بعد المعركة، كان الجميع ينظرون إلى نورد بعيون مختلفة. لم تعد مجرد فضول، بل كان هناك رهبة فيها، واحترام، وربما خوف قليل. حتى الفونس، قائد الحراس، كان يرمقه بنظرات تطول أكثر من المعتاد.
دفنوا الموتى في تل قريب. سبعة حراس، بينهم إريك ذو الشعر الأشقر الطويل والعيون الزرقاء الباهتة. وقف الجميع صامتين، والرياح الباردة كانت تعبث بملابسهم وشعورهم. نورد وقف على طرف المجموعة، لا يعرف ماذا يقول. لم يكن يعرف إريك جيداً، لكنه كان لطيفاً معه، وكان أول من تحدث إليه في القافلة.
الفونس تقدم خطوة، ونظر إلى القبور الجديدة.
"إريك، داريوس، لين، كورت... وجميع من فقدناهم اليوم. كانوا مقاتلين شجعان. لن ننساهم."
لم يقل أكثر من هذا. لم يكن بحاجة إلى أكثر.
بعد دقائق من الصمت، بدأ الجميع بالتحرك. العربات رتبت مجدداً، والخيول سُرِجَت، والحراس أخذوا مواقعهم. لكن الأجواء كانت مختلفة. ثقيلة، ممزوجة بالحزن وبشيء آخر: الأسئلة.
لم يتحمل مارفين الصمت طويلاً. كان جالساً في عربته الفخمة، لكنه نزل منها وتوجه نحو نورد الذي كان يسير على حصانه في مؤخرة القافلة.
"تومان،" قال مارفين بصوت أصبح أقل سموناً وأكثر جدية. "عليك أن تخبرني. كيف فعلتها؟"
نظر نورد إليه. كانت عيون التاجر السمين تلمع بفضول حقيقي، ممزوج بالدهاء. هذا رجل قضى حياته في الصفقات والمفاوضات، وهو يعرف متى يسأل ومتى يصمت.
"فعلت ماذا؟" قال نورد محاولاً التهرب.
"لا تتجاهلني." ابتسم مارفين ابتسامة لم تصل إلى عينيه. "أنت في مستوى نجمة متقدمة في القتال. هذا ما أظهرته لنا. لكنك قاتلت اثنين في مستوى نجمة ذروة وقتلتهما. لا، ليس قاتلتهما فقط، بل سحقتهما. كيف؟"
اقترب منه الفونس أيضاً. كان يمشي إلى جانب الحصان، وذراعاه متقاطعتان على صدره.
"هو محق،" قال الفونس بصوته الجهير. "أنا في مستوى نجمة ذروة. أعرف ماذا يعني هذا المستوى. لا يمكن لأي شخص في مستوى نجمة متقدمة أن يفعل ما فعلته، حتى لو كان موهوباً. أنت تخفي شيئاً."
نظر نورد حوله. الحراس الآخرون كانوا ينظرون إليه أيضاً. كانوا ينتظرون إجابة. حتى التاجر الشاب الذي كان يساعد في فرز البضائع توقف عن العمل وأصغى.
كان يعرف أن هذه اللحظة ستأتي. كان يعرف أن لا مفر منها. الأكاذيب الصغيرة التي كان يرددها منذ أشهر - "أنا موهوب فقط"، "أتدرب بجد"، "الأعشاب تساعدني" - لم تعد كافية. كان يحتاج إلى كذبة أكبر، أكثر إقناعاً، كذبة تفسر كل شيء دفعة واحدة.
تنهد.
"حسناً،" قال نورد بصوت أصبح أكثر جدية. "سأخبركم. لكن ليس هنا. وليس واقفين. عندما نتوقف للراحة."
أومأ مارفين. أشار بيده للحراس بالاستمرار.
بعد ساعتين، توقفوا عند واد صغير تحيط به التلال من ثلاث جهات. كان المكان آمناً، والماء قريب، والعشب مناسب للخيول. نزل الجميع، وأجلسوا أنفسهم في دائرة تحت ظل صخرة كبيرة. مارفين في المنتصف، والفونس إلى جانبه، والحراس حولهما. نورد وقف في وسط الدائرة، والجميع ينظرون إليه.
"تومان ليس اسمي الحقيقي،" بدأ نورد. "اسمي الحقيقي... ليس مهماً الآن. ما يهم هو أن لدي أستاذاً. سيداً كبيراً."
مارفين رفع حاجبيه. "سيد كبير؟ من هو؟"
"لا يمكنني ذكر اسمه. هذا شرط من شروطه." كانت هذه الكذبة ذكية. كلما قلّت المعلومات، قلّت فرصة اكتشاف الحقيقة. "لكنه في مستوى سيد كبير. أربع نجوم."
صمت المكان. حتى الرياح توقفت.
