بقي نورد جالساً على حافة سريره طويلاً بعد أن اختفى الصوت من رأسه. الظلام كان قد حلّ تماماً في الغرفة، ولم يكن هناك سوى ضوء القمر الخافت الذي يتسلل من النافذة الصغيرة، يرسم أشكالاً فضية على الأرضية الخشبية.
كان يفكر.
الشريحة. مختبرات فورسوا. المهام: التحليل، التخزين، الترتيب.
كلها كلمات لم يعتد على سماعها. كلمات ثقيلة غريبة، كأنها خرجت من فم عالم مجنون أو من كتاب قديم بلغة لا يفهمها.
لكن ثمّة شيء واحد كان واضحاً: ذلك الشيء الذي دخل جسده لم يكن سمّاً، ولم يكن لعنة تذيب لحمه من الداخل. كان شيئاً... آخر. شيئاً ربما يستطيع فهمه إذا تعاون معه.
وتذكر الجملة الأخيرة التي نطق بها ذلك الصوت: "يرجى قراءة بضع كتب أو تصفح الإنترنت لفهم الحالة."
كتب.
هذا شيء يعرفه. هذا شيء يستطيع فعله. في بلدة أفير، لم يكن هناك إنترنت مهما كان ذلك الشيء، لكن كان هناك كتب. في منزل أركو الطبيب تحديداً، حيث جمع على مر السنين عشرات المجلدات عن النباتات والأمراض والكائنات الغريبة. وإذا كانت الشريحة تريد أن يقرأ، فسيقرأ. ربما يجد فيها تفسيراً لما حدث له، أو ربما يجد طريقة لإزالتها من جسده.
وقف نورد عن السرير ومدّ جسده المتعب. كان اليوم طويلاً، والمعركة مع السحلية النهرية أنهكته أكثر مما كان يعترف به. لكنه لم يستطع النوم. لم يستطع حتى الاستلقاء.
ارتدى قميصه الجلدي البالي وتوجه بهدوء نحو باب الغرفة. مرّ من أمام غرفة والده، فسمع شخيراً خفيفاً. فيرس كان قد نام بعد يوم شاق، منهكاً مثل ابنه لكن بطريقة مختلفة. تردد نورد للحظة، وفكّر أن يوقظه ويخبره بكل شيء. لكنه تراجع. ليس الليلة. ربما غداً. ربما بعد أن يفهم أكثر.
خرج من المنزل بهدوء.
هواء الليل في أفير كان بارداً ومنعشاً، يحمل معه رائحة النهر القريب ورائحة الخبز المحروق من مخبز البلدة الذي أغلق قبل ساعات. السماء كانت صافية، مزدانة بملايين النجوم التي تبدو أقرب مما هي عليه في أي مكان آخر. القمر كان في منتصفه، يضيء الطرقات الترابية بلونه الفضي البارد.
مشى نورد في الشارع الرئيسي للبلدة، متجهاً نحو بيت أركو. المنازل كانت مغلقة، والنوافذ مظلمة. معظم سكان أفير ينامون مبكراً ليستيقظوا مع شروق الشمس. فقط بعض البيوت كانت تطلق من نوافذها ضوءاً خافتاً من الشموع أو المصابيح الزيتية، علامة على أن ساكنها لا يزال مستيقظاً لسبب أو لآخر.
وصل إلى منزل أركو بعد عشر دقائق من المشي. كان المنزل مختلفاً عن بقية بيوت البلدة: أكبر قليلاً، وله حديقة صغيرة أمامية مليئة بالنباتات الطبية التي يعتني بها الطبيب بنفسه. بعض هذه النباتات كان يلمع في الليل، ربما لأن أوراقها تعكس ضوء القمر بطريقة خاصة، أو رباحنا لسبب آخر لا يعرفه نورد.
قرع الباب برفق.
انتظر. ثم قرع مجدداً.
