الفصل الخامس: ليلة المهرجان

جاء الخريف تلك السنة بلون مختلف عن كل خريف سبقه. لست أدري إن كان هذا مجرد انطباع استعدته لاحقًا بأثر رجعي، بعدما عرفت ما سيحدث، أو كان إحساسًا حقيقيًا سبق الحدث نفسه. لكنني أذكر جيدًا أنني، في الأسابيع التي سبقت مهرجان القرية السنوي، شعرت بشيء أشبه بثقل خفيف في الهواء، لم أستطع تفسيره حينها بأي منطق علمي مقبول.

كان مهرجان القرية حدثًا سنويًا ثابتًا، يقام بعد نهاية موسم الحصاد مباشرة، احتفالًا بانتهاء أشهر العمل الشاق في الحقول. كنت قد شهدت هذا المهرجان سبع مرات من قبل في هذا الجسد، لكنه في كل مرة كان يمر عليّ كحدث اجتماعي أكثر منه تجربة أشارك فيها بحماس حقيقي. كنت أحضره لأن أمي تريد ذلك، أراقب من الأطراف، أرصد التفاعلات الاجتماعية بفضول الباحث أكثر من حماس المشارك.

لكن تلك السنة، وأنا في الثالثة عشرة تقريبًا، طلبت مني أمي بإصرار غير معتاد أن أشارك بشكل أكبر. ربما لاحظت، بحدسها الأمومي، أنني أقضي وقتًا طويلاً جدًا في العزلة، وأرادت أن تمنحني فرصة لأكون طفلًا عاديًا ولو ليلة واحدة.

وافقت، ليس اقتناعًا حقيقيًا بأهمية الأمر، بل لأنني، وسط كل حساباتي وملاحظاتي المستمرة، بدأت أدرك أن هناك قيمة حقيقية في هذه اللحظات الاجتماعية البسيطة التي كنت أتجاهلها غالبًا. حتى الباحث الأكثر انغماسًا في عمله يحتاج، بين الحين والآخر، لحظة يخرج فيها من إطار عمله المعتاد.

كانت ليلة المهرجان دافئة رغم برودة الخريف المبكرة. أضيئت القرية الصغيرة بمصابيح ورقية معلّقة بين البيوت، وامتلأت الساحة المركزية بموائد الطعام وألعاب بسيطة أعدّها الأهالي لأطفالهم، وموسيقى شعبية بسيطة يعزفها بعض كبار القرية بآلات تقليدية.

مشيت بجانب أمي وأبي — الذي كان قد عاد من إحدى رحلاته التجارية قبل أيام قليلة خصيصًا لحضور المهرجان — بين الموائد المزدحمة، أراقب وجوه الجيران المألوفة وهي تضيء بابتسامات صافية بعيدة عن أي حسابات معقدة. لأول مرة منذ وقت طويل، سمحت لنفسي بأن أكون حاضرًا في اللحظة دون أن أشغل ذهني بتحليل كل تفصيلة من حولي.

جربت أطعمة محلية أعدّتها إحدى الجارات، ووقفت أراقب مسابقة بسيطة للأطفال الصغار في رمي الحلقات، وضحكت — ضحكة حقيقية غير محسوبة — حين تعثر أحد الأطفال وسقط في محاولته للفوز بجائزة صغيرة.

في مرحلة ما من الأمسية، جلست بمفردي على حافة الساحة، أراقب من بعيد، بينما انشغلت أمي بالحديث مع بعض الجارات وذهب أبي ليساعد في إعداد إحدى الموائد. لم يكن هذا انسحابًا إلى العزلة بقدر ما كان لحظة هدوء طبيعية وسط الزحام، أستمتع فيها بمشهد الاحتفال من مسافة مريحة.

كانت السماء صافية تلك الليلة، مليئة بنجوم لم أعتد رؤيتها بهذا الوضوح في عالمي السابق المليء بتلوث الضوء المدني. نظرت إليها لبرهة طويلة، وفكرت، بشكل عابر، في مدى غرابة أن أجد نفسي هنا، في هذا العالم، هذه الحياة، بعد كل ما عشته من قبل.

لم أكن أعرف، في تلك اللحظة تحديدًا وأنا أحدّق في السماء، أنها ستكون آخر لحظة هدوء حقيقي سأعيشها في هذه القرية.