"سيد كبير؟" همس الفونس. "أربع نجوم؟ في مملكتنا؟"
"نعم. وهو من دربني. علمني كل ما أعرفه. ليس فقط القتال، بل الذهن أيضاً. وعلّمني تقنيات إخفاء الهالة، ولهذا بدوت بمستوى أقل مما أنا عليه حقاً."
هذا كان خطراً. كان يعترف أمام الجميع أنه يخفي قوته الحقيقية. لكنه لم يذكر المستوى الحقيقي، تاركاً لهم مساحة للتخمين.
"ولماذا تخفي قوتك؟" سأل أحد الحراس.
"لأن أستاذي أمرني بذلك. قال لي: "تجول في العالم، اكتسب الخبرة، لا تظهر كل ما لديك، وتعلم من الناس قبل أن تعلمهم."
مارفين أومأ برأسه، كأن هذا المنطق كان مقنعاً له. "إذاً أنت في مهمة من سيدك؟"
"نوعاً ما. أريد أن أرى مملكة فوجا، وأتعلم من تجاربها، وأصبح أقوى. وعندما يحين الوقت، سأعود إليه."
الفونس نظر إلى نورد بعينين لا تزالان حادتين. "إذا كنت تلميذ سيد كبير، فلماذا تسافر مع قافلة تجارية؟ ألا تستطيع السفر بمفردك بأمان؟"
"أستطيع. لكن أستاذي قال لي أيضاً: 'تعلم كيف يعيش الناس العاديون. تعلم كيف يتنقلون، كيف يتاجرون، كيف يتعاونون. القوة وحدها لا تصنع رجلاً كاملاً.' لهذا أنا هنا."
صمت الجميع للحظة، يستوعبون الكلام.
مارفين كان أول من تحدث. كان يبتسم ابتسامة عريضة، وعيناه تلمعان بالدهاء.
"تومان، أو مهما كان اسمك الحقيقي، أنت شخص مميز. عائلة لونيا تقدر الموهوبين. أود أن أدعوك ضيفاً لنا في ميلكونيا. يمكنك البقاء في منزل العائلة، وتناول الطعام معنا، واستخدام مكتبتنا. ومقابل ذلك، يمكنك أن تشاركنا بعضاً من حكمتك... إذا أردت."
نظر نورد إلى مارفين. كان يعرف أن التاجر السمين لم يقدم له هذا العرض من باب الكرم فقط. كان يريد الارتباط بشخص لديه أستاذ من مستوى سيد كبير. كانت هذه فرصة ثمينة لأي عائلة تجارية.
"إذا سمح لي الوقت، سأزور عائلتك بكل سرور،" قال نورد مبتسماً.
"أتمنى أن تسمح لنفسك بالوقت."
ضحك الجميع. كان التوتر قد خف قليلاً.
بعد الاستراحة، واصلوا السير. الأجواء كانت أخف مما كانت عليه في الصباح. الحراس كانوا يتحدثون مع نورد باحترام أكبر، وكانوا يتنافسون على الجلوس بجانبه في العربات الفارغة. حتى مارفين كان يتحدث معه كثيراً، عن التجارة، وعن العائلة، وعن ميلكونيا.
"ميلكونيا مدينة رائعة،" قال مارفين وهو يركب بجانب نورد. "لا يوجد لها سور، كما سترى."
"لا سور؟" سأل نورد باستغراب. "كيف تحمي المدينة؟"
ضحك مارفين. "لماذا نحتاج إلى سور؟ علاقاتنا الدبلوماسية مع مملكة فوركاس في الشمال ممتازة. لدينا أكثر من مئتين وسبعين عاماً من السلام. لم نشهد حرباً واحدة في هذه الفترة."
"مئتان وسبعون عاماً؟ هذا وقت طويل جداً."
"طويل جداً. يكفي أن ينسى الناس طعم الخوف." ابتسم مارفين ابتسامة فيها شيء من الحزن. "أجداد أجدادنا عاشوا في سلام. وآباؤنا عاشوا في سلام. ونحن نعيش في سلام. حتى أننا نسينا كيف نبني سوراً."
نظر نورد إلى الأفق البعيد. "لكن السلام لا يدوم للأبد. لو حدثت حرب..."
"لن تحدث." قاطعه مارفين بحزم. "مرت مئتان وسبعون عاماً. لو كانوا يريدون الحرب، لكانوا بدأوها منذ قرون."
"ربما كانوا ينتظرون اللحظة المناسبة."
نظر مارفين إلى نورد طويلاً. كان يعرف أن هذا الشاب ليس كغيره. كان يعرف أن كلماته ليست مجرد كلام مراهق.
"أنت متشائم،" قال مارفين أخيراً.
"واقعي،" رد نورد. "السور لا يُبنى عندما يأتي العدو. يُبنى قبل أن يفكر العدو في المجيء."
