الفصل الثاني: أول خطوة في عالم النبلاء
ما إن افترق وليد عن الشيخ محمد زهرمان حتى ابتلعته أروقة الأكاديمية الواسعة.
كان كل شيء هنا يفوق خياله.
أعمدة حجرية شاهقة ارتفعت حتى كادت تلامس السقف، تتخللها نوافذ زجاجية ملونة تعكس أشعة الشمس بألوان مختلفة فوق الأرضية الرخامية. وعلى الجدران عُلقت لوحات لملوك المملكة وحماة الدولة عبر العصور، بينما كانت تماثيل المسخرين العظماء تقف شامخة في الممرات.
توقف وليد في منتصف الرواق، يدور بعينيه في كل الاتجاهات.
ابتسم وهو يتمتم لنفسه:
"إنها... أكبر حتى من مزرعتنا."
مرّ بجانبه عدد من الطلاب، بعضهم نظر إليه باستغراب، وآخرون تجاهلوه تمامًا، لكنه لم يلتفت إليهم.
كان منشغلًا بكل زاوية في المكان.
---
بعد دقائق من التجول، وجد لوحة حجرية ضخمة محفورة عليها خريطة الأكاديمية.
اقترب منها وبدأ يقرأ بصوت منخفض.
"مدة الدراسة... ثلاث سنوات."
انتقلت عيناه إلى السطر التالي.
"كل سنة تنقسم إلى ثلاثة فصول دراسية، يستمر كل فصل ثلاثة أشهر."
ثم أكمل القراءة.
"بين كل فصل وآخر عطلة قصيرة مدتها عشرة أيام... وفي نهاية السنة عطلة شهر كامل."
ارتسمت ابتسامة عريضة على وجهه.
"يعني... سأستطيع العودة إلى المنزل كل سنة."
شعر بالراحة.
فمهما كان حلمه كبيرًا، لم يكن يريد الابتعاد عن والديه طويلًا.
---
واصل السير بين الممرات حتى خرج إلى ساحة واسعة، حيث تجمع عدد كبير من الطلاب.
كانت ملابسهم وحدها كافية لتمييز النبلاء عن عامة الشعب.
الأقمشة الفاخرة، الشعارات المطرزة، السيوف المزخرفة...
كل شيء يعلن مكانتهم.
وبينما كان يتأملهم، اقترب منه شاب طويل القامة، حسن المظهر، يحمل على كتفه عباءة سوداء تتوسطها شارة فضية.
وقف أمام وليد وقال بثقة:
"أنا آدم... من عائلة آل شديم."
ثم سأله بنبرة متعالية:
"وأنت... من تكون؟"
ابتسم وليد ببساطة.
"اسمي وليد."
انتظر آدم لحظة ثم قال:
"ومن أي عائلة؟"
هز وليد رأسه.
"لا أنتمي لأي عائلة نبيلة."
ارتفعت زاوية فم آدم بسخرية.
"عامي إذًا؟"
أومأ وليد.
ضحك آدم ضحكة قصيرة.
"وما الذي يفعله عامي داخل أكاديمية التسخير؟"
أجاب وليد بهدوء:
"جئت كما جئت أنت... أريد أن أصبح مسخرًا."
ازداد ضحك آدم.
"أنت؟ تصبح مسخرًا؟"
ساد الصمت للحظة.
نظر وليد إليه دون غضب، لكنه لم يجد سببًا للاستمرار في الحديث.
قال في نفسه:
"يبدو أنه لا فائدة من النقاش."
ثم استدار.
"حسنًا... سأغادر."
وقبل أن يبتعد، سمع صوت آدم من خلفه.
"نعم... أيها العامي، غادر."
توقف وليد للحظة، لكنه لم يلتفت.
تابع السير وهو يتمتم:
"غريب... لماذا يتصرف وكأن الأكاديمية ملك لعائلته؟"
---
وفي اللحظة نفسها...
اهتزت الأرض تحت أقدام الجميع.
ارتفع ضوء أبيض هائل غطى الساحة كلها.
شهق الطلاب.
ثم...
اختفى الجميع.
---
فتح وليد عينيه ببطء.
لم يعد في الساحة.
