الفصل الخامس: الطائر العجوز (الجزء الأول)

خرج الطلاب من كهف الحُرمة وقد تغيرت نظراتهم إلى بعضهم بعضًا. لم يعد أحد ينظر إلى زميله على أنه مجرد طالب جديد، بل أصبح كل واحد يحمل قوة سترافقه طوال حياته، وقد تصبح سبب مجده... أو هلاكه.

كان وليد يسير بجوار خالد، وما زال ينظر إلى كفه بين الحين والآخر، وكأنه ينتظر أن يرى قدرة الاحتمالات تتجسد أمامه.

ابتسم دون شعور.

"إذن... أصبحت مسخرًا حقًا."

ضحك خالد.

"وليس أي مسخر."

رفع وليد رأسه بفخر.

"بل مسخر لقدرة أسطورية."

"اعترف... يبدو الأمر رائعًا."

ابتسم خالد وهو يهز رأسه.

"لا تدع هذا يدخل إلى رأسك."

رد وليد سريعًا:

"مستحيل."

ثم أضاف ضاحكًا:

"لقد كان رأسي كبيرًا أصلًا."

ضحك خالد، بينما هز عدد من الطلاب رؤوسهم وهم يمرون بجانبهما.

بعد دقائق، توقف خالد فجأة.

"هل تعرف ماذا سيحدث الآن؟"

نظر إليه وليد باستغراب.

"أليس الاختبار قد انتهى؟"

"انتهى اختبار التسخير."

"لكن بقي اختبار آخر."

قطب وليد حاجبيه.

"اختبار؟"

"ليس اختبارًا بالمعنى المعروف."

"بل مرحلة تقسيم الطلاب."

مال وليد برأسه.

"تقسيم؟"

"إلى المهاجع."

تابعا السير بين المباني الحجرية الواسعة، حتى ظهرت أمامهما حديقة ضخمة تتوسطها شجرة زيتون هائلة، بدت أقدم من أي شيء رآه وليد في حياته.

قال خالد وهو يشير إليها:

"هل ترى تلك الشجرة؟"

رفع وليد بصره.

كانت جذوعها أعرض من عدة رجال مجتمعين، وتمتد أغصانها في السماء كأنها سقف أخضر يغطي المكان.

"إنها ضخمة..."

قالها بإعجاب.

ثم لاحظ شيئًا آخر.

فوق أعلى غصن...

كانت تقف بومة بيضاء ضخمة، تحدق في الجميع بعينين ذهبيتين لامعتين.

خفض وليد صوته.

"ما هذا الطائر؟"

ابتسم خالد.

"إنه الطائر العجوز."

ساد الصمت لحظة.

ثم أكمل:

"يسميه البعض... طائر الحكمة."

ظل وليد ينظر إلى البومة.

"هل يتحدث فعلًا؟"

"نعم."

"لكنه لا يتحدث كثيرًا."

"ولا ينطق إلا عندما يرى أن كلامه سيغير مصير شخص."

اتسعت عينا وليد.

"إذن هو حكيم؟"

"أكثر من ذلك."

"هناك من يقول إنه عاش منذ تأسيس المملكة."

ابتلع وليد ريقه.

"هل هذا ممكن؟"

ابتسم خالد.

"لا أحد يعلم."

"لكن الجميع يحترمه."

واصلا السير حتى أصبحا قريبين من الشجرة.

سأل وليد:

"وما علاقة هذا الطائر بنا؟"

أجاب خالد:

"هو من سيحدد المهجع الذي سننتمي إليه."

"لدينا ثلاثة مهاجع."

رفع ثلاثة أصابع.

"مهجع العهد."

"مهجع السيادة."

"مهجع الهيمنة."

ردد وليد الأسماء بصوت منخفض.

"العهد... السيادة... الهيمنة."

ثم سأل:

"وما الفرق بينها؟"

تنهد خالد.

"لكل مهجع فلسفته."

"ولكل واحد طريقة مختلفة في التفكير والتدريب."

"لكن الدروس الأساسية تبقى مشتركة."

ظل وليد يفكر قليلًا.

"وكيف يقرر الطائر أين يضعنا؟"

أجاب خالد وهو ينظر إلى الشجرة:

"ستضع يدك على جذعها."

