بضع سنتيمترات فرّقت بين الأرض وجسد الفتاة المخطوفة. أحاطت بها هالة ذهبية دافئة المظهر شائكة الإحساس، كالباب اللامع خلفه هاوية مرعبة. حاولت المقاومة بكل ما لديها من قوة، ولكن كما هو متوقع، لا فائدة تُرجى. توقفت عن الحركة مستسلمة للمصير الذي ينتظرها، وللألم الذي تملّكها.
أغلق جاك عينيه وحكّ خده لهُنيهة، مُشغِّلًا عقله الصغير بالتفكير، قبل أن يقطع الصمت السائد قائلًا: "شيء رائع، بل مذهل.. لكن.. ما الذي سيحصل عندما نصل إلى الدرجة الثالثة؟"
تجمّد الأعضاء في أماكنهم بسبب غباء جاك، وملامح الاستياء والضجر مترسمة على وجوههم. فمن المفترض، كونك ساحرًا، أن تعرف كل شيء له علاقة بالسحر تقريبًا. مع ذلك، فجاك كان استثناءً بسبب ذاكرته الضعيفة.
جاوبت مايكا على سؤاله البديهي ببرود حاد، كأنه توبيخ خفي: "بعد الترقي سنصبح قادرين على استخدام اللعنات."
صفع جاك جبهته كطفل استعاد ذاكرته، ثم قال بسخرية: "أوه صحيح! لقد تذكرت الآن.. لكن ما هي اللعنات؟"
جرى الدم في عروق موبو بوتيرة سريعة غضبًا من حماقة جاك. "هل أنت أحمق؟"
رفع جاك حاجبًا ومدّ رقبته باتجاه موبو وقال بتعجرف: "ما الذي قلته أيها البدين؟"
رفع موبو قبضته قُبال جاك وقال مستخفًّا به: "انظروا من يتحدث! أنا كبير عليك أيها المتعاطي!"
قبل أن يبدأ شجار بينهما، تكلّم فالدر بنبرة خفيفة الصوت، ثقيلة التأثير، وكأنه يلومهم على مستقبل فظيع: "توقفا، لا أريد أن تفشل الطقوس بسبب حماقتكما."
في تلك الأثناء، وفي الجهة الغربية من الغابة، وبالتحديد في قرية تيساليا، أو كما يطلق عليها الناس: "قرية الفوضى". طرقاتها موحلة متعرجة، تمر عبر جميع البيوت الخشبية المتآكلة التي تكاد تنهار بسبب تأثير الزمن. وفي مركزها تقبع نافورة حجرية جافة لم تقم بعملها منذ عدة سنوات. رائحة كريهة تفوح من كل جهة، رائحة أشبه برائحة الدم المصاحبة لرائحة التربة الرطبة.
لكن عند حواف القرية تقلّ تلك الأجواء المريعة، فهناك مزارع وحقول ضخمة تعج بالقمح الذهبي. ورغم تلك الصفات الكئيبة والمظلمة التي تبرز سبب تسميتها بـ"قرية الفوضى"، إلا أنها تعتبر من أكبر القرى في العالم وتحتوي على عدد كبير من السكان، كما تُعدّ وجهة مثالية للتجار.
في تلك الأجواء المثيرة للقلق والحيرة، لم تكن الفوضى لقبًا عبثيًا، بل واقعًا يعيشه الناس كل يوم. الطرقات ضجّت بحشد من السكان، والحواف القريبة من الغابة عمّت بالصرخات باسم: "إيلارا! إيــــلارا!"
وجوه شاحبة، أعين دامعة، وأصوات مقطّعة تميل للغضب والنحيب. بعضهم يهرول في الطرق المنحرفة، وآخرون يفتشون في المزارع المزدهرة، والقليل من الرجال يخاطرون بحياتهم للبحث في الحواف القريبة داخل الغابة.
أمسكت امرأة عجوز بجارتها التي انهارت على الأرض بكاءً: "لا تقلقي.. قد حدث مثل هذا الموقف كثيرًا، وبالأخير جرت الأمور على ما يرام."
انهمرت دموع المرأة دون توقف، سقطت على ركبتها أرضًا وقالت بانهيار: "ماذا لو التهمت أحد تلك الوحوش إيلارا؟ ما الذي قد يحدث لو وجدها الآفة؟ كما أنها ليست الضائعة الوحيدة."
فوضى عارمة حدثت بسبب اختفاء فتاة صغيرة لم تكمل الثامنة بعد! ومع انتشار خبر اختفائها انتشرت شائعات زرعت الرعب والهلع في قلوبهم… "هذه المرة الثانية في نفس الفترة.." "هل التهمتها تلك الوحوش الغريبة؟" "لكنها نادرًا ما تظهر بالنهار…" "إن لم تأكلها، فما الذي حدث لها؟" "ربما هي مخطوفة!" "إنه بالتأكيد الآفة الذي يعيش في الغابة!"
