الفصل 703: الخوف
وصل ترافالغار إلى غرفته، بينما كانت أوريفين تستحوذ على مقدمة أفكاره.
كان الممر خلفه قد بدأ يهدأ بالفعل. أضاءت المصابيح الجدران بضوء دافئ ومتجانس، بينما بدأت الأكاديمية تنغمس في إيقاعها المعتاد في ساعات الليل المتأخرة؛ خطوات أقل، أبواب تُغلق، وأصوات تنخفض حتى تصبح همسات خاصة. كان من المفترض أن يمنحه ذلك بعض السكينة...
لكنه لم يفعل.
كان ألفونس يراقبه لأن أحدًا أمره بذلك.
وتلك هي الفكرة التي رفضت أن تغادر ذهنه.
دفع الباب ودخل.
وأول ما وقع عليه بصره...
النافذة.
كانت مفتوحة.
ليس على اتساعها، بل بالقدر الكافي فقط ليتحرك الستار مع نسيم الليل.
توقف ترافالغار، وقد تجاوز العتبة بخطوة واحدة.
ارتفعت يده قبل أن تكتمل الفكرة في ذهنه، فتشكل ماليديكتا داخل قبضته، سوداء مألوفة، وكان ثقلها يستجيب له كما لو أنه نبضة قلب ثانية.
واستقر نصلها على الجهة الأخرى من الغرفة...
حيث كان شكل صغير داكن متشبثًا بإطار النافذة.
خفاش.
ولنصف لحظة...
لم يتحرك أي منهما.
ترك الخفاش الإطار.
وانبسط الظلام خارج جسده، كالحبر حين ينتشر في الماء.
تحولت الأجنحة إلى ذراعين.
واستطالت العظام الرفيعة.
وانسج الثوب من الظلال والخيوط الحمراء.
ثم وقفت سيليندرا أو نوكثار داخل غرفته، تستند بإحدى يديها إلى حافة النافذة، وكأنها دخلت من الباب كضيفة تعرف آداب الزيارة.
قالت بهدوء:
"اهدأ... إنها أنا فقط."
لم يخفض ترافالغار ماليديكتا.
"سيليندرا."
لم تكن الكلمة سؤالًا تمامًا.
فهو يعرف جيدًا من تكون.
أما ما لم يكن يعرفه...
فهو سبب وجودها داخل الأكاديمية، متجاوزة ثلاث طبقات من الحواجز السحرية وطابقًا كاملًا يخضع للحراسة.
قالت محاولة كسر الصمت:
"مر وقت طويل."
أجاب:
"صحيح."
ثم أضاف ببرود:
"ولهذا أتساءل... ما الذي تظنين أنك تفعلينه داخل غرفتي؟"
"أزورك."
"عبر النافذة؟"
أمالت رأسها قليلًا.
"لقد تركتها مفتوحة."
ثم أردفت:
"كنت سأدخل من الباب، لكن المبنى يحرسه جنود، ولدى الجنود قائمة بالأسماء... واسمي ليس فيها."
قال بجمود:
"النافذة المفتوحة ليست دعوة للدخول."
"لا."
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
"لكنها جعلت الأمر أسهل بكثير من البديل."
راح ترافالغار يراقبها بصمت.
كانت الأكاديمية تعج بالحراس، والحواجز، والقوانين المتراكمة فوق بعضها، وكلها صُممت خصيصًا لمنع شيء كهذا.
بل إن الإجراءات كانت أشد صرامة في الطابق المخصص لورثة العائلات الثماني العظمى.
لكن المشكلة...
أن جميع تلك الإجراءات كانت تفترض وجود شخص.
جسد يقف أمام الباب.
خيط مانا مسجل.
اسم يُراجع في قائمة.
ولم يخطر ببال أحد أن يكتب تلك القوانين وفي حسبانه خفاش يتسلل عبر نافذة تركها أحدهم مفتوحة بإهمال.
