بعد يوم من الحادث المؤسف مع مينار، عادت المسابقة إلى أجوائها الطبيعية. المدرجات كانت ممتلئة كالأمس، بل أكثر. الناس كانوا يريدون أن يمحوا ذكرى القذارة بمشهد نظيف، قتال شريف بين مقاتلين حقيقيين.
الشمس كانت معتدلة، والسماء صافية، والهواء منعشاً. رائحة الخشب الجديد من المدرجات التي تم إصلاحها كانت تملأ المكان، ممزوجة برائحة الزهور البرية من الحقول المجاورة.
وقف الحكم في منتصف الحلبة، ورفع يده.
"المباراة الثانية من نصف النهائي! يوهان فريديك ضد... جيني!"
الجمهور صفق بحماس. الكل كان يعرف يوهان. ابن مدير النقابة، المقاتل الصامت، الذي يفضل الموت على الفوز بنذالة. كان معروفاً بعدم ابتسامته أبداً، وعدم كلامه أبداً، وعدم إظهاره أي مشاعر أبداً. لكن الجميع كان يحترمه.
أما جيني، فكانت غامضة. ظهرت فجأة قبل أيام، سجلت باسمها الأول فقط، ولم يتحدث معها أحد. كانت في الخامسة عشرة من عمرها، شعرها أسود طويل مصفف في ذيل حصان، وعيناها خضراوان واسعتان. جسدها كان صغيراً ونحيلاً، لكن عينيها كانتا تخفيان شيئاً آخر.
صعد الاثنان إلى الحلبة. يوهان سيفه في يده، وجهه كالحجر. جيني عصا سحرية قصيرة في يدها اليمنى، وخنجر في يدها اليسرى.
"ابدأوا!" صاح الحكم.
بدأت المباراة بسرعة. يوهان اندفع نحو جيني، سيفه مرسوم، ضربة سريعة نحو كتفها. جيني تفادت بخطوة خفيفة إلى الخلف، وأطلقت سحابة من الضباب الجليدي من عصاها. يوهان تراجع قبل أن يبتلعه الضباب.
"جيدة،" قال يوهان بصوته الهادئ. "سريعة."
لم ترد جيني. أطلقت سهمين جليديين متتاليين نحو صدر يوهان. تفادى الأول بانحناءة، والثانية بقفزة جانبية.
تقدم يوهان مجدداً. هذه المرة، لم يعتمد على سيفه فقط. ركلة سريعة نحو بطن جيني، تفادتها، ثم لكمة نحو وجهها، تفادتها أيضاً. كان يوهان يحول القتال من سحري إلى جسدي، لعله يفاجئها.
لكن جيني فاجأته أكثر.
بدلاً من أن تتراجع، تقدمت. ركلتها التقت بركلة يوهان في منتصف المسافة. سمع صوت تصادم قوي، وتراجع الاثنان خطوة إلى الوراء.
الجمهور صفق. كانت هذه أول مرة يرون فيها جيني تقاتل جسدياً. جسدها الصغير كان يخفي قوة مرعبة.
"قوية،" قال يوهان، وهذه المرة كانت ابتسامة صغيرة تلامس شفتيه. "لم أتوقع هذا."
"لا تقلل من شأن الخصم قبل أن تعرفه،" ردت جيني.
اندفعا نحو بعضهما مجدداً. يوهان ضرب بسيفه، جيني صدت بخنجرها. يوهان ركل، جيني قفزت فوق الركلة وردت بركلة أخرى. تبادلا الضربات كمن يرقصان رقصة الموت. كل ضربة كانت سريعة، كل تفادي كان دقيقاً، كل تصادم كان يثير الغبار من أرض الحلبة.
في المدرجات، كان سيد فريديك، والد يوهان، يشاهد المباراة بعينين فخورتين. كان يعرف أن ابنه لم يقاتل بهذا الحماس منذ سنوات. هذه الفتاة جيني أيقظت فيه شيئاً.
إلى جانبه، كانت أيملي تتابع المباراة باهتمام. كانت تحلل كل حركة، كل تقنية، كل خطأ. في دفترها الصغير، كانت تدون ملاحظات: "يوهان - تحسن ملحوظ في المراوغة. جيني - خفة حركة استثنائية."
