بينما كانت ساحة القتال في أكاديمية السيف المتقد لا تزال تعج بأصداء السيوف والصراخ، في مكان آخر من شمال فوجا، كانت السماء مختلفة. لم تكن سماء قتال، بل سماء تأمل، سماء حكمة، سماء من يرى العالم من علو لا يصل إليه إلا القلة.
كانت الكسندرا وجيني تتجولان في شوارع سيراتون، عاصمة الإقليم الذي يحمل نفس الاسم. لم تكن سيراتون أقل ازدهاراً من ميلكونيا. كانت مدينة كبيرة، ذات اقتصاد قوي، وخطوط قطارات رونية تربطها ببقية شمال فوجا. لكن طبيعتها كانت مختلفة. ميلكونيا كانت مدينة تجار، أما سيراتون فكانت مدينة حرب. مبانيها لم تكن مجرد أبراج سكنية، بل حصون وثكنات عسكرية ومراكز تدريب. في كل زاوية، كان هناك جنود يتدربون، وضباط يتجادلون، وجواسيس يتبادلون الرسائل في الزوايا المظلمة. كانت مدينة تستعد للحرب في أي لحظة.
كانت سيراتون تقع في موقع استراتيجي حساس، حيث تحد مملكتين من الشمال. الأولى كانت فوركاس، المملكة الصديقة التي تربطها بفوجا علاقات دبلوماسية جيدة منذ مئتين وسبعين عاماً. والثانية كانت مملكة فالدير، مملكة أقوى من فوركاس، وأقل صداقة. لم تحدث حرب بين فوجا وفالدير منذ سنوات، لكن التوتر كان دائماً موجوداً، والاشتباكات الحدودية الصغيرة كانت تحدث بين الحين والآخر. سيراتون كانت الدرع الذي يحمي شمال فوجا من أي طمع.
في سيراتون وحدها، كان هناك اثنا عشر سيداً كبيراً . ليسوا نبلاء عاديين، بل جنرالات، قادة فرق مهام خاصة، مدير نقابة المغامرين، وأسياد حرب. كانوا يحكمون هذه المدينة بقبضة حديدية، ويدافعون عن شمال فوجا من أي تهديد. وفوقهم جميعاً، كان هناك رجل واحد: الدوق الأعلى لشمال فوجا، الملك السحري موريل. كان في مستوى ملك سحري خمس نجوم في السحر ، وهو واحد من أندر الأسياد في فوجا بأكمله. كان يحكم ليس بالمال، ولا بالقوانين، بل بالهيبة والخوف والاحترام.
الكسندرا كانت تسير في شوارع سيراتون كمن يعرف كل زاوية فيها. كانت ترتدي عباءتها السوداء كالعادة، وشعرها الأشقر الطويل كان منسدلاً على كتفيها كالحرير. كانت تبتسم ابتسامتها الهادئة، وعيناها الزرقاوان العميقتان كانتا تتحركان بين الناس كأنها تقرأ أسرارهم. إلى جانبها، كانت جيني تمشي بخطى سريعة، وشعرها الأسود مصفف في ذيل حصان طويل، وعيناها الخضراوان تلمعان بفضول لا يشبع.
كانت جيني قد تطورت كثيراً منذ آخر مرة التقينا بها. لم تكن الفتاة التي قاتلت نورد في المسابقة. كانت الآن في مستوى نجمة متقدمة في السحر والقتال معاً. لم تكن قد دخلت عامها السادس عشر بعد، لكنها كانت أقوى من معظم المغامرين الذين يضاعفون عمرها. يمكنها الآن قمع أي خصم في مستوى نجمة ذروة بسهولة، بل يمكنها الهروب من مقاتل في مستوى نجمتين بكل سلاسة.
لكنها كانت تحمل في يدها أوراقاً اعطتها اياها الكسندرا، وكانت عيناها تتسعان كلما قلبت صفحة.
"كيييييف؟" صاحت جيني فجأة، وتوقفت عن المشي كأنها اصطدمت بجدار غير مرئي. "نورد كاسيان... أو تومان... أو أياً كان اسمه... وصل إلى نجمة ذروة في القتال ونجمة متقدمة في الذهن؟ في هذا الوقت القصير؟ كيف؟"
ابتسمت الكسندرا ابتسامة غامضة، وأشارت لجيني أن تخفض صوتها. "الناس ينظرون إلينا يا صغيرتي."
