اختفى تاكيشي داخل ظلمات الغابة، بينما بقي رينوهارا تحت أشعة الشمس الذهبية وهو يحدّق به إلى أن غاب عن ناظريه.
التفت رينوهارا باتجاه إيلارا الملقاة تحت الظل، وقف أمامها ثم جلس على ركبتيه وربّت على رأسها.
"لا تقلقي، لن يمسّك أي شر."
كانت الفتاة تتألم جسديًا ونفسيًا، فمن الواضح أن تمثال التودو قد آذى جسدها للغاية، بالإضافة إلى الكلام الذي كانت تسمعه بوضوح من السحرة.
فتحت عينيها ببطء، وسمحت لدمعة صغيرة بالانسياب وهي تحدّق بالمكان وتحاول الاستيعاب، حتى رأت يد رينوهارا على رأسها وهي تشعّ بهالة بيضاء صافية مثل القطن.
تدفقت تلك الهالة من يد رينوهارا مباشرة نحو جسد إيلارا. بدأت هالتها تتحرك كموج البحر المعتدل، وبدأ التشويش فيها يتحول إلى اعتدال تدريجي.
اختفت أنفاسها المتهالكة، وبدأت تتنفس بشكل طبيعي، واستطاعت أن تحرك يدها ببطء.
"يا عم..."
قالت بصوت متفائل وخفيف، بالكاد سمعه رينوهارا الذي بدوره قال:
"لا تقلقي! سوف أحميك من الأشرار!"
ابتسمت إيلارا، مصاحبة ابتسامتها دمعة أخيرة انزلقت على خدها، ثم قالت:
"شــــكـــرًا لــــــك!"
ابتسم رينوهارا أيضًا بعدما رأى أن حالة الفتاة في تحسّن، ثم قال بلهجته الودودة والخفيفة:
"العفو، إذن ما اسمك يا صغيرة؟"
"اسمها هو إيلارا..."
صوت فظ انطلق من خلف رينوهارا، فالتفت ليعرف صاحب الصوت، إنه موبو برفقة جاك ومايكا.
أشار جاك نحو رينوهارا وقال باستهزاء:
"إن كنت تريد إكمال ما تبقّى لك من سنين، سلّم لنا الفتاة أيها العجوز!"
شعر رينوهارا بارتجاف الفتاة بعد رؤيتهم، فوقف وأعطاهم نظرة حادة وقال:
"ما الذي فعلتم بها؟"
أجاب جاك مرفقًا بضحكات تحمل خبثًا وشرًّا مباشرًا:
"مثل هذه الأمور لا شأن لك بها، هاهاهاها!!"
رفعت مايكا يدها بخفة لإيقاف ابتزاز جاك، ثم قالت بنبرة توحي بحذرها:
"لا يجدر بنا أن نستهين بهذا الشخص، فهو من علّم تاكيشي، الآفة، على استعمال الهالة."
أخرج رينوهارا سيفه من غمده، مصاحبًا ذلك صوت صرير النصل وهو يحتك بالغمد.
"أنتِ من كنتِ تراقبيننا في ذلك الجبل الصخري."
"كيف عرفت؟"
كانت مهمة مايكا الأساسية مراقبة تاكيشي وأي شخص يقترب من المقر وإبعاده قدر المستطاع حتى لا يتدخل في عملية رفع درجة السحر. باختصار قد قامت بمراقبة تاكيشي ورينوهارا لمدة يوم واحد قبل أسبوع.
عدّل رينوهارا مكان نظارته التي انعكست عليها أشعة الشمس الدافئة، وحدّق بالسحرة بعينين حادتين كالسهم.
"لم يستطع الفتى استشعار وجودكم بسبب استعمالكم 'الإخفاء'. على الأرجح أنه ضائع–"
"لا، بل سيقابل فالدر، أي بمعنى آخر هو ذاهب إليه بقدميه."
