[منظور إيثان سكارليث]
لعبنا لوقت بدا وكأنه امتد لساعات. كنت ألاحق تلك الكرات الغريبة، وبعضها كان ينفجر في وجهي، وبعضها الآخر يراوغني بشكل غير طبيعي، وسيرين لم تتوقف عن الضحك حتى شعرت أنني ألهث من التعب.
جلستُ على الأرض محاولًا استعادة أنفاسي، بينما كانت سيرين تدور حولي بسعادة، تبتسم وكأنها قضت أفضل وقت في حياتها.
لكن رغم كل هذا المرح، لم أتمكن من إبعاد السؤال الذي يطاردني منذ استيقظتُ هنا. كنت بحاجة إلى إجابات.
"من فضلك فقط..." قلت بصوت هادئ، محاولًا ألا أبدو مزعجًا أكثر من اللازم، "أخبريني بتفاصيل هذا المكان."
توقفت عن الدوران، ونظرت إليّ للحظة، ثم أطلقت تنهيدة طويلة ومليئة بالضجر.
"أوه، إيثاااان... أنت لا تتوقف أبدًا، أليس كذلك؟" قالت وهي تضع يديها على خصرها.
لم أقل شيئًا، فقط انتظرتها.
"حسنًا، حسنًا." قالت أخيرًا وهي تلوّح بيدها، "نحن في أعماق البحر الأسود، داخل كهف."
حدّقتُ بها، محاولًا استيعاب ما قالته للتو.
"...الكهف؟" كررتُ ببطء، "كهف في أعماق البحر؟ ولا يوجد فيه قطرة ماء؟"
"بالضبط." أجابت ببساطة.
"وأيضًا، البحر الأسود... لا يوجد أحد خرج منه حيًا، ولا يعرفون حتى واحد بالمئة منه."
رفعت حاجبها، ثم أرسلت لي نظرة تقول: أرأيت؟ لهذا لا أحب الرد على أسئلتك.
"كيف؟"
"هاااه..." أطلقت تنهيدة أخرى، ثم أغلقت عينيها للحظة وكأنها تحاول مقاومة الرغبة في ضرب رأسي، "لهذا لا أحب الرد على أسئلتك، فكل مرة أجيبك، تسألني أسئلة أكثر!"
لم أستطع الرد عليها، لأنها كانت محقة تمامًا.
"حسنًا!" قالت وهي ترفع يدها كما لو كانت تعلن شيئًا مهمًا، "لا مزيد من الأسئلة!"
"لكن—"
"لااااااا!" قاطعتني قبل أن أكمل، "لا مزيد من الأسئلة، ولا كلمة أخرى! ما رأيك بالنوم؟"
"النوم؟" نظرتُ إليها بعدم تصديق، "أنا في مكان مجهول، لا أفهم أي شيء، وأنتِ تطلبين مني أن أنام؟"
"بالطبع!" قالت بابتسامة مشرقة، "النوم يحلّ كل شيء!"
كنت على وشك الجدال معها، لكن عند هذه النقطة، كنت مرهقًا جدًا للاستمرار. زفرتُ ببطء، ثم نهضتُ على قدمي.
"...حسنًا، لكن فقط لأنني متعب."
"يااااااي!" قفزت بسعادة، ثم أشارت إلى زاوية من الكهف، "هناك! يمكنك النوم هناك، إنه مريح جدًا!"
نظرتُ إلى المكان الذي أشارت إليه، وكان بالفعل يبدو كأنه سطح ناعم نوعًا ما.
مشيتُ نحوه، ثم جلستُ ببطء، مغمضًا عينيّ للحظة.
...كيف انتهى بي الأمر هنا حقًا؟
لكن قبل أن أتمكن من التفكير أكثر، سمعت صوت سيرين وهي تغني بهدوء بجانبي. صوتها كان ناعمًا، لطيفًا، وكأنها تحاول تهدئتي دون أن تدرك ذلك.
ربما، فقط ربما... يمكنني الاسترخاء قليلًا.
استمعتُ إلى غنائها بهدوء، كان صوتها ناعمًا، خفيفًا مثل نسيم لطيف يمر في ليلة صيفية هادئة. لم أفهم الكلمات، لكنها كانت مريحة بطريقة غريبة.
ولكن فجأة، توقف الصوت.
فتحتُ عينيّ ببطء، فقط لأراها جالسة بجانبي، رأسها مائل قليلًا إلى الجانب، وعيناها مغلقتان تمامًا. لقد نامت.
