[منظور بلاين سكارليث]

الصمت كان خانقًا.

رغم وجود العديد من النبلاء، القادة العسكريين، والمبعوثين الإمبراطوريين في القاعة، إلا أن الجو كان ثقيلًا بشكل لا يُحتمل.

كان الاجتماع يُعقد في قلب القصر الإمبراطوري لسكارليث، في قاعة الاجتماعات الكبرى، حيث جدران مزخرفة بالذهب الأسود وأعمدة شاهقة تحمل على قممها تماثيل منحوتة لملوك وإمبراطوريات قديمة سقطت منذ زمن طويل.

على طاولة ضخمة تتوسط القاعة، جلس ممثلو الإمبراطوريات العظمى.

إمبراطورية سكارليث: حيث جلستُ أنا، بلاين سكارليث، مباشرة في المقعد الرئيسي، وإلى جانبي مستشاري وقادة الجيش الإمبراطوري.

إمبراطورية فيرزادن: المنافسة الرئيسية لنا، ممثلها جلس بعيدًا بعض الشيء، عينيه المتجمدة لم تترك وجهي ولو للحظة.

إمبراطورية نيفيريا: تجار الحرب، الذين لا يهمهم سوى المال، وجودهم هنا كان متوقعًا، ولكن ليس مرغوبًا.

إمبراطورية زاندرا: المحاربون الذين لطالما احتقروا السياسة، ومع ذلك، كانوا هنا، عضلاتهم المتشنجة تكشف عن توترهم.

إمبراطورية إيسكار: عاصمة السحر، حيث جلس ممثلهم ببساطة، كأنه غير مهتم بكل ما يحدث.

إمبراطورية رافيندال: أكثر الحاضرين غموضًا، لم يتحدثوا بعد، ولم يبدُ عليهم أي اهتمام بما يجري.

ورغم هذا التجمع النادر، لم أكن أستطيع تجاهل الحقيقة الأكثر وضوحًا في القاعة...

جاستين تأخر.

والدي لم يكن هنا بعد.

وهذا كان إهانة.

ارتفع صوت أحد المستشارين من الجانب الآخر للطاولة:

"أين هو جاستين؟"

كانت نبرته تحمل مزيجًا من الغضب والإحباط، لم أكن الوحيد الذي لاحظ غيابه.

قبل أن أتمكن من الإجابة، انحنى أحد الحراس عند مدخل القاعة وأعلن بصوت رسمي:

"إمبراطور سكارليث، جاستين سكارليث، قد تأخر لظروف طارئة، وسيصل خلال دقائق."

أصوات التذمر انتشرت بين الحاضرين.

"دقائق؟!"

"نحن نمثل الإمبراطوريات الست، كيف يجرؤ على التأخر؟!"

لم أكن أتحرك، فقط راقبت وجوههم بهدوء، عيني تجولت ببطء عبر القاعة، وأنا أراقب ردود أفعالهم.

ثم تحدثت بهدوء، لكن بلهجة حادة:

"كفى."

الصمت خيم فورًا.

أعدت ترتيب وضع يدي على الطاولة، ثم نظرت مباشرة إلى ممثل إمبراطورية رافيندال.

"لنؤجل الحديث عن التأخير، ونركز على السبب الرئيسي لهذا الاجتماع."

تجاهل رافيندال التام لوحوش المخلوقات المعدلة.

كانت هذه المشكلة الأهم هنا، المشكلة التي جلبت كل هؤلاء القادة إلى هذه الطاولة.

حرك أحد القادة العسكريين خريطة ضخمة فوق الطاولة، حيث ظهرت عليها نقاط حمراء تُمثل الهجمات المدمرة التي حصلت بسبب الوحوش المعدلة.

باستثناء رافيندال.

لم يكن هناك أي نقطة حمراء داخل أراضيهم.

وكأنهم لم يتأثروا إطلاقًا.

أخذت نفسًا عميقًا، ثم قلت بصوت هادئ لكن مليء بالتوتر:

"سنكون واضحين هنا. جميع إمبراطوريات العالم تكبدت خسائر بسبب هذه الوحوش، المدن أُبيدت، الجيوش هُزمت، والخرائط الحربية أعيدت كتابتها بالكامل."

نظرت إلى ممثل رافيندال مباشرة:

"لكن إمبراطوريتكم؟"

توقفت قليلًا، ثم أكملت:

"لم تُمس. لم تتأثر حتى بهجوم واحد."

الجميع كان يعلم ذلك، لكن طرحه بصوت عالٍ في اجتماع رسمي كان أمرًا خطيرًا.

لم يتحرك ممثل رافيندال.

لم يبدُ عليه أنه شعر بالحرج أو الغضب أو حتى الانزعاج.

