"لا أحد يستحق الثقة التامة..."
تفشت رائحة الدماء والجثث المتعفنة بغابة الصنوبر الكبرى بتلك الليلة. صوت الرعد قد غطّى على صوت تلك الخطوات التي تدهس الوحل بشدة. إنه رجل يغطي كامل جسده برداءٍ أسود اللون، ضربته ريح خفيفة حركت ردائه مما اظهر وجهه الشاحب.
إنه شاب عشريني يُدعى تاكيشي، شعره رمادي وخشن بنفس لون عينيه الفارغتين من المشاعر والأحاسيس, كانت نظرات شخصٍ ميت من الأساس. ملامحه كانت عابسة وجادة طوال الوقت وكأن ذكرياتٍ مؤلمة التصقت بقلبه دون فراق.
بعد دقائق قليلة من المشي على نفس الوتيرة، وصل تاكيشي إلى جرفٍ عالٍ يطل على نقاط مضيئة خافتة، إنها قرية تُسمى "تساليا"، والتي تُعرف أيضًا باسم "قرية الفوضى".
تغيّرت ملامح تاكيشي من العدم إلى الغضب والحقد. هدّأ نفسه بنفسٍ عميق، ورمق تلك القرية بنظرة احتقارٍ أخيرة، قائلًا:
"قد مرّت أربع سنوات بالفعل—"
لكن لم يتسنَّ له أن يُنهي كلامه، إذ قاطعه صوت اهتزاز الشجيرات الشائكة من خلفه.
سرعان ما سحب تاكيشي سيفًا من تحت ردائه. لقد كان سيفًا عتيقًا تملؤه الدماء.
في تلك اللحظة خرجت مجموعة من الكيانات غريبة الشكل، ذات رأس ضخم شاحب وشعر أسود طويل فوضوي, كما تملك أربعة أرجل كسيقان العنكبوت, لكن اسمك وأقوى, تحتوي كلٌّ منها على مخالب حادة.
وجّه سيفه نحوهم، وكان عددهم هائلًا لا يُحصى. وكلما مرّت لحظة أخرى ظهر وحشٌ جديد، ومع ذلك لم يكن الاختلاف بينهم كبيرًا؛ نفس الشكل، نفس النظرات، ونفس الهدف, الشيء الذي اختلفوا فيه هو درجة احمرار العين. كانت تدعى تلك الوحوش الغريبة ب"الريفارج".
بصوتٍ هادئ قد لا يُسمع رفقة الرعد الصاخب، وبشكلٍ غير مبالٍ، علّق تاكيشي على الموقف الذي هو فيه:
"مجرد ريفارج... مصيرهم الموت."
ثم تنهد وحدث نفسه بكلام غريب:
"أنا هنا... أنا حي... أنا قادم... يارينزاكو!"
***
[قبل 6 سنوات]
"حلم آخر؟"
انقشع الظلام تدريجيًا مع استيقاظ تاكيشي في صباح ذلك اليوم الغائم. أمسك بوجهه ثم تمتم بصوت باهت:
"حلم... كابوس... نفس الروتين يتكرر..."
تتكرر تلك الأحلام في كل ليلة ينام بها, كان بعد كل كابوس يأتيه يستيقظ بهلع بينما العرق ينزلق على جبينه. أما الآن فتلك الكوابيس صارت شيئا اعتياديا كأنها جزء من يومه.
حدّق تاكيشي إلى اليمين باتجاه كومة من الكتب القديمة، يعلو إحداها عنوان بخط غليظ: "الجيل الأول". ثم أدار نظره إلى اليسار باتجاه سيفه الأشبه بالكاتانا، داخل غمدٍ بلون أحمر غامق.
"يجدر بي النهوض."
وقف تاكيشي من مكانه ليتبين أنه يعيش في كوخ قديم وصغير الحجم, حوالي 9 متر², كما انه فارغ لا يحتوي الا على كومة من الكتب القديمة. بالكاد يمكن أن يصمد السقف للشتاء القادم.
حمل تاكيشي سيفه وفتح الباب التالف ليخرج إلى ساحةٍ خضراء يطل عليها الكوخ. هذه المساحة عبارة عن دائرة صافية من الأشجار، يوجد بها قدر ضخم وموقد لإشعال النار. وعلى حواف تلك الدائرة، التي تمتد لعدة أمتار، تتفرع غابة الصنوبر من جميع الاتجاهات.
لم يقل تاكيشي كلمة "صباح الخير!" لأحد كونه يعيش وحيدًا بعيدًا عن أية قرى أو مدن. فهو يُعد أحد "الآفات الثلاثة"، وهي أسطورة قديمة تنص على وجود ثلاثة أشخاص يملكون فكرًا إجراميًا وشرًا مطلقًا، لأسباب يحددها من يرون من هو المناسب لحمل ذلك اللقب. ولكن هذه الأسطورة قد كُذبت ومحيت من أغلب بقاع العالم, مع ذلك فإن حظ تاكيشي السيء قد اخذه لمكان يكثر به من يصدق تلك الكذبة..