كان ينبغي له أن يغلقها.
وذلك أزعجه أكثر من وجودها نفسه.
قال أخيرًا:
"يمكنك المغادرة من حيث دخلتِ."
ثم أضاف:
"إلا إذا كنتِ تفضلين أن أستدعي الأمن، وتشرحي لهم لماذا تقف وريثة من آل نوكثار، ليست حتى طالبة في هذه الأكاديمية، داخل غرفة أحد الورثة بعد حلول الظلام."
لم تجبه بالابتسامة التي توقعها.
وعندها فقط...
نظر إليها حقًا.
كان وجهها شاحبًا...
حتى بالنسبة لمصاصة دماء.
لم تفقد عيناها بريقهما، لكن ذلك البريق خلا الليلة من أي عبث أو مزاح.
بدت حمرة عينيها مرهقة، مشدودة فوق شيء لم تعرف بعد كيف تصوغه بالكلمات.
كانت واقفة باستقامة.
لكن اليد الموضوعة على حافة النافذة كانت تضغط بقوة حتى ابيضّت مفاصل أصابعها.
تحركت قبضة ترافالغار على ماليديكتا.
"ماذا تريدين؟"
"أن أراك."
"هذا واضح."
قال ببرود.
"حاولي مرة أخرى."
قالت بصوت ظل ثابتًا رغم الجهد الواضح للحفاظ عليه:
"هناك شيء ينبغي أن تعرفه."
ثم أضافت:
"شيء مهم."
"ولهذا أقف هنا... بدلًا من مكان أكثر أمانًا."
ظل ينظر في عينيها لحظة أخرى، ثم ترك ماليديكتا.
تفكك السلاح إلى ظلال، وعاد ليغوص داخل جسده.
لكنه لم يبتعد عن الباب.
قال:
"حسنًا."
"اعتبري أنني أستمع."
وظلت نبرته خالية من الانفعال.
"ما الأمر؟"
انتقلت عيناها إلى الباب المغلق خلفه للحظة، ثم عادتا إليه.
وقالت:
"راودتني رؤيا أخرى."
تغير هواء الغرفة مع تلك الكلمات.
لم يظهر الكثير على وجه ترافالغار.
لكن الجملة أصابت هدفًا دقيقًا في داخله.
تذكر الرؤيا السابقة.
النيران الزرقاء.
الجثث المتناثرة في ساحة المعركة.
مخلوقات الفراغ.
الفارس ذو الدرع الأسود.
ومستقبل بدا قريبًا أكثر مما ينبغي حتى يمكن تجاهله.
بل إن بعض أجزائه بدأ يتحقق بالفعل.
وتلك كانت مشكلة رؤى سيليندرا.
نادراً ما تكون واضحة.
ولا تملك اللباقة لتختفي لمجرد أن المرء يتمنى ذلك.
قال:
"هذه المرة... لم تشربي من دمي."
"لا."
"إذًا كيف أنتِ متأكدة أنني كنت فيها؟"
هزت رأسها قليلًا.
"لم أقل إنها كانت رؤيا تخصك."
ثم واجهت نظرته دون تردد.
"لقد كانت... رؤيا ألفونس أو فايليون."
لم يلفت ذلك انتباهه فحسب...
بل محا كل ما عداه من الغرفة.
ألفونس...
الذي عاد إلى أراضي آل فايليون ليومين.
ألفونس...
الذي رجع بعدها مباشرة وبدأ يراقبه بمهارة سيئة، لدرجة أن زافيير لاحظ الأمر هو أيضًا.
وألفونس...
الذي كانت لعائلته كل الأسباب لتراقب أوريفين، وسيلارا، وإزموند، والهومونكولوس، وكل الأسرار التي فشلت آل فايليون في دفنها عميقًا بما يكفي.
لم يكن وجهه سهل القراءة.
ولم يكن كذلك في معظم الأوقات.
