تحت السماء المظلمة، حيث كانت السحب القاتمة تحجب ضوء القمر، وقفت الوحوش أمام إحدى مدن إمبراطورية رافيندال، تعوي وتصرخ بجنون، تستعد لاجتياح المدينة وسفك الدماء. كانت المدينة صامتة، بلا أي حركة، كأنها تعلم أن مصيرها قد حُسم.

وفجأة، أمام بوابة المدينة، ظهر شخصٌ واحد. لم يكن هناك جيش أو فرسان، بل مجرد رجل واحد يرتدي ملابس سوداء قاتمة، وجهه مخفي تحت قناع أسود يخلو من أي ملامح. في يده سيف أسود، لا يعكس أي ضوء، كأن الظلام نفسه قد تلبّس به.

اندفعت الوحوش نحوه كأمواج من الجنون، زئيرها يملأ الأفق، عيونها تلمع بجوع لا يشبع. لكن الرجل لم يتحرك، لم يظهر أي خوف، فقط رفع سيفه قليلاً.

ثم، في لحظة، اندلعت المذبحة.

تحرك السيف الأسود بسرعة غير طبيعية، يقطع الهواء كما لو كان يشق نسيج الواقع نفسه. في أقل من ثانية، شُطرت أول وحش إلى نصفين، دمه المتفجر يرسم قوسًا من السواد في الهواء. لم يكن هناك صراخ، لم يكن هناك ألم، فقط موتٌ محض.

الوحوش الأخرى لم تتوقف، بل اندفعت أكثر، محاوِلةً سحق الرجل الأسود بكتلها الهائلة. لكنه لم يتراجع. كان جسده يختفي ويظهر بين الهجمات، كأنما لم يكن هناك من الأساس. سيفه الأسود كان الشبح الحقيقي، يضرب بلا توقف، يمزق الأجساد، يبقر البطون، يقطع الرؤوس كما لو كانت هشّة كالفخار.

في وسط ساحة القتال، كان الرجل الأسود يتحرك بين الوحوش كأنه ظل قاتم يلتهم كل ما يقترب منه. كانت الوحوش يصرخون، لكن لم يكن أحد ليسمعهم. كانت المدينة خلفه لا تزال صامتة، تراقب.

انفجر رأس أحد الوحوش فجأة عندما شقّه السيف الأسود من منتصفه، تناثر الدم اللزج، ووقع جسده الضخم دون حراك. وحش آخر حاول الانقضاض من الخلف، لكن دون أن يلتفت، رفع الرجل الأسود سيفه وقطعه نصفين بضربة واحدة. أحشاؤه تناثرت على الأرض، بخارها الساخن يتصاعد في الهواء البارد.

بقيت الوحوش تتراجع قليلًا، ترددٌ غريب بدأ يظهر عليها. لم تكن تفهم، لم تكن تدرك كيف يمكن لشخص واحد أن يكون بهذه القوة. لكن لم يكن هناك وقت للهرب.

في لحظة، قفز الرجل الأسود إلى الهواء، استدار بسرعة غير طبيعية، وبحركة واحدة قطع خمسة وحوش دفعة واحدة. انفجرت الدماء كالنافورة، وتحولت الأرض تحته إلى بحيرة سوداء من السائل اللزج.

بقي عدد قليل من الوحوش، لكنها لم تعد تهاجم. كانت تحدق به، مذعورة. لا يفترض بها أن تشعر بالخوف، فقد تم تعديلها لتكون بلا عقل، بلا مشاعر، مجرد أدوات للقتل. لكن الآن، أمام هذا الرجل، كانت ترتجف.

أخيرًا، بعد دقائق من الذبح المستمر، بقيّ آخر وحش يقف أمامه، أنيابه تقطر بالدماء، لكن جسده يرتعش. تقدم الرجل الأسود ببطء، رفع سيفه، ثم بضربة واحدة أنهى الأمر.

وقف وسط الجثث، بين الأشلاء الممزقة، بين الدماء التي غطت كل شيء. لم يتحرك، لم يتحدث. فقط ظل واقفًا هناك، كتمثال للموت ذاته.

بعد لحظات، أدار ظهره، وسار نحو المدينة.

البوابات فُتحت بصمت، واستقبله الظلام.

...

...