كان يقف داخل كهف هائل تتدلى من سقفه بلورات مضيئة، بينما يتردد صوت قطرات الماء في الأرجاء.
رفع رأسه.
وعلى مدخل الكهف كُتبت عبارة بحروف حجرية قديمة:
"كهف الحُرْمَة."
تلفت حوله بدهشة.
"ما الذي يحدث؟"
جاءه صوت هادئ من الخلف.
"إنه الاختبار."
استدار بسرعة.
وقف أمامه شاب في مثل عمره تقريبًا، بشعر أسود مرتب وعينين هادئتين.
قال وليد:
"ومن تكون؟"
ابتسم الشاب.
"اسمي خالد زهرمان."
تأمل وليد الاسم للحظات.
"زهرمان..."
قطب حاجبيه.
"أشعر أنني سمعت هذا الاسم قبل قليل."
ابتسم خالد.
"ربما."
---
وفي تلك اللحظة، دوّى صوت قوي داخل الكهف.
"مرحبًا بكم أيها الطلاب."
التفت الجميع نحو المنصة الحجرية.
هناك وقف الشيخ الذي قابله وليد عند بوابة الأكاديمية.
فتح وليد عينيه بدهشة.
"العجوز!"
نظر خالد إليه باستغراب.
"هل تعرف جدي؟"
اتسعت عينا وليد أكثر.
"جَدُّك؟!"
ابتسم خالد.
"نعم."
---
رفع الشيخ يده، فسكت الجميع.
قال بصوت مهيب:
"اسمي محمد زهرمان..."
"وأنا مدير أكاديمية التسخير."
ساد الهدوء.
ثم تابع:
"يسرني أن أرحب بكم في بداية اختبار التسخير."
كان وليد ينظر مرة إلى المدير، ومرة إلى خالد.
ثم همس:
"زهرمان..."
"إذن أنت حفيده فعلًا."
أجاب خالد بابتسامة خفيفة:
"صحيح."
اقترب وليد منه قليلًا، ثم همس وكأنه يكشف خطة عبقرية.
"اسمع..."
نظر خالد إليه.
"بما أنك حفيد المدير..."
اقترب أكثر.
"ألا يمكننا سرقة أسئلة الاختبار؟"
ظل خالد ينظر إليه عدة ثوانٍ قبل أن يجيب ببراءة:
"أليس هذا غشًا؟"
قال وليد:
"ليس إن لم يمسكوا بنا."
وقبل أن يكمل حديثه...
سمع صوت فتاة خلفهما.
"لقد سمعتكما."
التفتا معًا.
وقفت فتاة ذات شعر بني طويل وعينين حادتين تنظر إليهما باستخفاف.
قالت ببرود:
"أن يغش عامي... فهذا متوقع."
ثم نظرت إلى خالد.
"أما أن يفكر نبيل في الغش..."
"فهذا مقزز."
رفع خالد يده سريعًا وقال مرتبكًا:
"اعتراض!"
"أنا لم أوافق أصلًا."
أما وليد فقد عقد حاجبيه.
"ماذا تقصدين بقولك إنه متوقع من عامي؟"
أشاحت الفتاة بوجهها.
"لا أرى سببًا للحديث معك."
شعر وليد بالضيق لأول مرة منذ دخوله الأكاديمية.
وقال في نفسه:
"يا لهذه المتعجرفة..."
"إنها تثير أعصابي."
تقدم خطوة إلى الأمام وقال بصوت مرتفع سمعه معظم الطلاب:
"اسمعي جيدًا."
"لا يهمني من تكونين..."
"ولا من أي عائلة جئت."
ثم رفع رأسه بكل ثقة.
"أنا..."
"سأصبح حامي الدولة."
ساد الصمت.
نظر الجميع إليه.
ثم...
انفجرت الساحة بالضحك.
"هل سمعتم؟"
"عامي يريد أن يصبح حامي الدولة!"
"إنه لا يعرف مكانه."
أما وليد، فلم يتراجع خطوة واحدة.
بل ظل واقفًا بثبات...
وعيناه تنظران إلى الأمام، وكأن ضحكاتهم لم تكن سوى بداية الطريق.