[منظور إيثان سكارليث]
استيقظتُ على إحساس ثقيل في جسدي، وكأنني كنتُ محاطًا بظلٍ كثيف يمنعني من الحركة. رأسي كان ينبض بالألم، وذاكرتي مشوشة، كأنني كنتُ أحاول تجميع شظايا حلمٍ مبعثر.
آخر شيء أتذكره… البحر الأسود. المخلوق. يداه التي امتدت نحوي، ثم الفراغ المطلق.
لكنني لم أكن في البحر الآن.
تنفستُ بعمق، وحين فتحتُ عيناي، وجدتُ نفسي في مكانٍ غريب. سقفٌ حجري منخفض، جدران خشنة كأنها منحوتة من الصخور، وإضاءة خافتة تنبعث من بلورات صغيرة مزروعة في الجدران. بدا المكان وكأنه تجويف طبيعي تحت الأرض، لكنه منظم أكثر مما ينبغي.
لكن الشيء الذي لفت انتباهي لم يكن المكان… بل الشخص الذي كان يحدّق بي.
"أخيرًا! لقد استيقظت!"
كان الصوت ناعمًا، لكن ليس طفوليًا كما توقعت. رفعتُ نظري ببطء، لأجد فتاة تجلس أمامي، ساقاها مطويتان تحتها، وعيناها الكبيرتان تنظران إلي بترقب.
كانت… غريبة.
بشرتها شاحبة بطريقة غير طبيعية، شعرها الأبيض الطويل ينساب على كتفيها وظهرها بسلاسة، وقرنان بارزان ينحنيان قليلًا فوق رأسها. لكنها لم تكن مرعبة، بل على العكس… كان في ملامحها شيء لطيف، شيء جعلني أشعر وكأنني… أعرفها؟
أوهام. فقط أوهام.
لم أجبها فورًا، ما زلتُ أحاول استيعاب وضعي. أين أنا؟ كيف وصلتُ إلى هنا؟ ولماذا هذه الفتاة لا تبدو قلقة من وجود شخص غريب مثلـي؟
قبل أن أتمكن من السؤال، اقتربت مني قليلًا، وملامحها تضيء بحماس طفولي.
"لم ألعب مع أحد منذ فترة طويلة! كنتَ نائمًا طوال هذا الوقت، وكنتُ أفكر… ماذا لو لم تستيقظ أبـدًا؟!"
تجمدتُ. الطريقة التي قالت بها ذلك… لم تكن تعبيرًا عن القلق، بل مجرد فضول بريء. وكأن فكرة عدم استيقاظي لم تكن أمرًا محزنًا، بل احتمالًا مثيرًا للاهتمام بالنسبة لها.
رفعتُ رأسي قليلاً، ونظرتُ إليها بتمعن.
"من… أنتِ؟"
اتسعت ابتسامتها أكثر، ثم وضعت يدها على صدرها بفخر.
"اسمي سيرين!"
سيرين… لم أسمع بهذا الاسم من قبل، لكنه منحني شعورًا غريبًا، وكأنني يجب أن أتذكره رغم أنني متأكد من أنني لم أسمعه من قبل.
"وأنتَ إيثان، صحيح؟"
ترددّتُ للحظة، ثم هززتُ رأسي بإيماءة خفيفة. كيف عرفت اسمي؟ هل كنتُ أهذي أثناء نومي؟ أم أنها كانت تعرفني بالفعل؟
قبل أن أتمكن من الاسترسال في التفكير، مدت يديها فجأة، كأنها تحثني على النهوض.
"حسنًا، إيثان! لن يكون من الممتع أن تبقى جالسًا هناك طوال اليوم، صحيح؟"
حدقتُ في يديها الممدودتين، ثم نظرتُ إلى وجهها مرة أخرى.
كانت… تذكرني بأرينا.
ليس فقط في ملامحها أو تصرفاتها، بل في شيء آخر، شيء أعمق، شيء لم أستطع تحديده.
لكنها مختلفة أيضًا.
