في تلك الساحة الخضراء المجاورة لكوخ تاكيشي المتداعي، وبالتحديد قبل وقت الظهيرة. الكوخ موجود بالتحديد بمنتصف غابة الصنوبر الكبرى.
كان رينوهارا جالسًا على الأرض حاملًا أحد كتب تاكيشي، بينما كان الأخير يتمرّن. لكن لم تكن تمارين الهالة هذه المرة، بل تمارين جسدية، وتحديدًا تمرين الضغط.
"2434، 2435، 2436… 2437!"
سقط مباشرة على وجهه بعد أن كسر رقمه القياسي القديم وحقق رقمًا جديدًا. في تلك الأثناء، أنهى رينوهارا قراءة الكتاب وتأمل غلافه.
قال في نفسه: "أساسات القصة هي نفسها في بقية الكتب، لكن هذا الكتاب تحديدًا يحتوي على تفاصيل أكثر. دون أن أنسى الاسم…
الجيل الأول
وضع الكتاب أرضًا بجانب تاكيشي المنهك، ثم وقف وسأله: "من أين جلبت هذا الكتاب يا فتى؟"
أجاب تاكيشي: "أممم… قصة طويلة، لكن يمكنني أن أختصرها بأنها لوالدي."
اتسعت عينا رينوهارا، ونزلت قطرة عرق من جبينه بعد سماع كلام تاكيشي. تمتم قائلًا: "بعد كل يوم، يزداد يقيني بأنك ابن تريدورا يا فتى."
ثم سأله تاكيشي: "هل أنت متأكد أيها العجوز أنهم لن يقوموا بشيء غبي مثل بيع السيف؟"
يقصد أن عصابة الشياطين البشرية قد تبيع السيف ولو بسعر زهيد وحينها ايجاد السيف قد يصبح مستحيلا.
ابتسم رينوهارا وقال: "لا… لا تقلق، فأنا أعرفهم جيدًا. يا فتى، هل يمكنني سؤالك؟"
عدل تاكيشي وضعيته وفرقع رقبته وأجاب: "ماذا تريد؟"
"هل أنت حقًا أبن… هل أنت حقًا أحد الآفات الثلاثة؟"
أمال تاكيشي رأسه قليلًا إلى الأسفل لإخفاء وجهه، وقال بنبرة جدية: "نعم."
سقط رينوهارا أرضًا من شدة الضحك، بينما رفع تاكيشي وجهه وحاجبيه استغرابًا من الموقف.
قال رينوهارا وهو يضحك: "أنت فعلًا غريب يا فتى! لماذا تغيرت نبرة صوتك بعد سؤالي؟ لا تقلق، أنا لا أؤمن بتلك الترهات."
ابتسم تاكيشي لشعوره بأنه وجد أخيرًا من يفهمه ويقف معه في المواقف الجدية.
بينما ريوهارا كا يضحك في نفس الوثت كان يحدث نفسه. "لا يمكنني سؤاله مباشرة عن والده… أعلم أنك آفة يا تاكيشي، وأعلم الكثير عنك."
وبعد صمت قصير، سأله: "قل لي يا فتى، لماذا يسمّونك أولئك الحمقى بالآفة؟"
حاول تاكيشي تدارك السؤال والمحافظة على هدوئه: "آه، هذا؟ أظن أنه شيء لا يمكنني الإجابة عنه… حسنًا، لو أفادتني تدريباتك حول الهالة واستطعت استرجاع سيفي، ربما أخبرك."
التفت رينوهارا باتجاه الغابة وقال: "يا فتى، وجهتك التالية هي إحدى أخطر المدن في البلاد. لذلك، مهمتي هي تدريبك من أجل الدخول إليها وأخذ ثأرك! هل اتفقنا؟"
هز تاكيشي رأسه دلالة على الموافقة، وأجاب: "أجل…"
***
في نفس الوقت وفي مدينة جاليون وتحديدًا في أحد الأسواق التجارية التي اكتظّت بالتجار والمشترين في ذلك الوقت. اتى بعض السكان لرؤية مايملكه التجار, أما البعض الآخر جاء تمضية بعض الوقت.
"أين ذلك الكسول؟"
كان المتحدث رجلًا قصير القامة وكبير السن يُطلق عليه لقب
العقرب
دخل العقرب إلى إحدى العربات الفارغة، ليجد سوتا ملقى على الأرض… أو بالأصح نائمًا. أخذ العقرب نفسًا عميقًا ثم صرخ: "استيقظ أيها الأحمق!!"
