تقدم نورد إلى حلبة القتال في نصف النهائي. كان الجمهور قد ازداد عن الجولات السابقة. المدرجات كانت ممتلئة عن آخرها، وآخرون كانوا يقفون خلف الحبال، يتدافعون لرؤية المباريات الحاسمة. الهواء كان حاراً، ليس من الشمس فقط، بل من حماس الجموع وصراخهم وتصفيقهم. رائحة العرق والغبار والطعام المتناثر كانت تملأ المكان كالضباب.
على الجانب الآخر من الحلبة، كان مينار يقف بذراعين متقاطعتين على صدره، وابتسامة ازدراء على وجهه الناعم المدلل. حراسه الشخصيون كانوا قد أخذوا أماكنهم في المدرجات خلفه مباشرة، يرتدون أردية سوداء تحمل شعار البارون فالدوس: أسد ذهبي على خلفية حمراء.
نظر مينار إلى نورد من أعلى إلى أسفل، كأنه يفحص حشرة لا تستحق الاهتمام.
"ها أنت ذا،" قال مينار بصوت مرتفع كي يسمعه الجمهور. "جامع التحف البائس. ابن الكلب الذي يبحث عن الطعام في الغابة ليعيش."
نورد لم يتحرك. لم يتغير تعبير وجهه. فقط عيناه ضاقتا قليلاً.
"وصلت إلى هنا بالحظ،" تابع مينار. "لا أكثر. الحظ الأعمى الذي يصادف الأحمق أحياناً. أما أنا، فقدر مكتوب لي منذ ولدت. الدم النبيل يجري في عروقي. أنا مقدر لي النجاح، مقدر لي المجد. وأنت... أنت مجرد تراب تمسحه أحذيتي."
عضلات وجه نورد توترت قليلاً. لكنه لم يرد.
"والدك؟" ضحك مينار ضحكة باردة. "كلب صغير يبحث عن الطعام في الغابة ليعيش. يلهث خلف الأعشاب كالحيوان. هذا ما أنت عليه. وهذا ما ستبقى عليه."
طقطق نورد أصابعه. واحداً تلو الآخر. كان الصوت واضحاً رغم ضجيج الجمهور.
"سأريك،" قال نورد بصوت هادئ، لم يرفعه لكنه وصل إلى كل من في الحلبة. "سأريك كيف يبحث والدي عن الطعام."
صفّر الجمهور. لم يعرفوا ما يعنيه، لكنهم شعروا بالتوتر في الهواء. لوان كانت تمسك يد لينا بقوة، وفيرس كان واقفاً مع الفرقة في المدرج الشرقي، وجهه صارماً كالحجر.
"ابدأوا!" صاح الحكم.
لم يهاجم نورد.
وقف مكانه، سيفه في يده، وعيناه على مينار. كان ينتظر.
مينار هاجم أولاً. اندفع بسيفه، ضربة عرضية قوية نحو رأس نورد. كانت ضربة سريعة وقوية، لكنها كانت عشوائية، كمن يرجح هراوة لا سيفاً.
نورد تفادى.
حركة بسيطة، خطوة إلى الخلف، ميلان بالرأس. سيف مينار مر في الهواء أمام وجهه بالسنتيمترات.
"هذه كل إمكانات النبيل الشاب؟" سأل نورد بصوت لم يخفِ استهزاءه.
غضب مينار. هاجم مجدداً. ضربتان متتاليتان، واحدة أفقية والأخرى عمودية. نورد تفاداهما بسلاسة، كمن يرقص مع الريح. لم يضرب، لم يهاجم، فقط تفادى وابتعد وتفادى مجدداً.
الجمهور بدأ يلاحظ. نورد لم يكن يقاتل، كان يطارد. كان يستنزف مينار ببطء، يجعله يركض خلف ظله كالكلب المسعور.
"أتعب؟" سأل نورد بعد ثلاث دقائق من المراوغة. عرق كان يتصبب من جبين مينار، وتنفسه أصبح ثقيلاً.
"اصمت!" صرخ مينار، وهاجم مجدداً، أسرع هذه المرة، لكنه كان أقل تركيزاً. ضرباته كانت تذهب يميناً ويساراً دون هدف واضح.
نورد تفادى ضربة، ثم انحنى تحت ضربة أخرى، ثم قفز فوق سيف كان يمر على مستوى قدميه. كان يتحرك كمن يرى المستقبل، كمن يعرف أين ستذهب السيوف قبل أن تذهب.