شعرتُ بزوايا شفتي ترتفع قليلًا دون وعي، وكأن وجودها بعث في داخلي شعورًا لم أشعر به منذ وقت طويل…
شعور بأنني لست وحدي تمامًا.
...
...
نظرتُ إلى يديها الصغيرتين الممدودتين أمامي، ثم رفعتُ نظري إلى وجهها مرة أخرى. كانت عيناها تتألقان بتوقع غريب، وكأنها تنتظر مني أن أفعل شيئًا، لكنني لم أتحرك فورًا.
لا يزال رأسي ينبض بالألم، والمكان غريب، وحتى هذه الفتاة التي تبدو طفولية لم تكن طبيعية تمامًا.
لكن رغم كل ذلك… لم يكن لدي خيار آخر.
مددتُ يدي ببطء، وعندما أمسكت بها، سحبتني بقوة أكثر مما توقعت، لدرجة أنني كدتُ أفقد توازني. ضحكتْ بخفة وهي تراقبني، ثم وقفت أمامي مباشرة، تتأرجح على أطراف أصابعها كأنها غير قادرة على البقاء ساكنة.
"حسنًا! بما أنك استيقظت، فهذا يعني أنني لستُ وحدي بعد الآن!"
رمشتُ ببطء. طريقة كلامها كانت طفولية، لكن في نفس الوقت… بدت طبيعية تمامًا بالنسبة لها. لم تكن تتعمد التصرف كطفلة، بل كانت ببساطة هكذا.
لكن كان هناك سؤال واحد يصرخ في رأسي، لم أستطع تجاهله أكثر.
"كيف أتيتُ إلى هنا؟"
عند سماع سؤالي، توقفت فجأة عن التأرجح على قدميها، ثم أمالت رأسها إلى الجانب، نظرتْ إلي نظرة طويلة… ثم أطلقت تنهيدة طويلة جدًا، وكأنني أثقلتُ عليها بشيء ممل.
"أنتَ كثير الأسئلة حقًا…"
قطبتُ جبيني، لكن قبل أن أتمكن من الرد، رفعت إصبعها في وجهي وكأنها توشك على قول شيء مهم، ثم قالت بجدية مصطنعة:
"حسنًا، حسنًا! لقد رأيتك في البحر، ثم… هممم… أحضرتك إلى هنا! هذا كل شيء!"
رفعتْ يديها عشوائيًا في الهواء كما لو أنها تخلصت من حمل ثقيل، ثم ابتسمت مجددًا كأن الموضوع انتهى تمامًا بالنسبة لها.
لكن بالنسبة لي… لم يكن منطقيًا.
"رأيتِني في البحر؟"
"نعم!"
"ثم أحضرتِني إلى هنا؟"
"نعم!!"
"كيف؟"
هذه المرة، نفخت خديها بانزعاج، ووضعت يديها على خصرها الصغير.
"أرأيت؟ أنت كثير الأسئلة! لماذا يهمك الأمر؟ أنت هنا الآن، وهذا هو المهم!"
شعرتُ بعضلاتي ترتخي قليلًا، لم يكن هناك فائدة من الضغط عليها، على الأقل ليس الآن. أياً كان ما حدث، فقد أنقذتني بطريقةٍ ما، وهذا يعني أنني على الأقل لستُ في خطرٍ مباشر.
لكن قبل أن أتمكن من التفكير أكثر، اقتربت مني فجأة، عيناها تلمعان بحماس غريب.
"حسنًا، كفاك أسئلة! الآن، تعال لنلعب!"
… ماذا؟
"نلعب؟"
"نعم! أنتَ أول شخص يكون هنا منذ مدة طويــــلة، لذا سنلعب معًا!"
حدقتُ فيها للحظة، غير مصدق تمامًا ما سمعته. كنتُ في مكان مجهول، لا أعرف كيف وصلتُ إليه، مع فتاة ذات قرنين لا يبدو أنها تدرك مدى غرابة الموقف، والآن… تريد اللعب؟
لكن قبل أن أتمكن من الاعتراض، أمسكتْ بيدي وسحبتني مجددًا، هذه المرة باندفاع أكبر، وكأنها قررت أنني ليس لدي رأي في الأمر.
