8 - بداية المعركة ضد السحرة

صرخ فالدر بأقصى ما لديه، متوعدًا بالقضاء على تاكيشي، بينما عينه تشتعل غضبًا، وهالة نارية تحيط بجسمه. مباشرةً لبّى كلٌّ من جاك وموبو أمر فالدر دون نقاش، وذهبا لملاحقة تاكيشي.

وقفت مايكا مكانها مرتجفة بينما الحسرة تعلوها، وسقطت دمعة ثقيلة تحمل ثِقَل الندم من عينها اليمنى، وأمالت رأسها للأسفل للحاق بها.

"كل هذا بسببي... الفشل الذريع الذي حدث للتو بسببي."

تنهدت ثم سقطت على ركبتيها، وحطت على يديها مكملةً حديثها:

"الحصول على التمثال... إيجاد الأضحية المناسبة... وتحضير الطقوس... كل هذا ذهب دون جدوى بسببي!!"

خفت ملامح فالدر وبردت هالته، ثم حاول مواساة مايكا ببضع كلمات:

"لقد ارتكبتِ خطأ فادحًا... لكن هذه الأخطاء ليست سوى دروس تنير لنا طريق النجاح، وتمحو الندم من قلوبنا."

أحاطت كرة نارية يده اليسرى وحدّق بفتات تمثال التودو الذي كسره تاكيشي، ثم قال وهو يصرّ أسنانه:

"ذلك الطريق بدايته هو التخلص من ذلك الحقير."

***

داخل الغابة كان ظل سريع يركض دون توقف، إنه تاكيشي الذي يمسك الفتاة بإحكام وتعلو وجهه ملامح الحسرة والغيظ.

"لا... لا أريد..."

صوتٌ هادئ ورقيق نبع من إيلارا، لقد استعادت وعيها بشكل جزئي، بينما الدموع رفضت مفارقة عينيها المتألمتين، رفقة أنين بسيط وباهت.

'وضعي لا يُحسد عليه... من المفترض أن يأتي رينوهارا في الحال.'

حاول تاكيشي تهدئة الوضع، ولكنه خاف أن يزيد الأمر سوءًا، كونه لا يجيد معاملة الأطفال ولا يعرف ما الشيء الذي قد يهدّئ من نفسيتهم. خصوصًا أن أحد الأدلة التي أثبتت له أن مايكا ليست طفلة هو أنها توقفت عن البكاء بعد بضع كلمات منه.

عقد حاجبيه وتعكر مزاجه بعد رؤية حالة الفتاة المرعوبة، وعدم إمكانيته فعل شيء يُذكر.

"الشيء الذي فعلوه لا يُغتفر..."

خلفه بحوالي ربع كيلومتر، كان جاك وموبو يتبعان أثره باستخدام الكشف الذي يسمح بإيجاد الهالة المركزية.

"إنه ليس بعيدًا!"

قال جاك الذي كان أسرع من موبو بشكل ملحوظ بسبب اختلاف البنية الجسدية بينهما، حيث جسد موبو كبرميل ضخم. ورغم شكل جاك الذي يبدو كمتعاطٍ للمخدرات، إلا أنه كان سريعًا بحق.

"على الأغلب سيتجه إلى كوخه الذي حدثتنا عنه مايكا. نحن لا نعرف مكانه، لذلك يجب علينا أن نتتبع ذلك الوغد."

عبس جاك وقطب حاجبيه، ثم قال بصوت فظ:

"كنت سأمسكه لو لم تكن بهذا البطء!"

مقر العصابة موجود في الجهة الشرقية للغابة، وكوخ تاكيشي موجود في منتصف الغابة. الخطة الأساسية التي وضعها السحرة هي إبعاد تاكيشي وأخذه إلى الجهة المعاكسة للمقر، أي جهة الغرب، ومن ثم الهرب والعودة بسرعة.

والآن تاكيشي متوجه إلى كوخه في الأغلب، وبما أن جاك وموبو لا يعلمان موقع الكوخ بالتحديد، كون الوحيدة التي تعرف موقعه هي مايكا لأنها من كانت تراقبه، فيجدر عليهما ملاحقته إلى أن يلحقا به.

'لم يجد ذلك العجوز وقتًا للذهاب به إلا اليوم... تبًّا لحظي العسير.'

رياح قوية عصفت بالأشجار ورمت الأحجار والأغصان المكسورة بعيدًا. قطعت حبل أفكار تاكيشي.

"هه هه هه، لن تهرب بعيدًا."

لقد كان ذلك الصوت باتجاه الرياح، إنه جاك. وقف على أحد أغصان الأشجار، كانت يده تحمل العصا السحرية وموجهة نحو تاكيشي، الذي توقف مكانه وهو يحدّق بجاك.

"أأنت من سبب تلك الرياح القوية؟"

رد جاك بضحكة ساخرة، ثم أجاب بجدية:

"نعم، أنا من سبّبتها. ويؤسفني القول أني لست ضعيفًا أو رحيمًا مثل مايكا."

