[منظور جاستين سكارليث]

كان الممر طويلًا وهادئًا بشكل غريب، خطواتي كانت متزنة كما لو أنني لم أنهِ حياة أحد منذ لحظات، كما لو أن دماء ابني لم تلطخ يدي قبل دقائق فقط. لا أثر للندم، لا أثر للحزن، لا شيء سوى الفراغ والهدف الذي وضعته نصب عيني منذ سنوات.

عندما وصلتُ إلى باب مكتب الإمبراطور الحالي، بلاين سكارليث، لم أكلف نفسي عناء الطرق. دفعت الباب ببطء ودخلتُ بكل بساطة، كما لو أنني أمتلك هذا المكان، وكما هو الواقع… أنا أمتلكه.

رفع بلاين رأسه بسرعة، للحظة ظن أن من دخل هي أرينا، طفلته الصغيرة التي اعتادت اقتحام مكتبه دون استئذان، لكن عندما أدرك أنني أنا، تغيرت ملامحه، عادت إلى جديتها المعتادة، لكنه لم يستطع إخفاء لمحة من الاستغراب في عينيه.

"والدي؟" قال بنبرة متماسكة، رغم أنني شعرتُ بالانزعاج الطفيف في صوته، لطالما كنتُ غير مرحبٍ به هنا، لكنه يعلم جيدًا أن تجاهلي ليس خيارًا.

سرتُ ببطء نحو المكتب، نظرتُ إلى الخرائط المبعثرة على سطحه، إلى التقارير المتراكمة، بلاين لم يكن إمبراطورًا سيئًا، لكنه لم يكن بالذكاء الكافي أيضًا، وإلا لكان أدرك منذ زمن أن الشطرنج الحقيقي لا يُلعب فوق الطاولات، بل خلف الكواليس.

"قبل خمسة أيام طلبتُ منك دعوة جميع الإمبراطوريات الستة لاجتماع طارئ"، قلتُ بصوت هادئ لكن حازم، "ما هو قرارهم؟"

بلاين لم يبتعد بنظره عني، كأنه يحاول قراءة نواياي، لكنه أجاب دون تردد: "لقد وافقوا جميعًا، والأغرب من ذلك…" توقف لبرهة وكأنه لم يكن متأكدًا إن كان عليه قول ذلك، لكنه أكمل: "أن إمبراطورية رافيندال وافقت أيضًا."

رافيندال، هاه…

ابتسمتُ ببطء، لم يكن ابتسامة ودّية، بل ابتسامة شخص يرى لعبةً تتشكل أمام عينيه كما خطط لها تمامًا.

"رافيندال..." تمتمتُ وأنا أستدير مغادرًا المكتب، دون أن أقول شيئًا آخر.

بلاين لم يسألني عن سبب زيارتي، لم يحاول إيقافي، ربما لأنه يعلم أنني لا أزور دون سبب، وربما لأنه كان يعلم أن أي محاولة لفهمي قد تكون مضيعة للوقت.

عندما خرجتُ من المكتب، سرتُ ببطء في الممر الطويل ذاته، لكن هذه المرة همستُ لنفسي بصوت بالكاد يُسمع:

"يبدو أنكم قد جهزتم وضعكم جيدًا، لكن سترون شيئًا سيدمر خططكم تمامًا…"

...

...

كانت أقدامي تتقدم في الممرات الحجرية المظلمة، كل خطوة تصدر صدى خافتًا، وكأن الجدران نفسها تهمس بأسرارها لي. الهواء هنا كان مختلفًا، أثقل، وكأنه مزيج بين الرطوبة ورائحة الدماء القديمة. لم يكن هذا مكانًا لعقل ضعيف أو جسد هش، كان هذا المكان مقبرة العظماء، زنزانة المجهولين، وعالمًا منفصلًا عن المنطق البشري.

وصلتُ إلى باب ضخم، مصنوع من عظام سوداء متشابكة كأنها أذرع تحاول منع أي شخص من الدخول، أو ربما تحاول منع شيء من الخروج. لم أحتج إلى كلمات سحرية أو مفاتيح لفتحه، الباب يعرفني، يعرف سيده، بمجرد أن وضعت يدي عليه، بدأت العظام في الالتواء والتشقق، تراجعت للخلف ببطء، وكأنها تنحني لقدومي.

عندما دخلت، رأيتُه…

القلب.

