لم أعد أميز بين الصواب والخطأ.. هل هي خطيئة؟ أم هي مجرد ميزة أخرى؟ قراراتي التافهة هي من أوصلتنا لهذه الحالة. فقدنا العديد من جنودنا، وبالمقابل قد فزنا واكتسحنا هذه الحرب اللعينة، ومع ذلك أهلكنا تلك الأرواح كلها. هل هذا هو الخيار الأنسب؟
تكررت تلك الأسئلة المتتالية داخل فكر أنزاي، قائد حملة الإسقاط التي شملت ملايين الجنود ضد جيش أكبر تحت قيادة الطاغية الأكبر الملك أباندون.
مشى أنزاي مرتديًا ملابس رثة ممزقة ممتلئة بالدماء، شعره الأبيض قد أصبح في حالة يرثى لها، عيناه الخضراوان بدأتا باللمعان مع كل خطوة يخطوها إلى الأمام.
وقف أمام كومة غبار خلفها انفجار هائل للتو، تناثر ذلك الغبار مع الرياح بشكل تدريجي ليظهر من تحتها الملك أباندون، الشخص الذي حلت جمجمته العارية محل رأسه، تحدق بالأعداء بشرارة حمراء تنطلق من جوف عينيها.
سقط الملك على ركبته اليسرى واتكأ على سيفه ذي النصل الداكن الضخم، أخذ أنفاسًا متقطعة ورفع ناظريه نحو أنزاي الواقف أمامه، والذي قال باستهزاء: "هل شعرت بطعم الهزيمة؟"
رد الملك أباندون متجاهلًا المصير الذي ينتظره لا محالة: "هُزمتُ على يد صعاليك؟ هذا آخر ما توقعته."
ضغط أنزاي على أسنانه بقوة وقبض كفيه بشدة وقال بغضب: "هل تعلم كم كلف الأمر للوصول إلى هنا؟! كل شيء بسببك! بسبب طيشك وطغيانك غرق العديد في الظلام، ووصلت لتاج حكم هذا العالم.. لكنه في الوقت نفسه سبب سقوطك أمامنا الآن!"
استند الملك أباندون على سيفه ووقف ببطء بسبب جسده العاجز وقال: "القدر.. لا يمكن مواجهة القدر أبدًا. صحيح أنه بإمكان أي شخص تغيير المستقبل، ولكن القدر ثابت لا يمكن تغييره. القدر هو نتيجة المستقبل سواء جرت به التغيرات الجذرية تلك أم لا."
سعل ثم بصق دمًا على الأرض وأكمل: "لا خيار لي سوى تقبل مصيري مادمت لا قدرة لي على تغيير المستقبل. كما اختار القدر لي حكم هذا العالم، كما اختار لكم الانقلاب علي، وكما اختار تأسيس اختراعكم ذاك، فإن القدر اختار لي هذا."
ظهر نور ساطع من السماء وتوجه خلف أنزاي، ومن خلفه ظهر أربعة أشخاص وقفوا بكل فخر وبسالة. اجتمع المؤسسون الخمسة للهالة في مكان واحد.
قال أباندون: "هل تعتقد أنه بموتي سينتهي الظلم والاستعباد؟ بالعكس.. بسبب اختراعكم قد منحتم المجرمين في بقاع هذا العالم فرصة جديدة-"
قاطعه أنزاي وعبس وجهه: "إنها النهاية.. أيها الملك."
[بعد عدة دقائق]
في قاعة فارغة يترأسها عرش مهجور، دخل الملك أباندون بخطى خافتة بينما صوت السيف وهو يحتك بالأرض فاق صوت خطواته. عند وصوله للعرش غرز سيفه في الأرضية وجلس على ذلك العرش. رفع ناظريه قليلًا وتأمل آخر نور رآه في حياته قبل أن تفارق روحه جسده...