بل فقط ابتسم ابتسامة صغيرة بالكاد كانت تُلاحظ.

ثم قال بصوت هادئ:

"وهل هذا خطأنا؟"

انفجرت القاعة بالصراخ فورًا.

"ما الذي تقصده؟!"

"تتحدث وكأن الأمر لا يهمك!"

"إمبراطورية سكارليث وحدها خسرت أكثر من مليون جندي! نيفيريا فقدت أكثر من عشرة مدن! فيرزادن أُجبرت على التراجع! زاندرا اضطرت إلى إخلاء مستعمراتها!"

"لكنكم؟!"

صوتي كان مرتفعًا، غاضبًا، غير مستعد لسماع أعذارهم السخيفة.

"أنتم تتحدثون وكأنكم لم تشاهدوا هذه الوحوش، وكأنها لم تصل إليكم أصلاً! أهذا هو الواقع؟ أم أنكم قمتم بشيء لمنعها من الوصول؟!"

الصمت عاد إلى القاعة.

هذه كانت النقطة الجوهرية.

هل كان هناك شيء لم يخبرونا به؟

أخيرًا، رد ممثل رافيندال، لكن رده كان بسيطًا جدًا، وخطيرًا جدًا في الوقت ذاته:

"ربما الوحوش تعرف من يجب أن تهاجم."

...

ماذا؟

الكلمات كانت كافية لجعل الجميع يتجمدون في أماكنهم.

ما الذي يعنيه هذا؟

نظرت إليه بعينين ضيقتين، محاولًا قراءة وجهه، لكنه لم يظهر أي مشاعر.

"ماذا تعني بذلك؟"

ابتسم مرة أخرى، ثم قال بهدوء:

"بالضبط ما سمعته."

"..."

لم أستطع الرد مباشرة.

كنت أعرف أن هناك معنى خفيًا في كلماته، لكنه لم يكن واضحًا بعد.

رفعت يدي قليلًا، فأعاد الجميع الهدوء إلى القاعة مجددًا.

ثم تحدثت، بصوت أكثر هدوءًا هذه المرة، لكن بنفس النبرة الحادة:

"إذا كنتم تعرفون شيئًا عن سبب تجاهل الوحوش لكم، فمن الأفضل أن تشاركوه معنا الآن."

نظر ممثل رافيندال إليّ، ثم قال:

"وربما لا نعرف شيئًا."

"ربما نحن فقط في الجانب الصحيح."

الجانب الصحيح؟

ما الذي يعنيه هذا؟

...

...

الصمت في القاعة كان أكثر كثافة من أي وقت مضى.

كلمات ممثل إمبراطورية رافيندال الأخيرة لم تكن مجرد إجابة، بل كانت صفعة على وجه جميع الإمبراطوريات الحاضرة.

"ربما نحن فقط في الجانب الصحيح."

ما الذي يعنيه بهذا؟

العديد من القادة النبلاء بدت عليهم الدهشة، بينما آخرون تضاعفت تعابير الاشتباه والغضب على وجوههم. البعض نظر إلى ممثل رافيندال كما لو كان قد فقد عقله، والبعض الآخر حدق إليه وكأنه كشف عن سر لم يكن يُفترض به أن يُقال علنًا.

لكنني لم أكن مثلهم.

كنت أراقب الرجل عن كثب، وأدقق في كلماته، في نظرته الثابتة، في الطريقة التي لم يتزحزح بها ولو قيد أنملة أمام ضغط أعظم القادة العسكريين في العالم.

هذا الرجل... لم يكن شخصًا يمكن الاستهانة به.

رفعت يدي قليلاً، مشيرًا للجميع بالهدوء. لم يكن هناك جدوى من إثارة الفوضى الآن. لا تزال هناك أسئلة بحاجة إلى إجابات.

تحدثت، بصوت منخفض لكنه حمل في داخله نبرة لا تقبل الجدل:

"هل تقول إن الوحوش لا تهاجمكم لأنكم في ’الجانب الصحيح‘؟ من الذي يحدد ما هو صحيح وما هو خاطئ؟ الوحوش؟"

كان هذا سخيفًا، لكن نبرة صوتي لم تحمل أي تلميح للسخرية. كنت أريد إجابة واضحة، تفسيرًا لهذا اللغز الذي لم يفهمه أحد بعد.

ممثل رافيندال أمال رأسه قليلاً، كما لو كان يدرس كلماتي، قبل أن يجيب بنبرة هادئة:

"ليس بالضرورة."

"إذن ما السبب؟"

"ربما نحن فقط... أقوياء بما فيه الكفاية للقضاء عليهم دون أي ضرر."

...

كانت هناك لحظة صمت مطبق.

ثم...

"هاه؟!"

انفجرت القاعة مجددًا.

