كان الجبل مغطى بالثلوج الكثيفة، والرياح تعصف به بقوة، تزمجر كوحش هائج يلف المكان بردائه الأبيض القاسي. الأشجار القليلة التي نجت من قسوة هذا المناخ بدت وكأنها تحني رؤوسها احترامًا لعنف الطبيعة، أو ربما خوفًا مما يختبئ في هذه القمم المعزولة عن العالم.

على أحد المنحدرات الصخرية، جلس رجل عجوز ذو حاجبين كثيفين، وشاربين طويلين متصلين بلحية امتدت حتى منتصف صدره، بيضاء كالجليد المحيط به. كانت بعض الجروح القديمة تبرز بوضوح على صلعته، وكأنها تروي قصص معارك نُسيت عبر الزمن. لم يكن يرتجف، ولم يظهر عليه أثر البرد، رغم أن الثلج كان يتراكم فوقه كما لو كان جزءًا من الطبيعة نفسها.

بهدوء، رفع كوبًا خشبيًا إلى شفتيه وارتشف مشروبًا ساخنًا، بخاره تصاعد في الهواء البارد واختفى بسرعة. كانت عيناه تتفقدان المنطقة بأكملها، لا يغفلان أي حركة مهما بدت ضئيلة. بدا كصياد محترف يراقب فريسته بصبر قاتل.

بعد لحظات، وضع كوبه جانبًا ونهض ببطء، تناثر الثلج عن ردائه الداكن كأنه غبار زمني. أدار جسده قليلاً ثم انحنى، ليزيح بيده المتجعدة بعض الصخور المتراكمة. ومع حركة يده، انبعثت طاقة غامضة، وظهرت بوابة سوداء مشعة بطاقة مظلمة، كأنها ثقب أسود يُنذر بابتلاع كل شيء.

وقف العجوز مستقيمًا، يتأمل البوابة بعينين متوهجتين، ابتسامة باردة ارتسمت على وجهه، ثم خطا خطوة إلى الداخل.

كان الداخل مختلفًا تمامًا عن العاصفة الثلجية بالخارج. لم يكن هناك برد، بل ظلام دافئ ينبض كقلب مخلوق قديم. على الجدران الصخرية، تراقصت ظلال غريبة، كأنها تحاول التحرر من أسرها. كانت الأرضية مزينة بنقوش قديمة غير مفهومة، تشع بوميض باهت بين الفينة والأخرى.

تقدم العجوز عبر الممر الضيق، خطواته ثابتة، وكأنه يعرف المكان جيدًا. توقف أخيرًا أمام بوابة حجرية ضخمة، عليها نقوش عتيقة تنبض بطاقة سحرية خافتة. رفع يده ولمس الحجر بأطراف أصابعه، فاهتزت النقوش، وتدفقت طاقة داكنة من داخلها.

بصوت هادئ لكنه ممتلئ بالقوة، قال وهو يحدق في الظلام أمامه:

"أدرياس... لقد حان وقتك."

انتهت كلماته، وساد صمت ثقيل، وكأن الجبل نفسه حبس أنفاسه.

في أعماق الظلام، شيء ما تحرك.

...

...

تحت الأرض، في أعمق زنزانة سحرية بُنيت في إمبراطورية سكارليث، حيث لا يصل الضوء إلا كخيوط باهتة تتسلل عبر الشقوق الصغيرة في السقف الحجري، كان هناك كائن مقيد بسبعة سلاسل سوداء، كل واحدة منها تنبض بقوة لعنات قديمة.

لم يكن مجرد كابوس، بل أحد الكوابيس السبعة، المخلوقات التي جابت العصور الماضية ناشرة الدمار والموت. لكنه لم يكن يبدو وحشًا مخيفًا، بل كان شكله أقرب إلى طفل في الثالثة عشرة أو شاب في السادسة عشرة من عمره، بشعر أبيض فضي ينسدل بهدوء على كتفيه النحيفتين، وقرنين بارزين ينحنيان للخلف كأنهما امتداد لوجوده الملعون.

في هذا الظلام العميق، شُقّت العتمة بخطوات ثابتة، صوت الأحذية المصنوعة من الجلد الفاخر يتردد بين الجدران المتآكلة. لم يكن هناك سوى شخص واحد يجرؤ على دخول هذا المكان لوحده...

جاستين.

