[منظور إيثان سكارليث]
الهدوء في هذه الغابة لم يكن طبيعيًا.
كنت قد لاحظت ذلك منذ اللحظة التي عبرنا فيها حدود الأشجار المظلمة، لكن الأمر أصبح أكثر وضوحًا الآن. لا أصوات طيور، لا حفيف أوراق، حتى الرياح كانت وكأنها تتجنب هذا المكان. كل شيء هنا بدا ميتًا، ومع ذلك... شعرت وكأن شيئًا ما يراقبنا.
سيرين، الطفلة ذات القرون الغريبة، لم تكن تبدي أي اهتمام. كانت تسير بجانبي، تتناول قطعة بسكويت كما لو أننا لم نكن في أخطر مكان يمكن أن ندخله.
"أنتِ تأكلين البسكويت مجددًا؟" سألتها وأنا أراقبها بنظرة غير مصدقة.
"أوه..." توقفت فجأة، ناظرة إلى قطعة البسكويت التي بين أصابعها. بدا وكأنها لم تكن تدرك حتى أنها تأكل. لم تجبني، فقط حملقت في البسكويت بعيونها الفضية، كما لو أن عقلهَا كان يحاول استيعاب شيء غريب جدًا.
شيء ما لم يكن صحيحًا.
توقفنا تحت شجرة ضخمة، جذعها القديم بدا كما لو أنه قد عاش آلاف السنين، وتسلقت سيرين إلى أحد الأغصان العالية بسهولة كما تفعل دائمًا. جلست هناك، أرجلها تتدلى في الهواء، بينما كنت أقف تحتها، أشعر بأن الغابة كلها تضيق علينا شيئًا فشيئًا.
ثم... شعرت به.
ذلك الشعور.
برد مفاجئ زحف على عمودي الفقري. الهواء أصبح أثقل، وكأن المكان كله انخفض ضغطه في لحظة. التقطت أذني صوتًا، لكنه لم يكن واضحًا، كأنه همسات بعيدة، لا أستطيع فهمها.
نظرت حولي... الأشجار لم تعد تبدو كما كانت.
كانت مظلمة أكثر، طويلة بشكل غير طبيعي، كأنها أصبحت أكثر كثافة فجأة.
"إيثان..."
نظرت إلى سيرين، كانت تنظر في اتجاه معين، وعيناها الفضيتان متسعتان بشكل غير طبيعي.
قبل أن أتمكن من سؤالهَا عما يحدث... حدث ذلك.
من الأرض، بدأ شيء ينسكب.
لم يكن طينًا، لم يكن ظلًا... كان سوادًا ينبض، يتحرك، يزحف وكأنه حي. لم يكن مجرد لون أسود، بل كان عميقًا، مع بريق يميل للأزرق الداكن، وكأنه سماء ليلية بلا نجوم. انتشر على الأرض، تشقق اللحاء على الأشجار القريبة، وكأن وجوده بحد ذاته كان يفسد الطبيعة من حوله.
ثم، من داخله... خرج "هو".
مخلوق بلا ملامح، أطول من أي شيء رأيته من قبل، يده الطويلة تصل للأرض رغم حجمه الهائل. لم يكن له وجه، لا عينان، لا فم، لكنه كان "يرانا".
كيف؟ لا أعلم.
لكني كنت واثقًا بأنه كان يحدق بي مباشرة.
جسدي تجمد.
حاولت أن أحرك يدي، قدمي... لم أستطع.
لم يكن هذا مجرد خوف.
كان شيئًا أكبر.
كل ذرة في جسدي كانت تصرخ، كل خلية كانت ترتجف، وكأن كياني بالكامل يرفض حتى فكرة محاولة الهرب.
سمعت صوت أنفاس مضطربة. نظرت إلى الأعلى... سيرين.
كانت ترتجف.
لأول مرة، رأيت سيرين خائفة.
جسدها الصغير كان متصلبًا، أنفاسها غير منتظمة، قبضتاها مشدودتان حول قطعة البسكويت التي لم تسقط حتى الآن.
ثم رأيت عينيها الفضيتين... كانت تبكي.
دموعها تجمعت عند أطراف عينيها، لكنها لم تسقط، فقط بقيت تحدق في ذلك الشيء العملاق بلا ملامح.
في النهاية، ألقت البسكويت بعيدًا، ثم قفزت نحوي وتمسكت بي بقوة، كأنها تحاول أن تختبئ بداخلي.
