الفصل الثالث: العزلة المختارة

بحلول عامي السادس، كان الروتيني قد تحوّل من تجربة إلى نظام. لم يعد الأمر مجرد محاولات متفرقة أمام ورقة شجر أو حجر صغير، بل أصبح جدولًا يوميًا واضح المعالم، أضعه بنفسي كل ليلة قبل النوم وأراجعه كل صباح كما كنت أراجع خطط التجارب في حياتي السابقة.

الفرق الوحيد أن المختبر هذه المرة كان جسدي، والمتغيرات كانت طاقتي الداخلية، والفرضيات كانت أسئلة بسيطة مثل: "ماذا لو حاولت توجيه الطاقة من نقطتين مختلفتين في آن واحد؟" أو "هل تتغير استجابة الجسم إن كان التركيز أثناء الجوع أو بعد الأكل؟"

كانت أمي، في هذه المرحلة، قد توقفت عن التساؤل عن سبب جلوسي لساعات وحدي خلف البيت. أظن أنها اعتبرت الأمر نوعًا من الخيال الطفولي، لعبة يخترعها الأطفال لأنفسهم حين يكبرون في مكان هادئ بلا رفاق كثر. لم أصحح هذا الانطباع. كان صمتها المتفهم أفضل غطاء يمكن أن أطلبه.

لكن مع الوقت، بدأت ألاحظ شيئًا آخر في نفسي، شيئًا لم يكن جزءًا من التخطيط الواعي: كنت أفضّل هذه الساعات من العزلة على أي شيء آخر في يومي.

لم يكن الأمر خجلًا أو خوفًا من الأطفال الآخرين في القرية، وإن كانوا قلائل أصلًا في منطقتنا الريفية المتناثرة. كان شيئًا أعمق من ذلك. عقل عاش أربعين عامًا يفكر بمفردات العلم والمنهج والتجربة لا يجد راحته الحقيقية في ثرثرة الأطفال أو ألعابهم. كنت أستمع أحيانًا، من بعيد، إلى ضحكات أطفال آخرين يلعبون قرب النهر، وأشعر بشيء أشبه بالحنين إلى شيء لم أعشه قط في هذا الجسد — طفولة عادية، بسيطة، بلا وزن الوعي المضاعف الذي أحمله.

لكن الحنين لم يكن كافيًا لدفعي نحوهم. كنت أفضّل، وبوضوح متزايد، أن أبقى مع أوراقي وحجارتي وملاحظاتي الصامتة.

في أحد الأيام، سألتني أمي، وهي تُعد الطعام، عن سبب عدم ذهابي للعب مع أبناء الجيران. لم أجب بسرعة. فكرت في الأمر جديًا قبل أن أقول: "أحب أن أكون وحدي. أفكر بشكل أفضل هكذا."

نظرت إليّ نظرة طويلة، فيها مزيج من القلق الخفيف والفضول. لم تعلّق أكثر من ذلك، لكنني رأيت في عينيها سؤالًا لم تطرحه: أي نوع من الأطفال هذا الذي يفضّل التفكير على اللعب؟

لم يكن لدي جواب أقدمه لها حينها. لم يكن لدي جواب كافٍ لنفسي أيضًا.

توسّع تدريبي في هذه المرحلة ليشمل أكثر من مجرد السيطرة الأساسية على الطاقة. بدأت أُدخل عنصر المشي المتحكَّم — محاولة توجيه الطاقة إلى قدميّ بكميات دقيقة أثناء الحركة، بدل الجلوس الساكن الذي اعتدته في البداية.

كانت هذه المرحلة أصعب بكثير مما توقعت. الجلوس الساكن يسمح بالتركيز الكامل، بينما الحركة تفرض عليك تقسيم انتباهك بين توازن الجسد وتوجيه الطاقة في آن واحد. سقطت عشرات المرات في الأيام الأولى، أحيانًا بسبب فقدان التوازن، وأحيانًا لأن الطاقة كانت تندفع بقوة أكبر من اللازم في لحظة معينة فتدفعني جانبًا كأنني تعثرت بحجر غير مرئي.

لاحظت، مع تكرار هذه السقطات، أن جسدي لا يتأذى بالقدر الذي يجب أن يتأذى به طفل يسقط عشرات المرات يوميًا على أرض صلبة. لا كدمات كبيرة، لا كسور، حتى الخدوش كانت تلتئم بسرعة لافتة. سجّلت هذه الملاحظة مرة أخرى، مضيفًا إياها إلى قائمة طويلة تتراكم دون تفسير كافٍ بعد. جسد قوي، صلب، يتعافى بسرعة. سواء كان هذا مرتبطًا بالطاقة الداخلية التي أتدرب عليها، أو بشيء آخر أعمق في تكويني، لم أكن أملك بعد ما يكفي من البيانات لأحسم الأمر. المنهج العلمي يعلّمك ألا تتسرع في الاستنتاج قبل أن يتوفر الدليل الكافي، ومهما كانت الرغبة في الفهم ملحّة، التزمت بهذا المبدأ بصرامة تفوق عمري بكثير.