سمع خطوات داخل المنزل، ثم صوت أركو وهو يتذمر: "من في هذا الوقت؟ ألا تعلمون أن الطبيب يحتاج إلى نومه أيضاً؟"
فتح الباب. وقف أركو في إطاره، مرتدياً ثوب نوم بسيط، وشعره البني الأشعث منسدل على جبينه بطريقة تجعله يبدو أصغر سناً من عمره الحقيقي. عندما رأى نورد، اتسعت عيناه قليلاً من الدهشة.
"نورد؟" قال وهو يحك عينيه. "هل أنت بخير؟ هل أصبت بشيء؟ ألم أفحص الجميع قبل العودة؟"
"لا، لا، أنا بخير يا عمي أركو،" قال نورد بسرعة. "أنا لم أصب بأي شيء. أنا فقط..."
توقف. كيف يشرح له أنه يريد أن يقرأ كتباً في منتصف الليل لأنه ثمّة صوت غريب يتحدث في رأسه ويطلب منه ذلك؟ هذا جنون.
"أنا فقط أريد أن أقرأ في مكتبتك،" قال أخيراً. "إذا سمحت."
صمت أركو للحظة، ثم انفجر ضاحكاً. ضحكته كانت عالية صافية، ملأت الشارع الليلي وجعلت كلباً بعيداً ينبح رداً عليها.
"ماذا؟" قال أركو بين الضحكات. "الآن؟ في منتصف الليل؟ تريد أن تقرأ؟"
ابتسم نورد محاولاً أن يبدو طبيعياً. "أعلم أنه وقت متأخر لكني... لا أستطيع النوم وفكرت أن القراءة قد تريحني."
"القراءة تريحك؟" كفّ أركو عن الضحك لكن ابتسامة عريضة بقيت على وجهه. "معظم الناس في عمرك يذهبون ليلعبوا مع أصدقائهم أو يناموا بعد يوم شاق، وأنت تريد أن تقرأ؟"
"ربما أريد أن أتعلم الطب والنباتات مثلك يا عمي،" قال نورد مبتسماً.
رفع أركو حاجبيه. "حقاً؟"
"ربما."
نظر أركو إلى نورد طويلاً. كان هناك شيء في عيون هذا الصبي لم يره من قبل. ليس مجرد فضول عابر، بل إصرار غريب، كأنه يبحث عن شيء لا يعرف هو نفسه ماهيته بالضبط.
"ادخل،" قال أخيراً وهو يفسح الطريق. "لكن لا تلمس أي زجاجة دواء خضراء. تلك تجارب لم تكتمل بعد."
دخل نورد إلى منزل أركو. الداخل كان أشبه بمتحف صغير أو مختبر عشوائي. الرفوف تغطي الجدران من الأرض حتى السقف، محملة بالكتب والزجاجات والأواني الزجاجية والأدوات الغريبة التي لا يعرف نورد استخدام نصفها. رائحة الأعشاب الجافة كانت تملأ المكان، ممزوجة برائحة الزيوت العطرية والخلاصات الطبية. في الزاوية، كان المكرر الذي يستخدمه الفريق لتحويل الأعشاب إلى إكسيرات، آلة نحاسية قديمة لكنها تعمل بكفاءة عالية.
"المكتبة هناك،" قال أركو مشيراً نحو الرف في الجهة الشمالية. "الكتب على الرف السفلي هي الأبسط. الرف الأوسط للمتوسطين. والرف العلوي... لا تلمسه."
"ماذا في الرف العلوي؟"
أركو ابتسم ابتسامة غامضة. "كتب لمن تجاوزوا النجمتين في الذهن. عقلك الآن لن يستوعبها. قد تصاب بصداع لا يزول لأيام."
لم يجادل نورد. اتجه نحو الرف السفلي وبدأ يتصفح الكتب. كانت العناوين متنوعة: "أساسيات النباتات الطبية في إقليم جورجان"، "دليل المبتدئ لعلاج الجروح السطحية"، "سموم الغابة: كيف تحدد وتعالج"، "مقدمة في تصنيف الكائنات الحية حسب رتبتها القتالية".
