حاول تاكيشي استجماع قوته والوقوف، ولكن ألم ذراعه، رفقة الألم الذي نتج عن ضربة البطن تلك، جعله يترنح بدلًا من التوازن.
عبس فالدر وقطب حاجبيه، ثم رفع قبضته قائلًا بحدة:
"سوف أكرر سؤالي للمرة الأخيرة، وأنت مجبر على الإجابة بنعم، وإلا فمصيرك محتوم على يد نيراني.."
رفع تاكيشي رأسه رفقة قبضته اليمنى، بينما التعب والألم ينهمران من عينيه. أخذ نفسًا أخيرًا ثم ابتسم بخفة قبل أن يجيب على فالدر:
"سأصبح عارًا إن مت على يدك.. ولكني سأغرق بالعار إذا انضممت لحثالة مثلكم!"
تقدم بخطوة ثقيلة تحمل كل الجهد الذي بذله ضد فالدر، ثم أكمل:
"أفضل الموت بدلًا من بقاء ذرة ندم داخل قلبي!"
في نفس تلك الأرجاء، وبالتحديد بالقرب من كوخ تاكيشي، سقط موبو أرضًا بينما جسده تكسوه الجروح، بجانب رينوهارا الذي لم تنزل من جبينه قطرة عرق حتى. رفع سيفه ثم أعاده إلى غمده ببطء.
"موبو، أيها الضعيف!" صرخ جاك إلى أن توقفت أحباله الصوتية عن العمل.
ابتسم رينوهارا ورفع إصبعه الخنصر وحك به أذنه قائلًا باستهزاء:
"ضعفاء مثلكم لا يستحقون أن أشهر سيفي لهم."
في خضم المعركة، كانت مايكا الوحيدة التي لم تتصادم مع رينوهارا، فهي تعلم أن الشخص الذي يستطيع أن يجعل آخر يتقن إحدى فئات استعمال الهالة في مدة أسبوع ليس بشخص عادي، خاصة بعدما هزم موبو دون أن يلحق به أي خدش.
'لا فرصة لنا أمام هذا العجوز. لو بقينا هنا فسينتهي الأمر بنا مثل موبو– حتى لو هربنا معًا، سيتم الإمساك بنا..'
رفع جاك عصاه ثم سحبها باتجاه رينوهارا لتنطلق رياح عنيفة من خلفه، كانت أشبه بالشفرات الحادة، ولكن بحركة يد واحدة من رينوهارا تلاشت بالكامل.
احمرت أعين جاك أكثر فأكثر وهو يصرّ أسنانه بشدة لدرجة سيلان الدم من لثته. التفت نحو مايكا ثم عاتبها بصوت عالٍ:
"لماذا لا تحاولين مساعدتي؟! يا مايكا!!"
رغم صراخه، إلا أن رد مايكا الأول كان سكوتًا عميقًا كبئر سحيق ينعكس عليه نور القمر. أما الرد الثاني فكان هربها إلى داخل الغابة المظلمة دون أي كلام.
"أين أنت ذاهبة؟!"
'أنا آسفة يا جاك، ولكن لا يمكننا أن نهزم جميعًا دون القيام بشيء..'
لطم جاك نفسه مرات عدة، ثم رفع يده اليمنى التي تحمل العصا وقال بسخط:
"لا أحتاج جبناء لهزيمتك!"
بعد سماع تلك الكلمات، ابتسم رينوهارا بسبب ثقة جاك وقال:
"تعجبني عزيمتك، ولكن يؤسفني القول إن تلك العزيمة ستختفي قبل انطفاء روحك."
انزلقت الشمس في مدارها ليصل العصر، وتضرب أشعتها منطقة النزال. قفز جاك باتجاه رينوهارا وسحب عصاه كي يطلق رياحًا عاتية أخرى، ولكن كما هو المتوقع، استطاع رينوهارا إلغاء هجومه بيديه فقط.
"قدرة استعمال الرياح إحدى قدرات العناصر، والواضح أن شفرات الهواء هي مركزها الأساسي."
تجمد جاك مكانه، ثم حك مؤخرة رأسه وأظهر وجهًا مستغربًا:
"ما الذي تعنيه..؟"
لامس رينوهارا لحيته وبدأ يفركها، ثم شرع بالشرح:
"للقدرات عدة أنواع، أحد هذه الأنواع هي قدرات العناصر، والتي تتيح للمستخدم التلاعب وإنتاج أحد مكونات الطبيعة مثل الماء، النار، والرياح.. أما مركز القدرة فهو التقنية الأساسية التي بُنيت القدرة حولها، مثل شفرات جاك، أو كرات فالدر النارية، أو جدران مايكا الصخرية. هذا لا يعني أن المستخدم لا يستطيع استعمال قدرات أكثر، ولكن التقنية الرئيسية تتطور بشكل أسرع من التقنيات الأخرى إلى أن تصل إلى حدها الأقصى."