في باطن الغابة، وبالتحديد قرب كهف الطائفة السحرية، وصل تاكيشي إلى أرض جافة على عكس بقية أرجاء الغابة. الأشجار احترقت وأصبحت باللون الرمادي القاتم، وتحوّلت تلك الزهور البيضاء إلى رماد ناري تسحبه رياح طفيفة ليندمج مع الهواء الطلق.
توقف تاكيشي وسط ذلك الخراب الموحش وهو ينظر لكل شبر وزاوية بعينين واسعتين تملؤهما الحيرة والتساؤلات.
فجأة، سمع صوت الرماد تحت خطوات متزامنة. قبض يديه ورفع رأسه باتجاه مصدر الصوت. هالة حمراء داكنة بحواف برتقالية مشعّة كالجمر أبعدت الرماد بهواء ساخن ينبعث منها.
داخل تلك الهالة الحارقة كان فالدر يمشي باتجاه تاكيشي. رفع يده ببطء وأشار بأصبعه قائلًا بصوت التهمته النيران:
"ستنال جزاء فعلتك."
عاد تاكيشي خطوة إلى الوراء وأخذ نفسًا عميقًا، ثم رد:
"أنت أحدهم... أحد من قاموا بإيذاء وإرعاب تلك الفتاة."
انطفأت هالة فالدر النارية كانطفاء الشمعة إثر نفس بسيط. عيناه محمرتان ويداه مشدودتان، تقدّم بخطى ثقيلة ساعية للانتقام وقال بنبرة يتفجّر الغضب منها:
"لقد أفسدت مخططاتنا من أجل فتاة صغيرة يا آفة. جزاء أخذ الأضحية وتخريب مقرنا، بالإضافة إلى تحطيم التودو–"
"هل تقصد ذلك التمثال الذي يشبه الحصان؟"
اشتعلت قبضته بكرة نارية، وأعطى نظرة أخيرة قبل أن يقفز حاملاً قبضته المشتعلة صوب تاكيشي موجّهًا إياها نحو رقبته.
استطاع تاكيشي بالفعل صد الضربة بساعده المصاب وهو يعضّ شفتيه ألمًا. تلك الضربة زادت وضع ذراعه سوءًا؛ احترقت الربطة التي كانت توقف النزيف واتسع الجرح أكثر بسبب لكمة فالدر.
"لم أكن أتوقع أن تكون بهذا الضعف، أيها الآفة."
ذراع تاكيشي اليمنى المرتخية شُدّت بإحكام، اندفع للأمام بسرعة نحو فالدر مخلفًا وراءه أثر قدمه التي ارتسمت على الأرض من قوة الانطلاقة.
في لحظة، وصل أمام فالدر، فأحكم على قبضته الملطخة بدمائه، وقبل تسديد لكمته اشتعل حاجز ناري غطى فالدر.
"ما الذي ستفعله الآن؟"
"لا خيار لدي سوى هذا!"
لم يرْخِ تاكيشي قبضته، بل سدد لكمة بكل ما يملك من قوة، مخترقًا ذلك الحاجز الناري كاختراق الصاروخ لنسيج الصوت وصولًا إلى كتف فالدر.
تَشَك!
صوت تحطم ظهر مباشرة بعد تلك اللكمة... لقد كسر كتف فالدر الأيسر، ولكن في الوقت نفسه تراجع تاكيشي بخطوات متعرجة وهو ممسك بذراعه. ما بقي من الربطة قد احترق بالكامل، بينما قطرات مشعّة باللون الأحمر انزلقت على ساعده وسقطت أرضًا.
"لقد فقدنا كلانا ذراعًا... أغغغ! هذا مؤلم!"
انقشعت النيران لتظهر وجه فالدر المتألم، وجهه قد تصبب عرقًا، كما توسعت عيناه وكادتا أن تخرجا من محجريهما، بينما هو يترنح.
"سحقًا لك!" قال وهو يحاول تحريك كتفه، لكن دون جدوى؛ فأي حركة بسيطة ستزيد الأمر سوءًا.
استعاد تاكيشي توازنه متجاهلًا الألم الشديد الذي يجري في عروقه.