كان عملاقًا، حجمه يضاهي حصنًا، ينبض ببطء، صوته أشبه بزئير مكتوم يتردد في الأرجاء. سطحه لم يكن مجرد لحم نابض، بل كان مغطى بمئات العيون، كل واحدة منها تتحرك بشكل مستقل، تحدق فيّ، تحاول قراءة أفكاري، أو ربما تحاول التهامها. بعض العيون كانت صغيرة، بالكاد تُرى، بينما الأخرى كانت بحجم رأسي، تحدق بي وكأنها ترى عبر جلدي وعظمي وصولًا إلى روحي ذاتها.

وهنا، ظهرت تلك الابتسامة على وجهي…

لم تكن ابتسامة عادية، كانت بطيئة، متقنة، كأنها خُلقت لتناسب هذه اللحظة، وهالة شيطانية مرعبة بدأت تتصاعد مني، الهواء من حولي أصبح أثقل، أكثر قتامة، الأعين بدأت بالاهتزاز، وكأنها تدرك أن شيئًا ما على وشك الحدوث.

لم أخفَ، لم أتردد، تقدمتُ أكثر نحو القلب، وكأنني كنت أقترب من كيان مقدس، من معجزة مشوهة.

وصلتُ إلى منتصف الغرفة، وقفتُ أمام القلب، ومددتُ يدي إلى معطفي، سحبتُ منه ذلك الخنجر…

الخنجر الملطخ بدماء المؤسس.

كان أسود اللون، تتداخل عليه نقوش غريبة، وكأنها تسبح تحت سطحه، تنبض بوميض قاتم. رائحة الدم العالق عليه لم تبهت رغم مرور القرون، بل كانت أكثر نفاذًا، وكأنها لا تزال طازجة، لا تزال تروي حكاية أول قطرة سُفكت من أجل هذا العالم.

نظرتُ إلى القلب للحظة، ثم دون تردد… ابتلعتُ الخنجر.

مرَّ عبر حلقي كشظية جليد تخترق أحشائي، الألم كان لا يُوصف، كأن نيران الجحيم قد اشتعلت داخلي، كأنني أُجبر على إعادة ولادتي بشكل مشوه.

جسدي ارتجف، عروقي انتفخت، الدم بدأ يتدفق بغزارة من فمي، بصقتُه على الأرض، شعرتُ كأنني أغرق في موجة من الألم النقي، الألم الذي لا يماثله شيء.

لكنني لم أصرخ…

بل ضحكت.

ضحكتُ بجنون، بصوت ارتجّت له أرجاء الغرفة، نظرتُ إلى الأعلى، الدم يقطر من فمي، ابتسامتي اتسعت أكثر وأكثر، حتى شعرتُ بأن وجهي قد تمزق.

"تبدأ الأحداث الحقيقية الآن…"

ثم دوّى صوت ضحكتي في أنحاء القبو:

"ههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههه!"

كان الألم لا يوصف، ولكنه لم يكن كافيًا لإيقافي.

نهضتُ ببطء، ساقاي ترتجفان تحت ثقل الطاقة التي بدأت تتدفق داخلي. لم يكن مجرد إحساس بالقوة، بل كان وكأن كياني كله يتمزق ويُعاد تشكيله في الوقت ذاته. كل خلية في جسدي كانت تصرخ، ولكنني تجاهلتُ ذلك.

تقدّمتُ، كل خطوة كنت أشعر أنها تزيد من الجحيم الذي يلتهمني من الداخل، ولكنني لم أتوقف. لم يكن هناك مجال للتراجع الآن. كنت قد وصلت إلى النقطة التي لا عودة منها.

أخيرًا، وصلتُ إلى القلب.

وقفت أمامه، نبضاته تهدر كالرعد في الغرفة، العيون التي تغطي سطحه تراقبني بلا توقف، بعضها مليء بالخوف، وبعضها يحدّق بي بترقب، وكأنها تعلم ما سأفعله.

مددتُ يدي ببطء... ولمستُه.

انفجار.

لم يكن انفجارًا ماديًا، بل كان وكأن روحي نفسها تمزقت لحظة تلامسي به. لم أكن أمتص طاقة عادية، كنت أمتص جوهر كائن بمستوى جبار، كائن لا يمكن حتى لقديس أن يقترب منه، ولكن... أنا لم أكن أي قديس.

