بعد يومين من المذبحة التي شهدتها الإمبراطوريات، كان التوتر في أوجه. قرر الإمبراطور فالكون فيرزادن، حاكم إمبراطورية فيرزادن العظيمة، استضافة اجتماع طارئ في قصره الإمبراطوري. كان الجميع يعلم أن هذا الاجتماع سيحدد مصير العالم بعد الهجمات الوحشية التي كادت أن تدمرهم.
في القاعة الضخمة المزينة بأعمدة ذهبية ونقوش دقيقة تحكي أمجاد الإمبراطورية، جلس قادة الإمبراطوريات على طاولة مستديرة من خشب الأبنوس الأسود، تضيء فوقها ثريات كريستالية عملاقة.
كان الإمبراطور فالكون فيرزادن، المضيف، يجلس على رأس الطاولة. رجل طويل القامة، ذو جسد صلب وعينين زرقاوين تلمعان بدهاء. شعره الفضي كان متناسقًا مع هيبته، بينما ارتدى رداءً ملكيًا أزرقًا داكنًا يعكس مكانته كأحد أقوى الرجال في العالم.
إلى يساره، جلس الإمبراطور روبيرت نيفيريا، رجل مسن ذو لحية رمادية وعينين غارقتين في الظلال. كانت إمبراطوريته الأكثر تضررًا من الهجوم، ووجهه الشاحب وملامحه المتجهمة كانت دليلاً على الأوقات العصيبة التي تمر بها نيفيريا.
إلى يمينه، كان الإمبراطور ريكس زاندرا، مقاتل بملامح خشنة وندوب تغطي ذراعيه، دليلًا على المعارك العديدة التي خاضها. شعره الأسود القصير كان يعكس شخصيته الحازمة، وعيناه الحمراء الداكنة كانتا تقدحان شررًا، فهو لم يكن راضيًا عن الاجتماع، بل أراد الانتقام الفوري.
على الجانب الآخر، كان الإمبراطور أليستر إيسكار، رجل نحيف بملامح هادئة، لكنه يخفي خلفها قوة عظيمة. شعره الأبيض الطويل يتدلى على كتفيه، وعيناه البنفسجيتان كانتا تلمعان بالسحر القديم. ارتدى عباءة مزينة برموز غامضة تشير إلى مكانته كسيد أعظم السحرة.
وأخيرًا، الإمبراطور بلاين سكارليث، الرجل الذي يبلغ الثامنة والخمسون من عمره، لكنه كان من أخطر الرجال في العالم. شعره الأسود ينسدل إلى كتفيه، وعيناه الداكنتان تعكسان ذكاءً حادًا وقوة مخيفة. كان جالسًا بهدوء، يراقب الجميع بنظرات متفحصة.
لكن رغم الحضور الثقيل لهذه الأسماء العظيمة، كان هناك غياب واحد يثير الريبة: إمبراطورية رافيندال لم ترسل أي ممثل. كان هذا هو الاجتماع الثاني الذي ترفض حضوره، مما أثار المزيد من الشكوك حول سر صمودها في وجه الهجوم وعدم تأثرها كما حدث مع البقية.
تحدث الإمبراطور فالكون بصوت قوي: "أعتقد أنكم جميعًا تعلمون سبب اجتماعنا اليوم. لقد تعرضنا لهجوم غير مسبوق. إن لم نتصرف بسرعة، فقد يكون القادم أسوأ."
رد الإمبراطور روبيرت نيفيريا بصوت هادئ لكنه محمل بالغضب: "لقد فقدنا مدنًا بأكملها. كيف يمكننا تجاهل هذا؟ نحتاج إلى معرفة مصدر هذه الوحوش اللعينة."
الإمبراطور ريكس زاندرا ضرب الطاولة بقبضته القوية: "تجاهل؟! لا وقت للكلمات! يجب أن نوجه جيوشنا ونهاجم!"
الإمبراطور أليستر إيسكار تحدث ببرود: "وهل تعتقد أن الهجوم بهذه البساطة؟ هذه الوحوش ليست طبيعية. هناك شخص يتحكم بها، ونحن لا نعرف من هو."