"لنبدأ بشيء سهل! ماذا عن الغميضة؟!"
لم أكن متأكدًا مما إذا كنتُ قد دخلتُ في كابوسٍ جديد… أم أنني ببساطة لم أستوعب وضعي بعد.
تركتُها تسحبني دون مقاومة. لم أكن أفهم ما يحدث، لكن شيئًا واحدًا كان واضحًا… لم أكن مصابًا.
كيف؟
أتذكر ذلك المخلوق… ذلك الظل المرعب الذي أمسك بي. كان يجب أن أكون محطمًا، على الأقل مصابًا بشيءٍ ما. لكن عندما نظرتُ إلى يديّ، إلى جسدي… لم يكن هناك أي أثرٍ للجروح أو الكدمات.
بل على العكس، شعرتُ بخفةٍ غريبة، وكأنني لم أكن على وشك الموت قبل لحظات فقط.
كيف؟
نظرتُ إلى الفتاة الصغيرة التي تسحبني بحماس، فستانها الأبيض الطويل يتمايل مع حركتها، وقرناها الصغيران يبرزان بوضوح فوق شعرها الفضي الطويل. كانت تتصرف كأي طفلة… لكن من الواضح أنها لم تكن كذلك.
هل لها علاقة بما حدث لي؟
لم يكن هناك وقتٌ للتفكير أكثر.
توقفت سيرين فجأة، ثم استدارت نحوي، عيناها تتألقان بالحماس.
"حسنًا، سنلعب الغميضة!"
"أنا… ماذا؟"
"الغميضة! إنها سهلة جدًا، صحيح؟ سأكون أنا المختبئة، وأنتَ الباحث!"
رفعتْ سبابتها أمام وجهي كأنها تُعلّمني شيئًا مهمًا، ثم أكملت بحماس طفولي:
"عليك أن تعدّ إلى عشرة! لا تغشّ، حسنًا؟!"
حدقتُ بها للحظة، ثم زفرتُ بهدوء. لم يكن لدي أدنى فكرة عمّا يحدث هنا، لكنني كنتُ مدينًا لها.
بغض النظر عن مدى غرابة هذا الوضع…
على الأقل، يمكنني فعل هذا من أجلها.
تنهدتُ، ثم أغلقتُ عينيّ.
"حسنًا… سأبدأ العد."
سمعتُ صوت ضحكتها الخفيفة، ثم خُطواتها الصغيرة وهي تبتعد.
"واحد… اثنان… ثلاثة…"
لكن مع كل رقمٍ نطقتُه، لم أستطع التخلص من هذا الشعور…
الشعور بأنني لم أكن ألعب مجرد لعبة عادية.
...
...
...
"... تسعة... عشرة."
فتحتُ عينيّ ببطء، أذناي متيقظتان لأي صوت، عيناي تبحثان في الظلام الخافت من حولي. كانت هذه بلا شكّ أغرب جولة غميضة لعبتها في حياتي.
كيف انتهى بي الأمر هنا؟ لماذا لم تكن لدي أي إصابات؟ والأهم… من تكون هذه الفتاة؟
أخذتُ نفسًا عميقًا وبدأتُ بالبحث.
المكان الذي كنتُ فيه كان غريبًا. الجدران كانت حجرية، مغطاة بنقوش قديمة لم أفهم معناها، والممرات الضيقة كانت تمتد إلى الظلام كأنها متاهة بلا نهاية. الأرضية كانت ناعمة على غير المتوقع، ولم يكن هناك ضوء سوى وهجٍ خفيف ينبعث من كرات بلورية صغيرة متصلة بالجدران.
سرتُ ببطء، عيناي تمشّطان المكان.
"سيرين؟" ناديتُ باسمها، لكنّ صدى صوتي كان هو الرد الوحيد.