رمى فالدر يده السليمة داخل قميصه، وأخرج عصاه السحرية، ورفعها بسرعة نحو تاكيشي، لتتكوّن كرة نارية ضئيلة بحجم حصاة صغيرة على حافة العصا.
"ســــأكون جادًا من الآن."
قال فالدر وهو غارق في بحر داكن عميق من أفكاره رفقة ألمه الطاغي:
'لا يمكنني تحريك يدي اليسرى... بل أي حركة أقوم بها سينتج عنها ألم فظيع. هذا الوغد! بضربة واحدة بذراع مصابة فعل هذا! إذن على هذا المنوال سأباشر بالهجوم!'
احمرّت الكرة النارية أكثر وأصبحت بشكل شمس الغروب. فجأة، انطلقت بسرعة جنونية نحو وجه تاكيشي كرصاصة مسدس خفيف. استطاع تاكيشي تفادي تلك الهجمة بأعجوبة، لكنها احتكت بخده مما سبب حرقًا خفيفًا برز على وجهه، كبروز القمر المنير في وجه السماء الداكنة رفقة النجوم المتلألئة. لم تكن هذه الإصابة شيئًا مقارنة مع ما حصل ليده.
"لم أنتهِ بعد!"
قال فالدر بصوت عالٍ وجسيم، قبل أن يُكوّن عدة كرات صغيرة عند حافة العصا الخشبية. أنارت كل واحدة منها ببطء وبشكل متتالٍ، بإضاءة باهتة وخفيفة كاليراعة.
هرع تاكيشي من مكانه وركض بأقصى قواه متحملًا الألم الفظيع الذي حاصر يده. اختبأ خلف شجرة قبل أن يبدأ إطلاق هائل من الشموس الصغيرة التي هشمت سطح تلك الشجرة.
استمر وابل الهجمات دون توقف، وفي الوقت نفسه كان ما يشغل تاكيشي بعيدًا عن إصابته هو البحث عن خطة مناسبة، بينما هو يحدّق إلى يمينه، حيث توجد عدة أشجار مكتظة وسليمة لم تصلها نيران فالدر الحارقة.
'إذا استطعت الركض من هذا الاتجاه مراوغًا هجماته ومختبئًا وراء تلك الأشجار السليمة، فربما أستطيع مهاجمته.'
لمس الحرق الذي سببه فالدر على وجهه، ثم كلم نفسه وهو يشدّ على أسنانه بقوة:
'بمجرد أن أطلقت هالتي لأقل من عشر ثوانٍ، قد استهلكت كل طاقتي... وها هو عدوي يستعمل الهالة بكل سهولة... يا لي من فاشل...'
أحس بازدياد الحرارة من ظهره، فقفز من مكانه كالأرنب المذعور قبل أن تخترق الشموس الصغيرة تلك الشجرة. اتجه نحو اليمين وفقًا لخطته بينما تبعته هجمات فالدر.
"لن تهرب مني!"
احتمى تاكيشي خلف تلك الأشجار، ومع ذلك لم يقطع ركضه، بل أكمل في اتجاه دائري للالتفاف نحو فالدر.
بدأت حركة تاكيشي تتباطأ تدريجيًا بينما يحاول التقاط أنفاسه. قابل فالدر، وكانت تفصلهم عدة أمتار معدودة.
توقف فجأة وركض مستجمعًا نفسًا عميقًا، وبآخر ما بقي له من طاقته ووهج قلبه ركض نحو فالدر متفاديًا معظم طلقاته التي صار إطلاقها بوتيرة أقل من السابق.
خطا تاكيشي آخر خطوة أمام فالدر موجّهًا قبضته الحديدية هذه المرة نحو الوجه، ولكن بريقًا أحمر قويًا كفتحة فرن هائج سطع أمامه. تكوّنت كرة نارية أكبر بحجم كرة طبيعية، لونها أحمر مصفر ينبعث منها وهج برتقالي ناصع يعمي الناظرين.
خفض تاكيشي من سرعته وأمال جذعه قليلًا للأسفل.
"لا جدوى من محاولة تفادي هذا الهجوم، سيصيبك دون أدنى شك!!"