وقف أمام القفص الأسود العملاق، يحدّق بالكائن المربوط بالسلاسل، بعينيه الرماديتين اللتين تعكسان ضوء القناديل المتوهجة الخافتة.

"يبدو أنك تقترب جدًا من تحقيق هدفك، أليس كذلك؟" تحدث الكائن بصوت هادئ، لكنه كان يحمل في طياته نبرة ساخرة.

ابتسم جاستين ابتسامة خفيفة، ناظرًا إليه دون أن يتأثر بكلماته. "ههه... أنت على حق. لم يتبقَ سوى القليل جدًا."

حرك الكائن رأسه قليلًا، لتظهر ابتسامة جانبية على شفتيه الرقيقتين. "لكنني أراهن أنك لم تأتِ فقط لتخبرني بهذا... ماذا تريد، جاستين؟"

تنهد جاستين، واضعًا يده في جيبه بينما نظر إلى الأختام التي تحيط بالقفص. "أنت، وذلك المخلوق الهاوي... الأقوى بين الكوابيس السبعة المحتجزة، الوحيدان اللذان لم أستطع السيطرة عليهما بالكامل."

ضحك الكائن بهدوء، نبرة صوته تحمل استهزاءً واضحًا. "إذاً، تعترف أخيرًا أنك عاجز عن السيطرة عليّ؟"

هز جاستين رأسه ببطء، ابتسامته لم تفارقه. "عاجز؟ لا... فقط لم يحن الوقت بعد. ربما بعد أسبوع، سأستطيع التحكم بك بالكامل. أما ذلك الهاوي... لن أحاول حتى. لستُ مجنونًا بما يكفي للاقتراب منه."

توهّجت عينا الكائن للحظة بوميض أحمر داكن، قبل أن يعود إلى هدوئه المعتاد. "ذلك الهاوي مختلف... أنت تعلم هذا جيدًا. حتى أنت، جاستين، تدرك أن محاولة السيطرة عليه ستنتهي بك إلى الجنون أو الموت."

صمت جاستين للحظات، قبل أن يقترب أكثر من القضبان السوداء، يكاد صوته يصبح همسًا: "لكنني سأسيطر عليك أنت، وهذا يكفيني الآن."

أصدر الكائن ضحكة خافتة، ثم أمال رأسه قليلًا، محدقًا في جاستين بنظرة لم يكن فيها خوف أو قلق، بل تحدٍّ واضح. "لنرَ إن كنت تستطيع فعل ذلك، جاستين. السبعة أيام القادمة ستكون مثيرة حقًا..."

تراجع جاستين خطوة إلى الوراء، لكن عينيه بقيتا معلقتين بالكائن المظلم، قبل أن يدير ظهره ويبدأ بالمغادرة.

في تلك اللحظة، لمعت العيون الحمراء من جديد، بينما السلاسل السوداء ارتجّت للحظة، وكأنها استشعرت اقتراب شيء أعظم مما قد يتخيله أي شخص...

الظلام في هذا المكان لم يكن عاديًا، بل كان نابضًا بالحياة، ينتظر اللحظة التي يتحرر فيها أحد الكوابيس السبعة...

...

...

...

في أعمق أركان العالم، حيث الظلال تلتف حول كل شيء، وحيث الأسرار القديمة تُحفظ بعيدًا عن أعين البشر، تقع إمبراطورية رافيندال. إمبراطورية تُحيط بها الأساطير، ويُحكى أن لا أحد استطاع دخولها أو الخروج منها دون إذن.

في غرفة مضاءة بضوء أزرق خافت، تجلس شخصيتان متقابلتين. أحدهما كان رجلًا عجوزًا، ذو لحية رمادية كثيفة ووجه مليء بالتجاعيد التي بدت كأنها تحمل آثار قرون من المعرفة والتخطيط. عيناه السوداوان كانتا تعكسان حدة لا تتناسب مع عمره، وكأنه يرى ما وراء الحاضر.

أما الآخر، فقد كان غامضًا بالكامل، يرتدي ملابس سوداء طويلة تغطي جسده، وقناعًا أسود يخفي ملامحه تمامًا. لم يكن هناك أي علامة تدل على شخصيته، سوى الصوت العميق والهادئ الذي نطق قائلاً:

"هل تظن أن الوقت قد حان، أيها العجوز؟"

ابتسم العجوز، ابتسامة مليئة بالغموض، قبل أن يرد بصوت منخفض لكنه يحمل ثقل العصور:

"ههه... رغم استعدادنا، إلا أنني لا أضمن أن كل شيء سوف يسير وفق الخطة."