لم أتوقع أن تردّ بسهولة، لكنها كانت مجرد طفلة، صحيح؟ كم من الوقت قد يستغرق الأمر لإيجادها؟
واصلتُ السير عبر الممرات المتعرجة، متتبّعًا أي إشارة تدلّ على وجودها. سمعتُ صوت خطواتي فقط، وضربات قلبي الهادئة.
ثم… بعد عدة دقائق من البحث، بدأتُ أدرك شيئًا غريبًا.
لم يكن هذا المكان عادياً.
كلّما مشيتُ، شعرتُ أن الجدران تتغير. لم تكن تتحرك أمامي، لكن الشعور الغريب بأنني لم أكن في المكان نفسه الذي مررتُ به قبل دقائق كان واضحًا. كنتُ متأكدًا أنني مررتُ بهذا الممر من قبل، ومع ذلك، بدا مختلفًا قليلاً، كأنّ الجدران نفسها تتلاعب بي.
هل كانت هذه مجرد لعبة غميضة… أم أن هناك شيئًا آخر يحدث هنا؟
أوقفتُ نفسي للحظة، أغمضتُ عينيّ، وحاولتُ التركيز.
إذا كان هذا المكان متاهة متحرّكة… فهناك احتمال أنني لن أجدها أبدًا إذا واصلتُ السير عشوائيًا.
عليّ التفكير بذكاء.
"حسنًا، سيرين… أين يمكن لطفلة أن تختبئ؟"
تذكرتُ عينيها الفضيتين اللامعتين، ضحكتها الطفولية، والطريقة التي بدتْ بها مليئة بالطاقة. لم تكن خائفة، بل كانت تستمتع.
"لو كنتُ مكانها…" تمتمتُ وأنا أتأمل.
ثم جاءني الجواب.
"ستختار مكانًا مميزًا."
إذا كانت هذه المتاهة تتحرّك، فعلى الأرجح أن هناك نقطة ثابتة لا تتغير… مكان تشعر فيه بالأمان أو تعتبره ممتعًا. وإذا كانت هذه مجرّد لعبة بالنسبة لها، فمن المنطقي أنها اختارت مكانًا مميزًا، وليس مجرد زاوية عشوائية.
بدأتُ أسير بسرعة أكبر، متجاهلًا الممرات الملتوية وبدلًا من ذلك اتّبعتُ إحساسي.
وبعد وقت طويل من المشي… وأعني وقتًا طويلًا جدًا، كدتُ أفقد الأمل فيه، سمعتُ صوتًا خافتًا.
ضحكة.
خفيفة، مرحة… ومألوفة.
توقفتُ، أرهفتُ سمعي. الصوت أتى من الأمام، من خلف ممرّ حجري ضيّق.
ابتسمتُ قليلًا، ثم بدأتُ بالمشي بحذر.
كلما اقتربتُ، زادت الضحكة وضوحًا، إلى أن وجدتُ نفسي أمام قوسٍ حجري يؤدي إلى قاعة صغيرة.
وهناك… كانت سيرين.
كانت تجلس على الأرض، ساقاها متقاطعتان، وتعبث بشيءٍ صغير في يديها. كانت كرة بلورية، تشبه تلك التي على الجدران، لكنها كانت تتوهج بألوانٍ مختلفة.
ما إن رأتني حتى توقفتْ عن اللعب بها، وابتسمتْ ابتسامة عريضة، كأنني لم أكن قد قضيتُ وقتًا طويلًا في البحث عنها.
"لقد وجدتني!" قالت بحماس، عيناها تلمعان وكأنها تستمتع بالفعل.
تنهدتُ، وضربتُ جبيني بخفة. "لقد جعلتِ الأمر صعبًا أكثر مما توقعت."
قهقهتْ، ثم قامت من مكانها، وبدأتْ تدور حولي وكأنها تدرسني.
"أنتَ بطيءٌ جدًا!"