لكنها الليلة...
قرأت ما بداخله بوضوح.
قالت:
"أنت تريد أن تعرف."
أجاب فورًا:
"إذن تكلمي."
رفعت يدها عن حافة النافذة، وضمتها إلى جانبها، بينما تشبثت أصابعها بكم ثوبها.
"كنت في أراضي آل فايليون منذ وقت ليس ببعيد."
"في حصن الطيات الثماني."
سألها:
"بمفردك؟ ولماذا؟"
هزت رأسها.
"لم أكن وحدي."
"كنت مع والدتي، لأنها كانت تملك عملًا مع رودريك."
توقفت لحظة.
"وخلال وجودنا هناك، عاد ألفونس إلى المنزل."
"كان والده قد استدعاه."
"فانتظرته."
استوعب كلماتها دون أن يقاطعها.
وانخفض صوتها درجة.
"أخبرته بجزء مما رأيته سابقًا."
"ساحة معركة."
"ثمانية أبراج."
"وشخص ذو عينين حمراوين يستخدم أكثر من عنصر في الوقت نفسه."
"ظننت أنه هو... لكن الرؤيا لم تكن واضحة بما يكفي لأتأكد."
"أما هو..."
"فلم يكتفِ بالظن."
قال ترافالغار:
"لذلك أعطاك دمه."
"نعم."
"من دون أن يضع أي شروط مسبقًا؟"
"لا شيء."
نظر إليها ترافالغار.
ولأول مرة منذ بداية هذه الليلة...
ظهر على وجهه ما يشبه عدم التصديق.
اشتدت ملامحها.
"لم يكن حذرًا كما كنت أنت."
قال بهدوء:
"لا..."
"من الواضح أنه لم يكن كذلك."
ولم يكن ذلك فرقًا بسيطًا.
فعندما سمح ترافالغار لسيليندرا أن تشرب من دمه...
كان قد قيدها أولًا بعقد دم.
عقد الدم الذي أبرمه معها كان يعني أن كل ما تراه، وكل ما تغادر وهي تعرفه، لا يمكنها ببساطة أن تحمله معها وتسلمه إلى عائلة أخرى.
أما ألفونس...
فقد فتح وريده، ولم يفرض أي قيدٍ على الإطلاق.
لم يكن ذلك غباءً، بالمعنى الدقيق.
بل كان كبرياءً سبق الحذر بخطوة.
عيبًا مكلفًا...
وقد بدا واضحًا أنها لم تتردد في استغلاله.
---
"ماذا رأيتِ؟" سألها.
لم تجب فورًا.
وكان الصمت وحده كافيًا ليقول الكثير.
قالت أخيرًا:
"آل فايليون."
"أراضيهم."
"الأبراج الثمانية... محطمة، وبعضها على وشك الانهيار."
"وساحة معركة... بعد أن اجتاحت أسوأ مراحل القتال المكان."
"ولم يبقَ واقفًا سوى ثلاثة أشخاص."
"ولا أحد غيرهم."
راقب ترافالغار وجهها.
"هل كان ألفونس أحدهم؟"
"نعم."
"وأين كان؟"
"في المنتصف."
"والاثنان الآخران؟"
"واحد إلى يمينه... وآخر إلى يساره."
انتظر.
ثبتت سيليندرا عينيها في عينيه، ولم تشح بنظرها.
"أحدهما... كنتَ أنت، ترافالغار دو مورغاين."
ثم تابعت قبل أن ينطق بسؤاله:
"لم أخبر ألفونس بهذا الجزء."
"ولِمَ لا؟"
"لأنه لم يطلب أي شروط."
"ولأنه كان يريد المعلومات أكثر مما كان يريد الحماية."
"ولأنني إن أخبرته بكل ما رأيته، فقد يسعى نحو ذلك المستقبل... أو يهرب منه."
توقفت لحظة.