"إي... إيثان... ما هذا؟"
صوتها كان ضعيفًا، مهزوزًا... لم يكن يشبهها أبدًا.
لم أستطع الرد.
لم أكن أستطيع حتى التنفس بشكل جيد.
المخلوق اقترب.
كل خطوة كانت تجعل الأشجار ترتجف، الأرض تهتز، وكأن الغابة كلها تخشى وجوده.
شعرت بأن الهواء أصبح أكثر كثافة، كلما تحرك كان يجر معه شيئًا... شيئًا غير مرئي، لكنه ثقيل كالجحيم نفسه.
اقترب أكثر... وأكثر... حتى توقف أمام الشجرة التي كنا فيها.
لقد رآنا.
لقد "نظر" إلينا، رغم أنه لم يكن يمتلك عينين.
كنت متأكدًا من أنه سينتزعنا من مكاننا، كان يمكنني الشعور بذلك في العظام، في الدم، في العقل.
لكنه... غير اتجاهه.
ببساطة، وكأننا لم نكن هنا، دار بجسده العملاق، مشى بعيدًا، خطواته الثقيلة تهز الأرض، ثم اختفى في الظلام العميق بين الأشجار.
أنا... لم أفهم.
لكنني لم أكن أرغب في الفهم.
كنت فقط أعرف شيئًا واحدًا:
هذا لم يكن مخلوقًا عاديًا.
هذا شيء... أسوأ من الموت نفسه.
...
...
الصمت.
كان يجب أن أشعر بالراحة، كان يجب أن أتنفس بارتياح بعدما ابتعد ذلك الشيء... لكنني لم أستطع.
أشعر وكأنني غارق في الماء، وكأن صدري يرفض التمدد لامتصاص الهواء، وكأنني محاصر داخل جسدي نفسه.
يداي كانتا باردتين، رغم أنني لم أتحرك ولم أفعل شيئًا.
سيرين كانت لا تزال متشبثة بي.
أنفاسها كانت دافئة ضد جلدي، لكنها كانت غير منتظمة. أغمضت عينيها بشدة، كأنها تحاول الاختفاء، كأنها تعتقد أن تجاهل الأمر سيجعله غير موجود.
لكن ذلك الشيء لم يكن مجرد "كابوس".
إنه كان هنا... إنه لا يزال هنا.
رغم أنه قد "غادر"، رغم أن جسده العملاق قد اختفى بين الأشجار... شعرت به.
شيء غير مرئي، غير ملموس، لكنه يثقل الهواء من حولي، كأن يده ما زالت تحيط برقابنا رغم أنه لم يلمسنا.
حاولت أن أتكلم... لكن صوتي لم يخرج.
شيء بارد زحف على طول عمودي الفقري، كأن أحدًا يمرر شفرات زجاجية ببطء شديد على جلدي.
شيء يتحرك.
لكن من أين؟
نظرت حولي بسرعة، لكن كل شيء كان كما هو... أو هكذا ظننت.
لكنني لاحظتها.
الظلال.
لم تكن كما يجب أن تكون.
كان هناك خطأ في طريقة تشكلها، في كيفية انحرافها عن الضوء القليل الذي يتسرب بين الأغصان، في كيف أنها... تتحرك.
لم تكن تتحرك كما تفعل الأشجار عند اهتزازها بسبب الرياح، لم تكن طبيعية.
كانت تنبض... تتمدد ببطء... وكأنها تتنفس.
تجمدت في مكاني، قلبي ينبض بعنف داخل أذني، وكل شيء فيّ يصرخ "اركض!"
لكنني لم أستطع.
"إيثان..."
جاء صوت سيرين ضعيفًا جدًا، كأنها تجاهد حتى تخرج كلمة واحدة.
تجمد الدم في عروقي عندما رفعت يدها المرتجفة... وأشارت إلى الأسفل.
نظرت.
ورأيت.
عند قدمي... في ظلي... كان هناك شيء يتحرك داخله.
لم يكن مجرد ظل.
كان... عينًا.
عين سوداء بالكامل، حوافها تموج كما لو أنها مصنوعة من السواد السائل، حدقت فيّ دون أن ترمش.
ثم... ظهرت عين أخرى.
ثم أخرى.
ثم أخرى.
كانت هناك عشرات العيون... كلها في ظلي.