رفعتُ حاجبيّ. "حقًا؟ أم أنكِ اخترتِ مكانًا مستحيلًا للاختباء؟"
"ليس مستحيلًا، أنتَ وجدتني في النهاية، صحيح؟" غمزتْ لي، ثم وضعتْ يديها خلف ظهرها وابتسمتْ ببراءة.
زفرتُ، وهززتُ رأسي. "حسنًا، فزتِ في هذه الجولة."
رفعتْ رأسها بفخر. "بالطبع! أنا محترفة في الغميضة!"
ضحكتُ قليلاً رغم كل شيء. طريقتها في الحديث… كانت تذكرني بشخص ما.
أرينا.
نفس الحيوية، نفس المرح الطفولي، نفس الغطرسة البريئة التي يمتلكها الأطفال عندما يفوزون بشيء بسيط.
شعرتُ بشيء دافئ في صدري للحظة، ثم أزحتُ الفكرة جانبًا.
سيرين ليست أرينا.
لكن لا بأس في التعايش مع هذا الوهم للحظة.
"حسنًا، ماذا الآن؟ هل نعود أم لديكِ خططٌ أخرى؟" سألتُها.
"مممم…" وضعتْ إصبعها على ذقنها، وكأنها تفكر بجدية. ثم فجأة، ابتسمتْ ابتسامةً واسعة.
"الآن… سنلعب لعبةً أخرى!"
أخفضتُ رأسي قليلًا، متسائلًا إن كنتُ قد علقتُ مع فتاةٍ لا تتعب أبدًا.
لكن بطريقةٍ ما… لم أمانع ذلك كثيرًا.
تنهدتُ بصوت مسموع بينما كانت سيرين تنظر إليّ بترقب، وكأنها تتوقع مني الموافقة بلا تردد.
"لعبة أخرى؟ ألم تكتفي بجولة الغميضة تلك؟" سألتها، رافعًا حاجبيّ.
هزّت رأسها بقوة، شعرها الفضي يتمايل مع حركتها. "لااا، لم ألعب مع أحد منذ وقتٍ طويل! وأنتَ أول شخص أجده هنا منذ مدة!"
تجمدتُ قليلاً عند كلماتها. "منذ مدة؟ كم من الوقت؟"
بدتْ لي وكأنها تفكر للحظة، ثم نظرتْ إليّ بملل. "أنتَ كثيرُ الأسئلة حقًا…" تنهدتْ، ثم رفعت يدها وأشارت لي بإصبعها الصغير محذرة. "لكن، سأجيبك لأنني لطيفة جدًا! لا أعرف كم من الوقت بالضبط، لكنه طويــــل!"
لم يكن جوابها مفيدًا، لكنه أثار فضولي أكثر. منذ أن استيقظتُ هنا، لم أفهم أي شيء عن هذا المكان، والآن أمامي طفلة تدّعي أنها كانت وحدها هنا لفترة طويلة.
قررتُ تأجيل الأسئلة، وركزتُ على الأمر المهم حاليًا.
"حسنًا، وما هي هذه اللعبة الجديدة؟" سألتُ، مستعدًا لأي فكرة غريبة قد تخرج بها.
ابتسمتْ بحماس، ثم قفزتْ في مكانها. "إنها لعبة السباق! سنرى من يستطيع الوصول إلى هناك أولًا!" وأشارتْ إلى قوس حجري آخر في نهاية القاعة.
"هذا كل شيء؟ مجرد سباق؟"
"مجرد سباق؟!" شهقتْ وكأنني قلتُ شيئًا فظيعًا. "السباقات ليست مجرد شيء! إنها اختبارٌ للسرعة، والذكاء، والمهارة!" وضعتْ يديها على خصرها ورفعتْ رأسها بفخر. "وأنا سريعة جدًا! لذا لا تظن أنك ستفوز عليّ!"
شعرتُ بتحدّيها الطفولي يُثير شيئًا بداخلي. منذ وقتٍ طويل لم أشعر برغبةٍ حقيقية في التنافس مع أحد، خاصةً مع طفلة أصغر مني بكثير، لكنّ ابتسامتها المتحدية جعلتني أرغب في تجربة الأمر.