"حسناً،" قال أركو وهو يتثاءب. "سأذهب لأنام. أطفئ المصباح عندما تنتهي. وإن شعرت بالتعب، هناك سرير فارغ في الغرفة الخلفية."
"شكراً لك يا عمي أركو."
"لا تشكرني. فقط أعد الكتب إلى أماكنها عندما تنتهي. ومصابيح الزيت باهظة الثمن، فلا تتركها مشتعلة طوال الليل."
خرج أركو من الغرفة وهو يتمتم بشيء عن "شباب اليوم وغبائهم الجميل".
بقى نورد وحيداً محاطاً بالكتب. جلس على الأرض واضعاً ظهره على الرف الخشبي، وأخذ أول كتاب من الكومة: "دليل المبتدئ لعلاج الجروح السطحية".
فتح الصفحة الأولى.
وفجأة، شعر بشيء غريب. ليس في جسده هذه المرة، بل في ذهنه. كأن ثمّة باباً فتح قليلاً، أو نافذة أزيح ستارها.
لم يقرأ الكلمة الأولى بعد، لكن المعلومات بدأت تتدفق إليه.
لا، لم تكن المعلومات. كانت الأسئلة.
ماذا يريد أن يعرف بالضبط؟
أغمض عينيه للحظة، ثم فتحها وبدأ يقرأ بصوت داخلي هادئ.
"الجروح السطحية هي تلك التي لا تتجاوز طبقة الجلد الأولى..."
لم يكمل الجملة.
فجأة، انطلق الصوت في رأسه مجدداً، لكن هذه المرة لم يكن مجرد إعلان جاف. كان أكثر تنظيماً، وكأنه يستجيب لما يفعله.
تم الكشف عن مصدر معرفي: كتاب. النوع: تعليمي، مستوى مبتدئ. الرجاء الاستمرار في الإدخال لتحليل البيانات وتخزينها.
وقف نورد مكانه. كانت الشريحة تستجيب لقراءته. كانت... تتعلم؟ أم تخزّن؟ أم ماذا؟
تذكر كلماتها: التحليل، التخزين، الترتيب.
إذا قرأ، فستحلل ما يقرأ. وستخزنه. وترتبه.
وماذا بعد؟ هل ستفهم؟ هل ستجيب على أسئلته؟
تنفس عميقاً، وأكمل القراءة.
"الجروح السطحية تحتاج إلى تنظيف بماء نظيف ثم تغطية بضمادة معقمة. استخدام الأعشاب المطهرة مثل عشبة الجندي الصامد يسرع الشفاء..."
تم التخزين. تحليل: معلومات دقيقة بنسبة 87% حسب قاعدة بيانات الشريحة. عشبة الجندي الصامد: نوع نباتي، رتبة ممتازة (دون نجمتين). الوظيفة: تسريع شفاء الجروح السطحية، زيادة التحمل الجسدي المؤقت.
اتسعت عينا نورد. هذا لم يكن مجرد تخزين. الشريحة كانت تضيف معلومات. كانت تعطي تحليلاً خاصاً بها، تقييماً لم يكتبه مؤلف الكتاب.
واصل القراءة، صفحة بعد صفحة، كتاباً بعد كتاب.
انتقل من "دليل المبتدئ" إلى "أساسيات النباتات الطبية". كلما قرأ كلمة، كانت الشريحة تحللها وتخزنها. وأحياناً، كانت تضيف تفاصيل غير موجودة في الكتاب، كأنها تقارن ما يقرأه بما لديها مسبقاً من معلومات، رغم أنها قالت إن بياناتها مجهولة.
تناقض: الكتاب يذكر أن عشبة ندى الجبل تعالج الصداع فقط. بيانات الشريحة تشير إلى فعاليتها أيضاً ضد التعب الذهني البسيط. الرجاء إدخال المزيد من البيانات لتأكيد الدقة.
مرت ساعة. ثم ساعتان.
