الفصل 16: العثور على ما يثير القلق

دوّى صوت غاريث الأجش والمليء بالريبة داخل الكهف، مما جعل الجميع يلتفت نحو مون.

استدار مون نحوه، محافظًا على تعبير محايد: "أحتاج لقضاء الحاجة… لذا سأخرج."

ظل غاريث صامتًا للحظة، وعيناه تفحصانه بدقة: "هناك مكان في عمق الكهف. حفرنا جزءًا مخصصًا لذلك."

هزّ مون رأسه بخفة: "لا، لا بأس. أفضل أن أفعل ذلك في الخارج." وأشار بشكل مبهم نحو المدخل. "على أي حال، لا أظن أن هناك نظام صرف صحي هنا."

كان العذر ضعيفًا… لكنه مقبول. فالخصوصية طلب منطقي.

انتظر غاريث قليلًا، وملامحه المتعبة لا تُظهر شيئًا، ثم أومأ ببطء: "حسنًا. لا تتأخر. الخارج خطير."

"لن أفعل."

اتجه مون نحو مدخل الكهف، شاعرًا بنظرات غاريث تلاحقه طوال الطريق. كما شعر بنظرات سيلين أيضًا… فضولية، لكنها غير مذعورة. أما ديريك والبقية، فلم يعيروه أي اهتمام، منشغلين بالتدفئة واستعادة طاقتهم.

ما إن خرج مون حتى ضربه البرد القاسي بلا رحمة، وسلب أنفاسه فورًا. كان الانخفاض في الحرارة صادمًا، حتى بعد قضائه ساعات داخل دفء الكهف النسبي.

استمر تساقط الثلج بكثافة، يحجب الرؤية.

ابتعد مون عن المدخل مسافة كافية، بحيث لا يُرى مباشرة، دون أن يبتعد لدرجة أن يضيع طريق العودة. أنفاسه خرجت كسحب متجمدة، وأصابعه بدأت تفقد الإحساس مجددًا.

لكن كان عليه أن يرى ما يحيط بالمكان.

بدأ يفحص المنطقة حول مدخل الكهف، باحثًا عن آثار، عن علامات حركة، عن دليل على وجود الناجين الآخرين الذين ادعى غاريث أنهم سيعودون ليلًا.

لم يُكلّف نفسه عناء البحث عن آثار أقدام… فالثلج الكثيف كفيل بإخفائها، والرياح تمحو أي أثر خلال دقائق.

بعد أن دار حول المنطقة، لم يلحظ شيئًا غريبًا… حتى تعثر ببعض العظام المدفونة جزئيًا في الثلج.

لم يُعرها اهتمامًا في البداية. وجود العظام هنا أمر طبيعي… فهذا المكان يعج بالوحوش. وبعد أن ينتهي الناجون من اللحم ويستخرجوا ما يحتاجونه، فمن المنطقي أن يتخلصوا من العظام. فائدتها محدودة، إلا إذا وُجد حداد، وهو ما يبدو غير موجود.

تابع مون تفقده… حتى وجد المزيد من العظام.

هذه المرة، كانت أكبر حجمًا، ومتناثرة على مساحة أوسع.

جثا على ركبتيه، وأزاح الثلج عن قطعة معينة…

"هل هذا… جمجمة بشرية؟"

تجمد في مكانه.

اكتشاف كهذا… لم يكن عاديًا.

إذا كانت هذه عظام بشرية… فالعظام التي رآها سابقًا قد تكون كذلك أيضًا.

ارتفع نبض قلبه رغم البرد الذي يخدر أطرافه. بدأ يبحث بسرعة في المنطقة، يتحرك بحذر، وعيناه تمسحان المكان بدقة.

وجد المزيد… الكثير.

أضلاع… عظام فخذ… فقرات… بعضها لا يزال يحمل بقايا لحم متجمد، والبعض الآخر نظيف تمامًا.

وعند التدقيق… لم يكن هناك شك.

كلها… بشرية.

"ما هذا… هل أنا في مقبرة بشرية؟"

تجهم وجه مون.

لم يكن الأمر مقلقًا فقط… بل مرعبًا.

إما أن غاريث والآخرين يستخدمون هذه المنطقة كمقبرة لمن يموتون داخل العالم المخفي—وهو أمر منطقي في ظل استحالة حفر قبور في أرض متجمدة…

أو أن هناك شيئًا أكثر ظلمة… شيء لا تدركه مجموعته على الإطلاق.