ورغم الدموع المنهمرة والجهود المبذولة لإيجاد إيلارا المفقودة، إلا أن الجميع لم يهتم لأمرها. فهناك من لم يتحركوا شبرًا واحدًا من بيوتهم، وهناك من لم تتحرك مشاعرهم تجاه الموقف.
داخل محل مشروبات قديم تملكه عجوز كبيرة تُدعى "ريومي"، كانت تمسح زجاجات فارغة من وراء طاولة خشبية متآكلة في ركن المتجر، بجانب رفوف من الزجاجات الفارغة. على إحدى الطاولات الخشبية جلس أربعة أشخاص.
"قبل مدة كان ولد صغير، والآن فتاة؟ تبا لهذا الحظ العاثر!"
بصوت فظ وغليظ، ونبرة تحمل الغطرسة والتكبر، قال أحد الجالسين على الطاولة. كان رجلًا أسمر، يملك شعرًا أبيض فوضويًا وملامح قاسية. يُدعى "تاكيرو". وجّه كلامه لمن معه، ثم أكمل بابتسامة ماكرة: "ربما هذه فرصة لاصطياد الآفة وكسب بعض الشهرة.."
فتح زجاجة عصير عنب ثم سأل: "هل بالفعل هؤلاء الحمقى لا يستطيعون الإحساس بهذه الهالة؟"
***
دقائق مرّت منذ بداية الطقوس، والآن الفتاة تطفو فوق فوهة التمثال مباشرة، جسدها مستسلم بلا حول ولا قوة. رفع فالدر يديه، بينما غمره شعور بالعظمة، وقال بفخر: "لقد حانت اللحظة!"
اندلعت هالة كثيفة من النوع المكشوف، يمكن الإحساس بها من أميال. ابتلعت الأربعة، وبدل إحساسهم بدفئها الخارجي الذي توقعوه، أحسّوا بألم شديد، وكأن حبلًا محكمًا رُبط بأجسادهم.
"هذا موجع!"
انكمشت وجوههم بعدما ذاقوا من نفس كوب المرارة الذي شربت منه إيلارا. خفّ وجه فالدر قليلًا بعدما رأى جسد الفتاة ينجذب أكثر لداخل التودو ببطء. وقال موقنًا بنجاح خطته، مخفيًا ألمه في نبرته: "علينا تحمل هذه المحنة مهما كلف الثمن!"
بدأت الكلمات التي كتبها جاك باللمعان بشدة، بينما تغيّر لون الشموع التي رتبها موبو إلى اللون الذهبي المشرق. تصلبت ملامح مايكا، وحدقت بالتودو بانبهار وذهول، ثم تكلمت بتوتر جسيم: "إن هذه الهالة التي تنبعث من هذا التمثال.. أشد من السابقة!"
كل ترقية في درجات السحر تحتاج إلى تمثال تودو خاص. وكل تمثال تزداد شروطه قساوة وصعوبة، كما تزداد الهالة التي يسحبها ويطلقها شدة مع كل درجة.
تمزق الحبل الذي كان يمسك بإيلارا رفقة الربطة التي على عينيها وفمها، ثم خرجت بضع خيوط ذهبية من فوهة التمثال وأمسكت بأطراف مايكا وبدأت تسحبها ببطء.
ابتسم فالدر من شدة حماسه، متجاهلًا الألم الذي يحيط بجسمه: "هذه هي اللحظة التي كنت أنتظرها!"
سقطت صخرة صغيرة من السقف، تبعها صدى خفيف، وفي لحظة لحقها انهيار سطح الكهف بأكمله، مسببًا كومة غبار كثيفة. حمَت تلك الهالة كلا من السحرة بالإضافة للتمثال، لكن سرعان ما تلاشت مع مهب الريح.
"ما الذي حدث؟" "لقد انهار السقف!"
انقشع الغبار رويدًا، مبيّنًا ظلًا من تحته. بين الركام يقف فتى بشموخ، عيناه مشتعلة غضبًا، بينما يحمل إيلارا على كتفه، ثم نطق: "إذن هذه هي الفتاة المخطوفة."
إنه تاكيشي!
ارتجفت أنفاس مايكا للحظة، واتسعت عيناها من شدة الصدمة، ثم قالت بتردد: "أنت- ما الذي جلبك إلى هنا؟!"
أمال البقية رؤوسهم باتجاه مايكا محدقين بها باستغراب، إلى أن تكلم جاك ليقطع التساؤلات: "مايكا.. من هذا الشخص؟"
انزلقت قطرة عرق من جبين مايكا، ثم رفعت رأسها وقالت بارتجاف: "الشخص الذي كنا نراقبه طوال الوقت.. الآفة-"
عبس وجه فالدر وقطّب حاجبيه، ثم صرخ على مايكا بغضب: "ألم تكن مهمتك هي مراقبته وإبعاده عنا!؟"
"لكني قمت بخطة تجعل من وصوله إلى هنا بهذه السرعة مستحيلًا!"