القادة العسكريون ضربوا الطاولة بقبضاتهم، النبلاء تبادلوا النظرات الصادمة، والمبعوثون نظروا لبعضهم البعض كما لو أنهم غير متأكدين مما إذا كانوا قد سمعوا ذلك بشكل صحيح.

لكن ممثل رافيندال لم يبدُ عليه الاهتمام، بل اكتفى بإلقاء نظرة على الجميع كما لو كان ينظر إلى مجموعة من الأطفال الحمقى.

"أقوياء بما فيه الكفاية؟ هل تحاول إخبارنا أنكم دمرتم الوحوش ببساطة؟!"

صوت قائد إمبراطورية زاندرا كان غاضبًا بشكل واضح، وهو رجل لا يتحدث عادة دون سبب وجيه.

"هذا غير ممكن!"

"نحن بالكاد قادرون على الدفاع عن أنفسنا ضد هذه الكائنات، حتى باستخدام أفضل السحرة والمحاربين لدينا!"

"الجيوش بالكامل يتم مسحها من الخريطة بسبب وحش واحد فقط، وأنت تخبرنا أنكم ’قضيتهم عليهم ببساطة‘؟!"

لكن ممثل رافيندال لم يتغير وجهه، لم يرفع صوته، لم يُظهر أي تردد.

بل اكتفى بالإجابة بجملة واحدة:

"هذا لأنكم ضعفاء."

كانت تلك اللحظة التي انفجرت فيها القاعة بالكامل.

الغضب كان محسوسًا في الهواء، كما لو أن الحرارة ارتفعت بشكل مفاجئ. بعض القادة العسكريين نهضوا من مقاعدهم، وبدأت أصوات الصراخ ترتفع أكثر فأكثر.

"ما الذي قلته للتو؟!"

"هل تجرؤ على إهانتنا بهذا الشكل؟!"

"رافيندال كانت دائمًا منعزلة، والآن تريدون التحدث كما لو أنكم أقوى من الجميع؟!"

لكني لم أقل شيئًا.

لم أكن غاضبًا مثل البقية.

بل كنت أدرس الوضع بعناية.

كان من السهل تفجير غضبهم بكلمة واحدة، لكن ممثل رافيندال لم يكن رجلاً أحمقًا. لم يقل ذلك لمجرد الاستفزاز...

لقد قال ذلك لأنه يؤمن به.

كان يعتقد بصدق أن بقية الإمبراطوريات ضعيفة.

وهذا ما جعلني أتساءل...

"أرينا الدليل."

كلماتي جعلت الجميع يلتفتون نحوي.

"إذا كنتم أقوياء كما تدعون، فأرونا الدليل. كيف تمكنتم من النجاة من هذه الوحوش دون أي خسائر؟ هل لديكم سلاح سري؟ جيش لا نعرف عنه؟ قوة لم نرها من قبل؟"

ممثل رافيندال أخيرًا أظهر تعبيرًا مختلفًا، شيء يشبه الابتسامة الخافتة.

"أنت تظن أننا بحاجة إلى ’سلاح سري‘؟"

"أو ربما، نحن فقط لسنا بحاجة إلى تلك الأسلحة."

"...؟"

كلماته لم تكن مجرد تحدٍ، كانت شيئًا آخر.

لم يكن يتحدث كأنه يخفي سراً عسكريًا، بل كأنه يخبرنا بحقيقة بديهية لم نتمكن من رؤيتها بعد.

"أنتم جميعًا تعيشون وفقًا لقوانين معينة، قوانين تظنون أنها تحكم القوة. أنتم تفكرون في استراتيجيات، أسلحة، تحالفات، ومزايا تكتيكية."

"لكن القوة الحقيقية..."

توقف للحظة، ثم أكمل:

"هي ببساطة أن تكون قوياً. لا أكثر، ولا أقل."

الجميع كان يحدق به الآن، لكن هذه المرة... لم يكن الغضب هو الشعور الطاغي.

بل كان هناك شيء آخر.

شيء يشبه... الشك.

لأول مرة منذ بداية الاجتماع، تساءل الجميع:

هل كانت إمبراطورية رافيندال حقًا قوية لهذه الدرجة؟

إذا كان ما قاله صحيحًا، إذا لم يكونوا بحاجة إلى استراتيجيات معقدة أو تحالفات، فذلك يعني أنهم...

أقوى مما تخيلنا بكثير.

لكن قبل أن يتمكن أحد من التحدث مجددًا، قبل أن يتمكن أي شخص من طرح المزيد من الأسئلة، قبل أن أتمكن حتى من التفكير في رد مناسب...

]

تجمدت الأجواء للحظة.

