على بعد مئة وعشرين كيلومتراً شمال شرقي أفير، كانت بلدة ترنت تستعد للموت.
لم تكن ترنت كأفير. كانت أكبر قليلاً، عدد سكانها يقترب من ثمانية آلاف نسمة، وأسوارها أطول وأغلظ. كانت بلدة تعد نفسها حامية الشمال الشرقي لغابة أفير، وكانت تفتخر بذلك. كان لديها جيش صغير خاص بها، ليس مجرد مغامرين متطوعين، بل جنود مدربون يرتدون أزياء رسمية ويأخذون رواتب شهرية من خزينة البلدة.
لكن اليوم، كل هذا لم يكن كافياً.
كان العمدة إدموند فالترين، ابن حاكم البلدة السابق، يقف على السور الرئيسي، عيناه مثبتتان على خط الغابة البعيد. كان رجلاً في الأربعين، وجهه منتفخ قليلاً من كثرة الأكل والشرب، وعيناه صغيرتان وغائرتان، لا تحملان حكمة أبيه ولا خبرته. ورث منصبه بعد أن مات والده منذ ثماني سنوات، وكان منذ ذلك الحين يدير البلدة بسوء إدارة منقطعة النظير. رفع الضرائب، أهمل الأسوار، وتشاجر مع نقابة المغامرين المحلية حتى غادر معظمهم البلدة إلى أفير أو غرينفيلد.
الآن، كان يدفع الثمن.
لم يكن يعرف أن للجد الفضي تاريخاً مع عائلته. قبل ثلاثين عاماً، كان والده، الحاكم السابق لترينت، قد جرح القرد في صدره خلال إحدى الغزوات، وأجبره على الهرب نحو أعماق الغابة وهو ينزف. لم يقتله، لكن الجرح ترك ندبة غائرة في جسد القرد، وترك أيضاً ثأراً قديماً في قلبه.
اليوم كان يوم الثأر.
"كم تبقى من الوقت؟" سأل إدموند بصوت حاول أن يجعله جريئاً، لكنه كان يرتجف.
أحد الحراس نظر إليه باحتقار لم يحاول إخفاءه. "ساعة. ربما أقل. الجواسيس يقولون إن القرد جمع جيشاً. ليس فقط هو، بل سحلية النجمة اثنتين ذروة وذئب النجمة اثنتين ذروة أخضعهما بالقوة. يقولون إنه حطم أضلع الذئب وكسر فك السحلية قبل أن يرضخا له. والبقية... عددهم لا يقل عن مئتي وحش صغير."
"مئتي؟" صرخ إدموند. "هذا مستحيل."
"هذا صحيح يا سيدي. والوحشان الآخران الآن تحت إمرته. الغابة بأكملها صفت خلفه."
لم يرد إدموند. أدار وجهه نحو البلدة خلفه. كانت الشوارع شبه فارغة. معظم السكان تم إجلاؤهم خلال الساعات الماضية، بعضهم توجه إلى أفير، وبعضهم إلى بلدة سيلفربروك الشرقية، وآخرون فروا إلى الحقول المفتوحة. بقيت فقط فرق القتال: حوالي ثمانين جندياً، وثلاثون مغامراً تطوعوا للبقاء، وعشرون متطوعاً من شباب البلدة.
كانت قوة محترمة. لكن ضد وحوش الغابة المجتمعة، كانت كمن يحاول إطفاء حريق بكأس ماء.
"لقد أرسلنا إلى أفير،" قال الحارس. "لكن الرد لم يأت بعد."
إدموند لم يرد. كان يعرف أنهم وحدهم.
---
في مدينة جورجان، عاصمة الإقليم، كان اللورد أفاران جالساً في مكتبه الفاخر.