بدا وجهها هادئًا جدًا، أنفاسها منتظمة، وملامحها الطفولية زادت من براءتها. كانت لطيفة... بل لطيفة جدًا.
لحظة، ما الذي أفكر به؟
أبعدتُ نظري بسرعة، ثم زفرتُ ببطء. لم أكن أتوقع أن تكون هذه الفتاة العجيبة قادرة على النوم بهذه السرعة، خاصة بعد كل هذا النشاط والطاقة التي أظهرتها.
نظرتُ إليها مرة أخرى، هذه المرة بتأنٍ أكثر.
القرون الصغيرة على رأسها بدت وكأنها جزء طبيعي منها، وكأنها وُلدت بها. شعرها الأبيض الطويل انساب حولها برقة، وعيناها—اللتان كانتا تشعّان بذلك الضوء الغريب—أصبحتا الآن مغلقتين بسلام.
لم أكن أعرف ما هي تمامًا، ولم أفهم حتى الآن أين أنا بالضبط. لكن هناك شيء واحد كنت متأكدًا منه...
هذه الطفلة، رغم كل غرابتها، لا تبدو وكأنها تهددني. بل على العكس، لأول مرة منذ وقت طويل، شعرتُ بشيء يشبه... الأمان.
أعدتُ إغماض عينيّ، مستسلمًا للإرهاق، بينما صوت أنفاسها الهادئة كان آخر ما سمعته قبل أن ينجرف وعيي في سبات عميق.
...
...
...
ها هي مرة أخرى... تلك الرؤى.
وجدتُ نفسي في مكان لا يمت للواقع بصلة، جبل مغطى تمامًا بالثلوج الكثيفة. الهواء كان بارداً بشكل مؤلم، والرياح تعوي كأنها أرواح تائهة تحاول الفرار من هذا المكان. رغم ذلك، لم أشعر بأي أثر لوجودي هنا، كأنني مجرد شبح يراقب المشهد دون أن يؤثر عليه.
أمام ناظري، كان هناك رجل عجوز يقف بثبات وسط العاصفة الثلجية، وكأن البرد لا يعني له شيئًا. كان أصلع الرأس، بحاجبين كثيفين وطويلين يمتدان ليكادا يندمجان مع شاربه المتصل بلحيته البيضاء الكثيفة. وجهه كان يحمل آثار الزمن، خدوش قديمة هنا وهناك، لكنها لم تكن كافية لإخفاء هيبته.
راقبته بصمت بينما كان ينظر للأسفل، إلى الجليد المتراكم تحت قدميه، وكأنه يتأمل شيئًا غير مرئي. لكن ما أثار قشعريرتي هو اللحظة التي تحركت فيها عيناه لتتجول في المكان... لقد نظر إلى موقعي بالضبط، لكن لم يبدُ عليه أنه يراني.
تقدّم العجوز إلى الأمام قليلًا، ثم ركع على ركبته ولمس الأرض بيده. في لحظة واحدة، اهتزت الأرض، وظهر باب جليدي عملاق تحت قدميه. لم أكن أصدق ما أراه... لم يكن مجرد باب، بل كان ينبعث منه ضوء أزرق خافت وطاقة قاتمة جعلت جسدي كله ينتفض، وكأنها تحاول اقتلاع روحي من داخلي.
شعرتُ أن هذا ليس حلمًا عاديًا... كان الأمر حقيقيًا بطريقة ما، بطريقة غير مفهومة لكنها ملموسة. كان قلبي ينبض بسرعة، لكن قبل أن أفهم ما الذي يجري—
فتحتُ عينيَّ بسرعة، وأنا أتنفس بصعوبة. شعرتُ بقطرات من العرق البارد تتسلل إلى جبيني، رغم أن الجو هنا لم يكن باردًا. استغرقني الأمر لحظة لأتذكر أين أنا.
نظرتُ بجانبي، كانت سيرين نائمة بسلام، ملامحها الطفولية تعكس راحة غريبة، وكأنها لم تكن قبل قليل الفتاة التي أرهقتني بأسلوبها الغامض.
ولكن ذلك الشعور لم يتركني. الرؤية... ذلك الرجل... والباب الجليدي...
ما الذي كان يعنيه كل هذا؟
اللعنة...
هذه السمة مجددًا.
وضعتُ يدي على رأسي، بينما كنت أتنفس بعمق. هذه الرؤى دائمًا ما تظهر لي أشياء لا أفهمها، وأغلبها يبدو وكأنه كابوس حيّ. لكن الأمر ليس مجرد كابوس، كل ما أراه فيها يتحقق بطريقة ما... حتى لو لم أفهمه الآن.