كان الجميع لا يزالون يحاولون استيعاب كلمات ممثل إمبراطورية رافيندال، لكن الصمت الذي تبعها لم يكن هدوءًا، بل كان أشبه بجمر يغلي تحت السطح، ينتظر أن ينفجر.

كلماتهم كانت مستفزة، لا شك في ذلك، لكنها لم تكن مجرد غرور فارغ. كان هناك شيء خفي وراءها، شيء لم نستطع لمسه بعد.

لكن بدلًا من التراجع، بدت الإمبراطوريات الأخرى وكأنها اشتعلت غضبًا أكثر.

"الجانب الصحيح؟" جاء الصوت من ممثل إمبراطورية زاندرا، المحارب الصلب ذو الندوب العميقة على وجهه. "وكأننا في حرب مقدسة، وكأن الوحوش تختار من يجب أن يعيش ومن يجب أن يموت!"

"هذا مجرد هراء." قالها أحد قادة إمبراطورية فيرزادن، وجهه محتقن بالغضب. "الوحوش لا تفكر، لا تختار، لا تملك ولاءً لأحد! إنها تهاجم كل شيء يقف في طريقها، فلماذا لم تهاجمكم؟!"

"ربما لأننا لم نقدم لها سببًا لذلك."

كان هذا رد ممثل رافيندال، هادئًا كالمياه العميقة.

"ما الذي تعنيه؟!" صرخت ممثلة إمبراطورية نيفيريا.

لكن قبل أن يجيب، تحرك شيء ما بجانب ممثل رافيندال.

الرجل العجوز ذو اللحية الرمادية.

لم يكن قد نطق بحرف منذ بداية الاجتماع. كان يقف هناك فقط، كظل للإمبراطور، ساكنًا تمامًا، لكن وجوده لم يكن غير مهم.

حين رفع رأسه أخيرًا، واجه الجميع بعينين سوداوين، عميقتين كأنهار لا قاع لها.

ثم تحدث.

"ما مفهوم القوة بالنسبة لكم؟"

...

كان السؤال بسيطًا.

لكن صوته حمل وزنًا ثقيلًا، وكأن الكلمات لم تكن مجرد أصوات، بل كانت حقيقة تسقط على الجميع كحجر ضخم.

ارتفعت الهمسات في القاعة، لكنها لم تدم طويلًا.

"القوة؟!" قالها ممثل فيرزادن، ساخرًا. "هل تحاول التهرب من السؤال بسؤال آخر؟"

لكن العجوز لم يتحرك، ولم يرمش حتى.

"القوة." كرر ببطء، وكأنه يتأكد أن الجميع يستمع. "أنتم جميعًا هنا، تمثلون الإمبراطوريات الست الأعظم في هذا العالم. لكن أخبروني..."

ثم، نظر إليهم واحدًا تلو الآخر.

"هل تفهمون حقًا ما هي القوة؟"

"إنها القدرة على السيطرة." قالها ممثل زاندرا، بجدية تامة. "السيطرة على الأراضي، الجيوش، الموارد. من يملك الأكثر، يملك القوة."

"خاطئ."

ارتفعت الحواجب.

"القوة ليست مجرد سيطرة. أنتم تنظرون إليها كأنها أشياء يمكن امتلاكها، لكن القوة الحقيقية لا تُمتلك، بل تُمارس."

"وما الفرق؟" سأل أحد النبلاء.

ابتسم العجوز ابتسامة بالكاد ظهرت.

"الفرق هو أنكم تعيشون في وهم."

"... ماذا؟"

"أنتم تعتقدون أن القوة تعني الجيوش، الأسلحة، الأراضي، الذهب. لكن كل هذا..." رفع يده، مشيرًا إلى الخريطة فوق الطاولة. "يمكن فقدانه في لحظة. القوة التي تعتمد على الأشياء يمكن سرقتها، يمكن سحقها، يمكن تدميرها."

ثم، أنزل يده ببطء.

"لكن القوة الحقيقية... هي التي لا يمكن نزعها."

الصمت خيم على القاعة.

لم يكن أحد يعرف ماذا يقول.

ثم، تحدث الإمبراطور العجوز مرة أخرى.

"وهنا يكمن الاختلاف بيننا وبينكم."

رفع رأسه، والتقى بعيني مباشرة.

"أنتم تخافون من الوحوش. لكن نحن... لا نخاف."

...

"لا تخافون؟!" انفجر أحد القادة غاضبًا. "كيف يمكنكم قول هذا بينما العالم يحترق؟!"

لكن العجوز لم يهتز.

"لأننا لسنا بحاجة للخوف."

ثم، تحولت عينيه إلى بريق بارد.

"ولأننا نفهم القوة، بشكل لن تفهموه أبدًا."

2025/03/17 · 18 مشاهدة · 1801 كلمة
Vicker
نادي الروايات - 2025