لم تهتم جيني. كانت عيناها لا تزالان مثبتتان على الأوراق. "هذا مستحيل. قبل أسابيع فقط، كان في مستوى نجمة متقدمة في القتال ونجمة متوسطة في الذهن. والآن... هذا التقدم لا يمكن تحقيقه إلا إذا..."
"إلا إذا كان لديه جسد مصدري وهذا صعب قليلا ،" أكملت الكسندرا الجملة بهدوء.
رفعت جيني رأسها، ونظرت إلى معلمتها بعيون واسعة. "هل تعتقدين أنه كذلك حقاً؟"
"لا أعرف،" قالت الكسندرا، وهي تواصل السير. "لا أستطيع الجزم. ربما لديه جسد مصدري من نوع معين. وربما لا."
جيني لحقت بمعلمتها، والأوراق لا تزال في يدها. "لكن المعطيات تشير إلى أنه... هذا النوع من التقدم لا يمكن تحقيقه بدون هاوية طاقية واسعة، بدون قدرة على امتصاص وتسخير الطاقة بشكل خارق."
"أو ربما لعب مع القدر لعبة حظ غريبة،" قالت الكسندرا، وعيناها تلمعان كمن يفكر في شيء بعيد. "ربما وجد نبته علوية. تلك التي تفيد أصحاب الثلاث نجوم. أو ربما نبته جوهرية. تلك التي تفيد الأساتذة الكبار. أو ربما وجد ميراثاً لسيد كبير ميت، يحتوي على كنوز وموارد قوية. رأيت الكثيرين مثله. يجدون شيئاً غريباً، يصعدون بسرعة مذهلة، ثم... يتوقفون في منتصف الطريق. تصل قوتهم إلى حاجز لا يستطيعون تخطيه، وتظهر حقيقتهم."
"لكن نورد... هو ليس مجرد حظ،" قالت جيني، وصوتها أصبح أكثر جدية. "لقد رأيته يقاتل. رأيت عينيه. هناك شيء مختلف فيه. ليس مجرد حظ."
نظرت الكسندرا إلى تلميذتها، وابتسمت ابتسامة صغيرة. "ربما. لكن لا نستطيع الجزم بعد. الأجساد المصدرية نادرة، لكنها ليست مستحيلة. تقريباً واحد من كل ثمانية ملايين شخص يولد بجسد مصدري. في فوجا كلها، قد لا يتجاوز عددهم ستة أو عشرة. أنتِ واحدة منهم. وأنا أيضاً. لهذا أنا في مستوى أربع نجوم في السحر، وما زلت شابة، ولدي أمل في اختراق مستوى خمس نجوم. لكنه... لا يزال غير مؤكد."
صمتت جيني للحظة. كانت تعرف ما تعنيه معلمتها. الأجساد المصدرية ليست مجرد موهبة. إنها قدرة فطرية على امتصاص الطاقة وتسخيرها بشكل لا يستطيع البشر العاديون تخيله. أصحاب هذه الأجساد لديهم هاوية طاقية سحرية أو قتالية عالية جداً، تسمح لهم بقتال خصوم فوق مستوياتهم بكثير. هم الذين يستطيعون عبور "عتبة الهلاك"، ذلك التحول الأعظم في حياة أي كائن حي، تلك العقوبة السماوية التي تأتي لمن يحاول الوصول إلى مستوى غير طبيعي. هم الذين يصبحون ملوكاً خماسي النجوم بسهولة، وربما أكثر.
"إذا لم يكن لديه جسد مصدري، فكيف وصل إلى هنا بهذه السرعة؟" سألت جيني.
"لا أعرف،" قالت الكسندرا بصراحة. "لكن الطريق طويل. وما يراه الإنسان في البداية لا يحدد نهايته. الأهم هو ما سيفعله عندما يواجه حاجزاً حقيقياً."
ابتسمت جيني ابتسامة صغيرة. "معلمتي، لماذا لم تقبليه في مسار النخبة في الأكاديمية الملكية إذا كنتِ مهتمة به إلى هذا الحد؟"
ضحكت الكسندرا ضحكة خفيفة، وصوتها كان كالجرس البعيد. "أنتِ طفلة لطيفة يا جيني. لكن نورد ليس مثلك. أنتِ تريدين النظام، تريدين القواعد، تريدين أن تصعدي بهدوء وترتيب. أما هو، فهو فتى فوضوي. حر هذا ما قرأته عنه من مخبريني لن يرغب أبداً في أن يكون مقيداً بقواعد الأسرة الحاكمة. سيختنق في قاعات الأكاديمية الملكية. سيضجر من الدروس المملة. سينتقد أساتذته إذا أخطأوا. سوف... يفعل ما يريد، متى يريد."