كان رجلاً في الخمسين، لكنه بدا أصغر بعشر سنوات. جسده كان مشدوداً وعضلاته بارزة تحت قميصه الحريري، وشعره الأسود المصبوغ قليلاً كان مصففاً بعناية. عيناه كانتا رماديتين باردتين، لا تظهران أي عاطفة، ولا أي قلق. كان في المستوى الثالث متقدم في مسار القتال، وواحدة من أقوى عشرين شخصاً في الإقليم بأكمله.
كان يقرأ رسالة الاستغاثة من ترنت للمرة الثالثة.
"ملك ثلاثة نجوم في منطقة صغيرة كإقليم أفير؟" قال بصوت مرتفع، ثم ضحك. ضحكته كانت جافة، كفرقعة حطب في موقد. "هههههههه. لا بأس. هذا سيعزز مكانتي في المستقبل."
على يمينه، كان يقف اللورد سارجيس. كان أصغر منه بعشر سنوات، في أوائل الأربعين، وشعره أشقر قصير وعيناه زرقاوان حادتان. كان في المستوى الثالث منخفض، وأخلص أتباع أفاران.
"سيدي،" قال سارجيس بصوت محايد. "هل تريد مني التوجه إلى ترنت؟"
"ترنت؟" رفع أفاران حاجبه. "لا، لا. ترنت ساقطة لا محالة. سوف تذهب إلى أفير."
"إلى أفير؟ لماذا؟ ترنت هي التي تتعرض للهجوم الآن."
أفاران وضع الرسالة على مكتبه ورفع كأس نبيذ كان بجانبه. شرب رشفة بطيئة. "لأسباب كثيرة يا سارجيس. أولاً، ترنت بعيدة. الرحلة إليها تستغرق يومين كاملين على ظهور الخيل. حتى لو انطلقت الآن، ستصل بعد فوات الأوان." وضع الكأس وتابع. "ثانياً، يجب أن يرى الناس قليلاً من قوة هذا القرد. إذا تدخلنا قبل أن يسقط شيء، سيعتقد الناس أننا نبالغ."
"وثالثاً؟"
"ثالثاً، ترنت الآن شبه خاوية. الخسائر في الأرواح ستكون محدودة. لكن خسارة بلدة كاملة ستعطيني ذراعاً قوياً للمطالبة بتمويل إضافي من العاصمة."
صمت سارجيس للحظة.
"وماذا عن أفير؟" سأل أخيراً.
"أفير أقرب إلينا. وأهم اقتصادياً. إذا سقطت، سنخسر كثيراً. لهذا، سأرسلك إليها. قوّ دفاعاتها، درب المغامرين هناك، وانتظر."
ثم فجأة، تذكر شيئاً. "قبل أن تذهب، هناك شيء يجب أن تعرفه عن أفير. المخبرون أرسلوا تقريراً مثيراً للاهتمام."
"ماذا يقولون؟"
"هناك فتى في السادسة عشرة، ابن جامع تحف عادي. بدأ التدريب على القتال قبل شهرين فقط. والآن هو في نجمة واحدة منخفضة."
وقف سارجيس منتصباً. "شهران؟ هذا مستحيل."
"ليس مستحيلاً. تذكر الأمير الثالث للمملكة. ذلك الطفل المدلل بدأ التدريب في السابعة، ووصل إلى نجمة واحدة منخفضة في تسعة أيام فقط. تسعة أيام يا سارجيس. لأن عرقه نقي، ودماء أسلافه تسري في عروقه، ومدربوه من أفضل مدربي القصر، وأعشابه من أغلى ما تنتجه الإمبراطورية."
عاد أفاران إلى الجلوس. "الموهبة وحدها تفعل هذا. الموهبة الخالصة، دون سبب آخر. بعض الناس يولدون والنار في عروقهم، والآخرون يموتون وهم لم يلمسوا جمرة واحدة. هذا الفتى... قد يكون واحداً من أولئك النادرين."
"إذاً هو مجرد موهوب؟"
"على الأرجح. لكن تأكد بنفسك. راقبه عن بعد. لا تتدخل. فقط... شاهد."