بدأ الأمر بصوت. ليس صراخًا في البداية، بل شيئًا أقرب إلى همهمة اضطراب تنتشر تدريجيًا من طرف الساحة البعيد نحو المركز، كموجة صامتة تسبق العاصفة الحقيقية.

نهضت من مكاني بحذر، أحاول فهم مصدر الاضطراب، حين رأيت أول علامة واضحة: عمود دخان أسود يرتفع من طرف القرية القريب من الطريق الرئيسي، يتبعه صوت انفجار مكتوم من بعيد.

توقفت الموسيقى فجأة. توقفت الضحكات. ولثانية واحدة، بدت القرية بأكملها معلّقة في صمت ثقيل قبل أن ينفجر في فوضى حقيقية.

"شياطين الضباب!"

سمعت الصرخة تنطلق من مكان ما قريب، صوت رجل مذعور يركض باتجاه المركز، يحمل طفلًا صغيرًا في ذراعيه. لم أكن أعرف حينها من أو ما هم "شياطين الضباب" بالضبط — اسم سمعته لاحقًا بأنه يشير إلى مجموعة من النينجا المارقين، خارجين عن انتماء أي قرية كبرى، معروفين بنهب القرى الصغيرة غير المحمية في أوقات الفوضى واضطراب الحروب الكبرى المحيطة — لكن الذعر المطلق في صوت الرجل كان كافيًا لإخباري أن ما يحدث خطير بشكل حقيقي.

بحثت فورًا عن أمي وأبي وسط الفوضى المتصاعدة. رأيت أبي يركض نحوي من الاتجاه المعاكس، وجهه شاحب، يصرخ اسمي.

"هاشيموتو! ابقَ معي!"

أمسك بذراعي بقوة، يجرّني بعيدًا عن مركز الساحة نحو أطراف القرية، حيث بدأ الناس يتدافعون في محاولة يائسة للهروب من مصدر الفوضى. سألته عن أمي بصوت أعلى مما قصدت، فأخبرني، بصوت متقطع من شدة الركض، أنها كانت قد ابتعدت نحو الجانب الآخر من الساحة، وأنه سيعود للبحث عنها فور أن يضمن سلامتي في مكان آمن.

لم أوافق على هذه الخطة، لكنني لم أملك وقتًا كافيًا للجدال. اندفعت أحداث الليلة بسرعة تجاوزت قدرتي على التفكير المنهجي الذي اعتدت الاعتماد عليه في كل موقف آخر.

في خضم الفوضى، انفصلت عن أبي. لست متأكدًا حتى الآن من التفاصيل الدقيقة لكيفية حدوث ذلك — دفعة من حشد متدافع، أو محاولة أبي العودة للبحث عن أمي بينما ظن أنني تبعت مجموعة أخرى من العائلات الهاربة نحو مكان آمن. كل ما أذكره هو أنني، في لحظة واحدة، وجدت نفسي وحيدًا وسط زقاق ضيق بين بيتين، أستمع لأصوات الصراخ والانفجارات المتقطعة من مسافة أقرب مما كنت أتمناه.

توقفت للحظة، أحاول تهدئة أنفاسي، وأستحضر كل تدريبي على السيطرة العقلية الذي مارسته لسنوات. الذعر لا يحل مشكلة. الذعر يعطّل التفكير المنهجي بالضبط في اللحظة التي تحتاجه فيها أكثر من أي وقت آخر.

حاولت استخدام إحساسي الأولي بالطاقة — تلك القدرة المحدودة التي طوّرتها على مدى سنوات — لتحديد مواقع أمي وأبي وسط هذه الفوضى. لكن النطاق المحدود لهذه القدرة، والكم الهائل من مصادر الطاقة المضطربة المتحركة في كل اتجاه بسبب الذعر الجماعي، جعل المحاولة شبه عديمة الجدوى. شعرت بإحباط حاد، ربما للمرة الأولى بهذا الوضوح، أمام حدود قدراتي الحقيقية.

قررت التحرك نحو مصدر الصراخ الأقل كثافة، على أمل أن أجد طريقًا أكثر أمانًا نحو أطراف القرية، حيث ربما لجأ الناس الهاربون. لكن بينما كنت أتحرك بحذر بين الأزقة الضيقة، رأيت، لأول مرة بوضوح، أحد المهاجمين.

