عندما خرجت مسرعًا من المختبر بعد الحادثة المأساوية، لم أكن أعرف إلى أين أذهب. كنت في حالة من الفزع، والجميع حولي قد اختفى في غياهب الظلام الذي سيطر على حياتي في تلك اللحظة. كانت قدميَّ ترتجفان، وكان قلبي يضرب في صدري بسرعة غير طبيعية. كانت الدماء التي رأيتها، وموته المفاجئ، تتردد في ذهني وكأنها كابوس لا ينتهي. عينيَّ امتلأت بالدموع، لكنني لم أستطع إيقافها.
ركضت بلا هدف، متخبطًا بين الشوارع المظلمة. لم أكن أملك فكرة واضحة عن أين سأذهب أو ماذا يجب أن أفعل. كل شيء كان ضبابيًا، وكل ما كنت أتمناه هو أن أعود إلى تلك اللحظة التي كنت فيها مع هيروشي في المختبر، حيث كانت حياتي أكثر وضوحًا، وأقل فوضوية.
لكنني استمررت في الركض، حتى وصلت إلى قرية نائية كانت تبعد عن المختبر. لم أكن أملك المال، ولا حتى الطعام. الجوع كان يضغط عليّ بشدة، لكنني لم أكن مهتمًا. أحتاج فقط إلى مكان أستطيع أن أختبئ فيه بعيدًا عن العالم.
عثرّت على حضيرة قديمة في أطراف القرية. كان المكان هادئًا، والهواء البارد يملأه. تسللت إليها ودخلت، ورميت نفسي على التبن المتناثر على الأرض. لم أستطع التوقف عن التفكير في هيروشي، وفي تلك اللحظة التي رأيته فيها ينهار أمام عينيّ. كيف يمكن أن أعيش دون أن يكون هنا؟ كيف سأواجه هذا العالم وحيدًا؟
كنت أراقب الأنبوب الصغير الذي أعطاني إياه هيروشي، والذي كان يحتوي على المادة السوداء. تلك الكلمات التي قالها قبل وفاته كانت تتردد في ذهني: "أنت الوحيظ الذي سيغير العالم." لم أكن أعرف ماذا يعني ذلك، لكنني كنت أشعر بأنني مضطر لاكتشافه. في تلك اللحظة، شعرت بأنني لا أملك خيارًا آخر سوى أن أستمر في الحياة، مهما كانت مؤلمة.
شعرت بحاجة ملحة لتناول السائل الموجود في الأنبوب، ففتحت الغطاء وناولته إلى فمي. لم أتردد في شربه، رغم أنني لم أكن أعلم ما الذي سيحدث لي بعد ذلك. بمجرد أن ابتلعته، شعرت بحرارة تنتشر في جسدي. كانت هناك طاقة غريبة تتدفق في عروقي، كأنني كنت أستمد قوة غير طبيعية من أعماق ذلك السائل. ثم، سرعان ما غلبني النوم، وكان كل شيء يغرق في الظلام.
---
شهر من الوحدة
استفاقت في اليوم التالي، وكان جسدي مختلفًا. شعرت وكأنني أكثر قوة، أكثر يقظة. كانت الحواس لديّ أكثر حدة، وكان جسدي يبدو أكثر تحملاً. لكن ما كانت تعنيه تلك التغيرات لم أكن أعرفه بعد. كان ذلك السائل قد منحني شيئًا غريبًا، أو ربما كان مجرد تأثير عارض نتيجة لما حدث في تلك اللحظة.
مرت الأيام سريعًا، وكل يوم كنت أعيش فيه كان مليئًا بالمشاعر المتضاربة. لم أعد أستطيع العودة إلى حياتي السابقة، فقد اختفى هيروشي فجأة، ولم يعد هناك من يوجهني أو يرشدني.
كان عليّ أن أتكيف مع هذه الحياة الجديدة التي فرضت عليّ. بدأنا أبحث عن طرق لكسب قوت يومي، ولم يكن الأمر سهلاً. في البداية، كنت أتسول في القرية المجاورة، أتمنى أن أتمكن من جمع ما يكفي من الطعام للبقاء على قيد الحياة. لكنني أدركت بسرعة أنني لا أستطيع أن أعيش هكذا إلى الأبد.
ثم قررت أن أبدأ بالعمل في الزراعة، رغم أنني لم أكن خبيرًا فيها. كنت أساعد الفلاحين في الحقول، أقوم بحصد المحاصيل وتنظيف الأرض، وأحيانًا كنت أساعد في بناء المنازل أو إصلاح الأشياء التالفة. كانت أيام العمل طويلة، وكان جسدي يتعب بسرعة، لكنني كنت أجد الراحة في التفكير بأنني على الأقل قادر على أن أكسب رزقي بنفسي.
لم تكن الحياة سهلة، وكان الألم يرافقني في كل لحظة. لكن، كما كنت أفعل دائمًا، استمررت. كنت بحاجة إلى الاستمرار.
كلما عملت في الحقول أو بين الناس في القرية، شعرت بأنني أبتعد أكثر عن ذلك العالم الذي كان يتضمن هيروشي وأبحاثه، لكنني في الوقت نفسه كنت أشعر بأنني أقترب شيئًا فشيئًا من فهم الغموض الذي كان يحيط بحياتي. كنت أجد نفسي أحيانًا أفكر في الكلمات التي قالها هيروشي لي قبل وفاته: "أنت الوحيظ الذي سيغير العالم." كانت تلك الكلمات تحترق في ذهني، وكأنها تشير إلى شيء كبير كان ينتظرني.
---
تغيرات جسدية وغرابة الحياة الجديدة
أمضيت الشهر الأول في هذه الحالة، والوقت كان يمر ببطء شديد. كانت التغيرات في جسدي تزداد وضوحًا. شعرت بالقوة التي لا أستطيع تفسيرها، وكان سلوكي يختلف عن الماضي. أصبحت أكثر يقظة، وأكثر قدرة على التركيز. وكان جسدي أكثر تحملاً للألم، وكانني لا أتعب بسهولة كما كنت في الماضي.
لكن على الرغم من التغيرات التي شعرت بها في جسدي، كنت أشعر بشيء غريب في داخلي. كانت روحي مرتبكة، وكان عقلي مشوشًا. لم أعد أعرف ما يجب أن أفعله. كان هناك شعور بالوحدة يعصر قلبي في كل لحظة. كان هيروشي هو من علمني كيف أعيش، كيف أقاتل، وكيف أكون قويًا. والآن، كان عليّ أن أكتشف ذلك بنفسي.
كنت أستمر في العمل، لكن شيئًا ما كان يوشك على الانفجار في داخلي. وكلما فكرت في الأنبوب الذي شربته، وفي تلك الكلمات الغامضة التي قالها لي هيروشي، أدركت أن حياتي لم تعد كما كانت من قبل. كانت هناك قوى مظلمة تتراقص في الأفق، وتنتظر لحظة الانفجار