"وأيٌّ من الطريقين قد يكون هو بالذات ما يدفع الرؤيا إلى التحقق."
بردت نظراته.
"وأنتِ تخبرينني... لماذا؟"
"لأنك كنت فيه."
"هذا ليس سببًا كافيًا."
قالها بهدوء.
"وأنتِ تعلمين ذلك."
أطرقت برأسها قليلًا.
"لا."
اعترفت.
"ليس كافيًا."
بدأ رباط تماسكها يتفكك عند الأطراف.
لم يكن الأمر تمثيلًا، ولا محاولة لاستدرار تعاطفه.
ظهر ذلك في ضغط أصابعها على كمها...
وفي أنفاسها القصيرة...
وفي عينيها اللتين حاولتا مرارًا أن تبتعدا عن عينيه، وفشلتا في كل مرة.
قال:
"أخبريني السبب الحقيقي."
ابتلعت ريقها.
"الخوف."
لم تكن تلك الكلمة هي ما توقع سماعه.
لاحظت التغير الطفيف في نظرته، فأسرعت بالكلام قبل أن يمنح أيٌّ منهما الكلمة معنى أكثر راحة.
"في المرة الأولى، كان الفضول هو ما قادني إلى دمك."
"والفضول هو ما قادني إلى معظم الأشياء في حياتي."
"لكن هذه المرة ليست كذلك."
"جئت الليلة لأنني احتجت أن تعرف ما يكفي... لتكون حذرًا."
"وماذا أيضًا رأيتِ؟"
اشتد فكها.
"سيليندرا."
"لن أخبرك بكل شيء."
ازدادت عيناه برودة.
"تقتحمين غرفتي."
"وتخبرينني أن مستقبلي مرتبط بألفونس وآل فايليون."
"وتعترفين أن الخوف هو ما جاء بك إلى هنا."
"ثم تريدين الاحتفاظ ببقية الحقيقة خلف أسنانك."
"نعم."
"إنها طريقة سيئة جدًا لطلب التعاون."
"أعرف."
"إذن تكلمي."
هزت رأسها ببطء.
"إذا فعلت..."
"فقد تحاول إيقاف ما رأيته."
"أليس هذا هو الهدف من أي تحذير؟"
"ليس دائمًا."
ارتجف صوتها للحظة ثم استعاد ثباته.
"بعض المستقبلات تتحقق لأن صاحبها عرف عنها أكثر مما ينبغي."
"رجل ينعطف يسارًا لأنه حُذِّر من أن الطريق الأيمن ينتهي بالنيران..."
"ثم يكتشف أن النيران كانت تنتظره في الطريق الأيسر منذ البداية."
رفعت بصرها إليه.
"لا أعرف بعد أي جزء مما رأيته هو التحذير..."
"وأي جزء منه هو الطُّعم."
لم يقل شيئًا.
كانت تلك أول جملة تنطق بها طوال الليل لا تبدو مراوغة.
بل بدت...
خائفة.
اقتربت منه خطوة واحدة فقط.
"إذا جاءتني رؤيا أخرى..."
قالت بهدوء.
"فقد أحتاج إلى دمك مجددًا."
"ليس الليلة."
"وربما ليس قريبًا."
"لكن إن حدث ذلك، يا ترافالغار..."
"فسأحتاج أن تتعاون معي."
"لا."
خرجت الكلمة فورًا، دون أي تردد.
اشتدت ملامحها.
قال:
"لا يمكنكِ أن تدخلي من نافذتي..."
"وتسلّميني نصف كابوس..."
"ثم تطلبي دمي كما لو أنك تطلبين فنجان شاي."
"أنا أطلبه لأنني أعتقد أن الأمر يتجاوز ألفونس."
"كنت قد افترضت ذلك بالفعل."
"وربما يتجاوز آل فايليون أيضًا."
"وافترضت ذلك أيضًا."
"إذن فأنت تفهم سبب مجيئي."