بعد أسابيع من المحاولة، بدأت ألاحظ تحسنًا تدريجيًا. لم يعد المشي بتركيز يُسقطني بالمعدل نفسه. تعلّمت أن أوزّع الطاقة بشكل أكثر انتظامًا، بدل الدفعات المفاجئة التي كانت تُخل بتوازني. في أحد الأيام، نجحت أخيرًا في المشي عشرين خطوة متتالية دون أن أفقد تركيزي أو توازني.

توقفت عند الخطوة العشرين، أتنفس بعمق، أشعر بإرهاق حقيقي هذه المرة — ليس إرهاق الجسد فقط، بل إرهاق الذهن من التركيز المطوّل. جلست على الأرض، ونظرت إلى السماء التي بدأت تتلون بألوان الغروب.

كانت تلك اللحظة، تحديدًا، أول مرة أسمح فيها لنفسي بشعور أقرب إلى الرضا الحقيقي منذ استيقظت في هذا الجسد قبل أكثر من عام. لم يكن رضا عن إنجاز كبير — عشرون خطوة بالنسبة لأي شخص آخر لا تعني شيئًا — لكنه كان رضا عن الدليل الملموس على أن المنهج يعمل. أن الصبر والتكرار والملاحظة الدقيقة يمكن أن تحوّل المستحيل إلى ممكن، حتى في عالم بقواعد لا أفهم أصولها بعد.

في هذه الفترة أيضًا، بدأت ألاحظ شيئًا في نفسي يتعلق بطريقة تفكيري في هذا العالم الجديد بشكل عام. لم أعد أتعامل مع الطاقة الداخلية كظاهرة معزولة أدرّب نفسي عليها فحسب، بل بدأت أربطها، دون قصد واعٍ، بمفاهيم أعرفها من حياتي السابقة.

فكرت، في إحدى الليالي، أن هذه الطاقة تتصرف بطريقة أقرب إلى تيار كهربائي حيوي منها إلى أي شيء "سحري" بالمعنى التقليدي. لها مسارات تفضّلها في الجسد، ولها حدود، ولها استجابة قابلة للقياس والتكرار — تمامًا كما تستجيب الخلية لمحفز كيميائي معين بطريقة يمكن التنبؤ بها إحصائيًا عبر عدد كافٍ من التجارب.

هذا التفكير أثار فضولي أكثر مما أثار قلقي. إن كانت هذه الطاقة تخضع لقوانين يمكن فهمها، فهذا يعني أن كل ما أحتاجه هو الوقت والملاحظة الكافية لأفهمها بعمق أكبر من أي شخص آخر يتعامل معها بشكل غريزي أو تقليدي فقط.

كانت هذه الفكرة، رغم بساطتها الظاهرية، بداية شيء أكبر بكثير مما أدركته حينها. بداية نهج سأحمله معي لسنوات طويلة قادمة: التعامل مع كل قوة، كل تقنية، كل ظاهرة أواجهها في هذا العالم، ليس كسحر يجب حفظه وتكراره، بل كنظام يمكن تفكيكه وفهمه وتحسينه.

في أحد أيام الخريف، بينما كنت أساعد أمي في جمع المحصول، رأيت غيمة غبار بعيدة تقترب من طريق القرية الرئيسي. توقفت أمي عن العمل، ونظرت باتجاهها بقلق خفيف قبل أن يتحول وجهها إلى تعبير أقرب إلى الحذر المهذب.

"نينجا،" قالت بصوت منخفض، وكأنها تشرح لي أمرًا بديهيًا يعرفه كل طفل في القرية إلا أنا.

كانت هذه أول مرة أسمع فيها الكلمة بوضوح، مقترنة بمشهد حقيقي أمامي، لا مجرد إشارات عابرة أو تلميحات غامضة استنتجتها من حديث الكبار من حولي. وقفت بجانب أمي، أراقب الشخصية القادمة من بعيد وهي تقترب بسرعة تفوق أي شيء رأيته من قبل — سرعة لا تنتمي إلى عالم أعرف قوانينه.

حين اقترب أكثر، لاحظت التفاصيل: ملابس مختلفة عن ملابس القرويين، شارة معدنية على جبهته تحمل رمزًا لم أتعرف عليه، وحركة جسد تحمل ثقة وانضباطًا واضحين حتى من مسافة بعيدة.

لم يكن زائرًا عاديًا. كان شيئًا آخر تمامًا — نموذجًا حيًا لكل ما كنت أحاول أن أفهمه بمفردي خلف البيت، مجسّدًا أمامي في شخص واحد يمشي بثقة من امتلك ناصية تلك الطاقة الغامضة التي ما زلت أتعثر في أبسط تطبيقاتها.

شعرت، للمرة الأولى منذ استيقظت في هذا العالم، بشيء أقرب إلى الحسد الصريح. ليس حسدًا مريرًا، بل ذلك النوع من الحسد الذي يشعر به الباحث أمام نتيجة تجربة ناجحة لزميل له، حسد يتحول بسرعة إلى دافع.