كلها تحدق بي.
لم أكن أتنفس. لم أكن أتحرك.
شعرت بشيء بارد يضغط على جلدي، كما لو أن يدًا خفية امتدت من داخل ظلي وبدأت في سحب روحي للخارج.
ثم... تحدث الصوت.
لم يكن صوتًا بشريًا.
لم يكن صوتًا طبيعيًا.
لم يكن حتى صوتًا واحدًا.
بل كان مجموعة من الأصوات، متداخلة فوق بعضها، همسات مخيفة مشوهة، كأنها أصوات أطفال يبكون، رجال يصرخون، نساء يتهامسون بكلمات غير مفهومة، جميعها تتكلم في نفس الوقت.
"وجدناك."
"أخيرًا..."
"رأيناك..."
"سمعناك..."
"أنت لنا."
حاولت أن أتحرك، أن أصرخ، أن أفعل أي شيء...
لكن جسدي لم يستجب.
وكأنني أصبحت جزءًا من الظل نفسه.
سيرين، التي كانت دائمًا غير مبالية، كانت تختبئ خلفي، قبضتها مشدودة على ملابسي، جسدها الصغير يرتجف، لم تعد قادرة حتى على الكلام.
ثم...
أصبحت العيون فمًا.
فمًا أسودًا مفتوحًا... بأسنان حادة ممتدة في الظلام.
ثم سمعت الصوت مرة أخرى، لكنه كان مختلفًا هذه المرة.
"جائع..."
"جائع جدًا..."
"أعطونا أجسادكم..."
"أعطونا أصواتكم..."
"أعطونا..."
ثم، وبحركة واحدة، انقض الفم على قدمي.
لم أشعر بألم.
لم أشعر بحرارة.
لكنني شعرت بأنني أفقد شيئًا.
كأن شيئًا داخلي يُنتزع بالقوة، يُسحب، يتمزق من جذوره.
أردت أن أصرخ... لكن صوتي لم يخرج.
ثم—
انفجر كل شيء.
ضوء أحمر انبعث فجأة، كأن نجمًا انفجر أمامي.
ظلالي اهتزت، ثم تقطعت كما لو أن سكينًا عملاقة قد مزقتها من الواقع.
الأصوات صرخت، العيون انطفأت، الظل تراجع إلى الأرض، وكأنه لم يكن موجودًا من الأساس.
أدركت بعد لحظات أن الضوء الأحمر كان يأتي من سيرين.
عيناها الفضيتان كانت تتوهجان بلون أحمر دموي.
ملامحها لم تكن خائفة بعد الآن.
كانت غاضبة.
ثم همست بصوت منخفض، لكنه حمل معه شيئًا جعل الهواء حولنا يهتز:
"لا تلمسه."
...
...
الصمت مرة أخرى.
لكن هذه المرة لم يكن الصمت مجرد غياب للأصوات... بل كان فراغًا.
كما لو أن كل شيء حولي قد توقف، كما لو أن الهواء ذاته تجمد في مكانه.
الظلال اختفت.
أختفى ذلك الشيء... لكن كلماته الأخيرة لا تزال تتردد في ذهني كصدى ثقيل:
"أنتِ أيضًا مخلوق لا يمكننا إيذاؤه."
تلك الكلمات... لم تكن موجهة إليّ.
لقد كانت موجهة إلى سيرين.
استدرت إليها ببطء.
كانت لا تزال ممسكة بملابسي، أصابعها الصغيرة مشدودة بقوة، لكنها كانت ترتجف.
لم تكن تنظر إلي.
بل كانت تحدق في الظلال التي اختفت، عيناها الفضيتان الواسعتان مليئتان بالخوف... لكن ليس الخوف العادي، ليس خوف شخص واجه شيئًا مرعبًا.
بل خوف شخص لا يفهم لماذا لم يهاجمه ذلك الكائن... لماذا لم يلمسه حتى.
أدركت حينها أنني لم أكن وحدي في هذا.
حتى هي لا تفهم ما حدث.
حتى هي لا تعرف السبب.
شعرت بقطرات العرق البارد تنزلق على جبيني، لكنني لم أستطع حتى مسحها.
كل شيء بدا خاطئًا.
كل شيء بدا غير منطقي.
"سيرين..."
ناديتها بصوت منخفض، لكن لم يكن هناك رد.