ارتكز الرجل المقنع على الطاولة ببطء، ثم قال: "التاريخ يُكتب بأيدي من يملكون الجرأة. إن ترددنا الآن، فقد نفقد فرصتنا الوحيدة."

أخذ العجوز نفسًا عميقًا، ثم نظر إليه بحدة: "الخطط تسير كما يجب، لكن هناك متغيرات لا يمكننا التحكم بها. الإمبراطوريات الأخرى لن تبقى مكتوفة الأيدي، وستحاول إيقافنا بأي وسيلة."

"ولكننا مستعدون، أليس كذلك؟" قال الرجل المقنع بنبرة باردة.

ضحك العجوز مجددًا، لكن هذه المرة بنبرة مختلفة، وكأنه يستمتع بشيء لا يعلمه إلا هو.

"لقد ظنوا أنهم الأقوى، أنهم يمتلكون السيطرة المطلقة، لكنهم لم يدركوا أن هناك من يعمل في الظلال، من ينسج الخيوط بصبر منذ قرون. لا تقلق، رافيندال لم تكن أبدًا مجرد إمبراطورية منعزلة، نحن كنا دائمًا نراقب، نخطط، والآن… نتحرك."

صمت الرجل المقنع للحظات، وكأنه يستوعب كلمات العجوز. ثم قال ببطء: "إذن، متى تبدأ المرحلة الأولى؟"

أغمض العجوز عينيه لبرهة، ثم قال بصوت منخفض، يكاد يكون همسًا: "بعد أسبوع."

فتح الرجل المقنع يده ببطء، وفي راحته ظهر ختم أسود، ينبض بطاقة شريرة. "بعد أسبوع إذن… لنرى إن كان العالم مستعدًا لمواجهة الكابوس الحقيقي."

...

...

وسط غرفة مظلمة بالكاد أضاءها ضوء شمعة متراقصة، جلس رجل في الخمسينات من عمره، شعره الرمادي يتدلى إلى كتفيه بإهمال، وعيناه المتعبتان تحدقان في الكأس التي يمسكها بيده المرتجفة قليلًا. كان الشراب يتأرجح داخل الكأس مع ضحكاته المتقطعة، ضحكات مليئة بالسخرية واللامبالاة.

"أخيرًا..." تمتم بصوت مبحوح، بينما كان يرفع الكأس إلى شفتيه، "تبقى القليل فقط... القليل لأرى عرضًا لم أره منذ سنوات طويلة... هه، كم انتظرتُ هذه اللحظة."

ألقى برأسه إلى الخلف وأفرغ محتويات الكأس دفعة واحدة، ثم وضعها بعنف على الطاولة الخشبية، محدثًا صوتًا مكتومًا ارتد صداه في الغرفة. الهواء كان يعبق برائحة الخمر القديمة والدخان، بينما كان الرجل يتأمل الجدار أمامه، وكأن المشهد الذي سيحدث قريبًا قد بدأ يتجسد أمام عينيه.

ببطء، مد يده إلى درج قديم وسحبه، ليكشف عن قطعة ورقية قديمة، كانت الحواف مهترئة، ولكن الكلمات المكتوبة عليها لا تزال واضحة. حدق فيها للحظات قبل أن يبتسم ابتسامة غامضة.

"كل شيء يسير كما يجب..." تمتم لنفسه، قبل أن تنهض ضحكة أخرى من أعماقه، هذه المرة أكثر ظلامًا.

ثم، كأنما استجاب القدر لحديثه، انطفأت الشمعة فجأة، تاركة الغرفة في ظلام دامس. لم يتحرك الرجل، لم يبدُ عليه الذعر أو الاستغراب، بل فقط ابتسم ابتسامة شاحبة وقال بصوت خافت:

"لقد بدأ الأمر بالفعل... لنرَ كيف سينتهي هذا العرض، يا أصدقائي القدامى..."

...

...