"وكيف سأعرفه؟"
أفاران أخرج من درجه رسماً بسيطاً على ورق مصفر. كان رسم وجه نورد، ليس دقيقاً لكنه مقبول. "هذا ما أرسله المخبرون. فتى أسود الشعر، عيون خضراء، نحيل البنية. ستجده يتدرب خلف منزله كل صباح."
أخذ سارجيس الرسم وطواه ووضعه في جيبه. "سأبدأ رحلتي فجر الغد."
"لا. ابدأ الآن. ترنت ستسقط الليلة. وأريدك في أفير قبل أن يصل اللاجئون."
انحنى سارجيس وغادر الغرفة.
بقي أفاران وحيداً، ينظر من النافذة نحو الأفق البعيد.
"نورد كاسيان،" تمتم. "لنرى إذا كنت موهوباً حقاً... أم هناك شيء آخر تخفيه."
---
في ترنت، بدأ الهجوم عند الغروب.
الوحوش خرجت من الغابة كالنمل. في المقدمة، كان الذئب الرمادي العملاق يركض بسرعة لا تناسب حجمه. جسده كان بطول ثلاثة أمتار تقريباً، وفراؤه الأسود يلمع كالفحم المبتل. كان في مستوى نجمتين ذروة.
خلفه، كانت السحلية الزرقاء تزحف على الأرض بجسدها الضخم. كانت أبطأ، لكنها كانت أكبر وأقوى. حراشفها زرقاء داكنة لامعة، وذيلها الطويل كان يضرب الأرض محدثاً هزات صغيرة.
وفي الخلف، كان الجد الفضي يمشي ببطء. لم يكن بحاجة إلى الركض. لم يكن بحاجة إلى القتال. كان يعرف أن جيشه سيفعل ما يريد.
عندما وصل الذئب إلى أسوار ترنت، قفز فوق السور كأنه مجرد حاجز صغير، وهبط داخل البلدة أمام صفوف الجنود.
بدأت المعركة.
الذئب قتل سبعة جنود في الثواني الأولى. كان أسرع من أن يصدوه، وأقوى من أن يوقفوه. سيوفهم لم تخرق جلده. رماحهم لم تلمسه.
السحلية وصلت بعد دقائق. لم تقفز، بل حطمت جزءاً من السور بضربة واحدة من ذيلها. تسللت الوحوش الصغيرة من الفجوة وبدأت تنتشر في الشوارع.
الجند والمغامرون قاتلوا بشراسة. كل وحش صغير كان يسقط كان يقتل أحدهم أحياناً. كل دقيقة تمر كانت إنجازاً.
لكن القتال كان غير متكافئ منذ البداية.
الذئب قتل عشرة جنود آخرين قبل أن يتمكن مجموعة من المغامرين من إصابته بجرح في رجله. غضب الذئب وتراجع قليلاً، لكنه لم يهرب. قفز إلى سطح منزل قريب، ونظر إلى المعركة من فوق بعينيه الصفراوين.
السحلية كانت أبطأ لكنها كانت أكثر تدميراً. كل حركة من حركاتها كانت تدمر شيئاً: جداراً، منزلاً، طريقاً.
وبقيت الوحوش الصغيرة تتسلل وتقاتل وتموت.
في خضم الفوضى، قفز الجد الفضي فوق السور المحطم.
لم يقاتل. مشى ببطء نحو قصر العمدة. كان هناك هالة من الخوف حوله، شعاع من القوة الخام جعل حتى أقوى المقاتلين يتجمدون مكانه ولا يستطيعون الاقتراب.
دخل القصر دون أن يواجه مقاومة.
في الطابق العلوي، وجد العمدة إدموند جالساً على كرسيه، وجهه شاحباً ويداه ترتجفان.
"أهلاً،" قال إدموند بصوت مبحوح. "لقد طال انتظارك."
لم يفهم القرد الكلمات. لكنه فهم الخوف. شم رائحة عرق الخائف، رائحة البول الذي تبلل به إدموند تحت سرواله.