قال فالدر في لحظة حرجة لا يمكن التراجع فيها. صوت النيران التهم المكان، وتوجهت تلك الكرة نحو صدر تاكيشي، لا وقت له لتفادي تلك الهجمة.
"ما الذي؟!"
رمى تاكيشي يده المتضررة أمام الهجوم، مصاحبًا ذلك الصد كرب لعين. في لحظة استيعاب، سدد لكمة علوية نحو فالدر، ولكن بسبب الصد السابق انحرف مسار الضربة إلى الأعلى بجانب ذراع فالدر.
سحب تاكيشي يده وبإحكام أخذ عصا فالدر من يده المرتخية.
عاد تاكيشي إلى الوراء عاجزًا عن تحريك يده اليمنى المصابة، بينما هو يلتقط أنفاسه المختلطة مع دخان النيران.
"إلى أي مدى؟ إلى أي مدى قد وصل جنونك؟!"
صرخ فالدر بصوت عالٍ بعدما استوعب ما حصل للتو، وأدرك مدى عزيمة تاكيشي وجديته في القتال.
يد تاكيشي اليمنى تهمّشت بالكامل: جروح وكسور بالإضافة إلى حروق. إن لم يفعل شيئًا قبل فوات الأوان قد يضطر لبتر ذراعه.
رفع يده السليمة التي تحمل العصا، ثم شدّ عليها بإحكام وحطّمها إلى فتات كفتات الخبز.
"أيها الوغد!!"
أخذ تاكيشي أنفاسًا متقطعة، حاول تكبّد الألم الفظيع، إحساسه كإحساس شخص فقد ذراعه في لحظة سريعة.
"لا أدري ما مدى صعوبة جلب عصا مثل هذه، أو جلب تمثال مثل الذي حطمته..."
احمرت عيناه؛ ليس بسبب الألم بل بسبب الغضب الذي تملكه، ثم أكمل كلامه بصوت صاخب:
"ولكن هل خطف وقتل فتاة بعمر الزهور أمر هين؟!"
صوت النيران اختفى وعمّ الصمت للحظة بعد صراخ تاكيشي. أمال فالدر رأسه نحو الأرض، وظهرت ابتسامة خبيثة على وجهه وكأنه نسي ما فعل تاكيشي من خطايا بالنسبة لهم. سرعان ما انطلقت عدة ضحكات من فمه.
"هاهاهاهاها!! يا فتى، لقد أثبت لي حقًا قوتك ودهاءك!"
حاول تاكيشي تجهيز دفاعه، ولكن ما حدث للتو قد أنهكه وسحب جلّ طاقته.
"انضمّ إلينا يا تاكيشي!"
اتسعت عينا تاكيشي اندهاشًا، ثم قال بنبرة خافتة:
"انضم إليكم؟ هل تظن أني أحمق أو جبان؟"
أرخى فالدر يديه وأخذ نفسًا أخيرًا ثم قال:
"الأرجح أن جوابك يدل على رفضك–"
التهبت يده اليمنى واندفع نحو تاكيشي بسرعة وهو يصرخ وشرارة نارية كثيفة تخرج من فمه.
"دراغـــــــــون فلـيــــــــــــــــــــم!!"
ضربة حارقة على البطن رمت تاكيشي لعدة خطوات إلى الوراء. حاول التوازن وتعديل وقفته غير المتزنة. رفع ناظريه ليرى فالدر واقفًا بينما ذراعه اليمنى من كفه إلى كتفه مشتعلة.
"لكن... لقد حطمت عصاه–"
جاءت لتاكيشي لحظة إدراك, قبل أن يخرج فالدر عصاه، أطلق هالة نارية رفقة بعض التقنيات النارية, اي توجد العديد من الاحتمالات حول قدرة فالدر الأساسية والفرعية.
"هل قدرتك–"
قاطعه فالدر بكلامه الذي تخلله الازدراء والتكبر.
"العصا تسمح لي باستعمال عنصر النار... ولكن في الوقت نفسه، هذه هي قدرتي الأساسية..."