خفض صوته.
"أفهم لماذا تعتقدين أنكِ كنتِ مضطرة للمجيء."
ثم أردف:
"لكن ذلك لا يعني أنني موافق."
ثبتت نظرها عليه.
وللحظة قصيرة...
تراجعت صورة مصاصة الدماء بما يكفي ليرى الفتاة الكامنة خلفها.
شابة.
قوية.
خطيرة.
ومذعورة بشدة من مستقبل لا تستطيع حتى أن تصفه بالكلمات.
قالت بصوت خافت:
"لقد فعلت هذا... دون أن أخبر والدتي."
لم يكن ذلك اعترافًا بسيطًا.
وفهم معناه فورًا.
فالليدي ليساريا أو نوكثار لن تتقبل أبدًا أن تُحجب عنها إحدى رؤى ابنتها.
كانت آل نوكثار عائلة تتعامل بالدم...
وبالأسرار...
وبكل ما يقع في المسافة الضيقة التي يلتقي فيها الاثنان.
ولذلك، فإن مجيء سيليندرا إليه دون إبلاغ والدتها يعني أحد أمرين:
إما أنها رأت أن خطر كشف الحقيقة أكبر من خطر مخالفة سيدة العائلة...
أو أنها أرادت منه أن يصدق ذلك.
وكلا الاحتمالين يستحق أن يظل في ذهنه.
سألها:
"هل يعلم أحد آخر بوجودك هنا؟"
"لا."
"هل يعلم ألفونس أنني كنت ضمن الرؤيا؟"
"لا."
"وهل يعلم أنك جئتِ إلي أصلًا؟"
"لا."
أومأ برأسه.
"حسنًا."
خرج منها زفير قصير خالٍ من أي مرح.
"هذا هو جوابك؟"
"في الوقت الحالي."
استدار نحو النافذة.
امتدت أراضي الأكاديمية تحته، تتخللها المصابيح والجسور والساحات، بينما تتحرك بينها ظلال الطلبة.
وخلف الأسوار...
كانت فيلكاريس تتلألأ بطبقات من الأضواء.
وأبعد من ذلك كله...
كانت أوريفين ترقد في صمت...
كجرح ضُمِّد، لكنه لم يلتئم.
أعاد ترتيب أفكاره.
إزموند.
الهومونكولوس.
سيلارا.
آل فايليون الذين بدأوا أخيرًا يتحركون، دافعين بألفونس ليكون أقربهم إلى النار.
والآن...
عرافة دم خائفة بما يكفي لتصل إليه في هيئة خفاش، عبر نافذة اضطرت إلى فتحها خلسة.
لم تكن أي من هذه القطع تشكل جوابًا كاملًا.
بل كانت عقدة واحدة...
يزداد إحكامها بأيدٍ لم يرها بعد.
لقد خاض الحروب.
ونجا من هجوم على قطار متحرك.
وعاش وسط سياسات عائلية حادة كالسكاكين.
وواجه وحوشًا أقدم من الأسماء التي تعلمها.
وحمل أسرارًا كان يفترض أن تسحق رجالًا أكبر منه سنًا.
لكن...
هذا مختلف.
كان يشعر وكأن المستقبل نفسه...
ينحني نحوه.
استدار إليها من جديد.
"هذا ما سأمنحك إياه."
قال بهدوء.
"إذا جاءت رؤيا أخرى، وكنتِ فعلًا بحاجة إلي..."
"فتواصلي معي بالطريقة الصحيحة."
"وليس هكذا."
تغيرت ملامحها.
"لن يكون ذلك ممكنًا دائمًا."
قال ببرود:
"بل سيكون ممكنًا..."
"إذا كنتِ تفضلين ألا أغرس سيفًا فيك غريزيًا في إحدى هذه الليالي."
"ترافالغار..."
"لا."
خرجت الكلمة هادئة...
لكن الغرفة كلها امتثلت لها.