ذلك العجوز... الباب الجليدي... الطاقة المرعبة التي كادت أن تسحب روحي...
"تبا لهذا." تمتمتُ بضيق وأنا أشعر بالصداع ينبض في رأسي.
بينما كنت غارقًا في أفكاري، سمعتُ حركة بجانبي. استدرتُ لأرى سيرين وهي تستيقظ، ببطء شديد، وكأنها كانت نائمة منذ قرن. كانت تفرك عينيها الصغيرتين بيدها، بينما نظرت إليّ بتعب شديد، وكأن مجرد فتح عينيها كان مهمة مرهقة.
"هممم..." تمتمت بصوت ناعس، قبل أن تتثاءب بصوت خافت، عيناها بالكاد مفتوحتان وهي تنظر إليّ كأنها لم تدرك بعد أنها استيقظت.
"استيقظتِ أخيرًا." قلتُ بصوت هادئ.
أجابتني بتمتمة غير مفهومة، قبل أن ترمش عدة مرات وتحاول الجلوس باستقامة، لكنها فشلت وسقطت على الوسادة مجددًا.
"هممم... متعبة..." تمتمت بصوت ناعس، قبل أن تسحب الغطاء فوق رأسها كأنها تريد العودة للنوم.
راقبتها بصمت للحظات. رغم كل شيء، كانت تبدو مجرد طفلة عادية الآن. لطيفة جدًا، بريئة، لا علاقة لها بتلك الهالة الغامضة التي تحيط بها عندما تكون مستيقظة تمامًا.
لكنني لم أستطع تجاهل التعب الذي بدا عليها. هل كانت متعبة لأنها نامت متأخرة؟ أم أن هناك سببًا آخر؟
"سيرين؟" ناديتها بهدوء، لكنها لم ترد. بعد لحظة، تحرك الغطاء ببطء، وخرجت عيناها المرهقتان تنظر إليّ بنصف وعي.
"... لماذا تتحدث؟" تمتمت بصوت خافت. "أريد النوم أكثر."
تنهدتُ، لكنني لم أقل شيئًا. لا فائدة من الحديث معها الآن وهي بالكاد مستيقظة.
بقيتُ جالسًا مكاني، أحدق بالسقف المظلم للكهف، بينما عقلي يعود للرؤية مجددًا. لا يمكنني التوقف عن التفكير بها. لماذا أرى هذه الأشياء؟ ولماذا دائمًا ما تكون مشاهد مرعبة؟
لكن أكثر ما أقلقني هو ذلك الشعور... شعور بأن هذه الرؤية ليست مجرد تلميح غامض مثل الرؤى السابقة. هذه المرة، كان الأمر مختلفًا.
لم يكن مجرد مشهد غامض، كان تحذيرًا.
لكن تحذير عن ماذا؟
نظرتُ إلى سيرين مجددًا، كانت تتنفس ببطء، ملامحها تبدو أكثر راحة الآن.
أغمضتُ عينيَّ للحظة، قبل أن أتنهد وأتمتم لنفسي.
"حسنًا، لن أفكر بالأمر الآن... سأكتشف الأمر لاحقًا."
وبقيتُ جالسًا هناك، أراقب الظلام، وأنا أحاول تهدئة أفكاري المضطربة.
اللعنة...
أغمضتُ عينيّ وأخذتُ نفسًا عميقًا، لكن قلبي لم يهدأ. جسدي لا يزال يرتجف قليلًا، ليس من البرد، بل من أثر الرؤية التي رأيتها للتو.
هذه ليست المرة الأولى التي أرى فيها رؤية كهذه، لكنها بالتأكيد ليست الأقل رعبًا. منذ استيقاظي لأول مرة في ذلك اليوم المشؤوم، قبل سنوات، وهذه الأحلام تلاحقني، كأنها ظلي، كأنها جزء مني لا يمكنني الفكاك منه.
في البداية، كنتُ أظنها مجرد كوابيس. مجرد خيالات مرعبة ينسجها عقلي، لكن شيئًا فشيئًا، بدأتُ أدرك الحقيقة...
هذه الرؤى تتحقق.
ليست كلها، على الأقل حتى الآن. هناك رؤى لم تتحقق بعد، لكنني لا أشعر بالراحة تجاهها. بل أشعر أن تحققها مجرد مسألة وقت.