في المدرجات، كان فريد يهز رأسه. "نورد يماطل. كان يمكن أن ينهي المباراة منذ دقائق."
"إنه يؤدبه،" قالت يونار بصوت منخفض. "وهذا أسوأ من الضرب."
فيرس لم يعلق. كانت عيناه مثبتتان على ابنه، وكانت قبضتاه مشدودتان.
اقترب نورد فجأة. حركة سريعة لم يتوقعها مينار. لم يستخدم سيفه، بل قبضته. لكمة واحدة في وسط وجه مينار.
سمع صوت تكسر خفيف. ثم رأى الجمهور الدماء تتناثر من أنف مينار كالنافورة الصغيرة.
تراجع مينار إلى الخلف، يداه تمسكان أنفه، وعيناه مدمعتان من الألم والصدمة. "كيف تجرؤ... كيف تجرؤ على ضرب وجهي؟"
نورد لم يهاجم. تراجع خطوة إلى الخلف، وانتظر.
"أتهرب يا جبان؟" قال نورد بصوت هادئ. "هل هذه أخلاق النبلاء؟"
الجمهور صمت. بعضهم كان يضحك، وبعضهم كان يصفّر استهجاناً لمينار، وبعضهم كان يتابع بدهشة.
مينار مسح دماء أنفه بكم قميصه الحريري. عيناه كانتا تحترقان بالكراهية. هاجم مجدداً، لكنه كان أبطأ، متعباً، غاضباً. كل ضربة كان يوجهها كانت تستهلك طاقته أكثر، وكل تفادي من نورد كان يزيد غضبه.
نورد بدأ يهاجم بين الحين والآخر. لكمة في الكتف، ركلة في الساق، ضربة بمقبض السيف في البطن. لم تكن ضربات قوية، لكنها كانت مؤلمة. كانت كمن يلدغ نحلة، ثم يختفي، ثم تظهر مجدداً.
"هل هذا كل ما عندك؟" سأل نورد بين ضربة وأخرى.
"أنا سأقتلك!" صرخ مينار، وعيناه حمراوان من الغضب والإرهاق.
"أنت لا تستطيع حتى لمسي."
استمر القتال. خمس دقائق. سبع دقائق. عشر دقائق. مينار كان يلهث كالكلب، وجسده كله كان يرتجف، وثيابه الحريرية كانت ممزقة ومغطاة بالغبار والعرق والدماء.
وفي المدرجات، كان والد مينار، البارون فالدوس، جالساً في مقعده المخصص للنبلاء. كان رجلاً ضخماً، أصلع الرأس، ووجهه مغطى بندوب قديمة. كان في مستوى نجمتين منخفض في القتال، وكان معروفاً بقسوته وحكمه الحديدي على قريته. كان يشاهد ابنه يتألم، وكانت عيناه تحترقان، لكنه لم يتحرك. كان يعرف أن التدخل الآن سيكون وصمة عار.
ابتسم نورد أخيراً. كان قد أذل مينار بما يكفي. كان قد أظهر للجميع من هو الحقيقي ومن هو المدعي.
قفز نورد قفزة عالية، دوران في الهواء، ورجله اليمنى استقرت في بطن مينار بدقة جراح.
لم تكن ركلة عادية. كانت قوية لدرجة أن مينار طوى على نفسه كالورقة، وتقيأ طعام فطوره على الأرض، ثم طار خارج الحلبة، مرتطماً بالحبال التي تفصل الجمهور عن الساحة. سقط على الأرض، يتشهق، يلهث، يبكي تقريباً.
الجمهور صفق. بعضهم وقفوا على أقدامهم. التصفيق كان مدوياً، لكنه لم يكن فرحاً فقط. كان هناك احتقار في التصفيق، احتقار لمينار الذي أذل نفسه، واحتقار لوالده الذي كان يشاهد دون أن يفعل شيئاً.
وقف مينار بصعوبة. كانت عيناه غائرتين، ووجهه شاحباً، ودماء أنفه لا تزال تسيل. نظر إلى نورد، ثم إلى الحكم، ثم إلى والده.
ثم أخرج تعويذة من جيبه.
كانت كرة صغيرة من الكريستال، حمراء اللون، تلمع بضوء خافت من الداخل. رفعها عالياً، وصرخ بصوت مفجع: "سأحرق أمك يا ابن العاهرة!"
