الفصل الثالث: كهف الحُرْمَة

استمرت ضحكات الطلاب تتردد داخل الكهف.

"عامي... حامي الدولة؟"

"إنها أفضل نكتة سمعتها اليوم."

"ليعد إلى مزرعته قبل أن يبدأ الاختبار."

ظل وليد واقفًا في مكانه، ولم ينحنِ رأسه، ولم تغادره نظرته الواثقة.

عندها ابتسم محمد زهرمان ابتسامة خفيفة.

"عامي يريد أن يصبح حامي الدولة..."

هز رأسه بإعجاب.

"لا أنكر أن هذا يبعث على الحماس."

تبادل الطلاب النظرات باستغراب.

قال خالد وهو يربت على كتف وليد:

"لا تخجل من حلمك."

نظر إليه وليد بصمت.

ابتسم خالد وأردف:

"رحلة الألف ميل... تبدأ بخطوة."

أما الفتاة التي سخرت منه، فقد عقدت ذراعيها وقالت بابتسامة ساخرة:

"اعترف... لقد تحسن مزاجي قليلًا."

التفت إليها وليد وهو يضغط على أسنانه.

"هذه الفتاة..."

تنهد في داخله.

"تتحداني في كل مرة."

قبل أن ينطق بكلمة أخرى، ضرب محمد زهرمان عصاه بالأرض.

ارتج الكهف، وساد الصمت.

قال المدير بصوت حازم:

"حان الوقت لشرح اختبار التسخير."

رفع يده، فظهرت أمام الطلاب دوائر ضوئية تشكل صورًا لمخلوقات غريبة.

قال:

"في مملكة القُدراس توجد مخلوقات تُعرف باسم الفيج ."

"وهي ليست نوعًا واحدًا، بل تنقسم إلى ثلاث فئات رئيسية."

ظهرت ستة مخلوقات مختلفة.

"الفئة الأولى... الفئة التقليدية."

بدأت الصور تتبدل.

"زَجَر... سيد النار."

اشتعلت النيران حول صورته.

"بَرقان... سيد البرق."

دوى صوت الرعد.

"غُياث... سيد الماء."

تدفقت المياه حوله.

"جِلفار... سيد الجليد."

تجمد الهواء.

"طِينان... سيد الأرض."

ارتفعت الصخور.

"وَردان... سيد الغابة."

التفت الأشجار حول صورته.

أكمل المدير:

"هذه أكثر الفئات انتشارًا."

"يمكن للعامة والنبلاء على حد سواء التعاقد معها."

همس وليد:

"إذن... لدي فرصة."

اختفت الصور الأولى.

ثم ظهرت خمس صور جديدة.

"الفئة الثانية..."

"الفئة المميزة."

بدأ المدير يشرح.

"شِفان... الشفاء."

"ضلال... الظلال."

"نوران... النور."

"صداي... الصوت."

"هزار... الاهتزاز."

قال المدير:

"هذه المخلوقات أكثر ندرة."

"ولا تعقد اتفاقًا إلا مع من يتوافق معها."

ساد الصمت بين الطلاب.

كان الجميع يصغي بكل تركيز.

ثم أظلم الكهف فجأة.

وتحول الضوء إلى لون ذهبي عميق.

ظهرت أربع هيئات ضخمة لا يمكن تمييز ملامحها بالكامل.

حتى الهواء أصبح أثقل.

قال المدير بنبرة مختلفة تمامًا.

"أما هذه..."

"فهي الفئة الأسطورية."

ظهرت الأسماء واحدًا تلو الآخر.

"مُختار..."

"سيد الاحتمالات والسببية."

"بصير..."

"الإدراك الكامل."

"زمان..."

"التحكم بالزمن."

"فاني..."

"المادة المضادة."

حتى أكثر الطلاب غرورًا التزموا الصمت.

قال المدير:

"هذه القوى لا تظهر إلا في ظروف نادرة جدًا."

"وغالبًا ما ترتبط بالعائلات الحاكمة أو بمن يحملون مصيرًا استثنائيًا."

نظر وليد إلى تلك الصور بإعجاب شديد.

وشعر لأول مرة أن هذا العالم أكبر بكثير مما تخيله.