بعد يومين من المجازر الوحشية التي اجتاحت القارات، كانت الصدمة لا تزال تسيطر على الجميع. لقد تحولت مدن بأكملها إلى ساحات قتل، والدماء لطخت الأرض، والجثث انتشرت في كل مكان. هذه الوحوش التي ظهرت فجأة لم تترك مجالًا للنجاة، ولا أحد يعرف من أين أتت.

في ظل هذه الفوضى، اتخذت الإمبراطوريات الخمسة قرارًا بعقد اجتماع طارئ لمناقشة الكارثة وإيجاد حل لها. وقع الاختيار على إمبراطورية سكارليث لاستضافة الاجتماع، فهي الإمبراطورية الأقوى بين الجميع، والوحيدة التي تمتلك جيشًا قويًا بما يكفي لاحتواء الموقف.

لكن المفاجأة الكبرى كانت رفض إمبراطورية رافيندال الحضور، وكأن شيئًا لم يحدث لها!

كان هذا التصرف صادمًا للجميع. هل يعني هذا أنهم لم يتعرضوا للهجوم أصلًا؟ أم أنهم تمكنوا من صد الوحوش بسهولة؟ أم أنهم ببساطة لا يهتمون بمصير العالم؟

في القاعة الكبرى لقصر سكارليث الإمبراطوري، اجتمع قادة الإمبراطوريات الخمس:

الإمبراطور فالكون فيرزادن، حاكم إمبراطورية فيرزادن العظيمة، والمعروف بذكائه الحاد وقوته الخارقة.

الإمبراطور روبيرت نيفيريا، قائد إمبراطورية نيفيريا التي تلقت الضربة الأقوى من الوحوش.

الإمبراطور ريكس زاندرا، قائد إمبراطورية زاندرا، التي تحوي أقوى المقاتلين جسديًا.

الإمبراطور أليستر إيسكار، سيد إمبراطورية إيسكار السحرية، حيث يتمركز أقوى السحرة في العالم.

الإمبراطور بلاين سكارليث، مضيف الاجتماع وحاكم إمبراطورية سكارليث.

إلى جانبهم، حضر إدغار سكارليث وجاستين سكارليث، اللذان كانا يبدوان وكأنهما لا يعرفان شيئًا عن مصدر هذه الوحوش، رغم كونهما العقل المدبر وراء انتشارها.

كما كان هناك حضور لشخصية مهمة أخرى، تايلر فيرزادن، مستشار رئيس عائلة فيرزادن، وهو رجل مخيف بذكائه وحنكته السياسية.

بدأ الاجتماع بصمت ثقيل، قبل أن تتحدث الإمبراطورة ليونا بصوت غاضب: "هذه الكارثة لا يمكن أن تكون مجرد صدفة! وحوش بهذه القوة لا يمكن أن تظهر فجأة دون سبب. لا بد أن هناك طرفًا مسؤولًا عن ذلك!"

أجاب الإمبراطور ريكس زاندرا وهو يطرق على الطاولة بقبضته القوية: "ليس هذا فقط! لقد راقبنا هذه الوحوش جيدًا، ولاحظنا أنها ليست مخلوقات طبيعية! أجسادها، حركاتها، حتى طريقة قتالها، كلها تدل على أنها معدلة بطريقة ما."

هز الإمبراطور أليستر رأسه موافقًا: "أوافقك الرأي، بل إن بعض التقارير تشير إلى أن بعض هذه الوحوش كان لديها مقاومة للسحر، وكأنها خضعت لتجارب جعلتها أكثر فتكًا!"

صمت الجميع لوهلة، ثم تحدث فالكون فيرزادن بنبرة جادة: "لكن السؤال الأهم... من فعل ذلك؟ ومن المستفيد من نشر هذه الوحوش في جميع الإمبراطوريات؟"

نظر الجميع إلى بعضهم البعض في ريبة، قبل أن تتجه الأنظار نحو إمبراطورية سكارليث، فهي الإمبراطورية التي تمتلك أكثر العلماء تقدمًا.

لكن إدغار، الذي كان يجلس بهدوء إلى جانب جاستين، تحدث بنبرة باردة: "أنتم تشكون بنا؟ هذا أمر مثير للسخرية. إمبراطورية سكارليث نفسها تعرضت للهجوم، جنودنا سقطوا دفاعًا عن أراضينا، ومدننا عانت مثل مدنكم. لماذا قد نفعل ذلك بأنفسنا؟"

تدخل جاستين بدوره، محاولًا إبعاد الشكوك: "كما قال إدغار، نحن أيضًا دفعنا الثمن. إن كان هناك طرف مسؤول عن هذا، فهو طرف خارج عن سيطرتنا جميعًا. ربما علينا البحث عن إمبراطورية رافيندال، فرفضهم الحضور يثير الشكوك حولهم."