كان جسدي يرتجف، يصرخ، يحترق من الداخل. شعرتُ بأن جلدي يتمزق، عضلاتي تتفتت، عظامي تتحطم، ولكن إرادتي لم تتزعزع.

لم أكن جاستين سكارليث فقط...

كنت أحمل ذكريات وإرادة أدريان سكارليث، الرجل الذي اختفى قبل 300 عام.

كنت أحمل بعضًا من دماء المؤسس، الذي مات قبل 500 عام.

لم أكن مجرد شخصٍ قوي، كنت وريث قوة وإرادة كانت نائمة في الظل، تنتظر اللحظة المناسبة للعودة.

بدأتُ أشعر بالطاقة تتدفق إليّ، لكنها لم تكن سلسة...

بل كانت حربًا.

القلب لم يكن مجرد مصدر قوة، بل كان كيانًا بذاته، يحاول المقاومة، يحاول استعادة سيطرته. العيون التي تغطي جسده بدأت ترتجف، بعضها انفجر، بينما الأخرى كانت تزداد احمرارًا، كأنها تحاول مهاجمتي من الداخل.

ألم... ألم لا يُوصف اجتاحني.

"ااااااااااااااه!"

لم أستطع كتم صرختي، سقطتُ على ركبتي، شعرتُ بأن شيئًا ما يحاول تمزيق وعيي، روحي تتشقق، ولكنني لم أتوقف.

بدأ القلب يتقلّص شيئًا فشيئًا، كنت أمتصه بالكامل، أدمجه مع كياني.

ولكن فجأة...

انفجار آخر.

لم يكن هذه المرة من الخارج، بل من داخلي.

عيني!

لا... ليس فقط عيني.

كل جسدي...

بدأ جلدي يتمزق، لم يكن لون دمي طبيعيًا بعد الآن، كان أسود قاتمًا، يقطر ببطء على الأرض، وكأن روحي نفسها قد تحولت إلى شيء آخر.

ولكن الأمر الأكثر رعبًا...

كانت العيون.

بدأت عيونٌ حمراء تظهر في أنحاء جسدي، على ذراعي، صدري، رقبتي، حتى وجهي. لم تكن مجرد أوهام، بل كانت حقيقية، تتحرك، تراقب، تحدّق في الفراغ، وكأنها أصبحت جزءًا مني.

لم يعد هناك عودة.

لم أعد جاستين سكارليث فقط، لم أعد حتى أدريان سكارليث...

لقد أصبحت شيئًا آخر.

شعرتُ بشيء ينهار داخلي، وعيي بدأ يضعف، أطرافي لم تعد تستجيب لي.

ثم...

سقطتُ على الأرض، منهكًا بالكامل.

كان الألم لا يُطاق، كأنني أُحرق من الداخل إلى الخارج، ولكنني لم أكن خائفًا.

لأنني... نجحت.

ضحكتُ بصوت خافت، رغم الدماء التي غمرت شفتي، رغم الألم الذي لم يهدأ بعد.

"ههههههههههههههههه..."

نظرتُ إلى السقف المظلم، ابتسمتُ، وعيناي تشتعلان بجنون.

"أدريان سكارليث... سحقًا لك، لقد حققتَ ما كنت تهدف إليه... وهذه المرة، ستتحقق إرادتك بالكامل."

كنتُ ألهث، كل جزءٍ من جسدي يصرخ من الألم، لكنني لم أكن ضعيفًا، لم أكن مجرد رجل فقد طاقته بعد امتصاص القلب الكابوسي. كنتُ قد تحولت، أصبحتُ شيئًا آخر، شيئًا لا يمكن وصفه بمجرد كلمات.

استلقيتُ على الأرض الباردة، العيون التي نمت على جسدي ما زالت تحدق في الفراغ، تتحرك ببطء، تراقب كل شيء حولي كما لو كانت كائنات مستقلة.

ابتلعتُ ريقي بصعوبة، شعرتُ وكأنني أتنفس النار، وكأن الهواء نفسه قد أصبح ثقيلًا.

لكنني لم أستطع التوقف هنا.

ببطء، بعد راحة قصيرة، تحاملتُ على نفسي، ارتكزتُ على كوعي، ثم دفعتُ جسدي للأعلى، الوقوف كان صعبًا، لكنه ليس مستحيلًا.

"اللعنة..."