عاود جاك الهجوم، لكن هذه المرة كان الهجوم أسرع بكثير من السابق.
"أنت تتكلم كثيرًا، أيها العجوز!"
توهجت أعين رينوهارا بسبب انعكاس أشعة الشمس وابتسم ابتسامة عريضة قبل أن يصد الهجوم بذراعه، ثم قال:
"تمتلك عزيمة صلبة كالفولاذ! لا بد أنني لن أتساهل كثيرًا!"
رفع رينوهارا يده ببطء كارتفاع الموج قبل الكارثة، فتح قبضته ثم بتلويحة واحدة أرسل رياحًا عاتية اتجهت نحو جاك مباشرة، فرمتْه بسرعة خارقة نحو الخلف واصطدم بإحدى الأشجار.
"أممممم.. أظن أني بالغت.."
وقف جاك بعد سقوطه مباشرة ثم أخذ نفسًا خفيفًا وصرخ بصوت عالٍ:
"أنت تستعمل الرياح أيضًا!!"
لم يرد رينوهارا على صياحه. تقدم جاك بخطوات ملتوية، رفع يده لمستوى صدره، ثم ظهرت شرارة كهربائية خفيفة على يده.
"حان وقت استعمال الخطة الاحتياطية!"
مد يده المتكهربة، فانطلقت شرارة صفراء اللون من ذراعه وتوجهت نحو رينوهارا مباشرة.
"يمكنني استعمال قدرتين!"
الضربة كوّنت كومة غبارية ضخمة. وقف جاك وهو يحدق بتلك الكومة منتظرًا زوالها.
"أريد أن أرى تعابير وجهك بعد هذه الضربة–"
"أنتم سحرة إذن!"
قبل انقشاع الغبار، ظهر رينوهارا خلف جاك وهو يضع كفه على رقبته. حاول جاك التحرك، لكن سرعان ما جاءه تحذير سريع:
"لا تتحرك وإلا غرست يدي في رقبتك!"
توقف جاك عن الحركة وهو يتصبب عرقًا ويحاول التفكير في خطة. أثناء تفكيره لمح بقعة في الأرض تتحرك كالطين.
'في الوقت المناسب.'
"ذاكرتي سيئة. من المفترض أن أعرف أنكم سحرة بعد رؤية تلك العصا السحرية."
"سوف تندم على مقاطعتك لنا."
ضحك رينوهارا قبل أن تهب ريح خفيفة من خلفه، ثم قال بجدية وحِدّة:
"لا تحاولوا فعل شيء قد يرمي بكم للهاوية. أنتم لا تعرفون ضخامة ورعب العالم الذي ينتظركم في حال إكمالكم في هذا المسار!"
ابتسم جاك خلسة قبل أن يقاطع حديث رينوهارا:
"هل أكملت حديثك أيها العجوز؟"
فجأة تحولت الأرض إلى طين متحرك يسحب كل من فيه باستثناء المكان الذي يقف فيه جاك، بالإضافة إلى مكان وقوع موبو.
"لا تستهن بنا!"
صرخ موبو وهو يحمل عصاه، والثقة تنبعث منه. بدأ جسد رينوهارا بالانغماس داخل الطين ببطء، فحدق للأسفل بعينين متسعتين.
"قدرة جيدة، ولكنها لن تنفع معي. هل نسيت أن يدي ما زالت على رقبتك؟"
بلع جاك ريقه وهو يحدق في موبو محدّثًا نفسه:
'لقد نسيت..'
قدرة البرق الخاصة بجاك قوية للغاية، خاصة إذا أحسن المستخدم استعمالها. لكن الشحنات الكهربائية التي تخلفها القدرة داخل الجسم، دون أن يتم تحريضها، قد تؤثر على الدماغ، وبالتحديد على الجزء المسؤول عن الذاكرة.
نزل رينوهارا أكثر إلى أن وصل إلى مستوى ساعد جاك، وبسرعة خطف عصاه من يده.
انشدّ وجه جاك بشدّة وظهرت شرارة كهربائية أخرى على يده.
"أنت!!"
التفت للخلف ليهاجم رينوهارا، ولكنه لم يكن موجودًا.
"جاك، أيها الأحمق!"
صرخ موبو، فدار جاك مرة أخرى باتجاهه ليرى رينوهارا قد سحب عصا موبو أيضًا.
"أيها السافل!"
توجهت يدا جاك وسحبهما للخلف، وظهرت تيارات كهربائية أقوى تتحرك بين يديه.
"دوبــــــل لايتيـــــــــنغ!!"