أعطى تاكيشي نظرة خافتة للفتاة، ثم ليديه المصابتين. رفع رأسه بانتظار الهجوم الذي سيوجهه جاك.

'في وضعي الحالي لا يمكنني قتال أي شخص منكم.'

بحركة خفيفة رفع جاك عصاه عاليًا، مما خلّف رياحًا أقوى من سابقتها، جعلت تاكيشي يفقد توازنه ويوشك على السقوط أرضًا، خاصة أنه يحمل ‘يلاراغيّرت من مركز ثقله.

أغمض جاك عينيه ورفع ذراعيه ثم قال بوجه متفائل:

"عليك أن تختار... إما أن تترك الفتاة وتهرب كي تنجو بحياتك، أو تسقط وتموت، ومن ثم نسترجعها."

رغم حماقة جاك في المواقف العادية أو حتى الجدية، وذاكرته الضعيفة، فهو يعتبر ساحرًا استراتيجيًا في المعارك الحقيقية. ولكنه لا يعرف شيئًا عن الشخص الذي أمامه.

'كيف لم يتحرك من مكانه بعد؟ قبل لحظات كاد أن يسقط أرضًا.'

تغيرت ملامح النصر والسخرية إلى الاستغراب والحيرة. سرعان ما أنزل يده التي تحمل العصا ببطء، برفقتها يده الأخرى، لتقل شدة الرياح تدريجيًا إلى الاختفاء.

أعطى جاك نظرة استنقاص أخيرة لتاكيشي قبل أن يتكلم:

"ما هي الحيلة التي استعملتها أيها الوغد؟ هل استعملت قدرتك؟ لا... جاهل مثلك لا يستعمل الهالة من الأساس."

ابتسم تاكيشي ابتسامة خفيفة ثم أشار إلى الأرض نحو ساقيه بالتحديد، قدماه مغروستان بالتربة الرطبة، وجزء من سرواله بالفعل قد غُرس مع قدمه.

عاد جاك خطوة للوراء مجهزًا عصاه للهجوم مرة أخرى.

سحب تاكيشي قدمه اليمنى من الأرض، لقد تلطخت بالوحل لدرجة أن خطواته ستطبع على الأرض بمجرد المشي. مباشرة تبع الأمر بقدمه الأخرى.

"عليّ فعل هذا بسرعة."

انحنى ووضع الفتاة على الأرض، ليصاحب فعله كلام جاك:

"يبدو أنك قد أدركت أنك حشرة أمامي—"

لم يُكمل جاك كلامه إلا باندفاع مباشر من تاكيشي، لم يستهدف جاك بل الشجرة التي يقف عليها. خطا إليها بسرعة مرجعًا قدمه اليمنى للوراء.

دوووم!

ركلة واحدة جعلت الشجرة تهتز، تبعتها لكمة سفلية جعلت الشجرة تفقد توازنها بالكامل. استطاع جاك القفز منها قبل سقوطها ويهبط على ظهره في الجهة المعاكسة لتاكيشي بالنسبة للشجرة.

حاول جاك الوقوف ويده على ظهره، محاربًا الألم الذي أصابه إثر السقوط من أعلى الشجرة.

"تبًّا لك! يبدو أنك لا تعلم ما الذي سيحدث إذا غضبت!"

لقد كان يحدث الأرض أو الهواء أو ربما الشجرة الملقاة على الأرض، تاكيشي ليس موجودًا داخل نطاق عينيه.

ضرب الأرض بقوة عدة مرات وهو يلعن ويسب:

"ذلك الوغد الجبان!"

"لو كان رجلًا حقيقيًا لما هرب مني!"

"سوف أمسكه وأزين مقرّنا برأسه!"

"لم أرَ في حياتي قط شخصًا تملكه الخوف والجبن مثله!"

في لحظات الغضب والسب، ظهر خلف جاك بقية السحرة. وقفوا ووجوههم شاحبة، بالأخص فالدر، عيناه احمرّتا والعروق برزت على رقبته. قاطع جاك وقال بنبرة غليظة بينما هو يحدّق للأمام:

"بدلًا من ملاحقته... لماذا أنت جالس على الأرض وتصرخ وتسب كالأحمق؟"

تعرّف جاك على صاحب هذا الصوت، تصبّب عرقًا واتسعت عيناه وفتح فمه ببطء. لم يتجرأ على الالتفاف لمحادثة فالدر مباشرة، بل اكتفى بالكلام وهو على الأرض:

"لكنه قام بخداعي وقد لاذ بالفرار، هذا يدل على جبنه وخوفه منا!"

"جلوسك إلى الآن يدل على جبنك أنت. على أي حال، لا أريد من أحدكم أن يمسّ الآفة إلا بالضرورة."