في الصفوف الخلفية، كانت امرأة في الثلاثينات من عمرها تجلس وحدها. شعرها أشقر طويل، وعيناها زرقاوان عميقتان، ووجهها كان جميلاً بطريقة هادئة. كانت ترتدي عباءة سوداء بسيطة، ولا تحمل أي سلاح. كانت تبتسم.
هذه كانت ألكسندرا. معلمة جيني. لم يعرفها أحد في أفير. لم يسجل اسمها في أي مكان. جاءت مع تلميذتها، وسجلتها في المسابقة، ثم اختفت في الظل. كانت في مستوى لا يستطيع أحد تخيله، لكنها لم تظهر قوتها أبداً. فقط كانت تشاهد.
"همم،" همست لنفسها. "تلميذتي جيدة. لم تخيب ظني."
في الحلبة، كانت المعركة في أوجها.
تراجعت جيني إلى الخلف فجأة، ورفعت عصاها إلى السماء. كرات نار صغيرة، بحجم البيسبول، بدأت تتشكل حولها بسرعة. خمس، ثم عشر، ثم خمس عشرة. كل كرة كانت تصدر صوت أزيز خفيف، وكانت تتجه نحو يوهان كالنحل الغاضب.
يوهان لم يتراجع. تقدم نحو الكرات بسيفه، يقطعها واحدة تلو الأخرى. كل كرة يقطعها كانت تنفجر في الهواء محدثة دخاناً خفيفاً، لكنها لم تؤذه. كان سريعاً، دقيقاً، وشجاعاً.
آخر كرة قطعها على بعد سنتيمترات من وجهه. الدخان غطى الحلبة للحظة، ثم انقشع.
وقف الاثنان ينظران إلى بعضهما، يلهثان.
"لهذا أنت موهوبة،" قال يوهان، وصوته كان أقل برودة من المعتاد. "متى بدأت التدريب؟"
"منذ أربع سنوات تقريباً،" قالت جيني، وهي تمسح عرقاً خفيفاً من جبينها.
أطلق يوهان صفيراً خفيفاً. "أربع سنوات فقط؟ نجمة متوسطة في مسارين؟ أنت موهوبة حقاً. يشرفني قتالك."
"أنا أيضاً،" قالت جيني، وابتسمت ابتسامة صغيرة.
تقدم الاثنان نحو بعضهما مجدداً. لكن هذه المرة، كانا يبتسمان.
استمر القتال بينهما كالرحلة الطويلة. كرّاً وفراً، فراً وكرّاً. يوهان يهاجم، جيني تتفادى وترد. جيني تهاجم، يوهان يتفادى ويصد. لم يكن هناك فائز واضح، ولم يكن هناك خاسر واضح. كانا متكافئين.
الجمهور كان صامتاً معظم الوقت، لا يريد أن يفوتهم أي تفصيل. كانوا يصفقون أحياناً، ويصرخون أحياناً، ويطلقون صيحات الإعجاب أحياناً. لكن معظم الوقت، كانوا صامتين، منبهرين.
عشر دقائق. خمس عشرة دقيقة. عشرون دقيقة.
ثم قررت جيني حسم القتال.
تراجعت إلى الخلف خطوات، وألقت عصاها على الأرض. الجمهور صمت. ماذا تفعل؟
مدت يدها إلى ظهرها، وسحبت رمحاً.
لم يكن رمحاً عادياً. كان طوله يتجاوز طول جسدها مرة ونصف. كان أسود اللون، ورأسه من معدن فضّي يلمع كالمرآة. كان يبدو ثقيلاً، لكن جيني حملته بيد واحدة وكأنه ريشة.
"الرمح،" همس سيد فريديك في المدرجات. "إنها تستخدم الرمح أيضاً؟"
قفزت جيني نحو يوهان. الرمح تحرك في يديها كأنه جزء من جسدها. طعنة من الأعلى، يوهان تفادى. طعنة من الأسفل، قفز فوقها. طعنة من الجانب، صدها بسيفه.
كان الرمح أطول من سيف يوهان بكثير، مما أعطى جيني ميزة في المدى. كلما اقترب يوهان، كانت تبتعد. كلما ابتعد، كانت تطعنه من مسافة آمنة.
لكن يوهان لم يستسلم. قفز قفزة عالية فوق الرمح، وسقط خلف جيني. قبل أن تلتفت، كان سيفه على بعد سنتيمترات من رقبتها.