***
في كوكب يدعى "فايسمونت"، كوكب لعرق العلويين الذين تميزوا بلون بشرتهم الأبيض الصافي وعيونهم الخضراء أو الزرقاء. وبالتحديد في مدينة تدعى "شنايرا"، حيث تميزت بالقصر الهائل ذي التفاصيل الدقيقة في البناء. بجواره توجد العديد من البيوت الحديثة، وبزوايا المدينة أربعة أبراج بطول يصل إلى طول جبل صغير.
حشد هائل كان أمام القصر بانتظار شيء ما. سرعان ما خرج شخص من الباب العلوي ومشى باتجاه الحافة ليرى ذلك الحشد. إنه أنزاي، قائد الحملة ضد الملك الطاغي أباندون.
تعالت الهتافات والصراخ بمجرد خروجه. رفع يده كي يلتزموا الصمت ويتكلم: "1467 سنة من حكمه.. وأخيرًا قد حصلنا على حريتنا."
التفت نحو الباب الذي خرج منه وأكمل: "ولكن لم أكن لأفعل هذا بمفردي..."
خرج بعد كلامه الأربعة الذين كانوا معه في الحرب، ثم قال: "رفقة أصدقائي وبعد تضحيات كثيرة قد حصلنا على مرادنا.. ولكن الفضل الأكبر يعود لاختراعنا الذي غيّر مجرى تلك المعركة..."
تقدم أحد المؤسسين ويدعى "فريدريش" ووقف بجانب أنزاي وقال: "على ما أعتقد، منذ وقت الحرب وقد جاءكم شعور غريب وكأن شيئًا يحيط بأجسادكم..."
عم القلق بين السكان، فجميعهم دون استثناء قد شعروا بذلك الإحساس.
"لا داعي للقلق، فهذا هو الشيء الذي أسسناه لردع الشر.. إنها الهالة!"
لقب الخمسة بالمؤسسين بسبب تأسيسهم "الهالة", اما في حالة انزاي فقد تم اعطاؤه لقبًا اضافيا هو "امبراطور الفضاء"
بعكس لقب المؤسس الثابت الذي لا يمكن تغيير صاحبه, فإن امبراطور الفضاء لقب يمكن انتزاعه ولكن الكيفية لا زالت مجهولة.
هذه هي قصة تأسيس الهالة التي مر عليها زمن طويل، وقد نُشرت على شكل كتب أو روايات، منها المحرف ومنها الصحيح. وفي يومنا هذا بعضهم صدق هذه الحكاية، والبعض الآخر كذّبها وآمن أن الهالة طاقة روحية موجودة منذ الأزل.
سُمي زمن هذه القصة بـ "العالم المنسي" بسبب نقص الأدلة على صحتها والتحريفات العديدة التي جعلت إيجاد القصة الأصلية أمرًا شبه مستحيل...
***
رياح خفيفة تدب في الأرجاء، تسحب معها الغبار والأوراق المتساقطة أرضًا. لم تكن رياحًا، بل هي هالة كثيفة شفافة اللون منبعثة من تاكيشي.
"أظن أن هذا كافٍ يا فتى! يمكنك التوقف."
تلاشت تلك الهالة تدريجيًا باتجاه تاكيشي وسرعان ما اختفت تمامًا. سقط تاكيشي على ركبته وبدأ بالتقاط أنفاسه.
ضم رينوهارا يديه وغرق بأفكاره: "بالرغم من أن هالته باهتة إلا أنها كثيفة، كما أنه لم يستعمل الهالة طيلة حياته، لكنه أحرز تطورًا خارقًا! يملك هذا الفتى موهبة شاذة، قد زاد يقيني بأنك ولده..."
استجمع تاكيشي قواه وتمكن من الوقوف، حدق برينوهارا بعينين تملؤهما الحماسة وصرخ بأعلى صوته: "ليس كافيًا بعد. أستطيع الاستمرار!!"
توسعت عينا رينوهارا وابتسم ابتسامة عريضة وحدّث نفسه: "لا... أنت بالفعل ابن تريدورا!"
