4 - العزاة والتجربة الاولى

بلغت العاشرة من عمري، وكنت قد أصبحت أكثر براعة في السيف. التدريبات اليومية التي خضعت لها مع هيروشي بدأت تؤتي ثمارها، وأصبحت أستطيع التحكم بحركات السيف بشكل أفضل. لم يكن الأمر سهلاً في البداية، لكنني أصررت على الاستمرار، وأصبح السيف شيئًا لا غنى لي عنه.

في يوم من الأيام، قرر هيروشي أن يخضعني لاختبار جديد. أخذ مني عينة من دمي، وقال إنه يريد أن يجري بعض التجارب ليعرف أكثر عن القوة الداخلية التي تمتلكها، خصوصًا بعد أن لاحظ أنني أملك نوعًا غريبًا من الطاقة التي لا يستطيع أن يفهمها بالكامل. "الوقت حان لاكتشاف الحقيقة، رينجي." قال لي بينما هو يملأ الأنبوب الدموي. "قد تكون هذه خطوة مهمة لمعرفة من أنت حقًا."

لكن في أعماقي، كنت أعلم أنني لست بحاجة لتفسير علمي لما أنا عليه. كنت أبحث عن شيء آخر، شيئًا يمكن أن يملأ الفراغ الذي شعرت به دائمًا. كان من الواضح أن هيروشي كان مشغولًا بتجاربه أكثر من كونه مهتمًا بمشاعري أو بما أحتاجه في تلك اللحظة.

التجربة الأولى في الخارج

في أحد الأيام، قررت أن أغادر مكان تدريبنا. شعرت بأنني بحاجة إلى الخروج إلى العالم، إلى أن أواجهه بنفسي. كان لدي فضول لا يوصف عن الحياة خارج الغابة التي عشت فيها طيلة سنوات. خرجت من المنزل صغير الحجم الذي كنت أعيش فيه، تاركًا خلفي العالم الذي بناه هيروشي لي، أبحث عن شيء جديد.

توجهت إلى القرية، وهناك بدأت أشعر بشيء غريب. كان كل شيء يبدو غير مألوف، وكان الناس هناك يتعاملون معي بنظرات فضولية. لكن، لم يكن ذلك أسوأ ما واجهته. فقد قابلت مجموعة من الأطفال في ساحة القرية. كانوا يلوحون بأيدهم ويضحكون بصوت عالٍ عندما رأوني. بدأ أحدهم يتحدث لي بسخرية.

"انظروا، إنه الفتى الذي لا يملك سحرًا!" قال أحدهم بنبرة ساخرة. "هل تظن أنه يستطيع أن يفعل شيئًا؟"

ثم بدأ الآخرون في السخرية مني أيضًا. كانوا يسخرون من ملابسي البسيطة، من شكلي، وحتى من سلوكي الذي بدت عليه غربة عنهم. كنت أعلم أنني لست مثلهم. لكن ما لم أكن أتوقعه هو أن أحدهم، وهو الأكبر بينهم، تحداني بشكل مباشر.

"هل تريد أن تظهر لنا ما تستطيع فعله، يا فتى؟" قال وهو يتقدم نحوي. كان يحمل سيفًا صغيرًا في يده، ويبدو أنه كان يمارس القتال بالسيف مع أصدقائه. "لنرَ إن كنت تستطيع أن تقاومني."

كان تحديًا صريحًا. في البداية، شعرت بشيء من الخوف. لم أكن قد قاتلت أحدًا بهذه الطريقة من قبل. لكنني تذكرت تدريبات هيروشي، وتذكرت كلماته: "القوة ليست فقط في السيف، بل في الإرادة."

"إذا كان ذلك ما تريد، فلتكن مبارزة." أجبت، محاولًا أن أبدو هادئًا رغم شعوري بالقلق. كنت أعلم أن هذه فرصة لإثبات شيء لنفسي، وأيضًا للجميع.

المبارزة

بدأنا المبارزة في ساحة القرية الصغيرة. كانت الحشود تراقبنا من بعيد، وبعضهم كانوا يضحكون ويهتفون. كانت ضربات سيفه سريعة وقوية، لكنني كنت أراقب بعناية. تذكرّت ما قاله هيروشي مرارًا: "ركز على خصمك، ولا تشتت انتباهك." كنت أتحرك بحذر، أترقب كل حركة له، وأبحث عن اللحظة المناسبة للضربة.

وبعد لحظات من الدفاع عن نفسي، وأثناء تأهبه للضربة التالية، فجأة وبتحرك سريع، وجهت ضربة مباشرة إلى سيفه، مما دفعه إلى التراجع بسرعة. في تلك اللحظة، تمكنت من خداعه بحركة سريعة وأصبت ذراعه، مما أسقط السيف من يده.