"خاااا… خخاااااا…"
كان ردّه شخيرًا عاليًا. تقدم العقرب نحوه وأمسكه من أذنه وصرخ في داخلها: "إلى متى ستبقى نائمًا أيها الأحمق؟!"
فتح سوتا عينيه أخيرًا، ورمش أكثر من مرة، ونظر حوله لثوانٍ حتى يستوعب موقفه. "أين أنا؟"
لكمه العقرب على مقدمة رأسه ليوقظه تمامًا. "آغعهااا! هذا مؤلم!"
اعتدل العقرب في وقفته وقال بصرامة: "إذا لم تتخلص من كسلك هذا، يمكنك القول أنك مطرود من العمل عندي. وأنت تدري… إن طردتك، فستقل احتمالية إيجاد والدك."
جلس سوتا باعتدال وأنزل رأسه بحياء: "أنا آسف…"
التفت العقرب نحو مخرج العربة وقال وهو يمشي: "يجدر بك تعديل عاداتك أيها الأحمق."
أخرج من جيبه كيسًا مليئًا بالقطع النقدية، سحب منه قطعة فضية ورماها باتجاه سوتا، فأمسكها بشدة. "قد يحمسك هذا للعمل بجد."
اشتعل سوتا حماسًا وقفز من مكانه: "حسنًا!! أنا أشتعل حمـ…"
لكن قبل أن يكمل كلامه، ارتطم رأسه بسقف العربة. "آغهااااه! رأسي!"
تنهد العقرب وأعاد الكيس إلى جيبه، ثم خرج من العربة ليستنشق بعض الهواء النقي.
لم تمر سوى لحظات حتى اصطدم به شاب، ليسقط كلاهما أرضًا. كان الشاب ذو ملامح متفائلة. "اعذرني يا عم، لم أرك!"
وقف الاثنان، لكن الشاب أسرع بالركض. مد العقرب يده إلى جيبه، ثم بصق على الأرض: "تبا لشباب هذه الأيام… هل كان يقصد ذلك الوغد أني قصير فلم يرني؟!"
لكن فجأة تجمّد وجهه وتوقفت أنفاسه، بينما بقيت يده تتحرك في جيبه… لقد اختفت نقوده!
صرخ وهو يركض خلفه: "لص!! فليمسكه أحدكم!"
لكن لم يستجب احد من المارة، فقد كانت مثل هذه المشاهد وأسوا تحدث يوميًا في مدينة جاليون.
كان الشاب أسرع من العقرب، واختفى بين الاكتظاظ الكبير للسكان. سقط العقرب على ركبتيه وهو يتنفس بصعوبة، مرددًا بصوت خافت: "نقودي…"
بعد لحظات، كان ذلك الشاب فوق إحدى البنايات يعدّ ما كسب من نقود. "194، 195، 196 قطعة ذهبية؟ يا رجل، هذا كثير! بالإضافة إلى ما بقي من القطع الفضية."
اتكأ على ظهره وابتسم مادحا: "آه يا ياكوجي، لديك حظ جميل اليوم…"
لكن توقف عن الكلام عند سماع أصوات ركض جماعي. تقدم قليلًا ليراقب، فوجد عددًا كبيرًا من رجال الشرطة. "لا تقل إنهم يبحثون عني؟ ربما ذلك الرجل شخص مهم؟ أرجو ألّا يمسكونني… وحتى إن فعلوا، فقد تقل عقوبتي بسبب عدم استعمال قدرتي."
كان جميع البشر يتميزون بالقدرات، وهي إحدى خصائص الهالة. من بعض الأمثلة: قدرة ياميكاجي على إخراج جذوع الأشجار. وبمجرد وصول الإنسان إلى سن معين تتحرر القدرة، حتى لو لم يكن متقنًا لأساسات الهالة. وفي دولة فلوريا، يُمنع استعمال القدرات في الأماكن العامة أو المدن دون رخصة، لأن ذلك قد يحرض على افتعال الشغب.
وفجأة، سمع صوتًا خلفه: "لا، إنهم لا يبحثون عنك يا ياكوجي."
تنفس الصعداء: "الحمد لله! لقد أراحتني… ما الذي تفعله هنا يا شودو؟"
شودو هو الزميل الأكبر لياكوجي، ويتميز عنه بخبرته ورزانته.
قال شودو: "لقد رأيتك وأنت تتسلق هذا المبنى خلسة."
أخفى ياكوجي المال بخفة، ثم أخرج جزءًا من الكيس قائلًا: "انظر! كم كسبت اليوم! يمكننا اقتسامه ودفعه للزعيم!"