هزت جيني رأسها. "هذا ليس سيئاً بالضرورة."
"ليس سيئاً، لكنه غير مناسب للمسار الملكي. هناك، تحتاج إلى الانضباط، إلى الخضوع، إلى الصبر. نورد ليس صبوراً. على الأقل، ليس بالطريقة التي يريدونها."
"إذاً سنتركه وشأنه؟"
"في الوقت الحالي، نعم. سأراقبه من بعيد. عندما يدرك أنه وحده لا يستطيع، عندما يصطدم بحائط لا يستطيع تخطيه بمفرده، ربما يأتي إلينا طالباً المساعدة. حينها، سأكون موجودة. أما الآن... فليخض معاركه. ليخطئ. ليسقط. ليتعلم."
صمتت جيني للحظة. كانت تفكر في نورد، في عينيه الخضراوين الحادتين، في طريقة قتاله العنيفة الذكية، في عناده الذي لا ينكسر.
"وماذا عن القمر البنفسجي؟" سألت جيني هذا لانها قرأته في الاوراق. "يبدو أنهم مهتمون به."
نظرت الكسندرا إلى تلميذتها بعيون أصبحت أكثر جدية. "نعم. لقد حاولوا اغتياله مرتين. الأولى في حانة قذرة، حيث أرسلوا مغتال . الثانية بعدها بفتره في الشارع، حيث أرسلوا قناصة نجمتين منخفض."
"وهرب؟" سألت جيني، وصوتها كان ممزوجاً بالدهشة والإعجاب.
"ليس فقط هرب. في المرة الأولى، قاتل وهرب. وفي المرة الثانية، تفادى طلقات قناصة وهرب للنقابه" ابتسمت الكسندرا ابتسامة غامضة. "لديه حظ غريب، هذا الفتى."
جيني هزت رأسها بإعجاب. "أنا لا أعرف إذا كان لديه جسد مصدري أم لا. لكنه مكافح. هذا واضح." نظرت إلى الأوراق في يدها مجدداً، ثم إلى السماء. "أعتقد أنه ربما سيصبح سيداً كبيراً يوماً ما. أو ربما ملكاً . أريد أن أرى ذلك اليوم."
"هيهيهي،" ضحكت الكسندرا ضحكتها اللطيفة. "أتمنى ذلك. لكن لا تتوقعي الكثير. أنتِ مكتوب لكِ هذا لأن لديك جسداً مصدرياً. أما هو، فسيواجه صعوبات أكثر. سيكافح أكثر."
لم ترد جيني. كانت تعرف أن معلمتها تقول الحقيقة. لكنها كانت تعرف أيضاً أن المكتوب ليس قدراً محتوماً. كان أبوها يقول لها دائماً: "المكتوب شيء، والفعل شيء آخر. لا تنتظر أن تأتيك الأشياء وحدها. اذهب أنت إليها."
ظلت جيني تفكر في نورد للحظات. ثم هزت رأسها، وابتسمت، ونسيت. لم تكن مهتمة بالحب. لم تكن مهتمة بالعلاقات. كانت مهتمة فقط بشيء واحد: أن ترى بعينيها عالم الملوك . أن تقف على قمة الجبل الذي لا يصل إليه إلا القلة.
كانت تقرأ قبل أيام كتاباً قديماً عن الحكماء ذو الست نجوم. كان يصفهم ككائنات لا تنتمي إلى عالم البشر. كيف يمكن لحكيم واحد أن يسحق مدينة بحجم العاصمة الملكية فوجا، تلك المدينة الضخمة التي يتجاوز عدد سكانها المليون نسمة. كيف يحطم الحكيم الفراغ، ويهرب من خلاله إلى أماكن لا يستطيع العقل البشري تخيلها. كيف يصنع الحكماء الذهنيون أدوية أسطورية تجدد الشباب، أو تعزز الأسلحة لدرجة تجفف البحار، أو مدافع رونية مرعبة تدمر الجبال او اشياء غريبه وسحرية وتعمل لوحدها ودمى قوية تقاتل الملوك والاسياد الكبار.