لم يرد مارفين. لكنه كان يفكر في كلام نورد أكثر مما كان مستعداً للاعتراف.
---
بعد يوم كامل من السير، بدأت التضاريس تتغير. التلال أصبحت أقل، والأشجار أصبحت أكثر، والطرق أصبحت أوسع وأكثر تنظيماً. ثم في الأفق، بدأ نورد يرى شيئاً غريباً.
مدينة. لكن ليست كأفير. أفير كانت صغيرة، متواضعة، ببيوت من طابق أو طابقين. هذه كانت شيئاً آخر.
المباني كانت مرتفعة. خمسة طوابق، ستة، سبعة، حتى ثمانية وعشرة طوابق. كانت مصنوعة من حجر رمادي فاتح، ونوافذها كبيرة ومزينة بالزخارف. كانت تتراصف في شوارع واسعة مرصوفة بالحجارة الملساء. كانت تحتها عربات تتحرك بدون خيول. عربات بأربع عجلات، تسير بهدوء وسلاسة، كأنها تطفو على الهواء.
وما رأى نورد أغرب منه.
كان هناك شيء ضخم يتحرك على بعد كيلومترات من المدينة. كان طويلاً، نحيلاً، يتحرك كالثعبان العملاق. لم يكن له أرجل، ولا أجنحة، لكنه كان يزحف على الأرض بسرعة لا تقل عن سرعة الخيل.
"ما هذا؟" سأل نورد، وصوته كان مبحوحاً من الدهشة.
تبعه مارفين نظره، وابتسم.
"هذا قطار الرون. أو كما يحب البعض تسميته: الثعبان الحديدي."
"قطار؟"
"نعم. يعمل بالرون. ينقل البضائع والمسافرين بين المدن الكبيرة. هذا الذي تراه الآن قادم من جورجان في الجنوب، متجهاً إلى ميلكونيا."
نظر نورد إلى القطار وهو يقترب. كان أطول مما تخيل. عشر عربات متراصة، كل عربة بطول عشرة أمتار تقريباً. كانت عربات مغلقة لنقل البضائع، وأخرى مفتوحة لنقل الركاب. لم يكن هناك دخان، ولا بخار، ولا صوت محركات. فقط صوت هسهسة خفيف كحفيف الريح في أذنيك.
"كيف يتحرك؟" سأل نورد.
"الرون تحت السكة الحديدية. يوجه الطاقة السحرية ويدفع القطار إلى الأمام. لا فحم، لا دخان، لا ضجيج. فقط رون ونحاس وقليل من العناية الإلهية."
"لماذا لا تسافر به أنت؟ بدلاً من القافلة والعربات والحراس والمخاطر؟"
ضحك مارفين ضحكة قصيرة. "لأنه غالٍ يا صديقي. غالٍ جداً."
"كم غالياً؟"
"تذكرة من جورجان إلى ميلكونيا تكلف خمسة أضعاف ما تدفعه للقافلة. ولنقل البضائع... لا تسأل. عائلة لونيا تستخدم القطار فقط للبضائع الأكثر ثمناً: الحرير النادر، الجواهر، الأعشاب السحرية. أما الأقمشة العادية، فالقوافل هي الحل."
"لماذا هو غالٍ بهذا الشكل؟"
"لأن الرون يحتاج إلى صيانة دورية من ذهنيين متخصصين. وهؤلاء الذهنيون لا يعملون بالمجان. كما أن إنشاء السكة الحديدية نفسها مكلف جداً. كل كيلومتر يحتاج إلى آلاف الأمتار من النحاس النقي، وأسابيع من العمل لرسم الرون بدقة. لا توجد عائلة تجارية في فوجا تستطيع بناء خط قطار بمفردها. حتى العائلة المالكة شاركت في تمويل هذا الخط."
مر القطار بجانبهم. كان سريعاً، أسرع من الخيل بثلاث مرات على الأقل. رأى نورد وجوهاً في النوافذ، بعضهم كان نائماً، وبعضهم كان يقرأ، وبعضهم كان ينظر إليه بفضول.
ثم اختفى القطار في الأفق، متجهاً نحو ميلكونيا.
"جميل،" قال نورد. "لكنني أفضل الحصان."
"الحصان لا ينام في الليل،" قال مارفين مبتسماً. "والحصان لا يشكو من ألم الظهر بعد يومين من السفر."
ضحك نورد. "لكن الحصان أرخص."
"هذا صحيح. وفي مملكة مثل فوجا، السعر هو الملك."
تابعوا سيرهم نحو ميلكونيا. كانت المدينة تقترب شيئاً فشيئاً، والمباني كانت تكبر في عيونهم. نورد كان يشعر بالدهشة. لم يرَ شيئاً كهذا من قبل. لا في أفير، ولا في أي قصة سمعها.
كانت بداية عالم جديد.
وكان مستعداً له.