى الثالث… أم الرابع؟"

ثمّ هزّ كتفيه، وأعاد خنجرَيه إلى غمديه بنقرةٍ ناعمة.

"لا بأس… جرّب مرةً أخرى."

*********

الفرزدق

2025/11/09 · 16 مشاهدة · 1123 كلمة
نادي الروايات - 2026