نورد لم يشعر بالوقت. كان غارقاً في القراءة، والشريحة كانت تعمل في صمت معظم الأحيان، لكنها كانت تنشط كل بضع دقائق بتعليق أو تحليل أو سؤال.
تم تخزين 347 نبتة طبية مختلفة. تصنيفها حسب الرتبة: عادية، ممتازة، معززة. تصنيفها حسب الوظيفة: علاجية، تعزيزية، سامة.
تم تحليل 54 نوعاً من الجروح والأمراض الشائعة في المنطقة.
تم تقييم دقة المعلومات: 82%. يوصى بالحصول على مصادر إضافية.
الرجاء إدخال المزيد من البيانات.
نورد توقف عن القراءة فجأة. كان متعباً. ليس جسدياً فقط، بل ذهنياً أيضاً. عيناه كانتا تدمعان من التركيز الطويل، ورأسه بدأ يؤلمه قليلاً.
أغلق الكتاب الأخير الذي كان يقرأه، وأرجعه إلى مكانه على الرف.
"هذا يكفي لليلة،" همس لنفسه.
نهض عن الأرض وهو يتثاقل، ومدّ جسده المتصلب. نظر من النافذة الصغيرة في الغرفة، فرأى أن السماء بدأت تتلون بالرمادي الفاتح. الفجر كان يقترب.
أطفأ المصباح الزيتي، وخرج من منزل أركو بهدوء، وهو يحرص على ألا يوقظ الطبيب الذي كان يشخر في غرفة النوم.
الشارع كان فارغاً تماماً، والبلدة غارقة في أعمق ساعات الليل. نسيم بارد لامس وجه نورد، جاعلاً قشعريرة خفيفة تجري على جلده.
مشى عائداً إلى منزله ببطء. كان يشعر بثقل غريب في خطواته، ليس ثقل التعب فقط، بل ثقل المسؤولية. كان يعرف الآن شيئاً لم يعرفه قبل الليلة: الشريحة حقيقية، وهي تعمل، وهي تريد منه أن يزودها بالمعلومات.
لكن ماذا كان هدفها؟ وماذا سيحدث عندما تجمع ما يكفي من البيانات؟
لم تكن لديه إجابات. لكن كان لديه شيء واحد لم يكن لديه قبل ساعات: قناعة.
كان يجب أن يستمر. كان يجب أن يقرأ المزيد. كان يجب أن يفهم.
وصل إلى منزله، وفتح الباب بهدوء، وتسلل إلى غرفته دون أن يوقظ والده. ألقى بنفسه على السرير، ممدداً على ظهره، عيناه مفتوحتان على السقف الخشبي.
"شريحة V9،" همس بصوت خافت. "هل تسمعينني؟"
صمت.
ثم جاء الرد:
شريحة V9 تعمل بكفاءة 98%. الرجاء مواصلة إدخال البيانات لتطوير الأداء.
"ماذا سيحدث عندما تطورين أداءك؟"
بيانات غير كافية للإجابة.
"ماذا تريدين مني؟"
بيانات غير كافية للإجابة.
أغلق نورد عينيه. "إذاً سأعطيك ما تريدين. سأقرأ. سأتعلم. وسأكتشف يوماً ما ماهيتك حقاً."
تم تسجيل الهدف. سيتم تقديم الدعم اللازم.
ابتسم نورد ابتسامة مرهقة، ثم أغلق عينيه تماماً.
في هذه الليلة، نام نورد كاسيان متأخراً جداً، لكنه نام نوماً عميقاً بلا أحلام، كأن جسده وذهنه أعلنا هدنة مؤقتة بعد معركة طويلة. نام وفي رأسه ألف سؤال، وفي جسده شيء غريب ينتظر الغد ليواصل ما بدأه الليلة.
نام وفي قلبه خوف كبير من المجهول.
لكن خلف هذا الخوف، كان ثمّة شيء آخر كان يخجل من الاعتراف به حتى لنفسه: فضول لا يهدأ، ورغبة خفية في معرفة ما سيحدث بعد ذلك.