"لا تدخلي غرفتي مرة أخرى دون سابق إنذار."
ألقت سيليندرا نظرة على النافذة المفتوحة.
"قد يكون ذلك مستحيلًا." قالت بهدوء. "آمل أن تتفهم هذا."
أجابها ترافالغار:
"أنا أفهم أنك مرتاحة جدًا لاستخدام كلمة مستحيل، بينما ما تقصدينه في الحقيقة هو أنه غير مريح."
هزت رأسها.
"هذه المرة..." قالت، "أعني مستحيل فعلًا."
تأملها طويلًا.
ولم تضف شيئًا.
ولم يكن يتوقع منها أن تفعل.
فترك للصمت أن يقول ما بقي بينهما.
---
تراجعت خطوة نحو النافذة.
وبدأت الظلال تتجمع فوق كتفيها، تنطوي إلى الداخل كما لو أن جسدها يتذكر هيئة جناحين قبل أن يصبحا حقيقيين.
قالت:
"لا تواجه ألفونس."
"لم أكن أنوي ذلك."
"ولا تدعه يعلم أنك تعرف."
"ولم أخطط لذلك أيضًا."
اشتدت الظلال حولها.
ضاق جسدها.
وانطوت عظامها على نفسها.
وانهار الرداء ليتحول إلى جناحين.
وبعد لحظة...
لم يبقَ سوى خفاش صغير متشبث بحافة النافذة، في الموضع الذي كانت تقف فيه سيليندرا قبل لحظات.
ثبتت عيناه الحمراوان عليه لبرهة أخيرة...
ثم أفلت نفسه إلى ظلام الليل.
---
تقدم ترافالغار إلى النافذة.
وراقب الشكل الأسود الصغير يشق سماء الأكاديمية، متسللًا بين أضواء المصابيح، حتى ابتلعه الظلام.
وبقي واقفًا هناك...
حتى بعد أن اختفت منذ زمن.
---
ولأول مرة...
سمح لنفسه أن ينظر إلى الصورة كاملة، بدلًا من الاكتفاء بقطعة واحدة منها كل مرة.
كانت أوريفين تقع في قلب كل شيء.
ما بدأ يومًا كتجمع باهر للمهندسين والخيميائيين، والعائلات العظمى، والمخترعين الذين يتنافسون على المجد والسمعة...
انكشف في النهاية ليظهر ما كانت المدينة تخفيه تحت سطحها.
سجلات مختومة.
تجارب قديمة.
أناس بيعوا واستُغلوا...
ثم مُحيت آثارهم من حياتهم نفسها.
مختبرات لم يكن أحد ليُفترض أن يعثر عليها.
عهود لم يكن من المفترض أن يذكرها أحد.
وتحت ذلك البريق كله...
شبكة معقدة من المصالح تمتد إلى عائلات من القوة بحيث لا يمكن لأحد أن يفضحها في وضح النهار.
لم يكن مجرد شاهد على انهيار كل ذلك.
بل مد يديه إليه بكلتيهما.
لقد سقط إزموند.
وأصبح الآن في حوزة ترافالغار.
حقيقة كانت آل فايليون لتدفع ثمنًا باهظًا لو استطاعت معرفتها.
أما الهومونكولوس...
فقد أصبح تحت رعاية سيلارا.
وسيلارا لم تكن مجرد مديرة مدرسة، بل واحدة من المديرين الأربعة للأكاديمية.
وكان تاريخها متشابكًا مع إزموند، ومع الخيمياء القديمة، منذ زمن سبق حتى معرفة معظم سكان الأكاديمية بأن الرجل كان لا يزال على قيد الحياة.
ولم تبقَ تلك الأسرار مدفونة بعد أن هدأت الضجة.
بل تحولت إلى شيء أبطأ...
وأخطر.
جرح في سياسة نصف دزينة من العائلات العظمى...