"حسنًا، فلنرَ إذًا من هو الأسرع."
"نبدأ عند العدّ إلى ثلاثة!" وقفتْ بجانبي، قدميها الصغيرتان جاهزتان للركض، وعيناها تلمعان بالحماس.
أخذتُ وضع الاستعداد بدوري، وابتسمتُ لها بثقة.
"واحد… اثنان… ثلا—"
لم تنتظر حتى أنهي العدّ، بل انطلقتْ فجأة كالسهم.
"هذا غش!" صرختُ بينما بدأتُ الركض خلفها، لكنها فقط ضحكتْ، وكأنّ الغش كان جزءًا من المرح.
كانت أسرع مما توقعتُ. ساقاها الصغيرتان تتحركان بسرعة غير متوقعة، وكأنها تطفو بخفة على الأرضية الحجرية. كنتُ أركض بأقصى ما لدي، لكنّ المسافة بيننا لم تكن تتقلص كما توقعتُ.
"أسرع! أسرع!" صاحتْ بسعادة، ولم تستدر حتى لتنظر إليّ، وكأنها واثقة من انتصارها.
لكنني لم أكن مستعدًا لخسارةٍ سهلة.
دفعتُ قدميّ بقوة أكبر، زدتُ من سرعتي، وعندما اقتربتُ منها أخيرًا، شعرتُ بشيء غريب يحدث حولنا.
الجدران… تحركت؟
لم أكن متأكدًا مما رأيته، لكنني شعرتُ بأن الممر الذي كنا نركض فيه تمدد فجأة، وكأنه يريد إبقاء المسافة بيننا.
"ما هذا…؟" تمتمتُ، لكن لم يكن لدي وقتٌ للتفكير، لأن سيرين وصلت إلى القوس الحجري أولًا، واستدارت إليّ بابتسامة نصر.
"فزتُ! كما توقعتُ تمامًا!" قفزتْ في مكانها بسعادة، وصفّقتْ بيديها.
توقفتُ أمامها وأنا ألهث قليلاً. "لقد غششتِ… انطلقتِ قبل أن أنهي العدّ!"
وضعتْ يدها على فمها الصغير وكأنها مصدومة. "هل فعلتُ ذلك؟" ثم ضحكتْ بخفة. "أوه، حسنًا، ربما قليلاً."
زفرتُ، ثم جلستُ على الأرض، محاولًا استعادة أنفاسي. "أنتِ… مفعمة بالطاقة أكثر مما توقعت."
"بالطبع! هذا طبيعي، أنا مذهلة!" جلستْ بجانبي، وبدأتْ تتأملني بعينيها الفضيتين.
ظلّتْ صامتة للحظة، ثم قالت بصوتٍ أكثر هدوءًا: "إيثان، أنتَ غريب حقًا."
رفعتُ حاجبيّ. "أنا الغريب؟"
"نعم! عادةً الأشخاص الذين يأتون إلى هنا يكونون مختلفين… لكنك تبدو طبيعيًا جدًا."
"ماذا تعنين؟"
أمالت رأسها، وكأنها لم تكن متأكدة مما إذا كان عليها الإجابة. ثم، بعد لحظة، نهضتْ بسرعة وربّتتْ على كتفي.
"لا يهم! سأريك مكانًا رائعًا الآن! تعال!"
قفزتْ وركضتْ بعيدًا، دون أن تترك لي فرصة للاستفسار أكثر.
نظرتُ إليها للحظة، ثم تنهدتُ ونهضتُ، متابعًا إياها.
كنتُ قد قررتُ بالفعل… طالما أنا هنا، وطالما أنها الشخص الوحيد الذي يمكنه إرشادي…
فسأتبعها، وأرى إلى أين تأخذني هذه اللعبة الجديدة.
...
...
...
عدنا إلى إيثان٬ بعد عشرة فصول من الإنقطاع عنه.