يدها كانت مشدودة بقوة، قبضتها الصغيرة لا تزال متشبثة بي، لكنها لم تكن تتحرك، كما لو أن جسدها تجمد تمامًا.
حتى عندما مرّت الدقائق، حتى عندما عاد الهواء للحركة، حتى عندما بدأت الطيور في الغناء مجددًا وكأن شيئًا لم يحدث...
هي لم تتحرك.
لم ترمش حتى.
كانت لا تزال هناك، واقفة، تحدق في الفراغ.
مرّ الوقت ببطء، ربما عشر دقائق، ربما عشرين، لم أكن متأكدًا...
لكني كنت الوحيد الذي استطاع استيعاب الأمر أخيرًا.
لقد رحل.
ذلك الشيء قد رحل.
أخيرًا، تحركتُ، ببطء شديد، كأنني أخشى أن أي حركة خاطئة ستعيده من جديد.
أخرجت زجاجة الماء من خاتم الظلال... اليد التي أمسكت بها كانت لا تزال ترتجف قليلاً، لكنني تجاهلت الأمر.
سيرين تحتاج إلى الماء.
اقتربت منها بهدوء، ثم ناديتها مرة أخرى، هذه المرة بصوت أكثر وضوحًا:
"سيرين... اشربي."
كان من المفترض أن تتجاوب معي فورًا.
لكنها لم تفعل.
لم ترد.
لم تتحرك.
عيناها بقيتا تحدقان في الفراغ، وكأنها لم تسمعني.
اقتربت أكثر، وضعت الزجاجة بالقرب من شفتيها، لكن حتى عندما لامس الماء جلدها، لم تكن هناك أي ردة فعل.
كأنها أصبحت دمية.
شعرت بوخزة قلق في صدري، ثم ناديتها بصوت أقوى:
"سيرين!"
هذه المرة، رمشت.
مجرد رمشة صغيرة، لكنها كانت كافية.
ثم... ببطء شديد، نظرت إلي.
لكن نظرتها لم تكن كما كانت دائمًا.
عيناها الفضيتان اللتان كانتا دائمًا مشرقتين ببرود طفولي، كانتا الآن خاويتين.
وكأنها لم تكن "هنا" بعد الآن.
عندما فتحت شفتيها أخيرًا، لم تكن هناك كلمات.
لم يكن هناك صوت.
بل كان هناك نَفَس مرتجف.
ثم، دون سابق إنذار، تحركت يدها بسرعة، أمسكت بالزجاجة بقوة مفاجئة، ورفعتها إلى فمها.
بدأت تشرب.
لكنها لم تشرب كما تفعل عادةً.
لم تكن هناك طريقتها المعتادة، حيث كانت ترفع الزجاجة ببطء وتميلها قليلاً.
هذه المرة، أمسكت بها كأنها تمسك بحبل نجاة.
الماء تسرب إلى ملابسها، لكنه لم يهمها.
استمرت في الشرب.
بلا توقف.
كأنها تحاول ملء فراغ داخلها بشيء ملموس.
حتى بعد أن شربت أكثر من المعتاد، لم تتوقف.
اضطررت إلى سحب الزجاجة منها ببطء، لكن أصابعها بقيت مشدودة عليها، وكأنها ترفض تركها.
"يكفي، سيرين."
همستُ بذلك بلطف، وأنا أراقب وجهها عن كثب.
كانت تتنفس بسرعة.
عيناها لا تزالا متوسعتين قليلاً.
ثم، بعد لحظات، نظرت إلى يديها المبللتين بالماء.
قطرات الماء انزلقت بين أصابعها، وسقطت على الأرض.
نظرت إليها بهدوء، كما لو أنها لم تكن تفهم كيف وصلت إلى هناك.
ثم، أخيرًا، همست بصوت منخفض جدًا، بالكاد سمعته:
"... لقد كانوا ينظرون إليّ."
تجمدتُ في مكاني.
"لقد كانوا ينظرون إليّ."
قالتها مرة أخرى.
لكن هذه المرة، صوتها كان مهتزًا قليلاً.
ثم...
"لقد رأوني."
رفعت رأسها، نظرت إلي مباشرة، ثم همست بشيء جعلني أشعر بقشعريرة شديدة:
"إيثان... لم يكونوا ينظرون إليك فقط."
"لقد كانوا ينظرون إلي أيضا."
"لم يكونوا مهتمين بك فقط."
"لقد كانوا يريدوننا."