الرؤية الأولى... كيف لي أن أنساها؟
كنتُ في التاسعة من عمري حينها. لم يمضِ سوى يوم واحد منذ أن أصبحتُ "مستيقظًا"، ومنذ تلك اللحظة، بدأتُ أرى أمورًا لا يجب أن يراها طفل.
رأيت نفسي في مكان موحش، حيث كان هناك عرش أسود عملاق يبرز وسط ظلام دامس. كان العرش مزخرفًا بتفاصيل غريبة، وكأنه مصنوع من كوابيس لا تنتهي.
عندما اقتربت، شعرت بشيء ثقيل في صدري، وكأن شيئًا ثمينًا قد انتُزع مني. فوق العرش، كانت معلقة خمسة رؤوس بشرية، مرتبة بشكل دائري، وكأنها تُعرض كجوائز فظيعة. لم أستطع تمييز ملامحهم، فقد كانت مشوهة بالدماء، وكأن كل رأس يحمل قصة مأساوية، بينما كنت أشعر بأنني قد فقدتُ شيئًا من إنسانيتي.
اجتاحني شعور حزين، كالسيل الجارف، وكأنني كنت أرى أصداء من ماضٍ بعيد، يحمل ذكريات مفقودة. كنت أشعر بفراغ عميق، وكأن تلك الأرواح التي عانت تعكس شيئًا كان لي، شيئًا فقدته دون أن أعي.
ولكن، من كانوا هؤلاء؟ ولماذا شعرتُ أنني أعرفهم رغم أنني لم أرهم في حياتي؟
ولماذا كنتُ هناك... أمام ذلك العرش؟
لكن تلك الرؤية لم تتحقق، ليس بعد.
ولا تزال الثانية أيضًا مجرد كابوس ينتظر أن يصبح واقعًا...
وجدت نفسي واقفًا وسط ساحة واسعة، والهواء من حولي كان يعبق برائحة الدم. نظرت إلى الأسفل، فرأيت الأرض مغطاة بجثث لا حصر لها، وجوههم مشوهة، أعينهم فارغة تحدق في اللاشيء، وكأن الموت لم يكن كافيًا ليحررهم من الرعب الذي عانوه.
رفعت رأسي ببطء، وهناك... على بُعد مسافة ليست ببعيدة، وقفت القلعة السوداء.
لم تكن مجرد مبنى، بل كانت كيانًا ينبض بالرهبة، جدرانها مظلمة كأنها التهمت الضوء نفسه، وأبراجها تمتد نحو السماء مثل مخالب شيطان يحاول اختراق العالم. كانت هناك أصوات تهمس، أصوات ليست بشرية، تتردد في الهواء، كأن القلعة نفسها تتحدث بلغة لا يمكن لعقل بشري فهمها.
تقدمت خطوة للأمام دون أن أدرك، وكأن قوة خفية تجذبني نحوها. كنت أعلم أنني في حلم، ومع ذلك، شعرت بكل شيء كأنه حقيقة.
بينما كنت أقترب، رأيت البوابة العملاقة للقلعة تنفتح ببطء، بلا حراك، بلا صوت صرير، فقط ظلام يمتد خلفها. كان هناك شيء بانتظاري هناك، شيء لم أكن متأكدًا إن كنت أريد مواجهته.
لكن فجأة، سمعت صوتًا خلفي.
التفت بسرعة، وعيناي اتسعتا لرؤية شيء جعل الدم يتجمد في عروقي.
كانت هناك جثة... تتحرك.
أحد الموتى الملقون على الأرض بدأ يرفع رأسه ببطء، وجهه ممزق، عيناه غارقتان في السواد، ثم بدأ يهمس بصوت أجش، كلمات لم أفهمها، لكنني شعرت بها تتسلل إلى أعماق روحي.
لم أستطع التحرك، لم أستطع التنفس.
ثم، انقلب كل شيء إلى ظلام دامس.
كانت تلك رؤية أخرى لم تتحقق، لكنني أعلم أنها ليست مجرد خيال.
ثم هناك الرؤية الثالثة، التي أقلقتني أكثر من أي شيء آخر...
وجدتُ نفسي في مكان غريب.
السماء كانت سوداء… لا، لم تكن مجرد سماء، بل فراغ لا نهاية له، وكأن العالم نفسه قد تلاشى.
الأرض تحت قدمي كانت ملساء، سوداء كأنها مصنوعة من زجاج يعكس الظلام من تحتي.