لكن شودو التفت للخلف بازدراء وقال: "هل تعتقد أني أحمق كي تنطلي عليّ خدعتك؟!"
ارتجف ياكوجي وكأنه صُعق، لكن شودو أكمل: "لا تقلق، لن آخذ قطعة نقدية من مالك. لكن عليك أن تخزن بعضًا منه لتشتري شيئًا لأختك."
شعر ياكوجي بالاسترخاء وابتسم ابتسامة صادقة: "أظن ذلك أيضًا…"
***
عند الغروب، وفي حي يُسمى
حي النقص
في تلك الأنحاء، جاءت مجموعة مكوّنة من خمسة أشخاص تتعالى بينهم الضحكات. يتقدمهم ياميكاجي، مرتديًا قفازين سميكين وسيفًا في خصره. كان برفقته كايجو وفيور، بالإضافة إلى شخصين آخرين من العصابة.
قال ياميكاجي وهو يضحك: "هي مجرد أيام وسأصبح بدل ذلك الوغد غرايد!"
لقد أراد التقرب من الزعيم ليصبح بمثابة يده اليمنى بدلًا من غرايد. استمروا في الضحك وإلقاء النكات السخيفة، حتى واجهوا مجموعة أخرى بائسة لا يُرثى لها. كانوا سبعة أشخاص: بينهم عجوز، صبي صغير، امرأة، والبقية رجال. ملابسهم رثة وممزقة، تليق بمثل هذا الحي.
التقت المجموعتان. تقدّم ياميكاجي من جهة العصابة، وفايزر من جهة الفقراء.
سأل ياميكاجي ببرود: "هل جمعتم المبلغ؟"
مدّ فايزر يديه المصابتين، حاملًا خمس قطع ذهبية وعشر فضية. أخذ ياميكاجي المبلغ ورماه في جيبه، ثم التفت لأصدقائه بابتسامة خبيثة: "سوف أريكم شيئًا مثيرًا!"
تقدم خطوة للأمام، وسحب سيفه بسرعة مع توهج الكريستالات في قفازيه، ولوّح بالسيف ليقطع إصبع فايزر.
صرخ قائلًا: "لقد أخبرتك في المرة السابقة، ضع النقود في كيس ولا تلمسها بيدك!"
سقط فايزر أرضًا من شدة الألم، محاولًا كتم صرخاته حتى لا يُظهر ضعفه. ركض الصبي نحو والده وهو يصرخ: "والدي!"
لكن قبل أن يصل، ركله ياميكاجي وأسقطه أرضًا. انهمرت دموع المرأة، وأمسكت بابنها راجيةً من ياميكاجي أن يتوقف.
اقشعرّت أبدان الفقراء بعد رؤية الدماء تسيل بغزارة من إصبع فايزر، بينما ارتجف أعضاء العصابة حماسًا لرؤية المزيد من المعاناة.
التفت ياميكاجي لأصدقائه، رفع رأسه للسماء وضحك فوق ضعف الفقراء. "لقد أعطيتكم تهديدًا أخيرًا أيها الحمقى، أما لو تكرر الأمر فسأقطع يدك! هاهاهاهاها!"
ذهبوا بالفعل تاركين أولئك الفقراء في حالة حرجة. "ما رأيكم بقوة هذا السيف؟ تخيلوا أن ضعيفًا مثله كان يستعمله! هاهاها!"
***
لقد مر أسبوع منذ تلك الحادثة، واستمرت العصابات بالقيام بأعمالها الشنيعة، وبقيت الأسواق التجارية نشطة بينما ظل تاكيشي يتدرب على يد رينوهارا على استعمال الهالة.
"يا رجل، كدت أحطم رقمي القياسي في العقلة!"
تدرب تاكيشي لوحده، كون رينوهارا غير موجود اليوم. حمل قميصه من على الأرض وارتداه، مخفيًا تلك الكتلة العضلية المرعبة والبارزة. "ع-عفوًا..."
صدر صوت رقيق ولطيف من خلف تاكيشي، فحدق وراءه ليرى طفلة صغيرة عمرها سبع سنوات فقط تتجول في هذه الغابة الخطرة. شعرها أصفر طويل، كما ترتدي فستانًا تقليديًا وجديدًا. "هل أنتِ ضائعة؟"
ترددت الفتاة في الإجابة واحمر خدّاها الصغيران من شدة الخوف. "ن-نعم."
تقدّم نحوها ووقف أمامها، مما أخاف الفتاة وبدأت بالبكاء. "هاه.. ههاه.."
"يوي، لا تبكي، لن أوذيك!"