أطلق تاكيشي هالته مرة أخرى، لكنها كانت أشد، والرياح التي أحدثتها كانت أقوى.
"هذا يكفي مادام أول يوم لك. لا أريد إرهاقك."
سرعان ما فقد تاكيشي القدرة على إطلاق هالته لدرجة أنه قارب على السقوط أرضًا.
"هل الأمر متعب لهذه الدرجة فعلًا؟"
"مادامت محاولتك الأولى مثلما أخبرتني، فبالتأكيد ستصاب بالإرهاق الشديد. والآن يمكنك الانصراف."
حمل تاكيشي نفسه ومشى بخطى متعرجة باتجاه كوخه الذي يبعد بمسافة كبيرة. لكن لم يكن فقط رينوهارا وتاكيشي موجودين بذلك المكان، بل كان هناك شخص مجهول الهوية مختبئ خلف إحدى الصخور الضخمة، غادر مباشرة بعدما باشر تاكيشي بالرحيل.
***
[مدينة جاليون]
في أحد المباني المهجورة من الضفة الغربية، وبالتحديد في القبو، يوجد باب ضخم أسود اللون به قضيب معدني أحمر.
في تلك الأثناء جاء كل من صاحب قناع الجمجمة والمدعو غرايد ووقفا أمام ذلك الباب حتى مد غرايد يده نحو القضيب الذي امتص هالته الزرقاء.
لم تمر سوى ثوانٍ وفتح الباب. كان خلفه قاعة ضخمة مليئة بأعضاء العصابة، منهم الرجال ومنهم النساء، الشباب والكبار. ترأس القاعة عرش في نهايتها، ويربط بينه وبين الباب بساط أحمر.
بمجرد دخول الزعيم من الباب وملاحظة الجميع وجوده، ركعوا لا إراديًا. مشى الزعيم باتجاه العرش بثبات. قبل وصوله بعدة خطوات خرج شخص من بين أفراد العصابة.. إنه ياميكاجي!
"مرحبًا يا زعيم.. أرجو أن الأمور قد سارت على أفضل حال." قال باحترام شديد.
بصوت فظ وغليظ رد الزعيم: "وإن يكن، هذه الأمور ليست من شأنك.. الأهم من ذلك، هل أتممت مهمتك؟"
"نعم!" قالها وهو يخرج سيفًا من تحت رداء أبيض ويحمله، بينما يرتدي قفازين يزين أطرافهما نوع غريب من الأحجار الكريمة، وبمجرد ما لامس السيف، أضاءت تلك الأحجار بشدة.
قال الزعيم: "في النهاية كنت ذا فائدة..."
صمت لبرهة وهو يحدق في السيف، ثم خاطب جميع أفراد عصابته قائلًا: "استعملوا الكشف حالًا!"
ساد الصمت بين الجميع وكأنهم يقومون بشيء ما، إلى أن فتحوا أعينهم فجأة، وتحول الهدوء إلى فزع عارم.
ابتسم ياميكاجي وحدّث نفسه: "كانت ردة فعلي مثلكم في البداية، فالهالة التي تحيط بهذا السيف ليست عادية إطلاقًا. ما جعل فتى الأدغال يحتفظ بالسيف لفترة طويلة هو أنه كان يعيش وحيدًا... لا، حتى بقوة هذه الهالة يمكن الإحساس بها من تلك القرية المجاورة، والواضح أنهم يجهلون استعمال الهالة."
تقدم الزعيم نحو ياميكاجي وهمس في أذنه.
"أمرًا وطاعة يا زعيم!" قال ياميكاجي، بينما تفكيره كان في موضوع آخر كليًا: "أنا أكسب احترام الزعيم دومًا.. سوف يصل اليوم الذي يستبدلك الزعيم يا غرايد بي.. ذلك اليوم قريب للغاية، هاهاهاهاهاها!"