كانت تعرف أنها لا تستطيع أن تصبح حكيمة في الرون. ذلك يتطلب مساراً ثالثاً، والطاقة الثلاثية (التشي، المانا، الوعي) لا يمكن لجسد واحد أن يحملها. من يحاول ذلك ينهار جسده، وتمزق روحه، ويختفي من الوجود. لكنها تستطيع أن تصبح حكيمة في السحر، أو حكيمة في القتال. أو ربما... ربما كليهما معاً. هذا كان حلمها الأكبر.
سارتا في صمت لبعض الوقت. كانت سيراتون من حولهما لا تهدأ أبداً. جنود يتدربون، ضباط يتجادلون، جواسيس يتبادلون الرسائل في الزوايا المظلمة.
"معلمتي،" قالت جيني أخيراً. "هل تعتقدين أن الحزام الميت سيتعافى يوماً ما؟"
نظرت الكسندرا إلى السماء. كانت زرقاء، كسماء أي مكان آخر. لكن تحتها، كانت الأرض تعاني.
"لا أعرف،" قالت الكسندرا بصوت أصبح أكثر هدوءاً. "لقد مرت أربعة آلاف عام على معركة القديسين. منذ ذلك الحين، وهذه الأرض ملعونة. طاقتها منخفضة، مواردها محدودة، وأبناؤها يولدون أضعف من أبناء المناطق الأخرى. ربما تحتاج إلى معجزة. ربما تحتاج إلى قديس آخر يعيد التوازن. أو ربما... ربما تبقى على ما هي عليه للأبد."
صمتت جيني.
كانت تعرف أن معلمتها ستذهب الآن للقاء الملك السحري موريل . كانت الكسندرا تملك مصادر قوية، وكانت تعمل معه في قمع منظمة القمر البنفسجي، التي ازدادت أعمالها وحشية في الآونة الأخيرة. اختطاف الأطفال، تدريبهم كمغتالين جدد وزيادة نشاط المنظمة في اغتيال شخصيات قوية. كانت منظمة قذرة، وكان لا بد من القضاء عليها.
"سأذهب إلى الفندق،" قالت جيني. "سأنتظرك هناك."
أومأت الكسندرا، ثم انطلقت نحو قصر الدوق، تاركة جيني وحيدة في الشارع.
مشت جيني ببطء نحو الفندق. كانت تفكر في نورد، في عينيه الخضراوين، في عناده، في حظه الغريب. ثم فكرت في نفسها، في حلمها، في الطريق الطويل الذي لا يزال أمامها.
دخلت غرفتها، وأغلقت الباب، وجلست على حافة السرير. أخرجت من حقيبتها كتاباً قديماً، كان غلافه من جلد أسود مهترئ، وصفحاته صفراء كالعظام القديمة. كان يتحدث عن الحزام الميت، عن أسوأ بقعة في القارة العظمى أسونتار. كان يتحدث عن القديسين ثماني النجوم، عن الحكماء ، عن قوة لا يمكن تخيلها.
قلبت الصفحات ببطء، وعيناها تتحركان كمن يقرأ كتاباً لا يريد أن ينتهي.
كانت تحلم بعالم بعيد. عالم لا تراه عينها بعد. لكنها كانت مصممة على الوصول إليه. وحدها. أو مع من يستحق.
تركت الكتاب، واستلقت على السرير، وعيناها على السقف.
كانت تفكر في نورد مجدداً. ابتسمت.
"أتمنى أن تصل أيضاً يا فتى الريف الفوضوي،" همست لنفسها. "لا أريد أن أراك تنهار في منتصف الطريق. أنت طيب. غريب، لكنك طيب."
أغمضت عينيها، وأخذت نفساً عميقاً.
كانت تتذكر كلمات أبيها: "المكتوب شيء، والفعل شيء آخر."
ستفعل. ستبذل قصارى جهدها. وستصل إلى حلمها. مهما كلفها الأمر.
أما نورد، فسيبقى في ذاكرتها كذكرى عابرة. ضيف على طريقها. ربما سيلتقيان مرة أخرى. وربما لا.
لكنها كانت تعرف شيئاً واحداً: الطريق إلى القمة لا يحتاج إلى أصدقاء. يحتاج إلى عزيمة. وإلى قلب لا يعرف الخوف.
نامت جيني بعد منتصف الليل بقليل، وعيناها على السقف، وكتابها القديم على صدرها.