كان يرتدي ملابس داكنة بسيطة، بلا شارة واضحة تدل على انتمائه، ووجهه مغطى جزئيًا بقناع خشن. كان يقف على بعد أمتار قليلة مني، يواجه رجلاً من القرية — أحد الحراس المحليين البسطاء الذين لا يملكون تدريبًا نينجاويًا حقيقيًا، بل مجرد شجاعة يائسة وسلاح بدائي.

انتهت المواجهة بسرعة مروّعة. لم أستطع حتى تسجيل تفاصيل الحركة بوضوح كافٍ — كانت سريعة جدًا، عنيفة جدًا، بعيدة كل البعد عن أي شيء تخيلته حين كنت أراقب ذلك النينجا الودود قبل سنوات في رحلته العابرة عبر قريتنا. سقط الحارس على الأرض، ولم ينهض.

تجمّد جسدي للحظة، بينما استمر عقلي، بشكل تلقائي تقريبًا، في تسجيل كل التفاصيل بدقة باردة تقريبًا تفاجأت بها بنفسي حتى في تلك اللحظة: سرعة الحركة، زاوية الضربة، غياب أي تردد لدى المهاجم. جزء مني، ذلك الجزء الذي لم يتوقف يومًا عن كونه باحثًا حتى في أحلك اللحظات، كان يلاحظ ويحلل حتى وسط الرعب الخالص.

لكن جزءًا آخر مني، الجزء الأكثر بدائية وإنسانية، كان يصرخ بصمت: اهرب.

تراجعت ببطء، محاولًا ألا أُحدث أي صوت قد يلفت انتباه المهاجم، لكن قدمي اصطدمت بشيء — ربما حجر، أو قطعة خشب متساقطة — وأحدثت صوتًا خفيفًا كفى لجذب انتباهه نحوي.

نظر إليّ مباشرة، وللحظة واحدة، طويلة بشكل لا يُحتمل، تلاقت عيوننا.

لم أنتظر أكثر من ذلك. اندفعت جريًا بأقصى سرعة يسمح بها جسدي الصغير، مستخدمًا، للمرة الأولى في موقف حقيقي وليس تدريبًا، كل ما تعلمته عن توجيه الطاقة لتعزيز سرعتي وقوة عضلاتي. شعرت باندفاع غريب في ساقيّ، دفعة إضافية من القوة لم أختبرها من قبل بهذه الحدة، ناتجة عن مزيج من الخوف الخالص والطاقة الموجَّهة بشكل غريزي غير محسوب.

سمعت خطوات خلفي، أسرع من خطواتي، تقترب بثبات مخيف.

اندفعت عبر أزقة القرية الضيقة، أتخذ منعطفات عشوائية بلا خطة واضحة، فقط بدافع البقاء الغريزي البحت. كل تفكيري المنهجي، كل قدرتي على التحليل الهادئ، تراجعت أمام موجة خام من الذعر لم أختبر مثلها منذ استيقظت في هذا الجسد قبل سنوات.

وصلت أخيرًا إلى منطقة أعرفها جيدًا — حافة القرية القريبة من بئر قديم متروك، لم يعد يُستخدم منذ سنوات بعدما جفّ مصدره الأساسي، لكنه بقي في مكانه، محاطًا بجدار حجري منخفض متهالك جزئيًا.

كنت أعرف هذا المكان جيدًا من تجواني المعتاد في أطراف القرية خلال سنوات طفولتي. عرفت أن هناك ممرًا ضيقًا خلف البئر يقود إلى منطقة أشجار كثيفة يمكن أن أختبئ فيها. اندفعت نحوه.

لكن، وأنا أحاول الالتفاف حول حافة البئر في عتمة الليل الجزئية، تعثرت قدمي بحجر بارز لم ألاحظه، وفقدت توازني تمامًا.

حاولت، في جزء من الثانية، استخدام أي شيء تعلمته لاستعادة توازني، لكن الدفعة كانت قوية جدًا، والحافة الحجرية المتهالكة للبئر لم تصمد أمام وزن اصطدامي بها.

سقطت.