أشار المدير إلى المنصة الحجرية في وسط الكهف.

"أما الآن..."

"فسأشرح لكم طقس العقد."

أضاءت المنصة بنور أبيض.

"كل طالب سيدخل إلى هذه المنصة وحده."

"وسيجرح معصمه بخنجر الطقس."

ظهرت قطرة دم تسقط فوق الحجر.

"حينها..."

"سيستجيب الكهف."

بدأت الأرض تهتز في الصورة.

وخرج أحد مخلوقات الفيج ببطء.

قال المدير:

"الفيج المختار سيقترب من صاحبه."

"ويشرب من دمه."

ثم ظهر خيط من الطاقة يربط بين قلب الإنسان والفيج.

"منذ تلك اللحظة..."

"تصبح أرواحكما مرتبطة."

تأمل وليد ذلك المشهد بإعجاب.

"رائع..."

لكن المدير لم ينتهِ بعد.

قال بصوت أكثر جدية:

"بعد اكتمال العقد..."

"لن ينتهي الاختبار."

ارتفعت همسات الطلاب.

"بل يبدأ الاختبار الحقيقي."

أكمل:

"كل طالب سيعيش ثلاث ثوانٍ فقط."

"لكنها قد تبدو له سنوات."

"سيرى أسوأ مخاوفه."

"وسيرى أكثر رغباته خفاءً."

"وسيرى لمحة من مصيره المحتمل."

ابتلع كثير من الطلاب ريقهم.

"إن تردد قلبه..."

"سينهار الرابط."

"وقد يفقد وعيه."

"وقد يتشوه الوسم."

"وفي حالات نادرة..."

توقف المدير قليلًا.

"...قد يتحول الفيج إلى كيان معادٍ."

ساد صمت ثقيل داخل الكهف.

ثم قال:

"وتذكروا قانون كهف الحُرمة."

"لا يحق لأحد التدخل في طقس غيره."

"ولا يمكن قتل أي طالب داخل الكهف."

"وأي محاولة للغش..."

ابتسم ابتسامة خفيفة.

"...سيبتلع الكهف صاحبها."

ارتجف بعض الطلاب.

أما وليد فابتسم بخجل وهو ينظر إلى خالد.

"جيد أننا لم نحاول تنفيذ خطتي."

ضحك خالد بصوت منخفض.

تابع المدير:

"إذا نجحتم..."

"ستسمعون صوت الفيج لأول مرة."

"ومنذ تلك اللحظة..."

"لن تكونوا بشرًا عاديين."

"بل حملة مصير."

ثم رفع يده.

"هذه..."

"هي بداية طريقكم."

ساد الصمت للحظات.

ثم رفع وليد يده.

"سؤال."

نظر إليه المدير.

قال وليد وهو يحك رأسه:

"بصراحة..."

"لم أفهم شيئًا."

ساد الصمت.

ثم انفجر خالد بالضحك.

قال:

"سأختصرها لك."

"اذهب إلى المنصة."

"اجرَح معصمك."

"إن قبلك الفيج أصبحت مسخرًا."

أشرق وجه وليد.

"إذن..."

"كل كلام المدير كان هذا ملخصه؟"

ابتسم خالد.

"نعم."

نظر وليد إليه بشك.

"أنت تحاول خداعي، أليس كذلك؟"

تنهد خالد.

"ليس ذنبي أنك بطيء الفهم."

في تلك اللحظة مرت الفتاة نفسها بجانبهما.

قالت باستخفاف:

"نبيل يصادق عاميًا..."

"يا لها من مفارقة."

ارتسمت ابتسامة غاضبة على وجه وليد.

ثم قال وهو يشد قبضته:

"هذه الفتاة..."

"تحتاج إلى بضع لكمات."

نظر خالد إليه بسرعة.

"أرجوك..."

"لا تبدأ المشاكل قبل أن يبدأ الاختبار."

ابتسم وليد أخيرًا.

لكن عينيه بقيتا معلقتين بالمنصة الحجرية في وسط الكهف.

هناك...

حيث ستبدأ رحلته الحقيقية.

2026/07/19 · 1 مشاهدة · 746 كلمة
نادي الروايات - 2026