الفصل 180: صراع الجبابرة 3
انفرجت شفتا تنين الشراهة في مزيج بين الابتسامة والزمجرة. وبحركة بطيئة، رفع كلتا يديه نحو السماء.
[قفص الرعد]
وبعد لحظة، دوى الرعد عبر حقل الثلج بينما اندفعت رماح البرق إلى الأرض في دائرة مثالية حول فالتير. وبقي كل وميض، نابضًا إلى الأعلى، ممتدًا إلى أعمدة مسننة متصلة ببعضها البعض.
أُغلق القفص.
ارتفعت أعمدة من الكهرباء الخام نحو السماء، وتشابكت أقواسها لتشكل سجناً من الضوء يطن ويصرخ ككائن حي. غلى الهواء في الداخل، وارتجف الفضاء نفسه بالطاقة.
تراجع ترافالغار متمايلاً، وقلبه يخفق بشدة حين وصله التشويش من على بعد أمتار. انتفض شعره، وشعر بوخز في جلده من شرارات غير مرئية. حتى وهو واقف خارج الدائرة، شعر وكأنه يُدفع إلى فرن من البرق.
في الداخل، ظل فالتير ساكناً، محاطاً بالعاصفة. كان سيفه في يده بالفعل، يتوهج بضوء خافت من داخله. رفعه بتحكم تام، دون أي حركة زائدة.
تردد صدى صوت التنين فوق العاصفة.
"اركضي إن شئتِ يا مورغين. هذا القفص ينهش جسدكِ، وقوتكِ... وحتى طاقتكِ السحرية. سيجردكِ من كل شيء حتى لا يتبقى منكِ شيء."
لكن فالتير لم يتزحزح. بل ازداد الضوء على طول سيفه كثافة، وتكثف إلى طبقة من المانا البلورية امتدت من النصل مثل الدرع.
[حراس مورغان الأساسيون]
امتص الحاجز الصاعقة الأولى، ودوى صوت الاصطدام كصوت احتكاك الفولاذ بالفولاذ. تناثرت الشرر حوله في شكل مروحة، لكن الدرع لم يتأثر. ثم جاءت الصاعقة الثانية، فصُدّت مرة أخرى بتوقيت مثالي. أما الثالثة، فقد غيّر مسارها بلفة من معصمه.
انقبض صدر ترافالغار وهو يراقب. لم تكن قوة بدنية، بل دقة متناهية. كل حركة، كل تعديل، كان محسوباً بدقة متناهية تصل إلى دقات القلب. لم يكن فالتير يتحمل فحسب، بل كان يتحكم في القفص نفسه، ويجبره على الخضوع لإيقاعه.
أمال التنين رأسه، يراقب فالتير وهو يصد كل سهم بهدوء كما لو كان رجلاً يصد شرارات. ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة.
"حسنًا، حسنًا. ليس سيئًا. كنت أتوقع أن تكون قد حُرقت بالفعل. أعتقد أنني سأضطر إلى بذل جهد أكبر."
رفع ذراعيه مجدداً، لكن هذه المرة لم تكن الحركة حادة، بل كانت بطيئة، أشبه بطقوس. ارتفع الثلج من حوله في تموجات، مدفوعاً بقوة خفية. حتى الشحنات الساكنة في الهواء غيرت اتجاهها، متجهة نحو يديه.
[عاصفة الشرهة]
أجابت العاصفة.
كل شرارة برق أطلقها من قبل انحنت والتفت حلزونياً نحو السماء، لتندمج مع السحب التي التفت لتشكل دوامة عاتية. خفتت الإضاءة، وابتلعتها سماء سوداء متدحرجة. ثم - أحمر. توهجت السحب بلون قرمزي كما لو كانت تنزف، وتشابكت عروق من الكهرباء القرمزية على سطحها.
انقبض فك ترافالغار. شعر بشدٍّ في عظامه، كما لو أن العاصفة تريد أن تنتزع المانا منه مباشرةً. حتى وهو يقف بعيدًا، خارج الدائرة، كان الضغط لا يُطاق.
سقط المسمار الأول.
انطلقت شرارة من البرق الأحمر القاني من بين الغيوم، متجهة مباشرة نحو فالتير. تحرك على الفور، منزلقًا جانبًا بسرعة خاطفة، وكادت شفرة سيفه أن تلامس الأرض وهو يدور. انفجرت الشرارة خلفه، مخلفة حفرة تتصاعد منها الأبخرة المنصهرة.
جاءت الثانية قبل أن يتلاشى صدى الأولى. شقّ فالتير طريقه عبرها في الهواء، وتألق سيفه باللون الأبيض، فقسم الصاعقة إلى تيارات غير ضارة تحولت إلى ثلج.
الثالثة. الرابعة. لم تتوقف. كل ضربة كانت تنحني نحوه، تطارده، وتتعلم إيقاعه. لم تكن العاصفة عشوائية - بل كانت مطاردة.