تبادل الجميع النظرات، وكانت كلمات جاستين كفيلة بزرع بذور الشك في نفوس الحاضرين.

تحدث تايلر فيرزادن لأول مرة، بصوت هادئ لكن يحمل وراءه خطورة خفية: "إمبراطورية رافيندال، كما نعلم جميعًا، لم تتعرض لأي هجوم. هل هذه مجرد صدفة؟ أم أن هناك شيئًا آخر يحدث في الظل؟"

ساد الصمت في القاعة، الجميع كان يعلم أن رافيندال غامضة، لكن هل من الممكن أن تكون وراء كل هذا؟

نظر الإمبراطور بلاين إلى الجميع، ثم قال بجدية: "علينا أن نقرر خطوتنا القادمة بحكمة. إن كان هناك عدو حقيقي وراء هذه الكارثة، فعلينا كشفه قبل أن يضرب مجددًا."

---

---

بينما كان اجتماع الإمبراطوريات مستمرًا في القصر الإمبراطوري لإمبراطورية سكارليث، كانت الأجواء داخله مشحونة بالتوتر، لكن في جناح العائلة المالكة، كان هناك اجتماع آخر، أقل رسمية ولكنه لا يقل أهمية.

جلست أليس سكارليث على أريكة مريحة في قاعة الاستقبال الخاصة بها، بينما كانت ابنتها الصغرى أرينا، البالغة من العمر عشر سنوات، نائمة على فخذها، أنفاسها هادئة وكأنها غير مدركة للعاصفة التي تعصف بالعالم من حولها. كانت أليس تمرر أصابعها بلطف بين خصلات شعر ابنتها، محاولة الحفاظ على هدوئها رغم القلق الذي يملأ عقلها.

أمامها، وقف كل من ويليام وإيميليا، ولديها الأكبر، وكانت تعابيرهما تعكس الاضطراب الذي يعتمل في داخلهما.

"هذا ليس طبيعيًا، يا أمي." قال ويليام وهو يعقد ذراعيه أمام صدره، نظراته جادة ومليئة بالشكوك. "الهجمات المتزامنة على جميع الإمبراطوريات؟ حتى إمبراطوريتنا لم تُستثنَ، وكأن المهاجمين يريدون أن يجعلونا نعتقد أننا لسنا المتسببين."

إيميليا التي كانت جالسة بالقرب من المدفأة، حيث كانت ألسنة اللهب تتراقص وتعكس ظلالًا متراقصة على جدران الغرفة، وضعت ساقًا فوق الأخرى وقالت: "لكن لا يوجد دليل مباشر على أن جهة ما تقف خلف هذا. الوحوش ظهرت ببساطة وهاجمت، وكأنها بلا عقل أو هدف محدد."

تنهدت أليس، وأخذت نفسًا عميقًا قبل أن ترد بصوت هادئ لكنه يحمل نبرة قلق: "لا يمكننا تجاهل الحقيقة. نحن نعلم أن هذه المخلوقات لم تكن موجودة من قبل، أو على الأقل، لم يكن لها وجود بهذا الشكل العشوائي. شخص ما، في مكان ما، يقف وراء هذا كله."

ألقى ويليام نظرة على أخته قبل أن يتحدث مرة أخرى: "الأمر الذي يحيرني أكثر هو رافيندال. لماذا لم تتفاعل؟ هل من الممكن أنها عرفت مسبقًا؟ أم أنها ببساطة أقوى مما نتصور ولا تهتم بهذه التهديدات؟"

أجابت أليس بهدوء، بينما تواصل مداعبة شعر أرينا: "رافيندال كانت دائمًا لغزًا، لكن تجاهلهم لهذا الحدث يعني شيئًا واحدًا فقط: إما أنهم غير متأثرين تمامًا، أو أنهم متورطون بطريقة ما."

تدخلت إيميليا، التي كانت قد أراحت مرفقها على ذراع الكرسي ووضعت يدها على خدها، قائلة: "أم أن هناك جهة أخرى تريد أن تُشغل الإمبراطوريات، ربما لحرف أنظارنا عن شيء آخر؟"

ساد الصمت للحظات، حيث فكر كل منهم في الاحتمالات المطروحة. كانت الغرفة مضاءة بإضاءة خافتة، مما أضفى جوًا من الغموض على المناقشة.