شقّ تاكيشي طريقه عبر الغابة إلى أن وصل إلى بحيرة هائلة تحمل مياهًا صافية شفافة، ابالإمكان رؤية النباتات والأسماك التي تقطن فيها, لكن انعكاس الشمس المشرقة التي طلت على البحيرة قد يفسد الرؤية قليلا. منبعها شلال منخفض نسبيًا قادم من نهر يُسمى "نهر الثور"، بسبب كثرة الثيران في تلك المنطقة.
"سيء... لقد نسيت القدر، كان من المفترض أن أملأه."
اشتدت الرياح قليلا قبل ان يأخذ أول رشفة من تلك المياه النقية ويغسل وجهه بها. وقبل رحيله لمح بطرف عينيه ثورًا في الضفة الأخرى، منفصلًا عن قطيعه كي يروي عطشه.
سشششش!
في وهلة، سقط الثور أرضًا بعد صوت حاد وسريع، وتحولت تلك المياه الصافية إلى اللون الأحمر بسبب دمائه المتدفقة من رقبته.
"إما أن تعيش أو تقتل." وقف تاكيشي بثبات أمام الثور العاجز، حاملًا سيفه الذي تلطخ بالدماء. حدّق به بنظرة شفقة، بينما حدّق الثور بنظرة رحمة.
"آسف... لقد أخطأت الضربة، كان من المفترض أن تموت دون الاحساس بالألم."
بسرعة، أجهز عليه بتلويحة واحدة أفقدته حياته. رفع تاكيشي نصله قليلًا ثم أنزله بسرعة، ملطخًا الأرض بدماء الفريسة. أعاد السيف لغمده ونظر باتجاه أعماق الغابة، حيث ثورٌ وعجلٌ صغير من نفس القطيع، على الأرجح، لاذا بالفرار خوفًا من أن يلقيا نفس المصير.
ابتسم تاكيشي ابتسامة مصطنعة تحمل خلفها ندما خفيا. وقال: "مثل هذه المواقف تعطيني إحساس الشرير! مع أن الناس تظنني كذلك."
هذا العالم لا يرحم احد خاصة اذا كان الأمر يعتمد على الطبقية, الأشخاص مثل تاكيشي من الطبقة الدنيا يحملون قانونًا أساسيا: "إما تَقتل او تُقتل."
اما النبلاء والملوك, وما تحتهم من رجال سياسيين وأبنائهم المدللين, فذلك القانون لا ينطبق عليهم, ففي قاموسهم القتل فقط من أجل الرفاهية, بعكس تاكيشي ومن معه بنفس الرتبة الذين يقتلون من أجل الكفاح والنجاة بحياته.
حمل ذلك الثور بعدما انتظر تخبّطه وتوقف سيلان الدم. "أخيار... أشرار... كلاهما يبحث عن مصلحته الخاصة. نفس الفكرة تنطبق على الصياد والفريسة؛ لا توجد فريسة بالمعنى الحرفي، بل الجميع صيادون قابلون للافتراس. الجميع يبحث عن مصلحته الخاصة..."
بالرغم من قانون الحياة القاسي الذي يعتمد على الطبقية, فإن كلام تاكيشي واقع حقيقي. بمجرد التشبث بالحياة بشتى الطرق فهذه تعتبر مصلحة للنفس.
عاد تاكيشي إلى منطقته حاملًا جثة الثور فوق كتفه. وضعه أرضًا بجانب الموقد. أنزل رأسه قليلًا بأسف، ولمح أثر خطوات بشرية لم تكن موجودة قبل رحيله. التفت باتجاه كوخه فجأة.
"الخطوات تأخذ اتجاهًا مباشرًا نحو الكوخ. كما أنني لم أترك الباب مفتوحًا."
في لحظة، أخرج تاكيشي سيفه من كوخه قائلًا بصوتٍ عالٍ: "اخرج من الكوخ الآن!! أعلم أنك لا تزال بالداخل."
ما ميز تاكيشي وجعله يبقى حيا في مثل هذا العالم هو ذاكرته القوية, يستطيع تذكر ادنى التفاصيل بدقة شديدة, هذا ماجعله يتقن اشد واقوى الفنون القتالية بالسيف وباليدين.
صوت وقع الخطوات على الأرض الخشبية جعل تاكيشي يأخذ وضعية استعداد للهجوم. "هه هه هه... لقد لاحظت بالفعل، يا تاكيشي!"
من هذا الشخص؟
كيف عرف إسمي؟
مالذي يرديه؟
والعديد من الأسئلة التي التهمت عقل تاكيشي.
خرج الدخيل من ظلمة الكوخ. إنه رجل ثلاثيني ذو شعر بني وعينين خضراوين. يملك لحية مخففة. قد بانت عليه التجاعيد بالفعل بذلك العمر. يرتدي ملابس بيضاء صافية، تميزها شارة معلقة تشبه الجمجمة المكدسة.
أنزل تاكيشي حاجبيه وبدأ يطرح الأسئلة:
"كيف عرفت اسمي؟"
"ألستَ مشهورًا؟ يا آفة العالم؟"
قال باستهزاء وابتسامة شر ومكر زينت وجهه.
امتلأت عينا تاكيشي غضبًا وردّ:
"من أنت؟ وما الذي تريده؟"
"أنا ياميكاجي يوغن، أحد أفراد عصابة الشياطين البشرية—"
رفع إصبعه باتجاه سيف تاكيشي وأكمل: "وقد أتينا من أجل سيفك الجميل."
يتبع...