أخفى ترافالغار وجهه بينما اختفت ساحة المعركة في شبكة من الضوء القرمزي. بالكاد كان يستطيع التنفس وسط ضباب الأوزون والرماد، لكن عينيه لم تفارقا فالتير.
كان والده يرقص في العاصفة، كل مراوغة وكل صد دقيق، رجل ينحت النظام من الفوضى.
انزلق فالتير على الأرض المتجمدة، تاركًا آثارًا عميقة في الجليد، بينما سقط شعاع قرمزي آخر في المكان الذي كان يقف فيه قبل لحظة. تصاعد البخار في كل مكان، واختنقت ساحة المعركة بالحرارة والكهرباء الساكنة.
ضحك التنين، وكان صوته يتردد كصوت الرعد.
"اركضي يا مورغين الصغيرة. لنرى كم ستصمدين قبل أن تلتهمك العاصفة حية."
زفر فالتير ببطء. انخفض وقفته، وانزلقت إحدى قدميه إلى الخلف، وسيفه مائل إلى جانبه. تغير الهواء من حوله - لم يعد الثلج يتساقط، كما لو أن العالم نفسه كان يحبس أنفاسه.
اتسعت عينا ترافالغار. لقد شعر بذلك قبل أن يفهمه: تدفق المانا يتكثف بشدة لدرجة أنه كان يطن في أذنيه.
اهتز نصل فالتير، متوهجاً بحافة كثيفة متألقة.
[آخر غسق لمورجين]
تحرك.
لم تكن الضربة سريعة فحسب، بل كانت مطلقة. قوس قطري واحد، مرسوم من الأرض إلى السماء، يشق طريقه عبر العاصفة. لم يكن الصوت الذي أعقبها رعدًا، بل كان أزيزًا عميقًا رنانًا لفولاذ نقي يشق العالم.
انقسمت الغيوم السوداء إلى قسمين. وتلاشى البرق القرمزي، وقد ابتلعه القطع. واختفت ساحة المعركة في لحظة، وعادت سماء الليل للحظة، وتسللت النجوم من خلالها كشهود.
تراجع التنين متمايلاً، وجرحٌ حارقٌ يمتد عبر جذعه. كان لحمه يتوهج كما لو كان منحوتًا بمعدن منصهر، وحراشفه متشققة ومتأججة. زأر زئيرًا هزّ الجبال نفسها.
ثم - صمت.
حاول التجدد، كما فعل من قبل، لكن الجرح لم يلتئم. لم يستجب أي مانا. استمر تأثير المهارة، وسلاسل غير مرئية تقيد جسده وتمنعه من الشفاء.
ابتلع ترافالغار ريقه بصعوبة. "يا إلهي... لم يكسر هذا الجرح العاصفة فحسب، بل حطمه هو أيضاً."
"أتظنين أن هذا يكفي لكسري؟" تعمق صوته، مثقلاً بشيء بدائي. "لا... لقد اكتسبتِ فقط الحق في رؤيتي على حقيقتي."
انتفض جسده، وتصدعت عظامه كالحجر تحت الضغط. اندفعت حراشف سوداء إلى الخارج، تزداد سمكًا وسوادًا وصلابة. امتدت ذراعاه لتصبحا طرفين أماميين ضخمين، وحفرت مخالبه أخاديد في الأرض المتجمدة. انفتحت أجنحته مع دوي رعد، وامتدت على نطاق واسع يكفي لحجب ضوء النجوم في الأعلى.
اهتزت الأرض تحت جسده المتضخم. وفي ثوانٍ، اختفى الرجل.
كان هناك تنين يقف.
ضخم. مرعب. ذو أربع أرجل شاهقة، حراشفه من حجر السج تتخللها خيوط من البرق المنصهر. عيناه تشتعلان جوعاً وقسوة. كل نفس يرسل أقواسًا من الكهرباء تزحف عبر الثلج.
تراجع ترافالغار إلى الوراء بشكل غريزي، وقلبه يخفق بشدة. حتى مع كل ما رآه، كان حجم الوحش الهائل وحضوره خانقاً.
ومع ذلك، لم يتراجع فالتير.
بدلاً من ذلك، انفجرت هالة قوته. ازداد التوهج حول سيفه، وتوهج جسده ببريق حاد لدرجة أنه حوّل الثلج إلى مرايا. ولأول مرة، أدرك ترافالغار أن والده كان يكبح جماح قوته.
ألقى فالتير نظرة خاطفة من فوق كتفه، والتقت عيناه بعينيه.
"هذه هي قوتي الحقيقية يا ترافالغار. راقب جيداً. هذا ما يجب أن تتجاوزه يوماً ما."
الكلمات كانت أشد وقعاً من الرعد.
شعر ترافالغار بغليان قلبه، وانفجرت طاقته الداخلية بقوة وكأنها تستجيب للتحدي. ارتجف جسده، ليس من الخوف، بل من صحوةٍ عارمة. غشيت أطراف رؤيته، وفي أعماقه - تغير شيء ما.