تقدم القرد ببطء، ومد يده العملاقة، وأمسك برأس إدموند.
لم تكن معركة. كان إعداماً.
قبل أن يصرخ إدموند، ضغطت أصابع القرد على جمجمته. سمع صوت تكسر العظام، ثم سكت كل شيء.
رفع الجد الفضي الرأس المقطوع إلى الأعلى، ونظر إليه للحظة. ثم خرج من القصر، حاملاً إياه.
عندما رآه الجنود والمغامرون، توقف كثيرون عن القتال. ليس استسلاماً، بل صدمة. رئيسهم، حاكمهم، كان رأسه معلقاً في يد قرد.
الذئب قفز من على السطح وزأر. السحلية حركت ذيلها وضربت برج المراقبة الرئيسي فانهار.
عندها، انهارت معنويات المدافعين.
بدأوا بالانسحاب. ليس كجيش، بل كأفراد يركضون للحفاظ على حياتهم. تركوا جرحاهم، تركوا أسلحتهم، تركوا مدينتهم.
عندما حل الظلام، كانت ترنت قد سقطت.
خمسة وسبعون قتيلاً بين الجنود والمغامرين. مئة وثمانون جريحاً. والباقون هربوا إلى الغابات والحقول والبلدات المجاورة.
أما المدنيون، فقد كانوا في أمان نسبي بفضل الإخلاء المبكر. لكنهم خسروا بيوتهم، وممتلكاتهم، ومدينتهم.
الجد الفضي وقف على قمة ما تبقى من برج المراقبة، ورأس إدموند معلق بحزامه الجلدي، وزأر للمرة الأخيرة تلك الليلة.
كان زئير النصر. وكان زئير الوعد.
كان يقول: هذه بلدتي الآن. وهذه غابتي. ومن يقترب، سيلقى نفس المصير.
في أفير، سمع بعض الناس الزئير رغم المسافة. توقفوا في شوارعهم، ونظروا نحو الشمال الشرقي، وعيونهم مليئة بالخوف.
نورد كان بينهم. كان واقفاً أمام منزله، سيفه في يده، وجسده كله متوتر.
"شريحة،" همس. "ماذا حدث هناك؟"
التحليل غير ممكن لعدم كفاية البيانات. لكن تقديراً أولياً يشير إلى أن بلدة ترنت قد سقطت. التوصية: تعزيز دفاعات أفير فوراً.
لم يحتج نورد إلى توصية ليعرف أن الخطر قادم.
تراجع إلى داخل المنزل، وأغلق الباب. كان فيرس قد نام بالفعل. لم يخبره نورد بما حدث.
جلس على سريره، وعيناه مثبتتان على الحائط. كان يفكر في ترنت، في القتلى، في اللاجئين الذين سيصلون إلى أفير خلال أيام.
ثم فكر في نفسه. في قوته التي ظنها كبيرة قبل أيام فقط. في ضعفه الحقيقي أمام وحش من المستوى الثالث.
"شريحة،" همس. "غيري خطتي. أريد أن أصل إلى نجمة واحدة متقدمة في القتال خلال ثلاثة أشهر."
هذا الهدف يتطلب مضاعفة شدة التدريب ثلاث مرات. هل أنت مستعد؟
"ليس لدي خيار."
تم تحديث الخطة. التوصية الليلة: النوم. غداً سيكون أصعب يوم في حياتك حتى الآن.
أطاع نورد. استلقى على سريره وأغمض عينيه.
لكن النوم لم يأتِ بسهولة. كان الزئير لا يزال يتردد في أذنيه، وصورة العمدة الميت كانت ترسم في مخيلته مراراً.
في تلك الليلة، لم ينام نورد إلا قبيل الفجر بقليل.
وفي الصباح، استيقظ على عالم جديد. عالم تغيرت فيه حدود الخطر، وانتقل فيه التهديد إلى عتبة بابه.