الجمهور صرخ. خافوا. التعويذات القتالية كانت ممنوعة في المباريات، وكانت خطيرة جداً. هذه التعويذة بالذات، كرة النار الكريستالية، كانت في مستوى نجمة واحدة ذروة. يمكنها أن تحرق إنساناً عادياً كأنه ورقة.
حاول الحكم التدخل، لكنه كان بعيداً جداً.
حاول سيد فريديك القفز إلى الحلبة، لكن كان متأخراً.
كان مينار على وشك إطلاق الكرة باتجاه نورد، الذي كان واقفاً في منتصف الحلبة، لا يتحرك.
"أمنحك التحكم،" همس نورد داخلياً.
تم منح التحكم العصبي. مدة التحكم المقدرة: 30 ثانية.
جسد نورد تحرك.
لم يتراجع إلى الخلف كما يفعل أي شخص عادي. تراجع إلى الأمام. قفزة سريعة نحو مينار، أقصر مما توقع أي إنسان. ثم التوى جسده التواءة مرعبة، كأن فقرات عموده الفقري كانت مصنوعة من المطاط لا من العظم. رأسه انحنى إلى اليسار، جذعه إلى اليمين، قدماه بقيتا ثابتتين.
كرة النار الكريستالية انطلقت من يد مينار. كانت زرقاء اللون، مشتعلة، تصدر صوت أزيز كالأفعى الغاضبة. مرت فوق رأس نورد المائل، على بعد شعرة من شعره، واصطدمت بالمدرجات خلفه.
انفجرت.
الجمهور صرخ. كانت النيران تتطاير في كل اتجاه، والدخان الأسود يملأ السماء. ستة أشخاص أصيبوا بجروح طفيفة: حروق في الأيدي والوجوه، وخدوش من شظايا الخشب المتطاير. لكن واحداً منهم، رجل عجوز كان جالساً في الصف الأمامي، أصيب بجروح خطيرة. شظية من الخشب اخترقت كتفه، وكانت تنزف بغزارة.
أركو قفز من مكانه وركض نحو الجريح.
في الحلبة، وقف نورد جسده منتصباً مجدداً. عاد نورد إلى قيادة جسده، وكان يشعر بالدوار قليلاً. نظر حوله. رأى الدخان، ورأى النيران، ورأى الناس يصرخون، ورأى العجوز ينزف.
نظر إلى مينار. كان واقفاً مكانه، مرتجفاً، عيناه زجاجيتان. لم يتوقع أن تصل الكرة إلى المدرجات. لم يتوقع أن يصاب أحد. أو ربما توقع، لكنه لم يهتم.
قبل أن ينطق أحد بأي كلمة، قفز اللورد فالتر من مكانه. كان وجهه محمراً من الغضب، وعيناه تلمعان كالنار. مشى نحو مينار بخطى سريعة، وأمسك بذراعه بقوة.
"طفل سيئ!" صرخ فالتر بصوت جهير. "كيف تجرؤ على استخدام تعويذة قتالية في مسابقة سلمية؟ كيف تجرؤ على تعريض حياة الناس للخطر؟"
قبل أن يرد مينار، قفز البارون فالدوس إلى الحلبة. كان أسرع مما يبدو عليه، ووقف بين ابنه وفالتر، ويداه مرفوعتان.
"لورد فالتر،" قال البارون بصوت هادئ لكنه حازم. "هذه مباراة شباب. الأخطاء تحدث. ابني كان غاضباً فقط."
"أخطاء؟" لم يخفض فالتر صوته. "ابنك خرق قوانين المسابقة، واستخدم أسلحة محظورة، وأصاب سبعة مواطنين أبرياء! هذا ليس خطأ، هذه جريمة!"
"ابني لن يفعل شيئاً خاطئاً،" رد البارون، وعيناه ضاقتا. "كان يتقاتل. في القتال، كل شيء مسموح."
"في القتال؟" ضحك فالتر ضحكة باردة. "هذه ليست حرباً، هذه مسابقة شباب. وهنا، قوانيني هي التي تسود، وليس قوانين الغاب الخاصة بك."
تقدم البارون خطوة نحو فالتر. كان أطول منه، وأضخم. كان في مستوى نجمتين، وفالتر أيضاً في مستوى نجمتين. كان الاثنان متكافئين تقريباً في القوة، لكن ليس في الغضب.