لم أتحدث مع النينجا مباشرة في تلك الزيارة. كانت زيارته الرسمية تتعلق بأمور القرية العامة — جمع معلومات، أو ربما تفقّد أوضاع الطرق والحدود، لم أفهم التفاصيل الكاملة من موقعي كطفل يقف بجانب أمه. لكن قبل أن يغادر، وبينما كان يمر بجانبنا في طريقه، توقف للحظة، ونظر إليّ مباشرة.

لم يقل شيئًا معقدًا. مجرد ابتسامة عابرة، وكلمة واحدة موجهة لي: "تدرّب جيدًا يا صغير."

ربما كانت مجرد عبارة مجاملة عابرة يقولها أي بالغ لأي طفل يراه. لم يكن يعرف شيئًا عن الساعات التي أقضيها وحدي خلف البيت، ولا عن الأوراق المرتجفة، ولا عن الخطوات العشرين المتعثرة التي اعتبرتها إنجازًا قبل أسابيع قليلة.

لكن هذه الكلمات البسيطة استقرت في داخلي بثقل لم أتوقعه.

بعد رحيله، بقيت واقفًا في مكاني لوقت طويل، أراقب غيمة الغبار البعيدة وهي تبتعد بالسرعة نفسها التي جاءت بها.

في تلك الليلة، لم أنم بسهولة. استلقيت أراقب السقف الخشبي كما اعتدت، لكن أفكاري هذه المرة كانت مختلفة عن كل ليلة سبقتها. لم تعد أسئلتي تتمحور فقط حول "كيف أفهم هذا العالم؟" بل بدأت تتشكل فيها فكرة أكثر تحديدًا، أكثر إلحاحًا.

أردت أن أصبح مثله. لا بالمعنى السطحي — لا أهتم بالشارة المعدنية أو بالانتماء الرسمي لأي قرية أو تنظيم. ما أردته كان أعمق من ذلك: أردت أن أصل إلى المستوى الذي يجعل تلك الطاقة الغامضة امتدادًا طبيعيًا لجسدي، لا أداة أتعثر في استخدامها.

لم يكن هذا قرارًا عاطفيًا متسرعًا كما قد يتخذه طفل مبهور بلحظة عابرة. كان، بالنسبة لي، أقرب إلى صياغة فرضية بحثية جديدة، أكثر طموحًا من سابقاتها: إن كان بإمكان إنسان واحد أن يصل إلى هذا المستوى من التحكم والقوة، فلا يوجد سبب منطقي يمنعني، بالصبر والمنهج الصحيحين، من الوصول إلى مستوى مماثل، أو ربما أبعد من ذلك.

في الصباح التالي، عدت إلى مكاني المعتاد خلف البيت، لكن شيئًا في داخلي كان قد تغيّر. لم تعد تدريباتي مجرد تجربة فضولية لفهم قواعد عالم غريب. أصبحت، من تلك اللحظة، جزءًا من مسار واضح المعالم، له هدف محدد، وإن كان الطريق إليه ما يزال طويلاً وغامضًا.

جلست أمام ورقة شجر جديدة، أغمضت عينيّ، واستحضرت ذلك الشعور بالتيار الداخلي الذي أصبح الآن أكثر ألفة من ذي قبل. لكن هذه المرة، لم أكتفِ بمحاولة تحريك الورقة.

بدأت أفكر، للمرة الأولى بجدية حقيقية، فيما هو أبعد من ذلك: ماذا لو استطعت يومًا أن أفهم هذه الطاقة بعمق يفوق حتى فهم ذلك النينجا الذي مرّ بجانبنا؟ ماذا لو كان بإمكان عقل تدرّب لعقود على تفكيك أعقد أنظمة الجسد البشري أن يكتشف في هذا العالم أسرارًا لم يفكر فيها أحد من قبل، ببساطة لأن أحدًا لم يقاربها من هذه الزاوية؟

لم تكن هذه أفكار طفل عادي في السادسة من عمره. لكنني، منذ اللحظة الأولى التي فتحت فيها عينيّ في هذا الجسد الصغير، لم أكن يومًا طفلًا عاديًا.

استمر تدريبي ذلك اليوم لساعات أطول من المعتاد، حتى بعد أن نادتني أمي للعودة أكثر من مرة. ولأول مرة، شعرت بشيء أشبه بنفاد الصبر تجاه بطء تقدمي — ليس نفاد صبر الطفل المتذمر، بل إلحاح الباحث الذي أدرك للتو حجم المسافة الحقيقية بينه وبين هدفه، وقرر أن كل يوم يمر دون تقدم ملموس هو يوم ضائع لا يمكن استرجاعه.

كانت تلك الزيارة العابرة، تلك الكلمات البسيطة التي ربما نسيها قائلها بعد لحظات من قولها، هي الشرارة التي حوّلت فضولي الهادئ إلى عزم واضح المعالم. عزم سيرافقني، كما سأكتشف لاحقًا، عبر سنوات طويلة من العزلة المختارة، والتدريب الصامت، والزراعة الهادئة التي ستبقى، رغم كل شيء، ملاذي الوحيد من ثقل الطموح الذي بدأ يتشكل في داخلي تلك الليلة.

2026/08/16 · 10 مشاهدة · 1616 كلمة
نادي الروايات - 2026