كانت لحظة مذهلة بالنسبة لي. في البداية، وقف الجميع في صمت، ثم انفجروا بالتصفيق والتهليل. لم أصدق ما حدث. لقد هزمته، دون أن أكون قد شعرت بالخوف أو التردد. هذا التحدي البسيط الذي يبدو تافهًا، جعلني أشعر لأول مرة بأنني قادر على شيء ما.

الفرحة والانتصار

"لا بأس، يا فتى." قال المتنمر وهو يمسح وجهه وهو ينهض من الأرض. "لقد فزت هذه المرة. لكن تذكر، المعركة الحقيقية تبدأ من هنا."

لم أستطع أن أخفي ابتسامتي. "أعتقد أنني لست كما كنت تتصور." قلت له.

بينما كان الآخرون يبتعدون، كان شعور من الفخر يغمرني. لم يكن مجرد فوز بالسيف، بل كان انتصارًا على الشكوك التي كانت تراودني طوال السنوات الماضية. لم أعد أشعر بأنني فتى لا قيمة له، لا أستطيع أن أنتمي إلى أحد.

ولكن مع مرور الوقت، بدأت أدرك أن هذه المبارزة لم تحل المشكلة الحقيقية. رغم فوزي، كنت لا أزال وحيدًا. كانت تلك الهزيمة بالنسبة لي علامة على أنني لم أتمكن من تكوين أي صداقات حقيقية. في ذلك اليوم، عندما رجعت إلى المنزل، أدركت أن ما فقدته ليس مجرد تحدٍ أو مبارزة، بل هو شيء أعمق: كنت أفتقر إلى الأصدقاء.

التدريب المستمر

على الرغم من انتصاري في المبارزة، لم يتغير شيء. واصلت تدريباتي، ولم أكن أبحث فقط عن قوة السيف، بل عن شيء آخر أعمق. كنت أريد أن أجد من أكون. كنت أرغب في أن أكون قويًا، ولكن ليس فقط في القتال، بل في الحياة أيضًا.

مرّت الأيام، واستمر هيروشي في توجيهي وتعليمي. كنت أعتقد أنني إذا تدربت أكثر، سأصبح قويًا بما يكفي لأحصل على ما أريد. في تلك اللحظات، كنت أشعر بأنني بحاجة إلى شيء أكثر من مجرد القوة. كنت أحتاج إلى مكان لي، إلى شخص يفهمني.

وبينما كنت أواصل تدريبي، وأصبحت أكثر براعة في السيف، كنت أتساءل عن معنى القوة الحقيقية. هل هي في القدرة على القتال؟ أم في القدرة على العيش بسلام مع الآخرين؟

العمل الجديد ومسؤوليات الحياة

مع مرور الوقت، أصبح عمري أربعة عشر عامًا. بدأت أعيش حياة أكثر مسؤولية. هيروشي، رغم تدريبه المستمر لي على السيف وتوجيهه لي في مجالات عديدة، كان دائمًا ما يؤكد لي أنه لا يمكن الاعتماد على السيف فقط في الحياة. "لا يمكنك أن تبني حياتك كلها حول السيف، رينجي." كان يقول دائمًا. "القوة الحقيقية تأتي من القدرة على التكيف مع العالم، ولتحقيق ذلك، يجب أن تتعلم كيف تكسب قوتك بطرق أخرى."

لذلك، في أحد الأيام، طلب مني هيروشي أن أساعد في العمل في أحد الحقول المجاورة للقرية. كان هذا العمل بسيطًا، ولكنه مهم. "إذا كنت ترغب في أن تكون شخصًا متوازنًا، يجب أن تتعلم العمل الشاق، لا أن تبقى محصورًا في سيفك فقط." قال لي وهو يرمقني بنظرة تأملية.

كانت البداية صعبة. لم أكن معتادًا على العمل الزراعي أو أي نوع من الأعمال البدنية الأخرى. كانت يدي تتألم من الحفر في الأرض، وظهري كان يعاني من الانحناء المستمر. لكن شيئًا ما في داخلي كان يخبرني أن هذا هو ما يجب علي فعله. تعلمت كيفية زراعة المحاصيل، جني الثمار، وحصد الحبوب. ومع مرور الوقت، أصبح العمل أساسيًا في حياتي.

البلوغ والتغيير الداخلي

في سن الرابعة عشرة، بدأت أدرك التغييرات التي تحدث داخلي. لم يكن الأمر مجرد تطور جسدي، بل كان هناك شيء أعمق. كنت أشعر بأنني نضجت، وأنني بدأت أفهم جوانب الحياة التي لم أكن ألاحظها من قبل. كانت تلك الفترة مليئة بالأسئلة حول من أنا حقًا، وما الذي أريد أن أفعله في هذا العالم.

