الفصل 3 : نهاية اليوم الأول

///////

​رائحة الكتب القديمة تفوح في الأرجاء.

كنت في غرفة صغيرة، كان أثاثها قديم لكنه نظيف ومرتب، أبرز ما فيها خزانة كتب ضخمة تستند إلى الجدار الأيسر.

​قام العمدة، الذي عرفت أن اسمه "هادي"، باصطحابي إلى هذا المكان؛ لقد كانت غرفة القراءة في منزله.

لم يكن الأمر مجرد مراعاة، بل سرعان ما بدأ باستجوابي.

لم أجب بشكل محدد، تظاهرت بالحيرة وأجبت بطريقة مبهمة.

​— من أين أتيت؟

— لا أعرف.. لا أتذكر. وجدت نفسي فجأة على الشاطئ.

— أي شاطئ؟ وفي أي جانب من الجزيرة؟

— لا أعرف، بدا شاطئاً عادياً.. رمال صفراء، صخور، وبعض الأغصان والطحالب التي جرفتها الأمواج.

​"شاطئ عادي ورمال صفراء فقط؟" تحدث "يحيا" بسخرية واضحة.

​لم يسمح العمدة لأحد من سكان القرية بالدخول، لا احد إلا "يحيا" الذي كان يرافقه.

منذ البداية، لم يكن ذلك الصياد الثلاثيني يبدو راضياً؛ كان ينظر إليّ بشك، شعرت بنظراته تمزقني كأسد يستعد للانقضاض، لكنني حافظت على هدوئي وحاولت الرد بثبات: "نعم، شاطئ عادي".

​تنهد العمدة قبل أن يبتسم قائلاً: "لقد فهمت.. يمكنك البقاء هنا".

نظر يحيا للعمدة بصدمة: " ستتركه يبقى؟ "

" لا تقلق " ربت العمدة على كتف يحيا قائلاً: " إنه مجرد شاب ضائع".

​أغمضت عيني وتنفسّت بارتياح، لكنني سرعان ما شعرت بموجة من القشعريرة تمر عبر جسدي.

عندما رفعت جفني بسرعة ، وجدت عين "يحيا" تحدق نحوي.

كان غاضباً ولم يكن يحاول إخفاء ذلك.

خطى خطوة للأمام وقال بصوت منخفض: "افعل شيئاً أحمق، وستندم لبقية حياتك".

​" هذا يكفي! " تدخل العمدة بلهجة حازمة.

تراجع يحيا للخلف، لكنه بقي يحدق نحوي كنوع من التحذير الصامت.

لماذا يبدو غاضباً إلى هذا الحد؟ هل هناك سبب خفي، أم أنني أتخيل فقط؟

​في الخارج، كان سكان القرية ينتظرون ؛ قرار العمدة سيحدد ما سيحدث تالياً.

بعضهم كان متعاطفاً، لكن الغالبية العضمى وقفة بجانب يحيا، ربما لأنهم حذرون، ولكن في الغالب بسبب كاريزمته وقوته.

البعض الآخر لم يظهر اهتماماً خاصاً، بل مجرد ترقب، نظراتهم كانت تحمل نوعاً من المتعة والتسلية، كمشاهد يقف أمام شاشة التلفاز، أو قارئ يقلب صفحات كتاب فجأة ويجد حدثاً مثيراً.

​عندما خرج العمدة، توجهت العيون نحوه؛ كانت جميعها تحمل جوعاً مشتركاً: نريد أن نعرف .

​"الشاب يحتاج لمأوى. هل يتطوع أحدكم لاستضافته؟" ابتسم العمدة بلطف.

​حل صمت غريب.

بعض بلداء العقل احتاجوا وقتاً لفهم المقصد، ومن فهموا الأمر كانوا إما رافضين أو مترددين.

لكن رجلاً عجوزاً ذا لحية قصيرة وعيون زرقاء سماوية تحرك بجسده العضلي للأمام. ابتسم العمدة قائلاً: "ضرغام".

​"هادي،" رد ضرغام تحية العمدة بإيجاز، قبل أن يستدير نحوي.