(البرق المزدوج = Double Lightning)
صرخ جاك باسم هجومه، بينما الهواء يختنق عند مركز تقنيته. مدّ يديه وأطلق زوبعة كهربائية ذهبية اللون، انطلقت بسرعة فائقة كالبرق، بينما يتردد صوت التيارات الكهربائية بشكل متأخر بعد مرورها.
لم يأخذ رينوهارا أي مجهود لصد تلك الضربة، بل تنحى جانبًا كي تتجه نحو موبو مباشرة، الذي أبدى وجهًا مذعورًا يتصبب عرقًا.
"مهلًا، أيها الغبي–"
دوووم!!
أصابت تلك الضربة وجه موبو مباشرة، وجعلته كالخبز المحمّص. انطفأت عيناه وفقد وعيه، بينما بقي جاك وحيدًا ضد رينوهارا.
"استسلم، فلا يمكنك فعل شيء.." قال رينوهارا وهو يحمل عصيّ جاك وموبو قبل أن يكسرهما ويلقيهما أرضًا.
"أستسلم؟ أأنت مجنون؟ بعد كل هذا، لا يمكنني أن أستسلم.. بعد كل السنين التي كافحنا فيها لا يمكنني أن أستسلم!"
تنهد وهو ينظر إلى الغيوم وهي تغطي أشعة الشمس لتكسو الأرض بظلها، ثم أكمل:
"تلك الأيام.. الشيء الوحيد الذي لا يمكنني نسيانه."
***
[قبل 11 سنة]
مجموعة من الفتيان تتراوح أعمارهم بين 10 و13 سنة مجتمعون حول شيء ما في وسط شارع بقرية صغيرة تُدعى "أرغاس"، تقع في الحدود الشمالية لبلاد الخريف "أوريفال".
كان الفتيان مجتمعين حول فتى صغير في عمرهم تقريبًا؛ كان يغطي وجهه بينما ينهال عليه أقرانه بالضرب والركلات، يرافق ذلك الصراخ والكلام البذيء الذي يخرج من أفواههم القذرة.
"انظروا إلى فتى المخدرات!"
"أرِنا وجهك، أيها القبيح!"
"على الأغلب سبب موت والديك هو وجهك!"
لقد كنت ولدًا وحيدًا ويتيماً، أعيش رفقة عمتي منذ أن فارق أبي وأمي الحياة وتركانني في صراع معها.
كل يوم كان التنمّر يزداد، سواء الجسدي أو النفسي. بقيت على هذا الحال إلى أن بلغت سن التاسعة وقابلت ذلك الشخص...
"انظروا من ظهر! إنه المتعاطي!"
لم يستطع الفتى أن يستنشق بعض الهواء إلا وقد وجد مجموعة من الفتيان تلتف حوله. الضرب والركل والسب والشتم كما المعتاد، وكل ما يفعله هو تغطية وجهه بكل ما يملك كي لا يرى أحد وجهه.
"دعنا نرى وجهك ونضحك قليلًا!"
حاول أحد أقرانه سحب يديه من موضعهما بالقوة، لكن الفتى كان يشدّ وجهه بإحكام دون إفلات.
"توقفوا عن هذا!"
في لحظة، أغلقت الأفواه وعمّ الصمت. تدخل ولد بعمر ثلاث عشرة سنة وأوقف حملة التنمّر. مضى بخطى ثابتة متجاهلًا العدد الكبير من الفتيان المتواجدين، وتوجه تحديدًا نحو "فتى المخدرات" كما يُلقّب في ذلك الحي. مدّ يده وقال:
"أنا فالدر، وأنت؟"
تملك القلق الفتى وتردد في الإجابة، وخرجت من فمه كلمات ثقيلة:
"أنا— أنا فتى المخدرات—"
"لا تكذب على نفسك! أعلم أن لديك اسمًا طبيعيًا، فقط أنزل يديك وأجبني!"
أنزل الولد يديه المرتجفتين في خيبة، ثم حاول التحديق بعينَي فالدر. لكن على عكس بقية أقرانه، كان الشعور الذي أحسّ به بعد رؤية نظرة فالدر له مزيجًا بين الدفء واللطف.
"اسمي هو— اسمي هو جاك!!"
ابتسم فالدر وأمسك بيد جاك وساعده على الوقوف.
'ما الذي يفعله؟ ربما يريد أن يخدعني ويجعلني مثل الأحمق... لا يمكنني أن أفعل أي شيء على كل حال.'
نزلت قطرة سريعة من خد جاك، حاملة وراءها شكًا وقلقًا عظيمين ككبر الشمس رغم بعدها عن مسار الأرض، ولكن سرعان ما تلاشت أفكاره بعد رد فالدر:
"اسم جميل! سررت بمعرفتك يا جاك!"
لأول مرة خفق قلب جاك بإحساس الصداقة؛ لا إراديًا امتلأت عيناه بدموعٍ ثقيلةٍ تحمل وراءها سنوات من الوحدة والعزلة.