16 - «الظلال، النوى، الموت، وخطوات الصمت»

الفصل السادس عشر – «الظلال، النوى، الموت، وخطوات الصمت»

انحنى ليون بجانب الذئب الساقط، يده الأولى مرتكزة على كتفه الملطخ بالدماء، بينما الأخرى امتدت تحت الفراء الكثيف والعظم المتشقق. بعد لحظات، أطبقت أصابعه على شيء دافئ بخفوت.

نواة مانا.

صغيرة. خشنة الحواف. تنبض بضوءٍ خافت متبقٍّ.

«وجدتها.»

فكّر، وهو يسحبها من مكانها ويقلبها في راحة يده. كانت أبهت مما توقّع، لا تشعّ كما وصفت القصص، لكنها كانت الأولى له.

أدخلها بعناية في جرابه.

«لا تنسَ جمع كل نواة.»

تردّد صوت سيرافين في ذاكرته.

«حين تستيقظ، ستحتاجها. استهلاك النوى هو أسرع طريق لتقوية نفسك في البداية.»

حين قالت ذلك آنذاك، كان قد رفع عينيه بضجر... خصوصًا لأنها كانت تحاول إطعامه الحساء بالملعقة كما لو كان طفلًا في السادسة.

لكن الآن؟

الآن أدرك ثِقَل تلك الكلمات.

كل نصرٍ له قيمة. كل موردٍ له غاية. وكل نواة... طاقة تنتظر أن تُحرَّر.

بعد أن انتهى من أمر الذئب واستعاد أنفاسه، سمح ليون لنفسه أخيرًا بأن يتأمل العالم من حوله.

الـ دهليز.

لم ينتبه من قبل—كان مشغولًا جدًا بعدم الموت—لكن الآن، بعد أن هدأ الدم في عروقه، بدأت التفاصيل تنكشف له.

الحجارة التي تحت قدميه لم تكن من بناءٍ حديث. كانت قديمة، متشققة، متداخلة مع الجذور، تتوهج بخفوت بخيوطٍ منقوشة برموزٍ خامدة. السقف تعلوه أقواسٌ نُقشت عليها نقوشٌ منسية، وتنتشر بقع الطحلب على الجدران، تبثّ في الهواء رائحة ترابية رطبة.

أما الضوء؟

فلم ينبعث من مشاعل أو مصابيح سحرية، بل من الجدران نفسها—ومضات ناعمة من الأزرق والبنفسجي تتسرّب من النقوش المدفونة تحت طبقات الغبار. لم تكن كافية للإضاءة الكاملة، لكنها كافية لتشكّل ظلالًا غريبة على الأسطح المتكسّرة.

«هذا المكان... حي.»

ليس مسكونًا. ولا مجرد خطِر.

«بل حيّ فعلاً.»

ولم يُعجبه ذلك الإحساس.

تنفّس ليون بهدوء، ومدّ يده إلى كتفه، يلمس بخفة الخياطة الدقيقة المخفية في رداءه.

حان وقت التحرك.

المعركة السابقة مضت على نحوٍ جيد—جيدٍ أكثر مما ينبغي—لكنّه لم يسمح لنفسه بالاطمئنان. مواجهة ذئب واحد كانت ممكنة.

لكن إن باغتاه اثنان آخران أثناء تعافيه؟

فلن يخرج من هنا حيًّا.

حتى مع خاتم التجدد خاصته.

نقر على الرون المدمج في «عباءة التلاشي الطفيف»، فاهتزّ القماش بخفوت.

لم تومض. لم تتوهج.

اختفى ببساطة.

دون بريقٍ أو أثرٍ للضوء.

اختفى... فقط.

نبض قلبه ارتفع قليلًا، لكن خطواته بقيت ثابتة وهو يزحف إلى الأمام.

ما دمت لم تُفعّلها أمام أنظار أحد— فلن يراك أحد.

تحرّك مثل ظلٍّ صامت—ببطءٍ، بدقةٍ، ملاصقًا للجدار.

وأثناء تقدّمه، انجرفت أفكاره إلى مئات التجارب التي أجراها أثناء التدريب على كنوزه. ساعاتٍ طويلة داخل ساعة البُعد، اختبارًا بعد اختبار، تعديلًا بعد تعديل.

أما العباءة؟

فقد كانت شبه غشٍّ مشروع.

«ليست خفاءً تامًّا،»

تمتم ذات مرة في مذكّرته.

«بل نوعٌ من العمى الانتقائي المريح. إن لم يروك تختفي... فلن يروك تظهر.»

لكنها لم تكن مثالية.

لا عزل للصوت. ولا إخفاء للرائحة. ولا فرصة ثانية إن التُقط وميضها.

أي بمعنى آخر: لا كلام. لا عثرات. لا أنفاسٍ مرتفعة.

وقبل كل شيء—لا أخطاء.

بعد دقائق من السير الحذر، تجمّد ليون في مكانه.

دم.

رائحة النحاس أصابت أنفه قبل أن يرى المشهد.

جثتان ممدّدتان قرب قوسٍ منهار—إحداهما مسندة إلى الحائط، والأخرى منبطحة على وجهها. كلاهما يرتديان درعًا خفيفًا. وكلاهما حديثا الموت.