بدأت ألاحظ كيف أن جسدي قد بدأ يتغير. أصبحت أكثر قوة، وحركاتي أكثر مرونة. لم يكن ذلك مجرد أثر للتدريبات اليومية على السيف، بل كان التغيير الأعمق في نفسي، في شخصيتي. بدأت أكتشف كيف يمكنني التحكم في أفكاري ومشاعري بشكل أفضل.

كان العمل في الحقول يقويني ويعلمني التحمل والصبر. كنت أرى كيف أن الأرض تنتج ما تزرعه، كيف أن كل شيء يحتاج إلى وقت حتى ينمو بشكل صحيح. في بعض الأحيان، كنت أفكر في حياتي بهذا الشكل. ربما كانت سنواتي الأولى في الحياة تشبه تلك الحقول، مليئة بالعثرات والظلام، ولكن مع مرور الوقت، بدأ شيء ما ينمو بداخلني. كان هناك أمل في داخلي، وأنا بدأت أؤمن بأنني قادر على تغيير مصيري.

التفاعل مع الآخرين

لكن رغم عملي الشاق وتطوري، لم أتمكن من الهروب من الوحدة التي كانت ترافقني. كنت دائمًا محاطًا بالغرباء. كانت معظم العلاقات التي أتمتع بها سطحية، وكان الأطفال الذين كنت ألتقي بهم في القرية لا يتجاوزون السخرية والتهكم مني. لم يكن لدي أصدقاء حقيقيون، وكان ذلك يؤلمني كثيرًا.

لكنني بدأت ألاحظ شيئًا غريبًا في نفسي. لم أعد أشعر بالضعف كما في الماضي. كانت تلك الأيام التي أمضيتها في التدريب بالسيف، والعمل في الحقول، والتأمل في حياتي، تمنحني شيئًا جديدًا: عزيمة لم أكن أمتلكها من قبل.

في أحد الأيام، بينما كنت أساعد هيروشي في بناء جزء من منزله، سألني بجدية: "هل فكرت فيما تريد أن تفعله في المستقبل؟"

نظرت إليه بصمت، لأنني كنت قد فكرت في هذا السؤال مرارًا. "لا أستطيع أن أقول إنني أعرف بالضبط، هيروشي." قلت أخيرًا. "لكني أعلم أنني لا أريد أن أكون كما كنت في الماضي. أريد أن أجد مكانًا لي في هذا العالم."

"وستجد مكانك." قال هيروشي بابتسامة خفيفة، وهو يضع يده على كتفي. "لكن تذكر، لا يتعلق الأمر بالقوة فقط. بل بما تفعله بتلك القوة."

البلوغ في ساحة التدريب

وبينما كنت أواصل تدريباتي على السيف، كنت ألاحظ كيف أن قوتي تتطور ليس فقط في جسدي، بل في عقلي أيضًا. بدأت أفهم أكثر كيف يمكنني استخدام السيف ليس فقط كأداة قتال، ولكن كوسيلة لحماية الآخرين، ولإيجاد السبل التي قد تساعدني على تغيير مجرى حياتي.

كانت تلك السنوات من العمل والتدريب تمثل مرحلة نضج بالنسبة لي. بينما كان الجميع من حولي يواصلون حياتهم في القرية، كنت أنا أحاول أن أجد توازني الداخلي، وأبحث عن معنى حقيقي لوجودي.

في أحد الأيام، بينما كنت أتمرن في ساحة التدريب مع سيفي، شعرت بشيء غير عادي. كانت حركاتي أكثر دقة، وكانت تحركاتي أكثر سلاسة مما كانت عليه في أي وقت مضى. كان ذلك بمثابة علامة على أنني قد وصلت إلى مرحلة جديدة في حياتي. كنت الآن قادرًا على التحكم في سيفي بشكل أفضل، ولكن الأهم من ذلك، كنت قد بدأت أستطيع التحكم في نفسي بشكل أفضل.

الانتقال إلى مرحلة جديدة

في تلك الفترة، أصبح لدي شعور مختلف حيال العالم من حولي. لم يكن الأمر مجرد تعلم السيف أو العمل في الحقول. كانت هذه كلها طرق لفهم نفسي بشكل أعمق. ولكن كان لدي الآن شيء جديد في حياتي: إدراك أن القوة ليست في تجنب الألم أو الهروب من الوحدة، بل في مواجهة تحديات الحياة بكل شجاعة وثقة.

مع مرور الوقت، أصبحت أكثر نضجًا. بدأت أتصالح مع فكرة أنني

قد لا أكون شخصًا عاديًا مثل الآخرين، لكنني أستطيع أن أكون شيئًا مختلفًا. شيئًا قويًا.

2025/04/02 · 3 مشاهدة · 1547 كلمة
Imad djelouli
نادي الروايات - 2025