أخيرًا، نظر ويليام إلى والدته وسأل: "ما رأيكِ، أمي؟ ما الذي يجب علينا فعله؟"

أجابت أليس بعد لحظة تفكير: "نحن بحاجة إلى معرفة الحقيقة. لا يمكننا التصرف بناءً على افتراضات فقط. على بلاين أن يكون أكثر حذرًا في الاجتماعات، وأن يراقب ردود فعل قادة الإمبراطوريات الأخرى. أما نحن، فعلينا أن نبدأ بتحليل ما حدث بدقة، والبحث عن أي دليل قد يشير إلى من يقف خلف هذه الأحداث."

تنهد ويليام وقال: "إذا كان هناك شيء واحد تعلمناه من تاريخنا، فهو أن الأعداء الحقيقيين لا يكشفون عن أنفسهم بسهولة. علينا أن نكون مستعدين لأي شيء."

...

...

...

وسط العاصفة الثلجية التي اجتاحت الجبال الشمالية، كانت الرياح تعوي بقوة، تحمل معها رقاقات الثلج التي تتطاير كالسكاكين الحادة. في أعالي أحد الجبال المغطاة بالثلوج، جلس رجل عجوز على صخرة بارزة، يلفه معطف ثقيل أسود بلون الليل، بينما تساقطت بعض ندف الثلج على رأسه الأصلع.

كان هذا الرجل العجوز ذا حاجبين كثيفين وشاربين طويلين متصلين بلحية امتدت حتى منتصف صدره، بيضاء كالجليد المحيط به. كانت بعض الجروح القديمة تبرز بوضوح على صلعته، ندوب تركها الزمن أو ربما معارك لا تعد ولا تحصى.

في يده اليمنى، أمسك بزجاجة شراب، رفعها إلى شفتيه وأخذ منها جرعة طويلة، ثم أنزلها ببطء، لتتبعها ضحكة عميقة، منخفضة في البداية، ثم بدأت تتصاعد حتى أصبحت ضحكة مدوية تتحدى عواء الريح.

"هذه خطوة جريئة حقًا يا جاستين..." قال بصوت خشن، يحمل بين طياته مزيجًا من السخرية والإعجاب.

حدق أمامه إلى الفراغ، وكأنه يرى شيئًا لا يراه غيره. عينيه، اللتين كانتا ضيقتين بسبب العمر، تلألأتا بضوء غريب.

نظر إلى السماء المظلمة، ثم عاد ليأخذ رشفة أخرى من زجاجته قبل أن يمسح بفمه بظهر يده. صوته هذه المرة كان أكثر هدوءًا، لكنه لا يزال يحمل نبرة السخرية.

"لقد بدأت اللعبة..." همس لنفسه، قبل أن يرخي جسده إلى الخلف قليلاً، مستمتعًا ببرودة الثلج التي لم تؤثر عليه إطلاقًا.

كانت أنفاسه تخرج كسحب دخانية صغيرة بينما رفع كوب الشراب إلى شفتيه، ليتفاجأ بأنه قد فرغ تمامًا. ألقى نظرة ضجرة على الكوب الفارغ قبل أن يزم شفتيه ويمسح بقايا المشروب عن لحيته البيضاء الطويلة.

"هاه… لقد نفد الشراب." قالها بصوت هادئ لكنه يحمل شيئًا من الضيق. ألقى بالكوب بعيدًا، ليغوص في الثلج دون صوت، ثم نهض ببطء، مطقطقًا مفاصله المتيبسة من البرد.

نظر إلى الأفق المظلم حيث كانت العواصف تضرب الجبال بلا رحمة، ثم أغمض عينيه للحظة وكأنه يستمع لشيء ما، قبل أن يفتحها مجددًا بوميض خافت غريب.

تحرك بخطوات بطيئة على سطح الثلج المتجمد، وكأنه يتجول في حديقته الخلفية، متجاهلًا العواصف الثلجية التي كادت تبتلعه. كانت آثار قدميه العميقة في الثلج تختفي بسرعة بفعل الرياح العاتية، وكأنه لم يكن هنا أبدًا.

يتبع...

2025/02/27 · 25 مشاهدة · 1747 كلمة
Vicker
نادي الروايات - 2025