جلس بلاين سكارليث خلف مكتبه الضخم المصنوع من خشب الأبنوس الأسود، يداه متشابكتان فوق الأوراق المتناثرة أمامه، وعيناه الداكنتان تتمعنان في الفراغ بشرود. الأفكار تتلاطم في ذهنه كالأمواج العاتية، تبحث عن حل لهذا الفوضى التي اجتاحت العالم، لكن دون جدوى. جميع الإمبراطوريات ترفض التعاون، الجميع يشك في بعضه البعض، وكأن هذه الحرب ليست ضد مخلوقات الكابوس، بل ضد أنفسهم.

كان كل شيء هادئًا، حتى قطع هذا الصمت صوت باب مكتبه وهو يُفتح فجأة، دون حتى طرقه. رفع بلاين رأسه بسرعة، حاجباه ينعقدان باستغراب، لكنه سرعان ما خفّف من تعابير وجهه حين رأى من يقف عند الباب.

كانت أرينا، ابنته الصغيرة ذات العشرة أعوام، تقف هناك بثوبها الأبيض الفضفاض، شعرها الفضي الطويل يتراقص مع النسيم الخفيف القادم من النافذة، وعيناها البنفسجيتان تحدقان فيه ببراءة وجرأة في آنٍ واحد.

"أرينا..." قال بلاين بصوت هادئ لكنه يحمل شيئًا من الإنهاك. "كم مرة أخبرتكِ أن تطرقي الباب قبل الدخول؟"

تقدمت أرينا نحوه بخطوات صغيرة لكنها ثابتة، قفزت على الأريكة المقابلة لمكتبه وجلست هناك وكأنها في مكانها الطبيعي، واضعةً يديها على حجرها.

"لم أستطع الانتظار، أبي." قالت بصوت ناعم، ثم أمالت رأسها قليلاً وأضافت: "أنت مشغول جدًا مؤخرًا... الجميع يتحدث عن الحرب، عن الوحوش... حتى الخدم يتحدثون عن اجتماع الإمبراطوريات، لكني لا أفهم لماذا الجميع متوترون."

نظر بلاين إلى ابنته للحظة طويلة، كانت كلماتها البسيطة تحمل ثقلًا لم تكن تدركه، لكنها كانت محقة. التوتر يملأ كل زاوية في القصر، بل في العالم بأسره. تنهد بصمت، ثم نهض من مقعده وسار نحو النافذة، يحدق في الأفق حيث تلونت السماء بلون الغروب القرمزي.

"أحيانًا، يا أرينا، يكون العالم أكثر تعقيدًا مما يبدو عليه." قال بلاين بصوت منخفض.

أرينا لم تبدُ مقتنعة، بل شبكت ذراعيها وقالت بإصرار: "لكن، ألا يجب أن نكون معًا في الأوقات الصعبة؟ أمي كانت تقول دائمًا إن العائلة والأصدقاء يجب أن يساعدوا بعضهم البعض. لماذا لا يفعل الكبار ذلك؟"

شعر بلاين بوخزة في صدره عند سماعها٬ حتى طفلة مثلها كانت منطقية أكثر من بعض القادة. نظر إلى ابنته، ثم ابتسم ابتسامة بالكاد تُلاحظ.

"أنتِ محقة، أرينا." قال بلطف. "لكن في بعض الأحيان، الكبار معقدون جدًا لدرجة أنهم ينسون أبسط الحقائق."

تألقت عينا أرينا بوميض ذكي، ثم قالت بابتسامة مشاكسة: "إذن، لما لا تذكرهم بها؟ أنت الإمبراطور، أليس كذلك؟"

ضحك بلاين بصوت منخفض، لم يكن يتوقع مثل هذا الرد منها. تقدم نحوها، وجلس على الأريكة بجانبها، ثم مدّ يده ليعبث بشعرها الفضي بلطف.

"أحيانًا، أعتقد أنكِ أذكى من جميع مستشاريّ." قال ممازحًا.

أرينا ضحكت أيضًا، ثم قفزت من الأريكة وركضت نحو الباب قبل أن تستدير نحوه مجددًا: "إذن، هل ستفكر في كلامي؟"

بلاين أومأ لها بصمت، بينما ظلت هي تبتسم له للحظة قبل أن تغادر، مغلقة الباب خلفها.

تنهد بلاين مجددًا، لكنه شعر بشيء مختلف هذه المرة. ربما، فقط ربما، كان هناك حل وسط لهذه الفوضى. ربما لم يكن كل شيء قد فُقد بعد.

2025/03/10 · 25 مشاهدة · 1709 كلمة
Vicker
نادي الروايات - 2025