مرشّحان.

من مجموعته.

لم يتحدث إليهما قط، ومع ذلك التوى شيء في صدره.

لم يكونا مقتولين فحسب—بل ممزّقين.

خدوش مخالب. حنجرة ممزقة. جروح لم تُجهز بعد.

«سلوك قطيع،»

أدرك، وعيناه تضيقان.

حرّك نظره يسارًا—فالتقط حركة.

ثلاثة ذئاب.

ما تزال هناك، تحوم قرب الجثتين، تبحث، تشمّ الأرض.

تجمّد ليون تمامًا، محميًّا بعباءته والمسافة.

«لم يكتشفوني بعد.»

لكن الخطر كان حقيقيًا.

ثلاثة أعداء. هو واحد.

والخفاء لن يدوم لو أصدر صوتًا واحدًا.

انخفض أكثر، يوازن خياراته.

«تجنّب القتال إن لم يكن ضروريًا.»

كانت نصيحة سيرافين.

لكنها قالت أيضًا:

«وإن اضطررتَ للضربة... فاجعلها قاتلة.»

الثلاثة انشغلوا بالجثتين، ينهشون، يزمجرون، نصف متنبّهين.

«هذان دخلا معي. ربما من إحدى المدن الخارجية. كانا قويين بما يكفي ليُختارا... لا بما يكفي للبقاء.»

لم يتقدّم بعد.

ليس قبل أن يحسب الاحتمالات.

«ثلاثة أعداء. لا أستطيع المواجهة مباشرة. لكن... إن استخدمت العباءة جيدًا...»

تذكّر تجاربه.

«في القصر جرّبتها عشرات المرات. إن فعّلتها دون أن يلاحظ أحد... وبقيتَ هادئًا... تظلّ غير مرئي إلى أن تُبطلها أو تخطئ.»

لكنها لا تُخفي الصوت أو الرائحة.

ومع ذلك... كانت كافية لهجومٍ نظيف.

ما دام لم يغترّ.

«صحيح. لا تشتت. فكر كجندي. اقترب بصمت، اقضِ على الأول فورًا... ثم غيّر موقعك. العباءة تُفعَّل مجددًا حالما تفقدهم الرؤية.»

استنشق ببطء، مهدئًا أنفاسه.

ثم تسلّل إليه فكرٌ هادئ لكنه نافذ.

«سيرافين قالت إن الأداء مهم. كلما أبلَيتُ أفضل في هذا المكان... زادت فرصتي في نيل صنفٍ نادر.»

حدّق بالذئاب من جديد، عيناه تضيقان كالنصل.

«الوسطية ليست خيارًا.»

لأن الأمر لم يعُد مجرّد البقاء على قيد الحياة.

بل التقدّم أبعد.

«أُلقي بي في المجال الأدنى... أدنى درجات الطور الأرضي. قال الكيان إنه عقاب، لكنه اختبار أيضًا.»

تذكّر كلماته، ذلك الصدى الخافت في الفراغ.

أنه إن اتحد القدر...

فقد يلتقيان مجددًا.

والأهم... أنه لم يكن إلهًا.

ولا قريبًا من ذلك.

«هناك كائنات تسير بين المجرات كما نسير بين الحقول. تومض أعينها... فتنطفئ الشموس. هذا... هذا هو المدى الذي أواجهه.»

ارتفع صدر ليون ببطء.

قبضت يداه.

«سيرافين من الأقوى في هذه المملكة، لكنها لا تزال حبيسة حدودها. هذا العالم... ضيّق. حتى السماء تبدو كسقف.»

لكن وراء ذلك؟

وراء الأبراج والدهاليز والممالك؟

هناك ما هو أعظم.

عوالم. أعراق. كواكب.

«أريد ذلك.»

«أريد أن أرى كل شيء.»

ليس بدافع الفضول وحده،

بل لأنّه ولأول مرة في حياتيه كلتيهما...

وجد «غاية».

لا النجاة. ولا الراحة.

بل «الاكتشاف».

أن يرى الجمال الذي لم يره أحد. أن يقف في أماكن لم تطأها قدم إنسان. أن يخاطب كياناتٍ لا أسماء لها.

«ولأجل ذلك... أحتاج إلى القوة.»

لا المُستعارة. ولا الممنوحة.

بل «المكتسبة».

فتحت عيناه، لامعتين ببرود القمر البعيد.

«ابتداءً من الآن.»

’’’’

ثلاثة ذئاب. وهو واحد.

انخفض ليون في حافة الممر المعتم، نظراته مركزة، أنفاسه متزنة. كانت الوحوش تمشي بلا حذر—حتى الآن.

متفوّقون عددًا؟ نعم. لكن أقوى منه؟ أبدًا.

شدّ قبضته على خنجرَيه، وعيناه الفضيّتان تلمعان تحت القناع.

«إن تحرّكتُ أولًا... سينتهي الأمر قبل أن يدركوا ما حدث.»

*****************

الفرزدق

2025/11/09 · 18 مشاهدة · 946 كلمة
نادي الروايات - 2026