لكن جيني كانت أسرع. انحنت إلى الأمام، ووجهت مؤخرة رمحها إلى بطن يوهان. ضربته بقوة، فارتد إلى الخلف خطوات.
عادا إلى موقعهما الأصلي.
ابتسم يوهان ابتسامة عريضة، نادرة على وجهه. "هذا قتال عظيم. لم أشعر بمثل هذا منذ سنوات."
"أنا أيضاً،" قالت جيني، وعيناها تلمعان.
اندفعا نحو بعضهما للمرة الأخيرة.
يوهان هاجم بسيفه بكل قوته. جيني صدت برمحها، لكن السيف كان ثقيلاً، ودفع رمحها إلى الأسفل. قبل أن ترفعه، كان يوهان قد اقترب منها أكثر من اللازم. لم يكن يستطيع استخدام سيفه من هذه المسافة، لكنه استخدم مرفقه.
ضربها على كتفها الأيمن. تألمت، لكنها لم تسقط. ركضت بضع خطوات إلى الخلف، واستدارت.
قفزت قفزة عالية، والرمح في يديها. نزلت نحو يوهان كالصقر. الرمح كان متجهاً نحو صدره.
يوهان رفع سيفه ليصد. لكن جيني غيرت اتجاه الرمح في اللحظة الأخيرة. بدلاً من أن يطعن صدره، توقف الرمح على بعد سنتيمتر واحد من حلقه.
الجمهور صرخ.
يوهان نظر إلى الرمح، ثم إلى جيني. كانت عيناها خضراوان، متعبتان، لكنهما كانتا ثابتتين.
"أستسلم،" قال يوهان بصوت هادئ.
الجمهور انفجر بالتصفيق والصفير. حتى والد يوهان، سيد فريديك، كان يصفق بحماس، وعيناه تلمعان بالفخر. ابنه خسر بشرف. وهذا كان أفضل من الفوز بنذالة.
خفضت جيني رمحها، ومدت يدها إلى يوهان.
"تشرفت بقتالك،" قالت.
أمسك يوهان يدها، وقف. "أنا أيضاً. أتمنى أن تكون لدي فرصة أخرى لقتالك مرة أخرى."
"وأنا كذلك."
ابتسما لبعضهما، ثم نزلا من الحلبة معاً تحت تصفيق الجمهور.
في الصفوف الخلفية، كانت ألكسندرا تبتسم ابتسامة عريضة. وقفت، وبدأت تخرج من المدرجات. لم تشاهد بقية المباريات. كانت تعرف أن تلميذتها قد بلغت النهائي، وهذا كان كافياً.
"أحسنتِ يا جيني،" همست لنفسها، ثم اختفت بين الحشود.
جيني نزلت من الحلبة، والتقت بألكسندرا عند مدخل غرفة الاستراحة.
"ما رأيك يا معلمتي؟" سألت جيني، وهي تلهث قليلاً.
ابتسمت ألكسندرا ابتسامة دافئة، ووضعت يدها على كتف تلميذتها. "أحسنتِ يا جيني. أداء ممتاز. الراحة الآن. النهائي بعد ساعتين."
"النهائي ضد نورد كاسيان،" قالت جيني، وعيناها تلمعان. "سمعت عنه. موهوب جداً."
"كل الموهوبين خطرون،" قالت ألكسندرا. "لكن الخطر هو ما يجعل الحياة ممتعة."
أخذت جيني قارورة ماء من حقيبتها وشربت طويلاً. كانت تعلم أن المباراة القادمة ستكون الأصعب.
في الجانب الآخر من الساحة، كان نورد جالساً على مقعد خشبي، يشاهد المباراة من البداية إلى النهاية. كان يحلل كل حركة، كل تقنية، كل خطأ. الشريحة كانت تعمل بكامل طاقتها.
تحليل خصم النهائي: جيني. مستوى: نجمة متوسطة في السحر والقتال. الأسلوب: سحري قتالي متوازن. نقاط القوة: السرعة، التنوع، الذكاء التكتيكي. نقاط الضعف: التحمل أقل من يوهان بقليل، الاعتماد على الرمح في المدى البعيد قد يكون عيباً في المسافات القريبة جداً.
التوصية: تقريب المسافة. عدم تركها تستخدم رمحها بحرية. الضغط المستمر.
ابتسم نورد.
ساعتان من الراحة. ثم النهائي.
كان مستعداً.