لم يكن السقوط عميقًا بالمعايير المطلقة — البئر لم يكن هائل العمق أصلًا بعد جفافه الجزئي وتراكم الأنقاض في قاعه على مر السنين — لكنه كان كافيًا لأشعر بألم حاد حين اصطدم جسدي بقاع غير مستوٍ مليء بحجارة وأنقاض متناثرة.

اصطدمت بشيء حاد أثناء السقوط — حافة حجر أو قطعة معدنية صدئة متروكة في القاع، لم أستطع تحديدها بدقة في تلك اللحظة — وشعرت بألم حارق ينتشر من جانبي الأيسر، تحت ضلوعي مباشرة.

استلقيت للحظة، مصدومًا، غير قادر على الحركة فورًا، أستمع لصدى صراخي الداخلي أكثر من أي صوت خارجي. حين حاولت أخيرًا أن أتحرك، شعرت بسائل دافئ يتسرب تحت يدي التي وضعتها غريزيًا على مكان الألم.

دم.

نظرت إلى يدي في العتمة الجزئية، أرى اللون الداكن يلطخ أصابعي. عقل الطبيب فيّ — ذلك الجزء من ذاكرتي القديمة الذي لم يفارقني يومًا رغم كل شيء — استيقظ فورًا رغم الصدمة، بدأ يقيّم الوضع بأكبر قدر ممكن من البرود رغم الظروف: عمق الجرح، موقعه، احتمال إصابة أي عضو حيوي.

بقدر ما استطعت تقييمه في تلك الظروف القاسية، بدا الجرح عميقًا لكنه على الأرجح لم يصب عضوًا حيويًا مباشرة — نزيف حاد لكن ليس بالضرورة قاتلًا فورًا، بشرط أن أتمكن من إيقافه أو الحصول على مساعدة في وقت معقول.

بدأت، بيد مرتجفة، أحاول تطبيق أول محاولة حقيقية لاستخدام النين الطبي البدائي الذي درّبت نفسي عليه لأشهر، موجّهًا كل ما تبقى من طاقتي المستنزفة أصلًا من الهروب والذعر نحو الجرح مباشرة، محاولًا إبطاء تدفق الدم بأي وسيلة أعرفها.

لم يكن الأمر يشبه أي تدريب سابق مارسته على جروح بسيطة سطحية. الألم كان حقيقيًا، حادًا، يجعل التركيز صعبًا للغاية، والطاقة المتبقية لديّ كانت شحيحة بشكل مقلق.

مع ذلك، وبقدر ما أذكر من تلك اللحظات الضبابية المؤلمة، شعرت بتحسن طفيف — ليس شفاءً كاملًا بأي حال، لكن إبطاءً ملحوظًا لسرعة النزيف، كافيًا ربما لمنحي وقتًا إضافيًا ثمينًا.

استلقيت في قاع البئر المظلم، أستمع لأصوات الفوضى المستمرة من بعيد فوقي — صراخ، وصوت اشتباكات متقطعة، وأحيانًا صمت مروّع يعقبه انفجار مفاجئ آخر — غير قادر على الحركة بسهولة، وغير متأكد إن كان أي شخص سيجدني في هذا المكان المنسي قبل أن يستنزفني النزيف بالكامل أو يجدني أحد المهاجمين الباحثين عن ضحايا هاربين.

في تلك اللحظات، وأنا معلّق بين وعي متذبذب وألم حاد، وجدت نفسي أفكر بشكل غريب، حتى بمنطق الباحث البارد نفسه الذي رافقني طوال هذه السنوات: إن كان هذا هو الموت، الموت الثاني في حياة واحدة غريبة عشتها بوعيين مختلفين، فما هي احتمالات أن يحدث شيء مشابه مرة أخرى؟ فكرة عبثية تقريبًا، لكنها الفكرة الوحيدة التي منعتني من الاستسلام الكامل لليأس في تلك اللحظة.

لا أعرف كم من الوقت مرّ بالضبط وأنا مستلقٍ هناك، بين وعي ولا وعي، أحاول الحفاظ على تركيزي المتناقص على إبطاء النزيف بقدر ما تسمح طاقتي المستنزفة. شعرت، في مرحلة ما، بشيء غريب يحدث في داخلي — إحساس مختلف تمامًا عن أي شيء اختبرته من قبل خلال سنوات تدريبي.