الإمبراطور بلاين سكارليث، الذي كان صامتًا طوال الوقت، أخيرًا تحدث بنبرة هادئة لكنها ثقيلة بالمعاني: "هناك أمر غريب هنا. رافيندال لم تتأثر على الإطلاق. هل يعقل أن يكون لديهم طريقة لصد الهجوم؟ أم أنهم... على علم مسبق به؟"
ساد الصمت للحظة، ثم تمتم الإمبراطور فالكون: "إذا لم نتحرك الآن، فقد يكون الدور القادم علينا جميعًا."
نظر الجميع إلى بعضهم البعض، وكانت الصمت لحظة ثقيلة ملأها التوتر.
فالكون فيرزادن ضرب الطاولة بقبضته بقوة وقال: "هذا غير مقبول! نحن نحارب كيانات مجهولة، بينما هم يتصرفون كأنهم ليسوا جزءًا من هذا العالم!" نظر إلى أحد مستشاريه وقال: "أرسلوا رسولًا رسميًا إلى إمبراطورية رافيندال. إن لم يحضروا الاجتماع القادم، فسنعتبرهم متورطين بطريقة أو بأخرى."
نظر بلاين إلى فالكون وقال بهدوء: "وكيف تعتقد أنهم سيردون؟"
فالكون أدار رأسه بحدة تجاهه، وعيناه تضيئان بالغضب. "لا يهمني كيف سيردون. عليهم أن يوضحوا موقفهم، وإلا فلن يكون هناك خيار سوى التعامل معهم كخطر محتمل."
تبادل الجميع نظرات مشحونة، بينما كان التوتر يزداد. كانت الحرب التي يخشونها جميعًا تلوح في الأفق، وليس هناك أي مجال للخطأ. فهل سيكون إمبراطور رافيندال صديقًا... أم عدوًا خفيًا؟
...
...
...
في عالم غارق في الظلام، انفتحت بوابة سوداء عملاقة وسط أرض قاحلة لا يُرى فيها أثر للحياة. من تلك البوابة، خرج رجل طويل القامة، بدا وكأنه في العشرينات من عمره، لكن ما ميّزه كان قرناه الملتويان وشعره الأسود الطويل الذي انسدل على كتفيه.
نظر حوله بتعبير مليء بالملل والضجر، ثم تمتم بغيظ: "اللعنة، لماذا أنا فقط من يُرسَل؟ كنت أعلم أن هذا سيحدث. اللعنة على حظي هذا."
وقف ساكنًا للحظات، ثم أغمض عينيه قليلاً وكأنه يحاول استشعار شيء ما. فتحهما بعد لحظة وأطلق زفرة ثقيلة: "وأين أنا الآن؟ أووه، بحق الجحيم... لماذا أشعر أنني سأعاني كثيرًا؟"
بينما كان يتحدث إلى نفسه، بدأت مخلوقات مرعبة بالظهور من العدم. كانت أشكالها غير محددة تمامًا، كأنها ظلال تتحرك بحرية، تهمس همسات غير مفهومة كأنها تصدر من أعماق الجحيم نفسه. اقتربت منه ببطء، تحيط به من جميع الاتجاهات.
رفع الرجل حاجبه باستغراب، ثم نظر إلى يده وكأنه أدرك شيئًا فجأة. "أوه... لا أحتاج إلى سيف هنا. هذا ليس ذلك المكان."
رفع يده اليمنى، وفي لحظة، انطلقت طاقة مظلمة مرعبة من جسده، اجتاحت كل شيء حوله كأنها عاصفة سوداء هوجاء. كل المخلوقات التي كانت تقترب منه بدأت تتلاشى وتُمحى كما لو أنها لم تكن موجودة من الأساس. لم يُسمع سوى صرخات خافتة قبل أن يغرق المكان في صمت مطبق.
خفض يده ببطء، ثم أمسك رأسه بطريقة غبية وهو يتنهد بضيق: "كيف يمكنني البحث في هذا العالم الكبير؟ تبًا... أنا أكره هذا حقًا."