ابتسم تاكيشي، ثم أعطى نظرة خافتة لمايكا وقال: "كشف الهالة.."
***
[خلال الأسبوع الماضي] خارت قوى تاكيشي أثناء تدريباته تحت يد رينوهارا، سقط أرضًا بعد أن استفرغ طاقته وتنهد بشدة، ثم قال: "هل سنبقى على هذا الحال؟"
ابتسم رينوهارا بينما ينظر إلى تاكيشي وكأنه شعر بحنين من الماضي: "لا، أظن أن جسدك تكيف مع الهالة."
عدّل تاكيشي جلسته ثم قال بصوت عالٍ: "حقًا؟!"
"هاهاها! نعم، سوف نشرع بتعلم أحد أساسات الهالة، وهو قسم الاستخدام.."
أمال تاكيشي رأسه تساؤلًا عن معنى ذلك، مباشرة أكمل رينوهارا حديثه: "من أجل استعمال الهالة وقدراتها بأريحية وخفة، تحتاج لإتقان أقسام الاستخدام، وهي أربعة. وأول ما ستتعلمه هو الكشف."
***
[في الوقت الحالي]
"الكشف.."
بمجرد أن قال تاكيشي هذه الكلمة، زاد وقع الصدمة على مايكا.
"ك-كيف؟!"
"ما الذي تعنينه بكيف؟"
لم تتمالك مايكا نفسها وأخرجت عصاها، وقالت بعصبية تحمل نوعًا من التهديد: "لقد راقبتك عندما كنت مع العجوز لثلاثة أيام، ومن المستحيل أن يتقن جاهل مثلك شيئًا حول الهالة."
شحب وجه تاكيشي بعدما سمع كلامها؛ مراقبته كانت تعدّيًا واضحًا على خصوصيته. أخذ نفسًا عميقًا وهدّأ من نفسه، ثم ردّ على كلامها: "مراقبتي إذن.. كان عليك فعل ذلك طوال الفترة الماضية.. لأنني أتقنت ما يسمى بالكشف خلال ثلاثة أيام."
ظهرت على الطائفة ملامح الحيرة، فبالكاد صدقوا أنه يجيد استعمال أحد أقسام الهالة، فما بالك بتصديق إتقانها بثلاثة أيام؟
ابتسم فالدر محاولًا تغيير الموضوع: "وماذا قد تفعله؟ لقد جئت كي تنقذ الفتاة التي بين يديك، أليس كذلك؟"
أعاد تاكيشي النظر إلى إيلارا، وجهها شاحب يدل على فقدانها الوعي، بينما لا تزال خيوط التمثال متصلة بأطرافها. حرك تاكيشي يده باتجاهها، وقبل أن تلمسها أحسّ بلسعة أصابته. 'لا تقل لي إنها لا زالت تتحمل كل هذا الألم!؟'
برقت عينا فالدر، ثم أكمل حديثه قائلًا بمكر: "إذا حاولت الهرب رفقة تلك الصبية، ستسحب الخيوط جسدها وقد تقتلع أطرافها، أما إذا حاولت مهاجمتنا فالتوقف المفاجئ للطقوس سيمزقها أشلاءً.. فمن الأفضل أن تتركها، أو ستكون سببًا في مماتها."
لم يطل تاكيشي التفكير، مباشرة حدق بتمثال التودو: "لقد فهمت- أعرف ما الذي سأفعله الآن."
رفع تاكيشي قدمه، وفي لحظة حاسمة ركل التمثال لتتلاشى هالته الذهبية رفقة خيوطه المتصلة بجسد إيلارا، ويسقط فُتاتًا محطمًا على الأرض أمام أنظار السحرة.
سقط موبو على ركبتيه، وكادت عيناه تذرفان الدموع محدثًا نفسه: 'لقد خاطر بحياة الفتاة بتلك الحركة.. كيف له أن يملك هذه الشجاعة؟'
قبل أن ينطق أحدهم بحرف، انحنى تاكيشي قليلًا وقفز للحفرة التي دخل منها، مخلفًا وراءه غبارًا عابرًا، ثم لاذ بالفرار آخذًا إيلارا إلى مكان آمن.
في لحظة صمت واستيعاب، أخرج فالدر هالة مشؤومة من جسمه، تملك معظم صفات النار: اللون الأحمر، الحرارة العالية، الحركة الجنونية. رفع رأسه نحو تلك الحفرة وصرخ على رفاقه غضبًا: "اتبعوا ذلك الحثالة حالًا! لن أغفر لك أبدًا.. يا تاكيشي الآفة!"
يتبع…
------------------------
من الأفضل قراءة الرواية على واتباد بسبب امكانية تعديل الفصول عليه بشكل دائم + نادي الروايات فيه اخطاء بالنسخ من المستند الى قائمة النشر