كان الأمر أشبه بشعور دافئ غريب ينتشر من مكان الجرح تحديدًا، لا علاقة له بمحاولتي الواعية لتوجيه النين الطبي. شعرت، للحظة عابرة قبل أن يغرقني الإعياء الكامل في ظلام تام، وكأن شيئًا ما، عميقًا في داخلي، استيقظ فجأة استجابة لهذا الجرح تحديدًا، لهذا النزيف تحديدًا، كأن الدم نفسه كان مفتاحًا لباب لم أكن أعرف أصلًا بوجوده.

لم أفهم في تلك اللحظة معنى هذا الشعور الغريب. كل ما استطعت إدراكه، قبل أن يبتلعني الظلام الكامل، كان إحساسًا واضحًا لا لبس فيه: شيء تغيّر للتو في داخلي، شيء لم يكن موجودًا — أو لم يكن مستيقظًا على الأقل — قبل تلك اللحظة بالضبط.

استيقظت لاحقًا — لا أعرف بعد كم من الوقت بالضبط — على صوت أصوات بشرية قريبة، وأضواء مشاعل تتراقص فوق حافة البئر. سمعت صوتًا يناديني باسمي، صوتًا أعرفه جيدًا رغم بحّته من شدة القلق والبكاء.

أمي.

حاولت أن أجيب، لكن صوتي خرج أضعف مما توقعت، مجرد همهمة خافتة بالكاد تصل لأذنيّ أنا نفسي. لكنها، بطريقة ما، سمعتها، أو ربما كان أحد المرافقين معها من حرّاس القرية الناجين هو من لاحظ حركتي الطفيفة في عتمة القاع.

تبع ذلك ضجيج من الأصوات، وحبال تُلقى نحوي، وأيدٍ قوية تسحبني بحذر من قاع البئر نحو السطح، بينما كان الألم يتصاعد مجددًا مع كل حركة، لكنه كان، بطريقة غريبة، ألمًا مطمئنًا، لأنه يعني أنني ما زلت حيًا لأشعر به.

حين وصلت أخيرًا إلى السطح، رأيت وجه أمي فوقي، ملطخًا بالدموع والغبار، ووجه أبي بجانبها، شاحبًا لكنه سليم دون إصابات ظاهرة تُذكر.

لم أستطع رؤية الكثير بعد ذلك بوضوح — الإعياء والألم المشترك سحباني مرة أخرى نحو حافة الوعي — لكنني أذكر جملة واحدة قالتها أمي، بصوت مرتجف بين البكاء والارتياح، وهي تحتضنني بحذر شديد كي لا تؤذي جرحي:

"لقد وجدناك. أنت بخير الآن. أنت بخير."

لم أكن متأكدًا تمامًا، في تلك اللحظة الغائمة بين الألم والإعياء، إن كانت هذه الكلمات صحيحة تمامًا. جسدي كان مصابًا بشدة، القرية التي عرفتها طوال حياتي في هذا الجسد كانت مشتعلة جزئيًا خلفنا، وشيء غريب، غير مفهوم بعد، كان قد استيقظ للتو في مكان عميق داخل جسدي، ينتظر، بصمت، اللحظة التي سأبدأ فيها بفهم حقيقته الكاملة.

لكنني، رغم كل ذلك، سمحت لنفسي أخيرًا بالاستسلام للظلام المطمئن، محاطًا بأذرع أمي، وصوت أبي القلق يتحدث بسرعة مع أحد حراس القرية عن ضرورة نقلي فورًا لأقرب مكان يمكن أن يقدّم علاجًا حقيقيًا يفوق قدراتي البدائية على الشفاء الذاتي.

كانت تلك الليلة، بكل ما حملته من رعب ودم وفقدان، نهاية فصل كامل من حياتي في تلك القرية الهادئة. لم أكن أعرف بعد، وأنا أفقد وعيي تمامًا أخيرًا، أن ما استيقظ في داخلي تلك الليلة، عند حافة ذلك البئر المنسي، سيغيّر مسار حياتي بالكامل، بطريقة لم أكن لأتخيلها حتى في أكثر فرضياتي البحثية جرأة.

2026/08/16 · 13 مشاهدة · 2201 كلمة
نادي الروايات - 2026