"والشجرة ستنقل إليه ما بداخل قلبك."

توقف وليد عن المشي.

"قلبي؟"

"ليس قلبك الجسدي."

"بل رغبتك الحقيقية."

"الشيء الذي يدفعك للاستمرار."

ابتسم وليد.

"إذن سيعرف أنني أريد أن أصبح حامي الدولة."

نظر إليه خالد مبتسمًا.

"ربما يعرف أكثر من ذلك."

بينما كانا يقتربان، ظهر شخص يقف أمامهما.

كان آدم.

ابتسم ابتسامة متعالية.

"مرحبًا... أيها العامي."

ابتسم وليد بهدوء.

"مرحبًا."

تفاجأ آدم قليلًا من رد فعله.

أما وليد، فكان يحدث نفسه.

"الغريب..."

"هذا الرجل لا يثير غضبي مثل تلك الفتاة."

وصل خالد إليهما.

"مرحبًا يا آدم."

رد آدم بإيماءة خفيفة.

ثم نظر إلى خالد.

"حقًا؟"

"أصبحت تصادق شخصًا تافهًا؟"

ساد الصمت.

رفع وليد إصبعه نحو نفسه.

"التافه... تقصدني أنا؟"

قالها ببراءة جعلت خالد يكاد يضحك.

رد آدم ببرود:

"ومن غيرك؟"

ابتسم خالد بهدوء.

"هذا التافه كما تسميه..."

"يمتلك قدرة أسطورية."

توقفت ابتسامة آدم للحظة.

ثم عاد إلى هدوئه.

"حتى لو حصل على قوة أسطورية..."

اقترب خطوة.

"فالقمامة..."

نظر مباشرة في عيني وليد.

"...تبقى قمامة."

"حتى لو وضعتها داخل صندوق من الذهب."

استدار وغادر.

ظل وليد ينظر إلى ظهره حتى اختفى.

ثم تنهد.

"يا له من شخص غريب."

قال خالد:

"لا تهتم."

ابتسم وليد.

"بصراحة..."

"أنا لا أبالي بهذه الكلمات."

نظر إليه خالد باستغراب.

"حقًا؟"

"نشأت عاميًا."

"وسمعت مثل هذا الكلام منذ كنت طفلًا."

ابتسم ابتسامة هادئة.

"لو كنت سأغضب في كل مرة..."

"لما عشت يومًا واحدًا بسلام."

ساد الصمت بينهما.

ثم قال خالد:

"أتعلم؟"

"لهذا السبب أحترمك."

رفع وليد حاجبه.

"ظننت أنك فقط لطيف."

ضحك خالد.

"لست لطيفًا."

"أنا فقط..."

توقف لحظة.

"...أؤمن بأن البشر يُقاسون بأفعالهم، لا بأنسابهم."

نظر إليه وليد بإعجاب.

ثم ابتسم.

"أظن أننا سنصبح صديقين جيدين."

ضحك خالد.

"بل نحن كذلك بالفعل."

وفي الجهة الأخرى من الساحة...

وقف محمد زهرمان يراقب الطلاب وهم يتبادلون الأحاديث بعد انتهاء اختبار التسخير. كانت عيناه تتنقلان بين الوجوه حتى استقرتا على وليد، الذي كان يضحك مع خالد غير مدرك للنظرات التي تلاحقه.

شبك المدير يديه خلف ظهره، وارتسمت على شفتيه ابتسامة هادئة.

"وليد..."

تمتم باسمه وكأنه يحاول حفظه في ذاكرته.

"عامي... يحمل قدرة أسطورية."

هز رأسه بإعجاب.

"منذ زمن طويل لم أرَ طالبًا يثير فضولي إلى هذا الحد."

رفع بصره نحو السماء، ثم قال بصوت خافت:

"لنرَ إلى أين ستقودك خطواتك يا فتى..."

ثم استدار وغادر، بينما كان وليد يواصل حديثه مع خالد، غير مدرك أن رحلته الحقيقية لم تبدأ بعد.

2026/07/20 · 2 مشاهدة · 767 كلمة
نادي الروايات - 2026