هذه المرة التفت جاك مباشرة ورفع حاجبًا بدهشة:

"هـــــــاه؟؟"

"مثلما سمعتني، أفعاله والمتاعب التي سببها لنا لا تُغتفر."

"إذن يجدر بنا مهاجمته!"

قبض فالدر يديه وضغط على أسنانه، ثم أطلق هالته الحارقة الحمراء التي تشبه الجمر الساخن، ثم رفع قبضته اليمنى المشدودة وقال بسخط:

"لا، لا تلمسوا شعرة منه... لأني سأحرقه بنيراني!"

في ذلك الوقت وصل تاكيشي بالفعل إلى كوخه، وضع الفتاة تحت الظل بعيدًا عن أشعة شمس الظهيرة الحارقة.

"لِمَ لم يصل العجوز بعد؟ ربما عليّ الكشف عن المنطقة."

أخذ تاكيشي نفسًا واحدًا ثم أمال رأسه للأسفل وأغلق عينيه بإحكام، متجاهلًا ما حوله من رياح الخريف وأشعة الشمس.

"ما الذي؟! أنا لا أستشعر هالة أي شيء! لا يمكنني الإحساس بهالة رينوهارا أو حتى هالة السحرة... هل هذا يعني أنهم بعيدون بهذا القدر بالفعل؟"

لم يستطع الإحساس بشيء باستثناء هالة إيلارا، كانت خفيفة للغاية بالرغم من أنها كانت مضطربة بسبب حالتها النفسية والرعب الذي ذاقته، فالهالة ترتبط بشكل أساسي بالمشاعر. وهذه المشاعر مثل: الطمأنينة، الهدوء، السعادة، أو حتى المشاعر السلبية مثل: الخوف، الحقد، الألم، تكون ما يسمى "مكونات الهالة".

***

[قبل أيام]

كان تاكيشي جالسًا بأذن مستمعة لشرح رينوهارا حول موضوع مكونات الهالة:

"المشاعر تكون الهالة، أو بالأصح تكون مكوناتها."

رفع تاكيشي حاجبًا وأمال رأسه إشارةً إلى أنه يحتاج لتوضيح أكثر.

"يوجد مكونان واللذان ينشئان أربعة أنواع من الهالة، وهما:

'الين' وهو المكون الذي يُصنع عبر المشاعر الإيجابية، كلما زادت تلك المشاعر كلما زادت كميته بالجسم.

'الكي' وهو العكس، يتكون عبر المشاعر السلبية، كما يُعتبر أندر من الين.

أغلب من ستقابلهم يستعملون الين كمكون أساسي للهالة، أي هالته ستكون مصنوعة بنسبة 100% من الين. ليس بسبب افتقارهم للكي، بل بسبب عدم قدرتهم على استعماله."

ابتسم رينوهارا وأظهر وجهًا متفائلًا ثم أكمل حديثه:

"الكي والين يكونان أربعة أنواع من الهالة. النوع الأول وهو 'هالة الين' المكوّنة من الين فقط، وهي التي ستباشر بها مسيرتك. وبالتأكيد ستتطور وتتقن بقية الأنواع كما ستتقابل مع من يتقنونها بدورهم."

***

[في الحاضر]

أوقف تاكيشي الكشف بعد فشله في رصد أي هالة قريبة باستثناء هالة إيلارا. مسح العرق من جبينه وأخذ أنفاسًا متتالية. فجأة سمع صوت صرير الباب من خلفه، فالتف مباشرة ليرى من فتح، إلا أن عينيه اتسعتا صدمة مما رأى.

لقد كان رينوهارا، وعلى عادته بوجه متفائل وابتسامة عريضة، قال:

"مرحبًا بعودتك يا فتى—"

"لا تمزح معي! لقد استعملت الكشف ولم أستطع الإحساس بهالتك!!"

رد رينوهارا ببضع ضحكات ثم قال:

"نعم، لقد تعمدت استعمال قسم آخر من أقسام الاستعمال، وهو مضاد للكشف... على كل حال، ما أمر تلك الفتاة التي تتلوى على الأرض؟ هل هي أختك أم ما شابه؟ ربما صرت جليسًا للأطفال؟ غههاهاهاها!"

بسط تاكيشي وجهه، فنكات رينوهارا لم تُطرح في الوقت المناسب.

"إنها حكاية طويلة، المهم احمِ هذه الفتاة في الوقت الحالي."

ركض تاكيشي عائدًا أدراجه، لكن أوقفه رينوهارا وبدأ بطرح بعض الأسئلة:

"أين أنت ذاهب؟ ومالذي حدث لذراعك؟"

التفت تاكيشي وحدّق برينوهارا بحدة، ثم أعطاه ظهره وشدّ قبضته وطرطق أصابع يده الأخرى، ثم قال بصوت غليظ:

"عندما أقوم بتسوية الأمر، سأشرح لك كل شيء..."

2025/09/19 · 19 مشاهدة · 1433 كلمة
المحايد
نادي الروايات - 2026