"لن تلمس ابني،" قال البارون بصوت أصبح بارداً كالثلج. "أنا البارون فالدوس. لي نفوذ في مدينة جورجان. لي أصحاب في القصر الملكي. إذا أذيت ابني، فسأجعل حياتك جحيماً."
فالتر لم يتراجع. وقف مكانه، وعيناه في عيني البارون. كان الجمهور صامتاً، يراقب، لا يجرؤ على التنفس.
قبل أن يتطور الأمر إلى قتال، قفز سارجيس إلى الحلبة.
لم يقفز كالإنسان العادي. قفز من مكانه على بعد عشرة أمتار، وهبط بين فالتر والبارون كالصاعقة. الأرض تحت قدميه تشققت قليلاً من قوة الهبوط.
وقف هناك، ذراعاه متقاطعتان على صدره، وعيناه الرماديتان الباردتان تتنقلان بين الرجلين.
"البارون فالدوس،" قال سارجيس بصوته الهادئ المخيف. "مينار فالدوس، بتهمة استخدام سلاح محظور في مسابقة رسمية، والتسبب بإصابة مواطنين أبرياء، يرجى مرافقتنا للتحقيق."
البارون نظر إلى سارجيس. كان يعرف من هو. كان يعرف أنه لا يستطيع مجادلته. سارجيس كان في المستوى الثالث. البارون كان في المستوى الثاني. سارجيس كان يمثل الحاكم العسكري للمقاطعة. البارون كان مجرد حاكم قرية صغيرة في الأطراف.
"سارجيس،" قال البارون بصوت أصبح أقل حدة. "ابني كان غاضباً فقط. لم يقصد إيذاء أحد."
"القصد لا يهم،" قال سارجيس. "النتيجة تهم. وقد أصيب سبعة أشخاص. أحدهم إصابته خطيرة. القانون واضح."
أشار سارجيس بيده. اثنان من جنوده ظهروا من خلفه كالأشباح. أمسكوا بمينار من ذراعيه، وبدأوا يسحبونه خارج الحلبة.
"لم أفعل شيئاً! لم أفعل شيئاً!" صرخ مينار، وهو يرفس ويقاوم. "أبي! أبي! قل لهم! لم أفعل شيئاً!"
البارون نظر إلى ابنه، ثم إلى سارجيس، ثم إلى فالتر. كان يعرف أنه لا يستطيع فعل شيء. سارجيس كان أقوى منه، وأعلى منه رتبة، وكان القانون في صفه.
"سأذكر هذا،" قال البارون بصوت أصبح فاتراً. "سأذكر كل شيء. أنتم جميعاً."
"هذا حقك،" قال سارجيس. "الآن، اخرج من حلبتي قبل أن أعتبرك معتديًا أيضاً."
البارون نظر إلى سارجيس طويلاً. ثم التفت، ومشى خارج الحلبة دون أن ينظر إلى الوراء.
اختطف الحراس مينار وهو لا يزال يصرخ. "أنا ابن بارون! أنتم لا تستطيعون فعل هذا بي! سوف يسمع والدي! سوف يحرق بلدتكم! سوف..."
صوته تلاشى مع ابتعاده.
في الحلبة، وقف نورد مكانه. كان يشاهد المشهد كله بعيون لا ترمش. كان يشعر بالغثيان. ليس من الإرهاق، بل من سوداوية البشر. كيف يمكن لإنسان أن يصل إلى هذا المستوى من الحقارة؟ كيف يمكن لأب أن يدافع عن ابنه بعد أن أصاب أبرياء؟
لعن مينار في داخله. لعنه ألف مرة. لكنه لم يقل شيئاً. فقط وقف هناك، صامتاً، ينتظر.
اقترب منه فالتر. وضع يده على كتفه.
"أنت فائز بالمباراة،" قال فالتر بصوت أصبح أكثر هدوءاً. "تستحق ذلك. أنت مقاتل نبيل."
"شكراً يا لورد فالتر،" قال نورد بصوت مبحوح.
"لكن،" تابع فالتر، "بسبب الحادث، سيتم تأجيل المباريات النهائية إلى الغد. نحتاج إلى علاج الجرحى وإصلاح المدرجات المتضررة."
أومأ نورد برأسه.
نظر إلى الجمهور. كانوا لا يزالون يصفقون، لكن التصفيق كان أقل حماساً من قبل. كان التصفيق ممزوجاً بالصدمة، وبالغضب، وبالخوف.