نظر إلى الأفق حيث لم يكن هناك شيء سوى الظلام والضباب الكثيف. لم يكن يعلم إلى أين عليه الذهاب، لكنه كان واثقًا أن مهمته لن تكون سهلة أبدًا. وبينما وقف هناك، غير مدرك لما يخبئه له هذا المكان المجهول.
...
...
وسط الصحراء القاحلة، كانت خطواته تثقل مع كل خطوة يخطوها، الرمال تمتد بلا نهاية، والحرارة تكاد تكون خانقة. زفر بضيق وهو يمرر يده في شعره الأسود، بينما تلاعبت الرياح بمعطفه الطويل. كان الظجر قد بلغ منه مبلغًا كبيرًا، ولم يكن هذا سوى بداية.
"أوه بحق الجحيم..." تمتم بينما كان ينظر حوله بحثًا عن أي علامة للحياة، لكن الصحراء لم تمنحه سوى السراب.
تحرك بلا هدف، حتى لمح في الأفق شيئًا مختلفًا، هيكل ضخم يبرز وسط الرمال، بدا وكأنه قصر مهجور أو حصن قديم. شق طريقه نحوه، متجاهلًا العاصفة الرملية التي بدأت تتشكل من حوله.
عندما وصل إلى المدخل، وقف لوهلة، محدقًا بالبوابة العملاقة التي كانت مفتوحة على مصراعيها. "غريب... كأن أحدهم كان ينتظر قدومي."
وسط الصحراء القاحلة، حيث الرياح تعصف بالرمال في دوامات لا نهاية لها، وقف الرجل ذو القرنين الملتويين محدقًا في العرش الحجري الذي يتوسط القاعة الرملية المتهالكة. جلس على العرش مخلوق غريب، طويل القامة، بجلد أسود متشقق كأنه قطعة من الليل نفسه، وعينين متوهجتين بلون الدم.
"ما هذا أيضًا؟" تمتم الرجل ذو القرنين بملل، وهو يعاين المخلوق الذي بدا وكأنه كان ينتظر شخصًا ما، لكن من الواضح أنه لم يكن يتوقعه هو.
بغضب، نهض الكائن من عرشه، وانطلقت موجة من الطاقة السوداء كالسيف الحاد نحو الرجل ذو القرنين، الذي أمال رأسه قليلًا للجانب ليتفادى الهجوم بسهولة.
"حقًا؟ هجوم مباشر كهذا؟ كم هذا ممل..." قال ببرود، قبل أن ينحني بجسده متفاديًا ضربة أخرى مزقت الهواء من فوقه، لتخلق حفرة عميقة في الجدار الرملي.
لم يهدأ المخلوق، بل ازداد غضبه وبدأ في شن هجمات متتالية، كل ضربة أقوى وأسرع من سابقتها، لكن الرجل ذو القرنين تفاداها جميعها دون حتى أن يكلف نفسه عناء رفع ذراعيه. كانت حركاته أشبه براقص محترف وسط ساحة المعركة، لا يعبأ بالخطر المحيط به.
وأخيرًا، بعد أن ملّ، تنهد بظجر، واضعًا يده على جبينه كما لو كان يعاني من صداع مزعج. "اللعنة، لست متفرغًا لكل هذا..."
رفع يده ببطء، لتبدأ طاقة مظلمة تتجمع في كفه، دوامة سوداء تتسع بسرعة حتى غطت كامل الغرفة. المخلوق حاول الهجوم مجددًا، لكن قبل أن تصل ضربته، انفجرت الطاقة المظلمة، مكتسحة كل شيء في المكان.
لم يكن هناك أي صراع.
لم يكن هناك أي مقاومة.
في لحظة واحدة، اختفى المخلوق، تحطم العرش، وانسحقت الجدران من حوله، كأن المكان لم يكن موجودًا من الأساس. الرمل تطاير في كل اتجاه، والغرفة التي كانت قائمة قبل لحظات لم تعد سوى حفرة فارغة في قلب الصحراء.
تنهد الرجل ذو القرنين مرة أخرى، وهو يضع يديه في جيبيه، ونظر إلى السماء التي كانت محجوبة بسحب من الغبار والرمال.