لم تسمع كلامه وارتفع صوتها أكثر. 'لا أجيد معاملة الأطفال.. ما الذي عليّ فعله؟'
فكر تاكيشي بالشيء الذي سيفعله في مثل هذا الموقف، مباشرة وضع يديه على رأس الفتاة وربّت عليها ثم قال: "لا تقلقي، ستكونين بخير."
توقفت دموع الفتاة عن السيلان وابتسمت ابتسامة صغيرة. 'الحمد لله قد جرت الأمور جيدًا.'
حمل الفتاة على ظهره وبدأ بسؤالها: "ما اسمكِ يا فتاة؟"
مسحت عينيها من آخر ما تبقى من دموع وأجابت: "اسمي هو مايكا."
"اسم جميل، ولكن ما الذي تفعله فتاة صغيرة في مثل هذا المكان الخطير؟"
عبست مايكا لوهلة وتملكتها مشاعر الحزن. "لقد كنت ألعب مع قطتي حتى هربت داخل الغابة، فقمت باللحاق بها..."
"حسنًا، سوف أعيدك، لكن هل يمكنك توجيهي لمكان بيتكم إذا استطعتِ التذكر؟"
تفاءلت الفتاة وابتسمت ابتسامة عريضة. "بالتأكيد! بيتي من هذا الاتجاه."
بالفعل، سلك ذلك الطريق الذي كان باتجاه الشمال. مرت أربع عشرة دقيقة من المشي، ازدادت حيرة تاكيشي أكثر ثم توقف مكانه. "مايكا، هل أنتِ تعيشين بقرية تساليا؟"
ابتهجت ظنًا منها أن تاكيشي يعرف مكان القرية وقالت: "نعم سيدي! أنا أعيش بها."
"غريب..."
أمالت رأسها استغرابًا من كلام تاكيشي. "ما الذي تعنيه بالغريب؟"
"تلك القرية تبعد حوالي ساعة من المشي العادي، والغريب كيف لفتاة صغيرة أن تقطع هذه المسافة الكبيرة؟ وبعيدًا عن كونها حية، فكيف لازالت ملابسها نظيفة طوال هذا الوقت؟"
"هل أنت تشك بي؟" قالت بصوت جاد عكس نبرة صوتها البشوشة.
"نعم، أنا أشك بك!"
أفلت تاكيشي مايكا من على ظهره ورجع للوراء عدة خطوات متزامنة. وقفت الفتاة وابتسمت ابتسامة مرعبة. "تاكيشي، الفتى الذي سُلب منه كل شيء..."
"م-ماذا؟"
سقطت مايكا أرضًا على يديها وبدأ لحمها بالانكماش والتحرك، وسرعان ما بدأ جسمها بالتضخم كما بدأت ملابسها بالتغير. "ما الذي يحدث؟"
صفن تاكيشي مكانه من غرابة ما يراه. وقفت مايكا لتظهر مكانها امرأة أخرى بدلًا منها، شعرها أسود قصير وملامحها تحمل خبثًا شديدًا.
"أنا مايكا الحقيقية... أنا ساحرة من الدرجة الرابعة."
في هذا العالم يوجد الكثير من تصنيفات مستعملي الهالة، ولكنها نادرة. ومن بين هذه الأصناف السحرة الذين ينقسمون لدرجات تبدأ من الخامسة، وهي الأضعف، وصولًا إلى الأولى. تتميز كل درجة بشيء عن التي قبلها، كما توجد عدة شروط للتقدم في الدرجات.
"ساحرة؟ هل السحرة موجودون حقًا؟" قال تاكيشي بينما العديد من الأسئلة تحوم في رأسه: 'هل السحرة أقوياء؟' 'ما معنى الدرجة الرابعة؟' 'كيف عرفت اسمي وأنا لم أخبرها به؟'
أخرجت من ملابسها عصًا غريبة تشبه غصن الشجرة، وجهتها نحو تاكيشي وقالت: "سوف تعرف الآن ما مدى قوة السحرة."
رفعت العصا عاليًا ليحدث اهتزاز خفيف من تحت تاكيشي، بسرعة تدارك الوضع وقفز من مكانه. خرجت صخرة محددة من مكانه السابق.
"ماذا؟؟"
لم يتوقف تاكيشي عن الحركة بل اتجه نحوها مباشرة ووجّه لها ركلة لم تستهدف جسدها بل العصا. لكن قبل أن تصل قدمه إلى هدفه خرجت صخرة صغيرة أخرى من أمامه وردعت هجومه.
"كلما زاد قربك لي، كلما زادت سرعة هجومي. والآن أرِنا ماذا ستفعل..."