رأسي كان ينبض بألم مرعب، وكأن هناك قوة تحاول تمزيق جمجمتي من الداخل. لكنني تجاهلتُ ذلك، لأنه لم يكن هناك وقت للضعف.

نظرتُ حولي، كل شيء كان ساكنًا، مظلمًا، كما لو أن الغرفة نفسها كانت تنتظر خطوتي التالية.

ثم تمتمتُ، وابتسامة مرعبة ارتسمت على شفتي:

"تبقى أربعة."

كارون...

بمجرد أن خطرت الفكرة في رأسي، شعرتُ ببرودة غريبة تسري في العظام، ليس مجرد إحساس، بل شيء أعمق، شيء أشبه بلمسة موت خفية تحاول سحبك إلى هاوية لا نهاية لها.

كارون ليس مجرد كابوس.

إنه شيء... شيء لا يشبه أي كائن حي.

تخيل هيكلًا عظميًا يطفو في الفراغ، لا لحم يغطي عظامه، لا عضلات تحركه، لكنه يتحرك… بطريقة لا يمكن للعقل البشري فهمها.

محاطٌ بهالة سوداء، ليست مجرد ظلام، بل شيء حيّ... شيء يتحرك، يلتف حوله، ينبض كما لو أنه كائن مستقل.

كارون لا يحتاج إلى عيون ليراك، لأنك عندما تقف أمامه… تشعر بأنه يراك.

ليس فقط جسدك... بل روحك نفسها.

تشعر بأنه يعرفك، يعرف كل شيء عنك، وربما... ربما يمتص وجودك دون أن تدرك حتى أنك قد اختفيت.

"كارون سيكون هو القادم."

ضحكتُ بهدوء، ثم بدأتُ أضحك بصوت أعلى، أعلى، حتى تحولت ضحكتي إلى قهقهة مجنونة تملأ المكان.

"ههههههههههههههههه!"

كان ذلك الضحك يحمل كل شيء… الألم، الجنون، القوة، واليقين بأنني قد بدأتُ للتو في عبور الخط الفاصل بين الإنسان والشيء الآخر الذي بدأتُ أتحول إليه.

لقد بدأ الجنون الحقيقي الآن.

...

...

...

تشققت السماء بغيوم كثيفة، ممهدة لوصول الشتاء، بينما تساقطت أولى قطرات المطر على الأرض الباردة. الباب الضخم لإمبراطورية رافيندال انفتح بصوت ثقيل، لتخرج منه فتاة بدت وكأنها في الخامسة أو السادسة عشرة من عمرها. شعرها الأبيض الطويل انسدل بهدوء على كتفيها، يلمع بخفوت تحت الضوء الشاحب، بينما لفّ معطف أسود سميك جسدها النحيل، متماهيًا مع الظلال التي امتدت حولها.

تقدمت دون تردد، خطواتها هادئة لكنها لم تكن مترددة. الرياح الباردة عصفت بالمكان، وكأنها تحاول إيقافها، لكن الفتاة لم تُعرها أي اهتمام، وكأنها لم تشعر بدرجات الحرارة المنخفضة التي بدأت تسيطر على الأجواء.

الشوارع الحجرية تحت قدميها كانت مبتلة، تعكس ضوء المشاعل القليلة التي أضاءت زوايا الطرقات. المباني القديمة المصفوفة على جانبي الطريق وقفت في صمت، نوافذها مغلقة بإحكام، وكأنها تراقب مرورها بصمت خفي.

رغم أن الإمبراطورية لم تكن نائمة تمامًا، إلا أن الجو كان كئيبًا، هادئًا أكثر مما ينبغي. لم يكن هناك أصوات صاخبة، ولا ضجيج الأسواق، فقط همسات الريح وقطرات المطر التي ازدادت كثافة.

أكملت الفتاة سيرها، لم تلتقِ بأحد، ولم تحاول البحث عن أي وجه مألوف. بدا وكأنها تعرف وجهتها جيدًا، وكأنها كانت تتبع طريقًا محفورًا في ذاكرتها.

استمرت بالسير، حتى اختفت بين الظلال التي غطت أطراف المدينة… تاركة وراءها الإمبراطورية التي خرجت منها، وكأنها لم تكن تنتمي إليها منذ البداية.

يتبع...

2025/03/12 · 23 مشاهدة · 1707 كلمة
Vicker
نادي الروايات - 2025