ثم رأيتها.
من وسط الفراغ، كانت تقف هناك.
فتاة… أو بالأحرى، كيانٌ يشبه فتاة.
كانت ترتدي فستانًا أسود طويلًا، يتراقص مع الهواء رغم عدم وجود أي ريح.
شعرها الأسود انساب على كتفيها، ووجهها كان من الجمال لدرجة أنه بدا غير حقيقي.
لكن ما لفت انتباهي… كان شيئًا آخر.
قرنان.
بارزان بوضوح من رأسها، منحنيان قليلًا نحو الخلف، يشبهان قرون الشياطين في الأساطير القديمة.
لم تتحرك، لم تنطق بكلمة، فقط نظرت إليّ.
وفي اللحظة التي التقت عيناها بعينيّ…
تجمد جسدي بالكامل.
لم أستطع أن أتنفس. لم أستطع أن أتحرك.
لم يكن هذا مجرد خوف… كان شيئًا أقوى.
"ماذا يحدث؟"
حاولتُ الصراخ، لكن صوتي لم يخرج.
ثم، بدأ شيء مريع بالحدوث.
جلدي تحجر.
بدأتُ أرى التشققات تنتشر من أطرافي، جلدي يتحول إلى حجر رمادي قاتم.
"لا… هذا ليس حقيقيًا…!"
حاولتُ المقاومة، حاولتُ تحريك أصابعي، لكن بلا فائدة.
التجمد امتد إلى صدري.
شعرتُ ببطء عظامي تتصلب، وكأنني أصبحتُ تمثالًا حجرًا بلا حياة.
رأيتُ الفتاة ما زالت تنظر إليّ…
ابتسمت.
ابتسامة خفيفة… لكنها لم تكن بشرية أبدًا.
وفي اللحظة التالية، انفجر جسدي إلى قطع متناثرة.
والآن... هذه الرؤية الأخيرة... رؤية الرجل العجوز والباب الجليدي... هل ستكون هي الأخرى مجرد كابوس آخر ينتظر أن يتحقق؟
إن كان كذلك، فمتى؟ وكيف؟
بدأتُ أشعر أنني محاصر في لعنة لا مهرب منها.
أحلامي لم تعد أحلامًا، بل كانت نوافذ تطل على مستقبل قد يكون لي، مستقبل لم أطلبه ولم أرده أبدًا.
لكن مهما كان ما ينتظرني، هناك شيء واحد أعرفه جيدًا.
لا شيء في هذه الرؤى يبشر بالخير.
حتى في بعض الأوقات، كنتُ أخشى النوم.
قد يبدو الأمر سخيفًا لشخص آخر، لكنه كان حقيقيًا بالنسبة لي.
كان النوم، بالنسبة لأي شخص آخر، مجرد استراحة من الواقع، راحة مؤقتة من صخب الحياة... أما بالنسبة لي، فقد كان شيئًا آخر تمامًا.
كان النوم بابًا يُفتح على عوالم لا أستطيع السيطرة عليها، عوالم تطاردني حتى بعد استيقاظي.
كنتُ أخاف أن أغمض عينيّ، لأنني لم أكن أعرف ما الذي سأراه هذه المرة.
أحيانًا، كنتُ أقاوم النعاس حتى تصل عيناي إلى حدود الاحتراق، حتى ينهار جسدي أخيرًا، مُجبرًا إياي على الاستسلام. كنتُ أعتقد أنني لو بقيت مستيقظًا، فلن أرى شيئًا، لن أشعر بالرعب، لن أجد نفسي محاصرًا في رؤى لا أفهمها.
لكن الأمر لم يكن بهذه السهولة.
عاجلًا أم آجلًا، كنتُ أنام.
وعندما أفعل... كانت الرؤى تأتي.
كل مرة.
دون فشل.
في بعض الأحيان، كنتُ أستيقظ فزعًا، وقلبي ينبض بجنون كأنني كنتُ أهرب من شيء غير مرئي.
وفي أحيانٍ أخرى، كنتُ أستيقظ متيبسًا، وكأنني خرجتُ لتوي من عالم آخر، عالم أكثر واقعية من هذا الذي أعيش فيه.
وكل مرة، كنتُ أشعر بشيء واحد فقط:
أنني لستُ وحدي.
هناك شيءٌ ما، أو شخصٌ ما، يراقبني من خلال هذه الأحلام.
أحدهم يريدني أن أرى كل هذا.
لكن السؤال الحقيقي... لماذا؟
يتبع....