استمر في النزف بصمت، بعد أن أشاح الجميع أنظارهم عنه.
---
والآن...
بدأت آل فايليون تتحرك أخيرًا.
جمع رودريك أفراد عائلته، وأطلقهم على امتداد كل خيط كشفته أوريفين.
ولم يكن ألفونس...
إلا اليد التي دفعها أقرب ما تكون إلى اللهيب.
ذلك الشاب الذي ظل يراقبه في ساحة الأكاديمية...
لم يكن منافسًا جريح الكبرياء.
بل كان...
أول نقلة في لعبة أكبر بكثير.
---
أما آل مورغاين...
فلم يكونوا ساكنين هم أيضًا.
كانت هناك تغييرات تتحرك داخل العائلة، حتى إنه استطاع الإحساس بها من هذه المسافة...
كما يشعر الإنسان بتغير الطقس قبل أن يصل.
كان ظل فالتير يخيم فوق كل شيء.
وكانت هناك تيارات خفية تجري تحت سطح العائلة...
لم يُكشف له منها سوى القليل.
وسيأتي اليوم الذي سيضطر فيه إلى مواجهتها.
لكن...
ليس هذه الليلة.
---
ثم كانت هناك الحقيقة الخاصة به.
نصف إنسان...
ونصف بدائي (Primordial).
مخلوق لا يجد له العالم مكانًا مريحًا.
ولم يعد يحمل هذا السر وحده كما كان يفعل في الماضي.
فقد سمح لقلة ممن يثق بهم أن يعرفوا أجزاءً منه...
وهو يدرك تمامًا الثمن الذي يدفعه كل من يسمح لنفسه بأن يُعرف.
ومن ذلك الجانب من حياته...
جاء شيء يبحث عنه.
درافوك.
بدائي عرض عليه...
ومن بين كل الأشياء...
المساعدة.
وزعم أنه يعرف أماكن سبات آخرين من أبناء جنسه، موزعين في أنحاء العالم، ينتظرون يوم استيقاظهم.
---
وخلف الأكاديمية...
وخلف فيلكاريس...
كانت مدينته الخاصة تنتظره هي الأخرى.
إقليد.
أرضه.
اسمه.
شعبه.
ومسؤوليته في الوقوف بينهم وبين أي خطر يقترب منهم.
عبء لم يطلبه يومًا...
ولم يكن ينوي التخلي عنه.
---
لقد فعل أشياءً قاسية ليصل إلى ما هو عليه الآن.
وسيفعل ما هو أقسى قبل أن تنتهي هذه الرحلة.
لم يعد يحمل أي أوهام.
فالمرء لا يخرج من الحروب...
ولا من الوحوش السحيقة...
ولا من قسوة العائلات العظمى الصامتة...
من دون أن تترك فيه ندوبها.
---
لكن...
حين انتهى من أفكاره...
لم يكن أكثر ما فاجأه هو حجم الخطر.
بل حقيقة أخرى.
أنه...
لن يواجهه وحده.
فبعد كل ما مر به...
وبعد كل ما أنجزه...
وكل ما ستفرضه عليه السنوات القادمة...
كان هناك أناس اختاروا الوقوف إلى جانبه...
ورفضوا الرحيل.
أناس يعرفون تمامًا حقيقة ما هو عليه...
ومع ذلك بقوا.
ولم يكن ذلك بالأمر الهيّن.
بل إن تلك الحقيقة...
في أحلك الليالي...
كانت الجزء الوحيد من رقعة الشطرنج الذي يثق به حقًا.
---
داعب الهواء الستار.
وفي مكان بعيد، فوق أسطح المباني...
اختفى آخر أثر لذلك الخفاش الصغير داخل ظلام الليل.
حدق ترافالغار في العتمة...
وشعر، لأول مرة منذ زمن طويل...
أن العالم قد بدأ يتحرك...
قبل أن يقرر هو أين سيقف داخله.