اعتدل مون، وعيناه تعودان نحو مدخل الكهف، بالكاد ظاهر وسط الثلوج المتساقطة.

تسللت أفكاره إلى رائحة الحديد داخل الكهف… الرائحة الكريهة التي أرجعها غاريث إلى الملابس المتسخة.

عينا المرأة الفارغتان… الشاب المصاب الذي لم ينطق بكلمة…

وغاريث… الذي كان يفترض أنه يصطاد بعيدًا، ومع ذلك وصل إليهم فور ظهورهم.

ثم دعوته لتسعة مستيقظين جدد إلى مأواه… دون تردد.

كل ذلك… لا يتطابق.

لو كان مون مكانه… لما فعل ذلك. فهو لا يعرف نواياهم… وقد يشكلون خطرًا. ولِمَ يشارك موارده مع غرباء؟

ارتفعت يد مون غريزيًا، وجمع المانا.

هذه المرة… لم يستخدم عنصر الماء. بل ركز على النار، موجهًا توافق العناصر الأربعة الناتج عن فئته المنسوخة.

توهجت حرارة خفيفة في كفه… شعلة صغيرة تقاوم البرد القاسي الذي يتسلل إلى عظامه.

استجابت المهارة بسلاسة، دليلًا على تحسن إتقانه لفئة الساحر العنصري. لكن ذلك الدفء الضئيل… لم يُبدد القلق المتصاعد في داخله.

أجبر نفسه على التنفس ببطء… كابحًا الذعر الذي يحاول الصعود إلى حلقه.

كان أمامه خياران.

الأول… أن يرحل ولا يعود. أن يبتعد عن الكهف… عن غاريث… وعن كل ما ينتظره في الداخل، ويخوض الصقيع وحده.

لكن ذلك كان انتحارًا بحد ذاته. ففي عالم مخفي كهذا، دون فئة دائمة، ودون أحد ينسخ منه القدرات عند انتهاء مهلة الأربع وعشرين ساعة… سيكون موته حتميًا.

أما الخيار الثاني…

فهو العودة… وكأن شيئًا لم يحدث.

يتظاهر بالجهل… ويتابع التحقيق.

لكن عليه أن يضمن ألا يلاحظ غاريث أي تغيير… ألا يشك بأنه اكتشف مقبرة العظام خارج المأوى.

ورغم أنه لم يكن متأكدًا بالكامل… إلا أن كل حدس داخله كان يصرخ بالحذر.

العظام… الرائحة… الناجون الغائبون الذين سيعودون "ليلًا"…

بعد تفكير طويل، وموازنة الخيارات… اتخذ مون قراره.

العودة.

الوحدة تعني موتًا مؤكدًا… أما البقاء، فيمنحه فرصة—مهما كانت ضئيلة—لفهم ما يحدث… وربما إنقاذ بعض أفراد مجموعته قبل فوات الأوان.

بدد المانا من كفه، وبدأ يسير عائدًا نحو الكهف، خطواته تُصدر صوتًا مكتومًا فوق الثلج.

أجبر ملامحه على الهدوء… التعب… البرودة… شخص عاد فقط بعد قضاء حاجته في ظروف بائسة.

عندما ظهر مدخل الكهف وسط العاصفة، بدأ يضبط تصرفاته.

دخل إلى الداخل… ولفحته الحرارة النسبية فورًا.

كان غاريث واقفًا قرب المدخل… وكأنه كان ينتظره.

تلاقت أعينهما فورًا.

"تأخرت."

لم يرمش غاريث، ونظرته ثابتة عليه.

هزّ مون كتفيه، وهو يفرك ذراعيه وكأنه يحاول التدفئة: "الجو في الخارج قاسٍ… لم أرد أن أتعجل وأنزلق على الجليد."

ظل غاريث يدرسه للحظة أخرى… ثم أومأ ببطء: "عد إلى النار. ستحتاج قوتك الليلة."

مرّ مون بجانبه، شاعرًا بتلك النظرات تلاحقه في كل خطوة، وعاد إلى مكانه قرب سيلين.

نظرت إليه… بنظرة تساؤل.

جلس مجددًا قرب النار… بينما كان عقله يعج بالأفكار، والاحتمالات، والخطط…

لكيفية النجاة… مما سيحدث عند حلول الليل.

2026/04/29 · 5 مشاهدة · 864 كلمة
نادي الروايات - 2026