​(لماذا يحدق الجميع في وجهي بغضب؟) فكرت داخلياً بانزعاج، بينما رسمت ابتسامة مؤدبة على وجهي. سألني ضرغام: "قلت إنك ستعمل بجد؟"

أومأت برأسي.

بقي تعبير ضرغام غير مفسر ؛ لم أفهم إن كان غاضباً، أم يتظاهر بذلك، أم أن هذا هو شكل وجهه الطبيعي، لكنه قال أخيراً: "لقد أصبحت عجوزاً وبالكاد أقوى على قطع الخشب. سأطلب منك مساعدتي في ذلك، وفي المقابل سأمنحك غرفة في منزلي وبعض الطعام".

​نظرت نحو الرجل العجوز محافظاً على ابتسامتي بصعوبة.

بالنظر إلى جسده العضلي، لا يمكنني القول إنني أعتقد أن ضرغام يكذب.. لا، بل كنت متأكداً أنه يكذب.

​(ناهيك عن قطع الخشب، أنا متأكد أنك لن يواجه مشكلة في اقتلاع شجرة كاملة وجرها لداخل منزلك ) فكرت بسخرية، لكنني قبلت عرضه.

السبب بسيط: مهما نظرت حولي، لم يبدُ أن أحداً غيره سيتقدم. وإذا رفضت عرضه، سيكون ذلك فظاً، والأهم أنه سيجعل نظرة السكان لي تسوء أكثر.

رغم تعابير وجهه المخيفة لم اعتقد ان ضرغام يظمر لي شرا و إلا لما تحدث امام الجميع . بالطبع يمكن أن اكون مخطأ لذا علي الحذر.

فكرة داخليا بعمق و انا اسير خلفه

اخيرا وصلنا لمنزله

لقد كان بيت واسعاً من طابقين. على جانبي الباب كانت هناك مجموعة من شجيرات الزهور، وعلى قمته تمائم ملونة تتراقص مع الرياح.

(لم أتخيل أن يكون هذا العجوز مهتماً بالزينة والجمال) شعرت ببعض الفضول، لكنني لم أسأل. الحديث بتهور قد يلمس بقعة حساسة، وأنا لا أريد المخاطرة بذلك.

​دفع ضرغام الباب ودخلت خلفه.

"الحمام هناك، اذهب ونظف نفسك، سأجهز لك بعض الملابس القديمة لترتديها،" قال ضرغام دون تغيير في تعبيره.

​شكرته وتوجهت نحو الحمام.

بينما أنظف نفسي، كنت أخطط لما سأفعله مستقبلاً.

أول وأهم نقطة هي جذب القرويين نحوي ورفع قوتي.

عدا عن العمدة وبعض الأشخاص، فإن هذه القرية لا تبدو مرحبة، وخاصة "يحيا".

​(ذلك اللعين.. هو يريد قتلي بلا شك) صرخت داخلياً وأنا أتذكر نظراته؛ عيناه لم تكن عيني رجل يشعر بالشك، بل عيني وحش مفترس ينتظر اللحظة المناسبة للانقضاض.

​وضعت يدي في فمي وعضضت إصبعي بقوة حتى تدفقت الدماء، فتوقف جسدي عن الارتعاش.

هل كنت غاضب او خائف.

لا اعرف لم اعد متأكد مما اشعر به.

لكن المؤكد انني لم أحب شعور كوني الفريسة، كنت أعرف جيداً أنني أضعف منه، حالياً على الأقل.

​(لا يهم. كل ما أحتاجه هو الوقت. طالما لدي الوقت سأتدرب، سأصبح أقوى، وعندها سنرى من منا يمكنه قتل الآخر).

​هدأت نفسي. كان هذا اليوم الأول فقط، لكنني نجوت.

مجرد فوز صغير

وفي الغد، سيبدأ تحدٍ جديد.

هل سيهزمني عالم "ون بيس" أم أنني سأتجاوزه؟ بينما فكرت بهذا، شعرت بنوع جديد من الفضول و الحماس نحو المستقبل .

2026/07/12 · 9 مشاهدة · 811 كلمة
بلاكي
نادي الروايات - 2026