"حسنًا، والآن ماذا؟ ما زلت لا أملك أي فكرة عن المكان الذي يجب أن أذهب إليه..." تمتم، ثم بدأ في المشي عبر الصحراء مجددًا، تاركًا خلفه الدمار المطلق، غير مكترث لأي شيء آخر سوى مهمته التي لم تكن تبدو قريبة من الانتهاء.
...
...
...
جلس الإمبراطور بلاين سكارليث في المقعد الخلفي لسيارته السوداء الفاخرة، وأصابعه تنقر بلا هوادة على مسند ذراعه الجلدي. كان وجهه متجهمًا، عيناه الداكنتان تحدقان في الظلام الذي يغطي الطريق أمامه، بينما كان الفارس الذي يقود السيارة يجلس في صمت مطبق، يدرك تمامًا أن هذا ليس الوقت المناسب لمحاولة بدء أي محادثة.
في الخارج، كانت خمس سيارات طائرة أخرى تحيط بهم من كل الجهات، تتحرك كأنها ظل لسيارة الإمبراطور، تحميه من أي خطر محتمل. الأضواء الخافتة للمدينة البعيدة تلمع في الأفق، لكن بلاين لم يكن يكترث لذلك، كان كل ما يشغل تفكيره الآن هو الاجتماع الذي حضره مؤخرًا، والفوضى التي اجتاحت العالم بعد الهجوم العنيف لمخلوقات الكابوس.
قبضته اشتدت، وملامحه ازدادت قسوة. لم يكن الغضب فقط بسبب الكارثة التي وقعت، بل كان بسبب شيء آخر، شيء أكثر استفزازًا بكثير: انعدام الثقة بين الإمبراطوريات. الجميع يشك في بعضهم البعض، كل قائد ينظر إلى الآخر بريبة، لا أحد يريد التعاون، وكأن العدو الحقيقي ليس مخلوقات الكابوس، بل بعضهم البعض.
"اللعنة عليهم جميعًا..." تمتم بلاين بصوت منخفض لكنه كان مليئًا بالحنق.
لقد كانت إمبراطورية سكارليث دومًا القوة العسكرية الأبرز في العالم، لكن الآن، حتى قوتهم لم تكن كافية لإخماد هذا الخطر. الهجوم كان مروعًا، الوحوش اجتاحت الأراضي، دمرت المدن، قتلت الآلاف، ومع ذلك، بدلًا من أن تتحد الإمبراطوريات للقضاء على هذا التهديد، اختاروا الشكوك والصراعات.
تذكر بلاين وجوه القادة الآخرين أثناء الاجتماع:
فالكون فيرزادن، بملامحه الصارمة وعينيه التي تعكس القوة الحادة، كان هادئًا لكنه لم يبدُ واثقًا بأي من الحاضرين.
روبيرت نيفيريا، الذي بدت على وجهه آثار القلق العميق، فقد كانت نيفيريا الأكثر تضررًا من الهجوم.
ريكس زاندرا، الذي كان جالسًا وكأنه ينتظر فرصة لإلقاء اللوم على أي شخص غيره.
أليستر إيسكار، الذي لم يكن مهتمًا سوى بحماية سحرته وأراضيه، وكأن البقية لا تعنيه.
ولكن أكثر ما أثار استياء بلاين، كان غياب إمبراطورية رافيندال. كيف يمكن أن يتجاهلوا هذا الاجتماع مرة أخرى؟ لماذا لم يصبهم الهجوم كما أصاب الجميع؟ هل كانوا يعلمون شيئًا لا يعرفه البقية؟
ضغط بلاين على صدغه محاولًا تهدئة نفسه، لكنه لم يستطع. كان عقله يصرخ بأسئلة بلا إجابات، وشعور قاتم يخبره بأن الأسوأ لم يأتِ بعد.
نظراته تحولت إلى النافذة، حيث بدأت الأضواء الكثيفة لمدينة سكارليث تظهر في الأفق. كانت السماء ملبدة بالغيوم الداكنة، تعكس مزاجه تمامًا. لم يكن الوقت مناسبًا للراحة، فالعالم كان ينهار، وكان عليه أن يكون مستعدًا لما هو قادم، سواء كان حربًا بين الإمبراطوريات، أو خطرًا أشد من مخلوقات الكابوس نفسها.