نظر إلى الفرقة. فيرس كان واقفاً، يده على فمه، وعيناه لا تفارقان نورد. فريد كان يهز رأسه. يونار كانت تمسح دموعاً لم تنزل بعد. تومان كان شاحباً. أركو كان لا يزال يعالج الجريح. يورس كان واقفاً صامتاً كعادته.
نظر إلى لوان. كانت تبكي. ليس من الحزن، بل من الصدمة. لينا كانت تمسك بيدها، ووجهها شاحب.
نزل نورد من الحلبة، ومشى نحو الخلف حيث مكان استراحة المقاتلين. لم ينظر إلى الوراء. كان يشعر بثقل على كتفيه، ليس ثقل التعب، بل ثقل ما رآه.
جلس على مقعد خشبي، ووضع رأسه بين يديه.
"شريحة،" همس. "هل كنت تعلمين أنه سيفعل هذا؟"
تحليل سلوك مينار: كانت هناك مؤشرات على عدم استقرار نفسي، لكن لا يمكن التنبؤ بسلوك إنسان بدقة. التعويذة التي استخدمها هي من مستوى نجمة واحدة ذروة. لو أصابت المستخدم، لكانت تسببت في حروق من الدرجة الثالثة على الأقل. قرار منح التحكم العصبي كان صائباً.
"أنا لا أتحدث عن التعويذة. أتحدث عن... سوداويته. كيف يمكن لإنسان أن يكون بهذه القسوة؟"
السلوك البشري معقد. بعضهم يولدون على الفطرة السليمة، والبعض الآخر يفسدهم التربية والبيئة والسلطة. مينار هو مثال على الإنسان الذي لم يسمع كلمة "لا" في حياته. هذه النوعية خطيرة، لأنهم لا يعرفون حدوداً لأهوائهم.
"وهل سيتغير؟"
نادراً. التغيير يحتاج إلى وعي ورغبة داخلية. مينار لا يملك أياً منهما. سيظل كما هو، أو ربما يصبح أسوأ.
تنهد نورد. كان يشعر بالتعب، ليس الجسدي فقط، بل النفسي أيضاً.
وقف، وخرج من غرفة الاستراحة.
في الخارج، كانت الشمس لا تزال مرتفعة، والسماء لا تزال صافية، والناس لا يزالون يتحدثون بصوت عالٍ عما حدث.
لكن كل شيء كان مختلفاً الآن.
فالتر أعلن للجمهور: "بسبب الحادث المؤسف، تم تأجيل المباريات النهائية إلى الغد. سيتم إخطاركم بمواعيد الجولات القادمة. شكراً لتفهمكم."
الجمهور بدأ يغادر المدرجات. البعض كانوا غاضبين، والبعض كانوا خائفين، والبعض كانوا فضوليين. كانت أحاديثهم تدور حول مينار، وعن التعويذة، وعن الجريح، وعن نورد الذي تفادى الموت بأعجوبة.
نظر نورد إلى السماء. كانت زرقاء صافية، كأن شيئاً لم يحدث.
لكنه كان يعرف أن الكثير قد حدث. وأن الكثير سيتغير.
عاد إلى المنزل وحيداً. فيرس كان لا يزال مع الفرقة، يناقشون ما حدث. لم يكن يريد أن يسمع. كان يريد فقط أن ينام.
دخل غرفته، وأغلق الباب، وألقى بنفسه على السرير.
كانت عيناه مفتوحتان على السقف، وعقله يعيد شريط المباراة مراراً وتكراراً.
نظرته إلى مينار وهو يصرخ. تعويذته وهي تنطلق. جسده وهو يلتوي. المدرجات وهي تحترق. العجوز وهو ينزف.
أغمض عينيه.
كان يحلم بكوابيس لم يفهمها. وجوه غاضبة. نيران مشتعلة. يد تمد إليه شيئاً لا يريد أن يراه.
استيقظ بعد ساعة، وهو يتصبب عرقاً.
كان الغد سيكون يوماً آخر. مباريات أخرى. تحديات أخرى.
لكنه كان يعرف أنه أصبح أقوى. ليس في القتال فقط، بل في شيء آخر. شيء لا تقيسه الشريحة. شيء لا تظهره الإحصائيات.
شيء اسمه الصبر على البشر.